الفصل التاسع رؤيا يوحنا عن ملكوت السموات – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل التاسع رؤيا يوحنا عن ملكوت السموات

إن السفر الأخير فى العهد الجديد هو سفر الرؤيا، ويعرف باسم رؤيا يوحنا أو أبوكالبس Apocalypsومعنى كلمة أبوكالبس هو كشف الأشياء غير المعروفة للبشر. وهى نبوة نتيجة اختطاف ورؤيا. وفى الفكرين اليهودى والمسيحى الأوليين فإن النبوة الخاصة هى كل ما يتعلق بأحداث خطة الله للعالم. فسفر الرؤيا هو سفر أخروى أو اسكاتولوجى أى يتعلق بالأحداث الأخيرة وتاريخ نهاية الأشياء. وعلينا أن نعرف أن اسكاتولوجية العهد الجديد ليست مستقبلة تماماً لأن الذين كتبوا العهد الجديد كانوا مهتمين جداً بمجئ ملكوت الله ولكنهم كانوا مدركين بأن ملكوت الله قد أتى فى شخص الرب يسوع المسيح وخلال أعماله. وكما أوضحنا فى الفصل السادس أن العهد الجديد يحوى رؤيا اسكاتولوجية بمعنى أن ملكوت الله هو حقيقة مستقبلة وحقيقة مدركة فعلاً، لأن الملكوت قد أتى فى شخص المسيح وجاء خلال خدمة الروح القدس فى الكنيسة وسوف يأتى أيضاً فى مجئ المسيح الثانى. فالعهد الجديد ليس اسكاتولوجية مستقبلة ولا اسكاتولوجية حاضرة ولكن هو اسكاتولوجية مكرسة.

وسفر الرؤيا لا يجب أن يُقرأ كأنه وصف لأحداث تمت وقت كتابة السفر ولا تؤخذ على أنها مجرد نبوات لأحداث لم تتم بعد، ولكن رموز سفر الرؤيا هى أحداث تجمع الماضى والحاضر والمستقبل معاً. وقدم سفر الرؤيا للمسيحيين فى نهاية القرن الأول كما هو مقدم لك المؤمنين فى كل الأجيال. وسفر الرؤيا هو نبوة اسكاتولوجية تتحدث عن المجئ الثانى للمسيح والدينونة الأخيرة والتأسيس النهائى لملكوت الله ولكنها تشير أيضاً لملكوت السموات كحقيقة حاضرة أعلنت فعلاً فى شخص المسيح وفى كنيسته. ويخبرنا التقليد بأن كاتب سفر الرؤيا هو يوحنا الرسول الذى كان أسقفاً لآسيا الصغرى خلال السنين الأخيرة من القرن المسيحى الأول. وفى عام 93م قام الامبراطور دومتيان (81 - 96م) بشن اضطهاد عام على الكنيسة بسبب مقاومتها لعبادة الامبراطور ودعوته أنه مخلص ورب وأحياناً كانوا يدعونه أنه الله. وكان الامبراطور يطلب من الرعايا أن تقدم الضحايا والذبائح للأوثان ونتيجة ذلك واجهوا الاضطهاد فى شكل السجن وفقدان ممتلكاتهم وحرمانهم من وظائفهم وأحياناً كثيرة كانوا يواجهون الموت وخلال هذا الاضطهاد الذى استمر حتى موت الامبراطور دومتيان عام 96م تم نفى القديس يوحنا فى جزيرة بطمس بعيداً عن شاطئ آسيا الصغرى.

وبينما كان يوحنا فى النفى فى بطمس رأى المسيح فى مجده السماوى (رؤ 1: 9 - 18). وأعلن الله ليوحنا القصد الإلهى الكامل للعالم وطلب منه أن يسجل تلك الرؤيا فى كتاب لكى يعرف كل المسيحيين ما هو كائن وما هو مزمع أن يكون (رؤ 1: 19، 11). وفى سفر الرؤيا اشترك يوحنا فى رؤيته للمسيح المتألم من أجل حبه للكنيسة ورأى أيضا دينونة الله ونصرة الله الأخيرة ضد قوى الشر والدخول النهائى لشعب الله إلى كمال ملكوت السموات.

ولقد كانت الكنائس فى زمن يوحنا الرائى مهددة بغواية الهراطقة وشر الاضطهاد وهذه التهديدات استمرت فى مواجهة المسيحيين حتى الأوقات المتأخرة بعد ذلك.

إن رؤيا يسوع المسيح التى أعطيت للكنيسة عن طريق يوحنا الرسول هى تشجيع لكل المسيحيين الذين يتألمون ويجاهدون فى كل العصور «هنا صبر القديسين هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع» (رؤ 14: 12).

ووفقاً لسفر الرؤيا فإن المحن والتجارب التى تتحملها الكنيسة هى اعلان للحرب الروحية المستمر بين ملكوت السموات وسلطان الشيطان، والكنيسة مدعوة للصبر والاحتمال والاعتراف بالايمان فى نور نصرة المسيح الأكيدة ضد سلطان الظلمة وأننا سوف ننتصر على العالم والجسد والشيطان فى نصرة المسيح وملكوت السموات.

وسفر الرؤيا كتب حوالى سنة 95م ليعلن لقارئيه أسرار وسمات الرؤيا الاسكاتولوجية. ولقد سلك يوحنا مسلك اليهود القدامى فى الأدب الخاص بالرؤى. ولهذا فإن السفر مملوء بالرموز والاستعلانات والأرقام والاستعارة وحوادث خارقة للوصف ومخلوقات غير أرضية. وربما لا يفهم القارئ معانى هذه الرموز والتشبيهات. ولا يوجد اتفاق بين المفسرين الحديثين على معانى تلك الأمور. وأصبح من الصعب تفسير تلك الرموز لدرجة أن الكنيسة الأولى ترددت فى ضم سفر الرؤيا بين أسفار العهد الجديد، ولم يتداول السفر بالتفسير مثل بقية أسفار العهد الجديد. ولكن بالرغم من غموض سفر الرؤيا وسوء استخدامه من الهراطقة إلاَّ أنه بسبب أن كاتبه هو يوحنا الرسول وبسبب الشهادة الإلهية للسفر فإنه كسفر قانونى يحوى كلمة الله.

ولا يجب أن نفهم سفر الرؤيا على أنه رواية لأعمال الله الخلاصية كما وردت، ولكنه رواية نقلها يوحنا الرسول عن المسيح ليشهد للخطية الإلهية للخلاص من وجهات نظر متعددة، ويشير السفر إلى نهاية الأزمنة والحوادث التى تصحب المجئ الثانى للمسيح. ولكن فصول السفر لا تقدم لنا تاريخ تتابع الحوادث والحقبات الزمنية التى تنتهى بالتأسيس النهائى لكل الأشياء وكما يقول سكوت Scott: [إن يوحنا الرسول رأى عدة اعلانات عن المسيح والملكوت ولكنها لم تكن كأخبار لأحداث متتابعة].

إن هناك بعداً رئيسياً لرسالة سفر الرؤيا هو أن المسيح حاضر بصفة مستمرة فى الكنيسة، وأن ملكوت الله سوف يأتى إلينا بصفة أبدية، كما أننا نعيش فى الملكوت خلال أحداث التاريخ وأن يوماً ما سوف يصير الملكوت نهائياً ومؤسساً بالتمام. ولكن لأننا لا نستطيع أن نعرف متى سيأتى ذلك اليوم لذلك يجب أن نجاهد لنحفظ الإيمان وأن نحيا حسب إرادة الله ونستعد دائماً للمجئ المفاجئ للملكوت.

والآن نعرض الموضوعات الرئيسية التى عرضها سفر الرؤيا.

1 - أهتمام المسيح بكنيسته:

كتبت رؤيا يوحنا كخطاب طويل للكنائس السبعة التى فى آسيا الصغرى. وهذه الكنائس السبعة هى: أفسس – سميرنا – برغامس – ثياتيرا – ساردس – فيلادلفيا – لاودكية (رؤ 1: 4 - 11). وبالنسبة ليوحنا فإن رقم سبعة مشتق من قصة الخليقة فى سفر التكوين وهو يرمز إلى الكمال والتمام، والكنائس السبعة التى فى آسيا، تمثل الكنيسة الكلية الجامعة التى للمسيح يسوع. ورسالة الرؤيا مقدمة لكل المسيحيين فى كل الأوقات.

ويوحنا يبدأ حديثه الموجه إلى الكنيسة خلال رؤيته فى بطمس عن المسيح القائم من الموت والممجد (رؤ 1: 9 - 18). وفى هذا الظهور الرائع فإن المسيح طلب من يوحنا أن يرسل رسالة إلى كل الكنائس السبع التى فى آسيا. وهذه الرسائل السبع تكوّن النبوة عن التجارب والاضطهادات التى سوف تواجه كنيسة المسيح. وفى الرسالة الأولى (رؤ 2: 1 - 7)، فإن الرب يمدح الكنيسة التى فى أفسس من أجل تعاليمها المستقيمة ومن أجل احتمال صبرها خلال وقت المحن ولكنه يؤنبها من أجل فقدان محبتها الأولى وحماسها ورغبتها فى بشارة إنجيل المسيح إلى أولئك الذين هم خارج الكنيسة. وفى الرسالة الثانية إلى كنيسة سميرنا (رؤ 2: 8 - 11) يحذرها من التجارب والاضطرابات التى سوف يثيرها الشيطان والتى يجب أن يستعد المسيحيون لمواجهتها واحتمالها.

والرسالة الثالثة خاصة بثبات الإيمان لمعظم أعضاء كنيسة برغامس خلال فترة الاضطهاد الشديد، ولكن المسيح دائماً يوبخ المسيحيين فى برغامس من أجل سماحهم بوجود الهراطقة فى وسطهم (ربما يقصد الغنوسيين)، ويحثهم أن يضعوا نظاماً حازماً وسلوكاً مستقيماً وتعاليماً منتظمة فى وسط جماعة الكنيسة (رؤ 2: 12 - 17). ومحتويات الرسالة الرابعة موجهة إلى كنيسة ثياتيرا وهى مطابقة تماماً للرسالة إلى كنيسة برغامس. وغالبية المسيحيين فى ثياتيرا مقبولون بسبب استقامتهم الشخصية ولكنهم يوبخون من أجل سماحهم لبعض الأعضاء فى جماعتهم أن يخضعوا للتعاليم المزيفة غير الحقيقية ويسلكون بلا أخلاق (رؤ 2: 18 - 29).

وفى الرسالة الخامسة (رؤ 3: 1 - 6)، فإن المسيح يتهم كنيسة ساردس بأنها ميتة روحياً ومملوءة بالناس الذين هم مسيحيون بالاسم ولكنهم حقيقة لا يختلفون عن الوثنيين المحيطين بهم. والمسيح يدعو المؤمنين فى ساردس أن يتوبوا ويحذرهم بمجيئه الثانى المفاجئ «فأذكر كيف أخذت وسمعت واحفظ وتب فانى أن لم تسهر أقدم عليك كلص ولا تعلم أية ساعة أقدم عليك» (رؤ 3: 3).

والرسالة السادسة موجهة للكنيسة فى فيلادلفيا كمثال للجماعات المسيحية الغنية فى الإيمان والأعمال معاً والرب يعطى وعداً لأهل فيلادلفيا أنهم سوف يدخلون إلى ملكوت الله (رؤ 3: 7 - 13).

والرسالة السابعة والأخيرة من المسيح إلى كنائس آسيا موجهة إلى جماعة المؤمنين فى لاودكية (رؤ 3: 14 - 22). والكنيسة فى لاودكية قد امتلأت أخيراً بالناس الأغنياء مادياً والمزدهرين اجتماعياً الذين يحيون فى سلام مع العالم. لأنه فى الرسالة إلى لاودكية فإن المسيح يحثهم أن يكونوا فى الخارج مزدهرين ولكن فى الداخل فقراء ومزدرى وعرايا «لأنك تقول إنى أنا غنى وقد استغنيت ولا حاجة لى إلى شئ ولست تعلم أنك أنت الشقى والبائس وفقير وأعمى وعريانا» (رؤ 3: 17). والرب يتحدث على وجه الخصوص مع أهل لاودكية لكى يغيّروا سلوكهم بخصوص فتور الإيمان قبل فوات الآوان.

وهذه الرسائل السبع إلى كنائس آسيا تمثل دعوة الرب إلى كل كنائس المسيح فى كل الأوقات وكل الأماكن. وعلينا أن نسأل أنفسنا هل نحن مثل المسيحيين فى أفسس مستقيمون وثابتون فى الإيمان ولكن ينقصنا أن نكرز للآخرين لكى نجعل تلاميذ فى كل الأمم ونعمدهم باسم الآب والابن والروح القدس (مت 28: 19، 20)؟ وهل نحن مستعدون أن نتألم لدرجة الموت فى الدفاع عن إيماننا؟ وهل نحن مثل الكنائس الأولى فى برغامس بأن نسمح بانكسار وهزيمة الأخلاق والتعاليم المستقيمة فى الكنيسة؟ وهل نحن نغلق أعيننا للفساد العالمى الذى بسببه سقط كثيرون من المسيحيين؟ وهل نحن مثل الكنيسة الأولى فى ساردس حتى أننا صرنا – مثلهم – موتى فى الروح وفى الفضيلة ولا نختلف قط عن أولئك الذين لا يتبعون المسيح؟ وهل نحن أكملنا النموذج الأرثوذكسى لكنيسة فيلادلفيا الأولى بأن نخلص بثباتنا فى الإيمان الرسولى ونعب عن هذا الإيمان بالأعمال الصالحة؟ وهل نحن نسلك مثل أهل فيلادلفيا؟ وهل نتجنب الفتور الروحى وفراغ اللادوكية؟

علينا أن نجاوب بالأمانة على هذه الأسئلة حتى نكشف عن القامة التى نحيا فيها قياساً على ما وضعه المسيح للكنيسة.

ولقد كشف الرب فى الرسائل إلى الكنائس فى آسيا عن مشيئته الواضحة لشعبه خلال الأجيال وفى مجيئه الثانى. والذين يطيعون هذه الرسائل والذين يجاهدون أن يحيوا حسب هذا المستوى فانهم يعلنون مشيئتهم الداخلية المتحدة مع حياة النصرة التى فى المسيح نفسه (رؤ 2: 7، 10، 11، 26 - 29) وأيضاً الذين يطيعون هذه الرسائل سوف يجلسون مع المسيح فى عرشه مع الآب (رؤ 3: 21، 22).

2 - الاجتماع السماوى:

لقد رأى القديس يوحنا عدة رؤى خلال وجوده مع المسيح فى جزيرة بطمس، ثلاث من هذه الرؤى سجلت فى الأصحاحات الرابع والخامس والسابع. ففى الأصحاح الرابع يصف القديس يوحنا رؤيته لله فى عرشه المسجود له فى السماء (رؤ 4: 2 - 11)، ويظهر الله فى تلك الرؤية كسيد ورب للسماء والأرض متوجاً فوق كل الأشياء والقوى.

وفى سفر الرؤيا نجد الرقم 12 ومضاعفاته يرمز إلى شعب الله إسرائيل الجديدة التى هى الكنيسة. فالأربعة والعشرين شيخاً المتوجين هم رمز للكنيسة التى سوف تمجد فى السماء. لان الأربعة والعشرين شيخاً هم رمز لكل من أسباط إسرائيل الاثنى عشر الذين هم قديسوا العهد القديم والاثنى عشر الآخرين يرمزون لشعب العهد الجديد المؤسسين على إيمان الرسل الاثنى عشر.

ويتحدث يوحنا مثل حزقيال النبى (حز 1: 10 - 14)، عن الأربعة حيوانات غير المتجسدين الذين يحيطون بالعرش السماوى. وهم عبارة عن كائنات ملائكية تمثل الليتورجية الإلهية مثل الشاروبيم والساروفيم الذين لهم ستة أجنحة ومملوئين بالأعين ويحلقون عالياً بأجنحتهم. ويجب أن نتذكر دائماً أن الملائكة هم كائنات روحانية بالتمام وليس لهم أجساد مادية. وأن وصف يوحنا لهؤلاء القوات السمائية هو رمز وليس حرف لأن الرقم أربعة يرمز إلى عالم المخلوقات وإلى اعتماد المخلوقات على خالقهم. ولهذا فإن الشاروبيم والسيرافيم فى السماء يفعلون ما يجب على الخليقة كلها أن تفعله، فهم يسجدون لله بلا توقف. والاعين والاجنحة التى للحيوانات الأربعة ترمز إلى الله الحاضر فى كل مكان فى الأوامر المرسلة للخليقة. والأربعة حيوانات ترمز إلى ما هو جيد فى حياة الخليقة مثل هيبة الأسد وقوة الثور وحكمة الإنسان وسرعة تحليق النسر فى الطيران. وعن طريق الشاروبيم والسيرافيم فان الخليقة ممثلة أمام عرش الله وتسجد للعظمة الإلهية وتكمل المشيئة الإلهية.

وهناك رؤى أخرى مسجلة فى الأصحاح الخامس من سفر الرؤيا وهى رؤيا المسيح الذى تمجده الطغمات كحمل الله (رؤ 5: 6 - 10).

وخلال الفترة ما بين اكمال العهد القديم وكتابة العهد الجديد فان الأدب اليهودى يظهر المسيا على أنه حمل ذو قرون يحارب عن شعبه ويهزم قوى الشر ولم يتوقع اليهود قط أن هذا الحمل سوف يتألم ويموت من أجل خطايا العالم. ولذلك كان موت المسيح دليلاً لغالبية اليهود أنه ليس هو المسيا المنتظر. ولكن للمسيحيين فإن يسوع هو الحمل المذبوح وهو أيضاً صاحب القرون الذى هزم كل قوى الظلام. وفى الواقع كما رأينا فى الفصول الأولى فإن موت المسيح على الصليب كان هو أساس النصرة على الشر.

ورؤيا يوحنا عن التمجيد السمائى للحمل هى كمال بر المسيح بخصوص الخلاص. والسبعة قرون ترمز إلى نصرة المسيح على الشر. وفى العهد القديم فان القرن – خصوصاً قرن الخروف – هو رمز للهيبة الملوكية وللقوة. وكما هو مبين سابقاً فإن يوحنا يقدم الرقم سبعة على أنه رمز للكمال والتمام. ولهذا فإن المسيح يملك القوة الكاملة ويحمل مجد الآب السماوى ويستحق أن يقدم له السجود من كل العالم الذى نال الفداء.

ووصف القديس يوحنا للحمل السمائى هو وصف رائع للغاية. وهناك ترجمة أخرى للآية: « ورأيت فإذا فى وسط العرش والحيوانات الأربعة وفى وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح»، والترجمة الأخرى تقول: « وفى وسط الشيوخ حمل واقف» (رؤ 5: 6) انه واقف فى وسط العرش الإلهى وفى وسط الشيوخ الذين هم الكنيسة. وتشير رؤية يوحنا هنا إلى رفعة المسيح وتمجيده فى عرش أبيه واستمرار حضوره وسط شعبه. وكما رأينا فى الكتاب المقدس فإن المسيح هو مركز الاتحاد بين الله والإنسان. وحين نحيا فى المسيح فنحن نحيا فى الله.

أما الرؤيا التى جاءت فى الأصحاح السابع فهى تحوى رؤيتين تخص نصيب الكنيسة. ففى المكان الأول نحن نرى كنيسة التاريخ التى تستحق المجد عوضاً عن المحن والتجارب التى حملتها خلال وجودها فى العالم. وفى المكان الثانى فإننا نرى الفداء النهائى ورفعة شعب الله. ويصف يوحنا كنيسة التاريخ أنها أولئك الذين فى العالم وختموا بخاتم خلاص الله، وهم مائة وأربعة وأربعون ألفاً مختومين. أى اثنى عشر ألفاً من كل سبط من الأسباط الاثنى عشر (رؤ 7: 4 - 8).

وإسرائيل هو الإسم الإنجيلى لشعب الله المختار. وهؤلاء هم المختارون من العهد القديم مثل المختارين من العهد الجديد. ويجب أن نفهم دائماً أن يوحنا يستخدم الأرقام كرموز وليس كحروف. وكما رأينا فان الرقم 12 ومضاعفاته يرمز إلى شعب الله. والرقم عشرة يستخدم يوحنا كرمز للكمية غير المحدودة. فالرقم 144 ألف هو حاصل ضرب 12×12×1000 أى أن كنيسة التاريخ تحوى رقماً كبيراً غير محدود لقديسى العهد القديم مثل المسيحيين غير المحدودين الذين عاشوا فى وقت المسيح، لأن الرقم الحقيقى الذى يعيش فى السماء من القديسين الذين نالوا الفداء يفوق الرقم 144 ألف.

ويصف القديس يوحنا رؤيته عن الكنيسة فى السماء أنها فوق كل المحن والتجارب (رؤ 7: 9 - 17؛ يو 4: 7 - 15؛ 7: 37 - 39). والمسيح يعلمنا أنه قبل مجيئه الثانى سيصنع الشيطان هجوماً عاماً وعنيفاً على الكنيسة (مت 24: 15 - 28) لفترة من الزمن تعرف بالضيقة العظيمة. وسيواجه شعب الله ضيقة ومحنة لم تحدث من قبل. وبعد أن يواجهوا هذه الضيقة العظيمة سيتم فداؤهم أخيراً وسوف يصيرون أطهاراً تماماً بدم المسيح الحمل وسوف يرفعون إلى عرض الله ويشتركون فى الاحتفال الأبدى الذى هو الليتورجية السماوية. وفى الاتحاد الكامل مع الله الآب عن طريق الله الابن فى الله الروح القدس سوف تسكن الكنيسة للأبد فى بيت الله.

ومع أن سفر الرؤيا لا تقرأه الكنيسة قط فى القداسات والصلوات الكنسية – باستثناء قراءته فى ليلة سبت الفرح – إلا أن السفر له تأثير قوى على حياة الليتورجية فى الكنيسة التى هى عبادة الكنيسة. وقد كتب الأب تومات هابكو الروسى Thomas Hapko: [إن الحقائق الإلهية الأبدية قد أعلنت فى سفر الرؤيا وهى أن صلوات الكنيسة واحتفالاتها المصيرية هى واحد مع الصلوات والاحتفالات فى ملكوت السموات. ولهذا فإنه فى الكنيسة – مع الملائكة والقديسين وفى المسيح الكلمة والحمل الذى يمنح الوحى بالروح القدس للمؤمنين الأتقياء المجتمعين الذين نالوا الخلاص الأبدى – يقدمون خشوعاً وعبادة ابدياً لله الآب ضابط الكل].

وبينما نحن منتظرين للصلح النهائى لكل الأشياء عند مجئ المسيح الثانى فإن كنيسة التاريخ تحيا فى انتظار باطنى للاتحاد الكامل مع الاجتماع السمائى.

3 - دينونة الله للعالم الخاطئ:

إن الشهادة الإنجيلية تتحدث دائماً عن «يوم الرب» وعن الدينونة الأخيرة وعن يوم الدينونة الرهيبة (2كو 5: 10)، حيث تمحى قوى الشر نهائياً وقطعياً تتبدد من السماء ومن الأرض. ولكن الإنجيل يوضح أنه فى المدة ما بين سقوط الإنسان والدينونة الأخيرة فإن غضب الله مصبوب باستمرار على شرور العالم.

ولكن دينونة الله المستمرة للعالم الساقط واضحة جداً فى سفر الرؤيا. ويتحدث سفر الرؤيا فى رؤيتين عن دينونة الله وغضبه على الخطية (ص 6)، والرؤيا الخاصة بالأبواق السبعة (ص 8 - 11). وفى الرؤيا الخاصة بالسبعة ختوم فإنه يجلب قائمة دينونة الله (رؤ 6: 1 - 17) وحين فتحت الختوم السبعة جلبت صمتاً فى السماء لأن قائمة الختوم السبعة قد فتحت بالتمام لأن الرقم سبعة يشير إلى كمال الدينونة التى أتت.

وفى رؤية الأبواق السبعة فإن الملائكة السبعة الذين يقفون أمام الله أعلنوا مع الأبواق المنفوخة المحن والأهوال التى سوف تحدث قبل نهاية الأيام. ويصعب تفسير تفاصيل هذه الويلات وحين أعلن الملائكة بالنفخ فى الأبواق السبعة فإن الأرض اصيبت بالويلات من النار والدم وتلوق الأنهار والبحاروالحروب العالمية وتلوث الجو بالدخان وظلمة الشمس والقمر والنجوم وموت ملايين من البشر (رؤ 8: 7؛ 11: 14). وحتى كنيسة المسيح سوف تواجه صعوبات فى الأيام الأخيرة ولكن بسبب إيمانها فإنها سوف تخلص نهائياً وتدخل إلى ملكوت الله (رؤ 11: 1 - 19).

إن فك الختوم السبعة ونفخ الأبواق السبعة يعلن شرور العالم والمحن التى سوف تلحقه. وفى حديث سفر الرؤيا عن دينونة الله للعالم الخاطئ فإنها تشير إلى المحن الشديدة التى ستواجه العالم هنا على الأرض ولكنها من الناحية الأخرى هى دعوة للتوبة. ومعظم الدينونة التى سوف تدمر العالم سوف تحدث بعد الموت وبعد الأزمنة.

ولكن ندخل إلى المجد الدائم الذى لملكوت السموات يجب أن نجعل انفسنا مستعدين للدينونة الأخيرة بأن نحيا بإيمان وطاعة للمسيح فى الكنيسة وعندئذ سوف نسمع صوت الرب ينادينا يوماً ما «تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم» (مت 25: 34).

4 - مجئ ملكوت الله:

إن الرؤى المسجلة فى الأصحاحات (12 - 22) من سفر الرؤيا تخبرنا بعصيان الشيطان ضد الله والحرب الروحية بين المسيح والشيطان التى تكوّن تاريخ العالم ونصرة المسيح التامة ضد قوى الظلام والتأسيس النهائى لملكوت الله.

أولاً – العصيان الشيطانى ضد الله:

وفقاً للتقاليد اليهودية والمسيحية القديمة فإن الشيطان كان واحداً من الملائكة ولكنه طلب أن يرفع نفسه إلى مستوى العرش السمائى وعندئذ عصى هذا المخلوق الإلهى ضد الله. ويخبرنا سفر الرؤيا بأن ثلث القوات الملائكية كان ضمن العصيان الملائكى «هوذا تنين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى رؤوسه سبعة تيجان. وذنبه يجر ثلث نجوم السماء فطرحها إلى الأرض» (رؤ 12: 3، 4).

وفى وصف الشيطان أنه الوحش العظيم كتب يوحنا الرائى « وحدثت حرب فى السماء. ميخائيل وملائكته حاربوا التنين وحارب التنين وملائكته ولم يقووا فلم يوجد مكانهم بعد ذلك فى السماء. فطرح التنين العظيم الحية القديمة المدعوة إبليس، والشيطان الذى يضل العالم كله طرح إلى الأرض وطرحت معه ملائكته» (رؤ 12: 7 - 9). ووفقاً للتقاليد فإن الشيطان القى إلى أسفل إلى الأرض لأنه وجد أصلاً لكى يكون روحاً حارسة لهذا الكوكب ولكن بعد السقوط سمح له بأن يحيا فى عالمنا (حز 28: 11 - 19). وخلال وضعه كإله لهذا العالم (2كو 4: 4) فإن الشيطان يقوم بغواية آدم وحواء (ونسلهم) للسقوط فى الشر.

ثانياً – الحرب الروحية بين الحمل والوحش:

افترض سفر الرؤيا سقوط الإنسان وركز بعد ذلك على تجارب الشيطان لتحويل خطة الله لخلاص العالم الساقط. ويتحدث يوحنا عن إسرائيل الأول أنها المرأة المتسربلة بالشمس والمولود منها هو المسيا بلا شك الموعود به من الله لشعب العهد القديم الذى سوف يحكم كل الأمم بقضيب من حديد (رؤ 12: 1، 2، 5). والشيطان الذى هو الوحش الكبير فكر أن يدمر المسيا الذى لبنى إسرائيل ولكن الواحد القدوس «الذى يرعى جميع الأمم بعصا من حديد. وأختطف إلى الله وإلى عرشه» (رؤ 12: 5) وكما نعرف أن الشيطان قد رأى المسيا يتألم ويموت ولكنه قد هُزم فى قيامة المسيح وصعوده.

وإذا ندرك هزيمة الشيطان وقصد الله النهائى لذلك فإن الشيطان بخبثه قد كرس كل ما تبقى له من الزمن لأجل فساد الأرض ولعثرة الجنس البشرى. ويخبرنا الإنجيل على وجه الخصوص أن الشيطان يعمل أساساً فى اضطهاد الكنيسة عامة واضطهاد كل مسيحى على حدة خاصة. ولما رأى الشيطان أنه غير قادر أن يهزم الله فإنه «اضطهد المرأة (الكنيسة) التى ولدت الابن الذكر» (رؤ 12: 13 - 17). ولكن الكنيسة التى هى جسد المسيح لن تتحطم قط. والمسيحيون رغم تجارب الشيطان وعثراته فإنهم يستطيعون أن يهزموه ويهزموا أيضاً كل جنوده بايمانهم بالقوى المانحة خلاصاً التى هى فى دم الخروف وبحفظ كلمة شهادتهم – إيمانهم خلال وقت التجارب – (رؤ 12: 11).

وخلال سيطرة الشيطان على الرض فانه ينثر عثراته وتجاربه عن طريق وسيلتين: أولهما قوى العالم والثانية عن طريق وسائل العالم. وسفر الرؤيا يصف قوى الشر هذه كأنها حياة موجودة فى الطبيعة «ثم وقفت على رمل البحر. فرأيت وحشاً طالعاً من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان وعلى رؤوسه إسم تجديف» (رؤ 13: 1). وهذا الوحش الخارج من البحر أعطى له قوة من الشيطان أن يحكم «ان كان أحد يقتل بالسيف فينبغى أن يقتل بالسيف» (رؤ 13: 10). ولكن لا يجب على المسيحيين أن يسمحوا لهذا الوحش أن يتسلل إليهم عن طريق التملق للرؤساء والحكام من أجل مجد البشر والأمم. ويجب أن يحفظ المسيحى فكرة قلبه من الخداع الذى يمكن أن يحدث نتيجة المجتمع ولاماس والسياسية والحروب. ويرمز يوحنا إلى وسائل العالم بوحش آخر «ثم رأيت وحشاً آخر طالعاً من الأرض» (رؤ 13: 11). وعن هذا الوحش الآخر كتب القديس يوحنا انه «يعمل بكل سلطان الوحش الأول أمامه ويجعل الأرض والساكنين فيها يسجدون للوحش الول الذى شفى جرحه المميت ويصنع آيات عظيمة حتى أنه يجعل ناراً تنزل من السماء على الأرض قدام الناس. ويضل الساكنين على الأرض بالآيات التى أعطى أن يصنعها أمام الوحش قائلاً للساكنين على الأرض ان يصنعوا صورة للوحش الذى كان به جرح السيف وعاش» (رؤ 13: 12: 15). وهذا الوصف الذى قدمه يوحنا – كما يظن البعض – هو رمز الإمبراطورية الرومانية (الوحش الأول) وعبادة الامبراطور كانت هى الوحش الثانى.

والرقم المشهور للوحش هو 666 وهو – كما يظن البعض – رمز للامبراطور الرومانى دوماتيان (رؤ 13: 18). ويعمل الوحش ليحول إهتمامنا كله لقوى العالم. والمسيحيون فى كل الأجيال يجدون معنى لكل من الوحشين (حسب ظروف الاضطهاد الذى يعانونه فى البلد التى يعيشون فيها) وفى الأيام التى عاش فيها القديس يوحنا كانت روما هى مركز القوى العالمية ومركز النظريات والأفكار العالمية.

ويظن البعض ان بابل القديمة التى تحدث عنها يوحنا أنها الزانية العظيمة كانت رمزاً لمدينة روما المدينة العظيمة (رؤ 17: 18) ولكن علينا أن نوضح ما سبق قوله بان رموز سفر الرؤيا ليست محلية بل عالمية. ورمز بابل الزانية العظيمة التى فى العهد القديم يمثل كل مجتمع يحارب ضد الله ويقاوم المشيئة الإلهية وهى أيضاً رمز لكل من يسلك فى الجسد والشر والزانية العظيمة التى فى سفر الرؤيا هى كل مَنْ يسقط فى الشهوات والدنس وعدم الإيمان والاخلاص لله الذى أوجدهم وأحبهم.

هذه هى القوى التى تعمل ضد كنيسة المسيح خلال تاريخ العالم من عثرات وتجارب شيطانية وغواية قوة العالم وخداعات الديانات الكاذبة الفلسفات الخادعة. والسلوك العالمى يعتمد أساساً على ترك الحياة مع الله.

وخلال تاريخ المسيحية فإن حمل الله يصنع حرباً مع الشيطان فى الكنيسة وخلال الكنيسة والذين يتبعون المسيح فان الحرب الروحية مع المسيح تصير هى حربهم ولذلك يجب أن نتذكر قول القديس بولس: «البسوا سلاح الله الكامل لكى تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس. فان مصارعتنا ليست من دم ولا لحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناس الشر الروحية فى السماويات» (أف 6: 11، 12).

ثالثاً – انتصار المسيح وكنيسته على قوى الظلمة:

وفقاً لاسكاتولوجية العهد الجديد فإن خلاصنا فى المسيح يجمع فى وقت واحد الماضى والحاضر والمستقبل. نحن خلصنا ونحن مخلصون ونحن سوف نخلص. إن ملكوت الله قد أتى وملكوت الله حال وملكوت الله سوف يأتى أيضاً. ان عمل المسيح فى مجيئه الأول (زمن الفداء) هو عمل مستمر خلال الروح القدس وفى كنيسته ولكن العمل الخاص بالمجئ الثانى خاص بالدينونة والضربات. ويخبرنا يوحنا الرائى بأنه فى الأيام الأخيرة سوف تواجه الأرض محناً من غضب الله (اصحاحات 14 - 20) ثم تتحدث الأصحاح (15، 16) عن الضربات السبع الموجهة من غضب الله ويصبها الملائكة فوق العالم كله.

كل الذين يتبعون الوحوش الشيطانية التى لقوى العالم وأفكاره سوف يضربون بالضربات الشريرة والبحر سوف يشبه الدم وسوف تموت الحياة فى البحر وكل منابع الأنهار ستصير مثل الدم والزلازل سوف تملأ بقاع الأرض (رؤ 16) وبينما تستمر ضربات الله السبع على الأرض فانه يتم سراً تجميع شعب الله الغفير ليصير مستعداً للمعركة الأخيرة مع الشر، وهذه المعركة التى سوف تأخذ مكانها فى مجئ المسيح الثانى (رؤ 14، 19: 1 - 10). وفى سفر الرؤيا (ص 17 - 19) يشرح يوحنا رؤيته لنصرة المسيح النهائية ضد الزانية العظيمة والوحش وقوى العالم التى حكمها الشيطان منذ سقوط الإنسان. وفى الأصحاح العشرين الانهزام النهائى للشيطان وكل جنوده.

ويخبرنا يوحنا بأن قوة المسيح سوف تقيد الشيطان بسلاسل عن طريق الملاك وسوف يطرح فى الهوة وسوف يبقى الشيطان مقيداً لمدة ألف عام وبعد ذلك سوف يحل الشيطان من قيده للحظة (رؤ 20: 1 - 3) وخلال مدة الألف عام هذه (كما تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية أنها بدأت من الصليب وتنتهى فى المجئ الثانى) فإن المسيح وكل قديسيه سوف يملكوت على العالم (رؤ 20: 4 - 6). وحين تنتهى مدة الألف عام فإن الشيطان سوف يحل من قيده وسوف يأتى ليحارب الله للمرة الأخيرة. وفى معركة هرمجدون (رؤ 16: 13 - 16) فإن الشيطان وكل جنوده سيُهزمون للأبد وسوف يطرح فى البحيرة المملوءة بالنار والكبريت حيث يوجد الوحش وسوف يعذبون ليلاً ونهاراً للأبد (رؤ 20: 7 - 10).

وهناك أراء كثيرة حول فترة الألف عام التى تحدث عنها سفر الرؤيا. وأحد هذه الأراء أن كل الحوادث الموجودة فى الأصحاح العشرين سوف تتبع مجئ المسيح الثانى وأن الرب سوف يحكم الأرض فعلاً لمدة ألف عام حتى يتم التأسيس النهائى لملكوت الله. وهناك رأى آخر أن فترة الألف عام هى فترة عمل لكرازة الكنيسة وان العالم سوف يختبر فترة ذهبية طويلة سوف تنتهى بمجئ المسيح الثانى. وهناك رأى ثالث ينكر وجود حكم أرضى للرب لمدة ألف عام ويرفض التفسير الحرفى لذلك سواء قبل المجئ الثانى أو بعده وهذا هو رأى الكنيسة الأرثوذكسية ولذلك فإن الرقم 10 ومضاعفاته يرمز إلى المقدار غير المحدود. فالكنيسة الأرثوذكسية تعتبر فترة الألف عام المذكورة فى الأصحاح العشرين هى رمز لسلطان المسيح فى الكنيسة وعلى الكنيسة خلال الفترة المحدودة بين المجئ الأول والثانى. وفى مجئ المسيح الأول فإن قوى الشر قد قيدت بسلاسل وحين يرجع المسيح فى نهاية الألف عام فإن الشيطان سوف يحل ثم يطرح فى الجحيم.

وبعد المجئ الثانى ومعركة هرمجدون فان القيامة العامة سوف تتم. وعند الدينونة الأخيرة فان الذين نالوا الخلاص سوف ينفصلون عن الهالكين، وسوف يحرم الهالكون من الحضرة الإلهية للأبد (رؤ 20: 11 - 15؛ مت 25: 31 - 46). وبهذا الانفصال العظيم بين شعب الله وأولئك الذين ينتمون إلى الظلمة فان نصرة المسيح وكنيسته فوق قوى الشر سوف تكمل.

رابعاً – التأسيس النهائى لملكوت الله:

بعد الدينونة الأخيرة فإن مجد ملكوت الله سوف يكمل ويتم تأسيس الملكوت للأبد. ولقد سجل سفر الرؤيا الأخيرة الاسكاتولوجية «ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا والبحر لا يوجد فى ما بعد. وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيأة كعروس مزينة لرجلها. وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً هوذا مسكن الله مع الناس وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعباً والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم. وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم والموت لا يكون فيما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فى ما بعد لأن الأمور الأولى قد مضت. وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شئ جديداً» (رؤ 21: 1 - 7).

وهكذا يصف يوحنا مجد أورشليم الجديدة والكنيسة التى هى العروس السمائية للمسيح (رؤ 21: 9 - 27). وسوف يكمل اتحاد الله مع كنيسته وسوف تحيا الكنيسة الممجدة فى الله وسوف يحيا الله فى كنيسته. وفى مجد اتحاد الله مع كنيسته سوف «لا تكون لعنة ما فى ما بعد. وعرش الله والخروف يكون فيها وعبيده يخدمونه. وهم سينظرون وجهه وإسمه على جباههم. ولا يكون ليل هناك ولا يحتاجون إى سراح أو نور شمس لأن الرب الإله ينير عليهم وهم سيملكون إلى أبد الآبدين» (رؤ 22: 3 - 5).

ويختم يوحنا الرؤيا بتمجيد وتحذير (رؤ 22: 6 - 21). ونحن كلنا مدعوون إلى مجد ملكوت الله ولكن لكى ندخل ذلك الملكوت يجب أن نستجيب لدعوة المسيح وكنيسته بكل يقظة دائمة. ويجب أن نتذكر دائماً أبداً أن نجعل أنفسنا مستعدين لمجئ المسيح الثانى الذى سوف يتم فجأة وبلا توقع. والرب قد اخبرنا «أنا آتى سريعاً» (رؤ 22: 20) يا ليتنا نقول مع القديس يوحنا «آمين تعال أيها الرب يسوع» (رؤ 22: 20).

ومن وجهة النظر للكنيسة الأرثوذكسية فان سفر الرؤيا هو رسالة للاحتمال والتشجيع ورجوع الخطاة والعالم الخاطئ المملوء بالشكوك والخوف. والقديس يوحنا يدعونا للرجوع بحب للمسيح لكى نخلص من خطايانا وشكوكنا وخوفنا. لأن فى المسيح فقط نستطيع أن ننال الغفران من خطايانا ونتقوى ضد تجربة الخطية. وخلال موت المسيح ننال الخلاص من شيطان الشك عن طريق الصلاة والشركة فى أسرار الكنيسة. وخلال الخلاص الممنوح لنا فى المسيح تمحى كل مخاوفنا.

ونحن مدعوون من قبل الروح القدس ومن قبل الكنيسة للدخول للحياة فى المسيح «الروح والعروس يقولان تعال. ومَنْ يسمع فليقل تعال. ومَنْ يعطش فليأت. ومَنْ يرد فليأخذ ماء حياة مجاناً» (رؤ 22: 17).

ويجب أن ندعو المسيح إلى حياتنا حتى نتجاوب ونطيع هذه الدعوة «هنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتى وفتح الباب أدخل واتعشى معه وهو معى» (رؤ 3: 20).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

خاتمة رسالة الإنجيل - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

الفصل الثامن شهادة الرسائل الجامعة الكاثوليكون - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات