الفصل السادس لاهوت المسيح فى إنجيل يوحنا – رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

هذا الفصل هو جزء من كتاب: رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي – معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

الفصل السادس لاهوت المسيح فى إنجيل يوحنا

إنجيل يوحنا هو الإنجيل الرابع الذى كتب فى أفسس (تركيا حالياً) خلال نهاية القرن الأول (حوالى 85 – 90م). وفقاً للتقليد فان القديس يوحنا هو كاتب هذا الإنجيل وهو أحد التلاميذ الاثنى عشر (مت 10: 1 - 5). وكثير من الدارسين الحديثين يعتقدون بأن نصوص إنجيل يوحنا قد وضعت فى الشكل الحالى عن طريق أحد تلاميذ القديس يوحنا القريبين إليهوالذى كان يثق فيهم وليس عن طريق يوحنا نفسه.

وسواء كان القديس يوحنا قد كتب الإنجيل بنفسه أو عن طريق املائه لأحد تلاميذه فان هناك شبه اجماع على أن الإنجيل الرابع هو الإنجيل الذى جمعه القديس يوحنا الرسول ويحوى خدمة الرب يسوع المسيح. ولقد كان يوحنا أحد أصدقاء الرب يسوع القريبين (مت 26: 36 - 46؛ يو 13: 23 - 25؛ 19: 25 - 27)، وهو أحد الأعمدة الرئيسية فى الكنيسة (غل 2: 10، 9). وفى أيامه الأخيرة (عام 85 – 100م) خدم يوحنا الرسول كأسقف فى آسيا الصغرى وأقام فى مدينة أفسس كمركز له. ولقد حثه أصدقاؤه وتلاميذه لكتابة إنجيله. وبالاضافة إلى إنجيله الذى كتبه فانه توجد أربع أسفار أخرى كتبها يوحنا ويحويها العهد الجديد وهى ثلاث رسائل كتبت حوالى عام 90م وسفر الرؤيا الذى كتب حوالى عام 95م، ولقد كان القديس يوحنا يبلغ من العمر حوالى مائة عام حين رقد. وهناك فروق كثيرة بين إنجيل يوحنا وبقية الأناجيل الثلاثة الأخرى. فالقديس يوحنا لم يتحدث قط عن ميلاد المسيح أو طفولته أو عماده أو التجربة أو التجلى أو الصعود، وعوضاً عن ذلك تحدث يوحنا عن سبع معجزات صنعها الرب ولم تكتب فى البشائر الثلاثة الأخرى.

ولقد تحدث البشيرون الثلاثة عن عظات الرب يسوع والأمثال والقصص والأقوال الصغيرة ولكن فى إنجيل يوحنا تضمن تعاليم الرب ضمن الأقوال اللاهوتية الأخرى (يو 16، 14، 10، 8، 7، 6، 5، 4، 3).

ولقد أفاد الدارسون لانجيل يوحنا أنه يشمل الكثير من الأسرار والفلسفة أكثر بكثير من تلك التى حوتها الأناجيل الثلاثة. وبينما إنجيل يوحنا لم يشمل الكثير من المواد التى حوتها بشائر متى ومرقس ولوقا إلاَّ أنه قد حوى الكثير مما لم يحوه الأناجيل الثلاثة الأخرى.

وهناك حوادث قد رواها القديس يوحنا فقط دون غيره مثل معجزة تحويل الماء إلى خمر التى حدثت فى عرس قانا الجليل (يو 2: 1 - 11) والحوار بين المسيح ونيقوديموس (3: 1 - 21) واعلان يسوع المسيح للمرأة السامرية أنه هو المسيّا (4: 1 - 42) واقامة لعازر من الموت (11: 1 - 45) وغسل أرجل التلاميذ فى العشاء الأخير (13: 1 - 20).

وهنا أيضاً اختلاف فى طريقة عرض كل من يوحنا والبشيرين الثلاثة الآخرين لأخبار خدمة الرب يسوع المسيح، فقد كان البشيرون الثلاثة يركزون على خدمة الرب يسوع المسيح فى الجليل ورحلته الأخيرة من اليهودية إلى أورشليم، وهذا يعطينا انطباعاً بأن خدمة الرب يسوع المسيح الجهارية كانت قصيرة ولم تستغرق أكثر من عام واحد فقط.

ولكن يوحنا يخبرنا أنه خلال خدمة الرب يسوع الجهارية كان يوجد على الأقل ثلاثة احتفالات بعيد الفصح (يو 2: 13، 6: 4، 12: 1). وخلال هذه السنوات الثلاث كان الرب يسوع يعمل بتركيز فى اليهودية مثل الجليل، وان قامته الأخيرة فى اليهودية استغرقة عدة أشهر وانه صنع خلالها أكثر من زيارة إلى أورشليم (7: 1 - 12).

ويمكن بسهولة شرح الاختلاف بين إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة الأخرى: إن إنجيل يوحنا قد كُتب بعد كتابة الأناجيل الثلاثة الأخرى بحوالى عشرة إلى خمسة وعشرين عاماً ولذلك افترض يوحنا أن القارئ على علم بما كتبه القديسون متى ولوقا ومرقس، ولا داعى أن يكرر ما سبق أن تحدث عنه البشيرون الثلاثة. ولذلك تحدث القديس يوحنا عن خدمة المسيح الجهارية التى لم يتحدث عنها الشيرون الثلاثة، لأن القديس يوحنا كان مهتماً بالتاريخ والتفكير اللاهوتى الذى لم يُطرق من قبل، ولذلك تحدث بالتركيز على لاهوت المسيح بفاعلية وتركيز، وكان هدفه فى ذلك أن يشرح خدمة الرب يسوع لكى يعلن عن طبيعة وأبدية ذلك الذى كان أكثر من إنسان. وهذا الهدف اللاهوتى هو الذى جعل القديس يوحنا يختار سبع معجزات فقط كعلامات لاعلان لاهوت السيد المسيح، كما اختار الأقوال التى تؤكد أن يسوع الإنسان هو الله الابن أيضاً.

وأسرار فلسفة الإنجيل الرابع نابع من اليهودية فى وقت الهلينية وتقاليد أسفار الحكمة الموجودة فى العهد القديم. ولقد أطلق آباء الكنيسة على القديس يوحنا كاتب الإنجيل الرابع القديس يوحنا اللاهوتى بسبب اللاهوت الوارد فى إنجيله.

وهناك خلاف آخر بين القديس يوحنا والبشيرون الثلاثة بخصوص الحقائق التاريخية، فعلى سبيل المثال فإن القديس يوحنا يضع قصة تطهير الهيكل فى بداية خدمة يسوع الجهارية (يو 2: 13 - 25) بينما يضعها البشيرون الثلاثة فى الأسبوع الأخيرمن إقامة الرب يسوع المسيح على الأرض (مت 21: 12 - 17؛ مر 11: 15 - 19؛ لو 19: 45 - 48). ومثال آخر فإن البشيرين الثلاثة تحدثوا عن واقعة دهن الرب بالطيب من المرأة فى بيت عنيا أنها تمت بعد دخول المسيح الانتصارى إلى أورشليم (مت 26: 6 - 13؛ مر 14: 3 - 9)، ولكن وفقاً لإنجيل يوحنا فإنها قد حدثت قبل دخول المسيح إلى أورشليم وان إمرأة بيت عنيا هى مريم أخت مرثا ولعازر. وهناك مثل آخر وهو أن البشيرين الثلاثة تحدثوا عن صلب المسيح انه قد تم فى يوم الفصح نفسه، بينما تحدث القديس يوحنا عن وقت الصلب أنه قد تم فى اليوم السابق على الفصح. والسبب فى ذلك أنه وفقاً ليوحنا فإن الفصح فى السنة التى صُلب فيها المسيح وقع فى يوم السبت وليس فى يوم الجمعة. ولذلك فإن الأناجيل الأربعة تتفق معاً أن العشاء الأخير قد تم فى يوم الخميس مساءاً والصلب قد تم اليوم التالى وهو يوم الجمعة.

وهذه الحقائق التى تشمل الخلاف بين إنجيل يوحنا والأناجيل الثلاثة الأخرى من الصعب أن نحلها ولكن اقترح البعض أن يكون الحل هو أن يسوع قد طرد الصيارفة أكثر من مرة، ولكن الأصح هو أن القديس يوحنا اقتطع حادثة طرد السيارفة من الترتيب التاريخى لكى يبرز الناحية اللاهوتية. وربما يكون قد أخذ حادثة تطهير الهيكل كناحية رمزية لكى يبرز أن حياة يسوع كانت فى خطر منذ البداية وأن ظل الصليب كان يخيم على كل خدمته واكثر من هذا فإن الرب يسوع قد أعلن شخصه هنا مما قاده إلى الفداء والموت. ولقد أعلن الرب يسوع المسيح سلطان لاهوته حينما جاء إلى بيته كسيد لهذا الهيكل ولكن خاصته رفضوه ولذلك اختار يوحنا أن يبرز قصة دهن يسوع فى بيت عنيا التى هى ظل لموت الرب أن تكون قبل الدخول الإنتصارى لكى يبرز عظمة زيارة الرب يسوع المسيح لأورشليم.

أما بخصوص السؤال هل كان عشاء الرب هو الفصح أم لا؟ فان معظم الدارسين للإنجيل يتفقون مع يوحنا فى القول بإن عشاء الرب هو الفصح ولكن هذا لا يقودنا بأن البشيرين الثلاثة مخطئون فى القول بإن عشاء الرب هو ليس الفصح لأن الحقيقة أن الرب يسوع المسيح قد صنع الفصح فى يوم مبكر عن فصح اليهود وفيه تمم الرب مع تلاميذه طقس الفصح وخلاله قد أسس الرب السر الجديد وهو سر الافخارستيا. وهكذا رغم وجود اختلافات بين يوحنا والبشيرين الثلاثة فإن هذه الاختلافات لا تمثل تناقضاً جوهرياً، لأن البشائر الثلاثة أخذت من مصارد عامة فى التقاليد الرسولية الأولى. وهم يقدمون بعدأ واحداً لفهم الكنيسة لشخصية يسوع، مَنْ هو؟ وما قال؟ وما فعله؟. ولكن الإنجيل الرابع أخذ من ذاكرة وعقل القديس يوحنا وهو يقدم بعداً آخر ولاهوتاص أعمق يخص شخص يسوع وعمله. وهكذا فإن إنجيل يوحنا يعتبر مكمل للأناجيل الثلاثة بخصوص حياة المسيح على الأرض. وهذا هو مفتاح فهم موضوع إتفاق البشيرين وهو أنه خلال عمل يوحنا وزملائه البشيرين فإن الكنيسة الرسولية تنشر الإنجيل عبر الأجيال على أنه وجه المسيح Gospel image of Christ.

1 - لاهوت الرب يسوع المسيح الابن (يوحنا 1 - 11):

إن الغرض الرئيسى للأصحاحات (مت 1 - 11) من إنجيل يوحنا هو تحديد شخصية يسوع الناصرى للاعلان أنه هوالمسيا لإسرائيل، وهو أيضاً الله الابن المتجسد. ووفقاً لهذا الهدف فإن يوحنا قد أعلن فى مقدمة إنجيله الرائعة عن لاهوت المسيح «فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله» (يو 1: 1 - 18).

إن إنجيل يوحنا مثل بقية أسفار العهد الجديد قد كتب باللغة اليونانية، وان لفظ الكلمة Word هو ترجمة لكلمة اللوغوس اليونانية Logos أى الحكمة، وهى مقابل (للكلمة) التى تعبر عن يسوع الذى هو الله المتجسد. وبخصوص لاهوت الكلمة فإن القديس يوحنا يعلن لنا بأن كلمة الله قد إتحد مع الطبيعة البشرية. وفى أسفار الحكمة فى العهد القديم نجد أن الحكمة هى إعلان عن الله الموجود منذ البدء (أم 8: 22 - 36؛ حكمة 7: 22 - 8: 1)، وان أنبياء العهد القديم يعتقدون بأن كلمة الله هو حضور الرب نفسه واعلان عن شخص الله. والعهد القديم يعلمنا أيضاً بأن العالم قد خلق بقوة كلمة الله وحكمته (تك 1؛ مز 33: 9، 6). ويتحدث يوحنا عن الحكمة الخالقة وكلمة الله الذى هو من خصائص الطبيعة الإلهية للابن الوحيد « والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً» (يو 1: 14).

وفى التجسد فإن اللوغوس الأبدى والأزلى هو واحد مع الله الآب الذى نزل (تجسد) لأجل فداء الإنسان وروجوعه.

وفى تجسد كلمة الله فإن المسيح هو مصدر النور والحياة «فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس» (يو 1: 4). وعن طريق النور الحقيقى للرب المتجسد قد أصبح من الممكن هزيمة الشر والعمى الروحى « والنور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تدركه... كان النور الحقيقى الذى ينير لكل إنسان» (يو 1: 9، 5). ولكن لكى نتحرر من الظلمة الروحية وندخل إلى النعمة والحق والحياة الأبدية التى لكلمة الله Divine Logos وأن نتصالح مع الله يجب أن نأخذ المسيح فى قلوبنا ونؤمن به. ولقد أكد يوحنا بأن البنوة لله لا تتوقف على النسل بل على الإيمان بيسوع (يو 1: 12 - 14)، وهذا الحديث موجه إلى اليهود الموجودين فى ذلك الوقت الذين كانوا يؤمنون بأنه يكفى أن يكونوا من نسل إبراهيم حتى يصيروا أبناء الله. والمسيح وحده – الذى هو الكلمة الذى صار جسداً – هو الذى جعل الله الآب معروفاً لنا. وعن طريق الإيمان بالمسيح فإننا نأخذ قوة أن نصير أولاداً لله « واما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه» (يو 1: 12). ونحن لم نصر أولاداً لله عن طريق ولادتنا من أسرة يهودية أو من أسرة مسيحية لأننا لن نخلص بإيمان آبائنا بل بإيماننا الخاص.

وفى إنجيل يوحنا نجد تركيزاً على ما يسمى بالبعد المادى لأعمال الله الخلاصية. لأن الخلاص ليس هو خلاصاً من العالم المادى ولكنه خلاص خلال وعن طريق العالم المادى. لان لاهوت ابن الله قد اتحد مع الناسوت فى شخص يسوع المسيح. وفى شخص المسيح فإن الكلمة صار جسداً وحل بيننا وفيه أعلن مجد الله وأصبح مرئياً (1: 14 - 18) وكما سوف نرى فى خدمة المسيح الجهارية انها كانت اعلاناً مادياً عن قوة الله الروحية. والأحاديث والأقوال التى نطق بها يسوع وسجلها القديس يوحنا كانت مملوءة بالحقائق المادية مثل الماء والخبز والنور والظلمة والجسد البشرى والجسد والدم وكل هذه الأحاديث تم سماعها مادياً. ومعجزات المسيح التى أوردها إنجيل يوحنا هى أعمال مادية تعبر عن العلامات الروحية مثل تحول الماء إلى خمر (2: 1 - 11)، وشفار مرضى الجسد (4: 43 - 54؛ 5: 1 - 9؛ 9: 21 - 41)، واشباع الجموع (6: 1 - 14)، ومشى يسوع على الماء (6: 16 - 21) واقامة لعازر من الموت (11: 1 - 57).

إن تعاليم الرب ومعجزاته فى بلاد كثيرة من بلاد فلسطين كانت إعلاناً عن اللاهوت الكامل والإنسانية الكاملة للمسيح الذى تألم ومات على الصليب ثم قام من الموت. وعن طريق جسده المصلوب ودمه المسفوك فإن الجنس البشرى يمكنه أن يخلص من قوى الشر والموت.

إن لاهوت إنجيل يوحنا هو لاهوت سرى Sacramental، والأسرار هى الوجه المنظور للنعمة أو هى عمل النعمة الإلهية المنظورة وكلمة Sacramentum هى كلمة لاتينية معناها عربون أى عربون الخاص. فكلمة Sacrament تفيد عربون الخلاص الذى صنعه الله لجميع الذين يعيشون فى روح الإيمان والطاعة.

وفى اللاهوت الارثوذكسى فإن الأسرار Sacraments يطلق عليها Mysteries وهى مشتقة من الكلمة اليونانية Mysteriom لكى تبرز البواطن أو السرائر التى هى علامات بارعة لأعمال الله الخلاصية. وتركزت كتابات السنين الأخيرة من القرن الأول الميلادى حول الحياة الليتورجية ولذلك فإن القديس يوحنا قد أبرز السرائر Mysterious ولكن بعلامات مادية وأعمال الله الكائن فى العالم. وقد ربط القديس يوحنا بين أعمال المسيح الخلاصية وأسرار الكنيسة (مثل المعمودية والميرون والافخارستيا).

وهكذا فإن خلاص الله أصبح موجوداً فى حقيقة شخص المسيح وعن طريق قوة الروح القدس فان هذا الخلاص أصبح حقيقياً فى الكنيسة التى هى جسد المسيح السرى والسرائرى.

وفى تركيز يوحنا على موضوع التجسد والأسرار الملموسة لأعمال الله الخلاصية إنما حارب بدعة الغنوسية Gnosticism (التى تعتمد على المعرفة فقط فى نوال الخلاص). ولقد كانت الغنوسية دين وفلسفة مشتقة من الديانة اليونانية والفارسية والمصرية. ولقد حدث أثناء وقبل ظهور المسيح فى الجسد أن احتضن كثير من الطوائف اليهودية وجهة النظر الغنوسية، ولقد تأثر الكثيرون من المسيحيين بعد ذلك فى منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط بالفلسفة الغنوسية.

وتعاليم الغنوسيين – سواء اليهود أم المسيحيين – هى أن الخلاص من الألم والموت يعتمد على نوال الكثير من أسرار المعرفة. فالكلمة اليونانية gnosis تفيد المعرفة knowledge أو الحكمة wisdom، ولكى يخلص الإنسان يجب أن ينتصر على روح الجهل والغموض عن طريق تعلم الحق. والحق وفقاً للغنوسيين هو جوهر الصلاح، أما المادة فهى الشر وكلاهما (الصلاح والمادة) عكس بعضهما بعضاً ولا يتقابلان قط. وفى البدء كانت الروح (أى مملكة الله) منفصلة تماماً وغير مختلطة مع المادة (مملكة الشيطان). ولقد سمح الله بخلقة الملائكة ولكن بعضاً من هؤلاء الملائكة تحولوا إلى أعداء لله وهم الشياطين الذين سقطوا بسبب مقاومتهم لإرادة الله. وهؤلاء الملائكة الذين سقطوا احتلوا العالم ولذلك اختلطت الروح بالمادة، ونتج الإنسان عن هذا أن يخلص من الفساد الناتج عن العالم المادى عن طريق سلب الجسد وانكاره بالتمام وعن طريق الحكمة الخاصة (الغنوسية) التى أرسلت من الله عن طريق بعض الملائكة الصالحين فأصبح من الممكن الخلاص من المادة ونوال الاستنارة الروحية. والغنوسيون اليهود والمسيحيون يعتقدون بأن إله العهد القديم كان هو الشيطان لأن الله الحقيقى يستحيل عليه أن يفعل شيئاً مع مملكة المادة والظلمة والشر. وظن الغنوسيون المسيحيون فى يسوع أنه أحد ملائكة الله الصالحين الذى ظهر فى شكل إنسان ولكنه لم يتجسد تجسداً حقيقياً لكى يعلن أسرار المعرفة التى تقود إلى الخلاص من العالم. ومن وجهة النظر الغنوسية فإن يسوع فم يكن إنساناً حقيقياً ولم يكن إلهاً كاملاً، فهو لم يولد فى نظرهم من إمرأة ولم يحيا فى ألم ولم يمت فى الجسد، كذلك لم يقم فى الجسد ولكنه قام فى الروح. كانت هذه هى تعاليم الغنوسيين التى كانت تهدد أرثوذكسية الكنيسة خلال القرون الثلاثة الأولى من تاريخ حياتها. ولقد كتب القديس يوحنا إنجيله لكى يشجب هرطقة الغنوسيين من الكنيسة، لأنه رأى أن تعاليم الغنوسية تعارض التعاليم بخلقة الله للعالم وتعارض إتحاد الله مع الإنسان فى التجسد والموت والقيامة والصعود والقيامة العامة للموتى فى نهاية الأيام والصلاح الموجود فى العالم المادى. ولذلك أعلن يوحنا قائلاً: «الكلمة صار جسداً» (يو 1: 14) فى المسيح يسوع اللوغوس (الكلمة). وباللوغوس فإن الله صنع كل الأشياء (يو 1: 3). والله أحب العالم حتى بذل إبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. وعلى خلاف التعاليم الغنوسية فإن يوحنا قد شهد الشهادة الرسولية للتعاليم الأرثوذكسية بأن الله هو الخالق الذى هو الحاضر كل حين وعامل فى العالم الذى خلقه.

2 - المسيّا:

لقد أعلن يوحنا – مثل بقية كُتاب العهد الجديد الاخرين – أن يسوع الناصرى هو المسيا وهو الملك المخلص الذى وعد به الله بنى إسرائيل عن طريق أنبياء العهد القديم.

وفى حديثنا عن أنبياء العهد القديم وجدنا أن المسيا يجب أن يكون ملكاً فى تقليد داود ويجب أن يتألم ويموت من أجل خطايا العالم. والمسيا هو اعلان لله نفسه. ولكن اليهود لم يتفقوا مع رأى الأنبياء أن المسيا له كيان إلهى ليخلص العالم بموته. ويخبرنا العهد الجديد بأنه حتى تلاميذ يسوع لم يفهموا الطبيعة الحقيقية للمسيا حتى قيامته (مت 28؛ مر 16؛ لو 24؛ يو 2: 22؛ 12: 16؛ أع 2، 1). ولكن يوحنا يتحدث عن خدمة يسوع، وقد كتب يوحنا عن تلك الخدمة بعد قرابة سبعة عشر عاماً بعد الصلب، وقد أعلن يوحنا فى حديثه عن المسيا أنه أتمام كامل لنبوات العهد القديم ولذلك يركز على لاهوت المسيح الابن وان شخصية الرب يسوع المسيح هو ابن الله الذى ظهر كابن الإنسان فى تعاليمه وأعماله المعجزية. ويتحدث القديس يوحنا عن المعجزات أنها علامات لاعلان طبيعة يسوع الحقيقية أنه هو المسيا وأن المسيح هو إنسان كامل وإله كامل فى نفس الوقت. وهكذا فإن كل أعمال المسيا وتعاليمه ومعجزاته وآلامه وقيامته هى علامات لشخصيته الحقيقية وفهم لخدمته.

ويتحدث الإنجيل الرابع عن المعجزات انها لم تصنع لتسد الاحتياجات والآلام البشرية ولكن لكى تقود البشر للمعرفة الخلاصية. ويتحدث يوحنا عن المعجزات (العلامات) التى فعلها يسوع أنها صنعت لكى نؤمن أن يسوع هو المسيح «إبن الإنسان»، وهو فى نفس الوقت ابن الله أيضاً ولكى يكون لنا بهذا الإيمان الحياة الأبدية فى شخصه (يو 20: 30 - 31).

ووفقاً للإنجيل الرابع فإن يسوع صنع أول معجزة فى عرس قانا الجليل وكانت علامة عظيمة لان الاحتفال بالزواج وفقاً للتقليد اليهودى هو رمز للاتحاد بين الله وبين إسرائيل التى تفيد مجئ المسيا. ولقد تحيّر الكثيرون من كلمة يسوع إلى أمه «ما لى ولكِ يا إمرأة» (يو 2: 4) ولكن الترجمة الحرفية للنص اليونانى هى «ماذا لى وماذا لكِ يا إمرأة؟ إن ساعتى لم تأتِ بعد» وفى قوله لأمه يا إمرأة لا يعتبر دليلاً على عدم احترامه لأمه، لأن فى ذلك الوقت كلمة إمرأة Woman تقابل كلمة سيدة Lady الآن. لقد تضايقت أم يسوع حين علمت بأن الخمر قد فرغت لأنها خافت من أن يصاب أهل العريس وأصحاب الحفل بالخزى أما الضيوف ولذلك اتجهت فى الحال إلى إبنها نيابة عن أصدقائها وتوسلت إليه أن يصنع شيئاً وأعلن لها يسوع أن وقت الاعلان عن نفسه لم يحن بعد وان ساعته هى محددة عن طريق الله الآب وليس وفقاً لمشيئة الرجال والنساء. وكلمة (الساعة) تعود على الاعلان الجهارى وإلى وقت التمجيد Glorification (الذى هو الصليب والقيامة) ولكن بالرغم من ذلك التحفظ فإن المسيح قد صنع استحابة لطلب ورغبة أمه. وواضح من نصوص إنجيل يوحنا أن هذه المعجزة لم يشهدها سوى القليل من البشر وهم أم يسوع وتلاميذه وبعض من خدام الاحتفال وفى هذه المعجزة قد أكرم يسوع أمه وانقذه أسرة صاحب العرس المتواضعة من الخزى. وفى اعلان مجده الإلهى فى تلك المعجزة لقلة من الناس وليس للكل إنما كان الرب يسوع ولذلك كان يكرم أبيه السماوى.

وتحويل الماء إلى خمر هو رمز لتحول اليهود إلى المسيحية. وكان الماء موجوداً فى الاحتفال بسبب طقس الاغتسال قبل وبعد الأكل حسب ممارسات الطقس فى الناموس اليهودى.

وفى تحويل الماء الذى هو الناموس اليهودى للتطهير إلى الخمر الجديد إنما هو تأسيس للعهد الجديد الذى سوف يختم بدمه المقدس. وبالخمر الجديد فى سفر الافخارستيا نحن ننال تطهير وغفران خطايانا الذى يجعلنا نؤهل للدخول فى العرس الاحتفالى بين المسيح وكنيسته فى نهاية الأيام (رؤ 19: 1 - 10).

3 - حديث يسوع مع نيقوديموس:

تحدث يسوع فى عيد الفصح الأول من أعياد الفصح الثلاثة التى أوضحها القديس يوحنا عن حديثه وحواره مع فريسى يدعى نيقوديموس. وهذا هو الحديث الأول الذى سجله القديس يوحنا. وكان نيقوديموس أحد القادة اليهود فى أورشليم (يو 3: 1) وكان يزور يسوع ليلاً «حتى يتنجب أن يراه أحد رفقائه» وسأله نيقوديموس « يا معلم نعلم أنك قد أتيت من الله معلماً لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التى أنت تعمل إن لم يكن الله معه» (يو 3: 2) ولما كان نيقوديموس يبحث عن الحق الروحى فإن يسوع قدم له اعلاناً صعباً حين «أجاب يسوع وقال له الحق الحق أقول لك كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله» (يو 3: 3). وحينما تعجب نيقوديموس عن كيفية ولادة الإنسان ثانية «كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ» (يو 3: 4). أعلن له يسوع «الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو 3: 5 - 8)، ولقد تعجب نيقوديموس تماماً من كلمات يسوع «كيف يمكن أن يكون هذا» (يو 3: 9). واستمر يسوع فى حديثه مع نيقوديموس وانتهى بتوبيخه عن جهله بالتقليد الخاص باليهود ثم أعلن له هذا الاعلان «كما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يُرفع ابن الإنسان» (يو 3: 14). ولقد علق يوحنا على كلمات المسيح «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل مَنْ يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16؛ أنظر أيضاً 3: 19 - 21؛ 3: 36، 35).

ولا شك أن نيقوديموس قد اندهش وتعجب من كلام يسوع وربما يكون قد اقتنع بكلام الرب عن الولادة الجديدة وعن رفع ابن الإنسان على الصليب. ولا شك أن تعاليم الرب عن الولادة الثانية كانت غير مفهومة لكثيرين من أتباع المسيح أثناء إقامته على الأرض، ولكن بعد القيامة والصعود وحلول الروح القدس على الرسل والتلاميذ يوم الخمسين بدأت الكنيسة فى تدرج فهم معنى حديث المسيح مع نيقوديموس. وكان يسوع فى حديثه مع نيقوديموس – الذى كان يمثل يهود ذلك الزمان – يريد أن يعلن لهم أنه لا يكفى أن يكون الإنسان إبناً لإبراهيم واسحق ويعقوب حسب الجسد حيث يدخل الحياة الأبدية ولكن فقط خلال الإيمان بابن الله يستطيع الإنسان أن يأخذ نعمة الحياة الأبدية. وهذا الإيمان ممكن فقط خلال الولادة الروحية الثانية بقوة الروح القدس. وعن طريق مياه المعمودية وعمل الروح القدس غير المنظور يستطيع الإنسان أن يولد ثانية من فوق ويدرك عمل الصليب والقيامة ورفع ابن الإنسان على الصليب كمخلص العالم. وهكذا فإن المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح (يو 3: 6). والإسرائيلى بالروح وليس بالجسد هو الذى يستطيع أن يرث ملكوت السموات. ولا يكفى أن يكون الإنسان يهودياً حتى يبصر ملكوت الله وكون الإنسان أممياً ليس معناه هو الحرمان من ملكوت الله. ولكن الإيمان والطاعة للمسيح هما مفتاحا الملكوت لليهود والأمم معاً.

لقد كان نيقوديموس يهودياً نقياً وفريسياً غيوراً ولكنه وجد صعوبة كبيرة فى قبول التعاليم الغريبة التى نادى بها الرب يسوع المسيح، ولقد انزعج حين سمع الرب يتحدث عن وجوب رفع ابن الإنسان على الصليب وان الخلاص يعتمد على الروح أكثر من اعتماده على الجسد.

وهذا الميلاد الروحى الثانى يعتمد على محبة النور أكثر من الظلمة كضرورة للدخول إلى ملكوت الله وذلك حتى يشتاق نيقوديموس أن يأخذ تلك النعمة. وقد تحير نيقوديموس وصعب عليه قبول فكرة تألم المسيا وموته. ولكنه صمت. ونحن لا نعلم تفاصيل الجهاد الروحى الذى قاد نيقوديموس لان يصير تلميذاً للمسيح ولكنه تجاوب مع عمل الروح وتعرف على يسوع أنه هو الرب (يو 7: 50 - 51؛ 19: 38 - 42).

إن حديث الرب يسوع المسيح مع نيقوديموس عن المعمودية بالماء والروح لم يكن هو نفس الطقس الذى كان يمارسه يوحنا المعمدان لأن يوحنا المعمدان نفسه تحدث عن معمودية الروح القدس التى سوف يمارسها المسيح (يو 1: 23). وانجيل يوحنا قد ميز بصراحة بنى المعمودية التى كان يمارسها تلاميذ المسيح والمعمودية التى كان يمارسها يوحنا المعمدان (يو 3: 22 - 36).

وخلال السنوات العشرة التالية لحلول الروح القدس على الكنيسة فان الجماعة الرسولية قد فهمت سر المعمودية الذى أمر يسوع تابعيه أن يمارسوه (يو 3: 22 - 33؛ مت 28: 18 - 20).

ولم يكن سر المعمودية الذى أسسه يسوع خلال خدمته الجهارية للتوبة ولكن هو علامة على الحياة الجديدة التى منحت للعالم عن طريق المسيح الكلمة المخلصة وعن طرق الروح القدس.

وكما نعلم فقد أعتمد المسيح عن طريق يوحنا المعمدان. وفى المسيح الذى هو بلا خطية غسلت خطايا العالم لانه قدم نفسه نيابة عن خطايا العالم كله. وحين نتحد بالايمان مع المسيح الذى قدم نفسه عن توبة العالم كله فإننا ندخل إلى كمال التوبة التى قدمها المسيح عنا. لقد كان دخول الرب فى معمودية الاغتسال والتوبة إشارة إلى دفنه بالموت، لان الموت هو النتيجة الحتمية لسقوط الإنسان والعالم. وبموت المسيح وقيامته نحن نخلص من سلطان الشر ويصبح من الممكن أن ندخل ملكوت الله. وهكذا فإن معمودية التوبة قد تحولت إلى معمودية الماء والروح فى الكنيسة الرسولية. والمعمودية المسيحية هى علامة توبة الإنسان فى المسيح وتحرره من فساد الخطية والموت، والمعمودية هى الميلاد الثانى بالماء والروح حيث يحصل الإنسان على موهبة الروح لقد فيحصل على قوة تبعية المسيح بإيمان وطاعة.

ولما بدأت الكنيسة تمارس الأسرار بدأ عمل الروح القدس فى تجديد الخليقة خصوصاً فى سرى المعمودية والميرون. لانه خلال هذين السرين نحن نولد مرة ثانية وفقاً لتعاليم الكنيسة الارثوذكسية، لأننا حين ندفن فى المعمودية فإننا ندخل إلى الحياة الأبدية التى صارت ممكنة بقيامة المسيح من الموت، وفى المعمودية نحن نولد ثانية لحياة جديدة. وفى سر الميرون نحن نأخذ قوة جديدة حتى نستطيع أن نحيا فى هذه الحياة.

ويسوع هو المسيح أى الممسوح الإلهى الذى حل عليه الروح القدس. وفى يسوع مسحت الكنيسة وولدت مرة ثانية فى الروح يوم الخمسين. وفى سر الميرون حين ندهن بالزيت المقدس فإننا نأخذ موهبة الروح القدس التى تعطينا إمكانية السلوك حسب الحياة المسيحية. وكما أن المعمودية هى الاشتراك فى عمل الفصح الخلاصى الذى هو موت الرب وقيامته فإن الميرون هو خلاصة الروح القدس حيث نولد من الروح ونصير أعضاء فى الكنيسة التى هى جسد المسيح. والولادة من الماء والروح تجعلنا أولاد لله ويصير لنا نصيب فى البنوة الإلهية التى للرب يسوع المسيح وندخل الحياة الأبدية التى للثالوث المقدس.

وتعلم الكنيسة الأرثوذكسية بأن المعمودية والميرون لا يتممان فينا الخلاص تلقائياً لأن نعمة الخلاص الإلهية تمنح لنا عن طريق الأسرار الكنسية ولكن النعمة الإلهية لا تلغى حرية إرادتنا البشرية. وهكذا فإن المعمودية والميرون ليس كفاية بذاتهما لتحقيق شرط الخلاص. ولذلك لكى تتحقق ولادتنا الثانية يجب أن نتجاوب مع نعمة الله فى إيمان وطاعة ويجب أن نقبل الخلاص المقدم لنا من الثالوث المقدس ويجب أن ندرك احتياجنا للخلاص وبايمان نلتجئ للمسيح الذى هو الأمل الوحيد لخلاصنا من عبودية الخطية والموت. ويجب أيضاً أن نأخذ الروح القدس فى قلوبنا لأنه خلال الروح القدس فقط نستطيع أن نحيا حياة القداسة تحت سيادة المسيح. وفقط خلال الإيمان الشخصى القاطع فى المسيح وخلال حياة الطاعة لله فى قوة الروح القدس نستطيع أن ندخل فى كمال الخلاص الموعود لنا فى سرى المعمودية والميرون. وهكذا لكى نولد ثانية وفقاً للمفهوم الأرثوذكسى يجب أن نضع قراراً شخصياً بخصوص يسوع المسيح وبخصوص كنيسته ويجب أن نجعل إيمان الكنيسة هو إيماننا الشخصى وعلينا أن ننمو فى شخص المسيح ولا نجعل موهبة الحياة التى أعطيت لنا فى المعمودية والميرون تطفأ بخطايانا وبالعالم. وأن نولد ثانية هو أن ننال نعمة العماد بالماء والروح ونسمع كلمة الله ونتبع المسيح.

ويجب أن نلاحظ أيضاً أن الكنيسة الرسولية لم تهمل قط العلاقة بين سرى المعمودية والميرون وبين الإيمان الشخصى المسيحى كعلاقة سببية ومؤثرة فى كل منهما. وهكذا منذ القرون المسيحية الأولى والكنيسة قد بدأت فى العماد والدهن بالميرون لأطفال العائلات المسيحية. وهكذا فى وقت محدد تم عماد جميع أطفال العائلات المسيحية ثم بدأوا بعد ذلك فى توضيح الإيمان.

فى الواقع إن كثيرين من الذين اعتمدوا ودهنوا بالميرون لم يمارسوا الإيمان بعد ذلك. وكذلك خلال القرون المسيحية الأولى والآلاف من الوثنيين تم تحويلهم إلى الإيمان بالمسيح قبل نوالهم نعمة العماد والميرون. وحتى هذه اللحظة فإن كثيرين يتحولون إلى الإيمان بالمسيح والكنيسة تقبلهم بناء على إيمانهم ثم بعد ذلك يعمدون ويدهنون بالميرون. وهذا يوضح لنا أن الإيمان المسيحى يجب أن يظهر قبل وبعد المعمودية والدهن بالميرون.

إن إيمان البعض فى الواقع ناتج عن نعمة الأسرار – كما فى حالة عماد الأطفال – بينما إيمان البعض الاخر هو نعمة الله من فيض الروح القدس (قبل نوال الأسرار كما فى حالة دخول الكبار إلى الإيمان) لكى تقودهم النعمة إلى حياة الأسرار وملء الكنيسة. وعمل الروح القدس لا يمكن وضعه فى قالب أو قانون محدد ثابت لأن «الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتى ولا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح» (يو 3: 8).

4 - حديث يسوع مع المرأة السامرية:

حديث الرب يسوع مع المرأة السامرية يخبرنا عن خدمة يسوع للسامريين. والسامريون عاشوا فى الجزء الشمالى من اليهودية، وهم من سلالة الأشوريين الذين عاشوا فى القرن الثامن والسابع قبل الميلاد وتزوجوا من اليهود مما جعل هذا الجنس اليهودى سلالة غير نقية.

وزيارة يسوع للسامرة كانت أمراً تضايق منه اليهود فى ذلك الحين وخصوصاً طائفة الفريسيين والصدوقيين.

ولقد سجل القديس يوحنا حديث الرب يسوع المسيح مع المرأة السامرية فى الأصحاح الرابع من إنجيله وكان محور الحديث مرّكز فى الأعداد (من 7 - 38) حيث سجل حديث الرب مع السامرية حين ترك الرب اليهودية لكى يلتقى بتلك المرأة التى كانت تحسب نفسها غير مستحقة لتلك المحادثة، لدرجة أن تلاميذ الرب نفسه قد رجعوا للخلف حينما رأوا الرب يتحدث مع تلك المرأة السامرية (يو 4: 27). وفى رحلة الرب شمالاً من اليهودية إلى الجليل توقف يسوع عند البئر فى السامرة (يو 4: 1 - 6) وحينما جلس هناك جاءت تلك المرأة السامرية لكى تملأ ماء، فأقبل يسوع لكى يتحدث معها، وأعلن لها أنه هو المسيا (4: 7 - 26) وحينما أدركت السامرية ما قاله يسوع جرت إلى القرية واخبرتهم عن ذلك الرجل الذى عند البئر (يو 4: 28 - 30). وكنتيجة لشهادة تلك المرأة طلب السامريون من يسوع أن يمكث معهم فترة. ولقد أخبرنا يوحنا أن يسوع وتلاميذه المقربين أقاموا لمدة يومين فى السامرة (4: 40) ولقد شرح الرب لتلاميذه الرسل أن خطة الله فى الخلاص تشمل كل الشعوب حيث السامريين الملعونين (4: 27، 31 - 38).. وجاء كثيرون من السامريين ليؤمنوا به معلنيين أنه هو مخلص العالم (4: 42، 41) وأنه هو المسيا المخلص ليس لليهود فقط بل للعالم كله.

5 - الحوار مع السلطات اليهودية:

أما المعجزة الثانية التى صنعها المسيح فى كفرناحوم – إحدى مدن الجليل – فكانت مع أحد الرؤساء (خادم الملك) الذى كان له ابن مريض حتى الموت ولما علم أن يسوع جاء من اليهودية إلى قانا الجليل جاء إلى يسوع لكى يطلب منه المعونة. وفى هذه المعجزة الثانية فإن يسوع أيضاً يسد احتياجات بنى البشر (فى الشفاء) كعلامات لاعلانات القوة الخارقة التى تكشف الحق عن شخص المسيح. وقد تمم الرب معجزة شفاء ابن قائد المئة من المرض الذى كان يهدد حياته (يو 4: 46 - 54). وبعد سرد هذه المعجزة فإن القديس يوحنا يذكر لنا معجزة ثالثة تضمنت اعلاناً كاملاً عن شخص يسوع أنه ابن الله الآب. وذلك عند الاحتفال فى أورشليم أنه شفى إنساناً مفلوجاً كان مريضاً منذ ثمان وثلاثين سنة (يو 5: 1 - 9) وفى تلك المعجزة قال يسوع للمفلوج «قم أحمل سريرك وامشِ» (يو 5: 8) ولان هذه المعجزة قد تمت يوم السبت فإن السلطات اليهودية قد هاجمت يسوع لان المفلوج الذى شفى حمل سريره فى يوم السبت وهذا الأمر كان ضد ناموس الكتبة. والسلطات اليهودية تحين هاجمت يسوع – ربما يكونون الفريسيون – فانه حجّهم قائلاً: «ابى يعمل حتى الآن وأنا أعمل» (يو 5: 17) وعند سماع اليهود لتلك الكلمات تضايقوا لسببين أولهما أن يسوع قد كسر السبت وثانيهما لأنه قال إنه ابن الله مساوياً نفسه بالله (يو 5: 18). وحين رأى يسوع عداء السلطات اليهودية له فإنه تحدث عن علاقته مع الآب وعن مدى أهمية هذه العلاقة لخلاص العالم. ولقد أعلن يسوع عن نفسه انه ابن الله الذى يعطى الحياة الجديدة لكل العالم. ولقد قال لهم يسوع بان مَنْ لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذى ارسله ولكن الذين يخضعون للابن فى إيمان سوف يأخذون نعمة الحياة الأبدية. وتحدث يسوع أيضاً عن القيامة العامة للموتى فى نهاية الأيام حين يسمع جميع الذين فى القبور صوته فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين فعلوا السيآت إلى قيامة الدينونة» (يو 5: 19 - 29).

واستمر حديث يسوع لكى يشير أن يوحنا المعمدان هو نبى الله القدوس الذى ولد لكى يكون شاهداً ليسوع المسيا ولكن هناك شهادة أعظم من شهادة يوحنا وهى شهادة الآب نفسه «أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق... وأما أنا فلى شهادة اعظم من يوحنا... والآب نفسه الذى أرسلنى يشهد لى» (يو 5: 33 - 37).

ولقد تضمن العهد القديم أيضاً (كتاب اليهود أنفسهم) شهادة الآب للابن، ورغم هذا فإن الفريسيين أعلنوا أنهم الخبراء الوحيدين فى شرح الكتب المقدسة ولقد انتهرهم يسوع بهذه الكلمات: « وليست لكم كلمة ثابتة فيكم. لأن الذى أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به. فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التى تشهد لى. ولا تريدون أن تأتوا إلىَّ لتكون لكم حياة» (يو 5: 38 - 40؛ أنظر أيضاً يو 5: 41 - 47).

وفى بشارة يوحنا يركز أيضاً على سمو المسيح على أفكار اليهود الدينية وانه هو المسيا ولكن ليس المسيا الذى كان اليهود يتخيلونه ويتقعونه وهو الله.

المسيا الذى أصبح حجر عثرة لأولئك اليهود ولكنه سوف ينتصر عليهم ويكوّن من بعضهم الرسل والتلاميذ الذين يمثلون بقية اليهود الذين كوّنوا إسرائيل الجديدة التى هى كنيسة المسيح.

6 - خبز الحياة:

يستمر القديس يوحنا فى حديثه فى الأصحاح السادس عن سمو المسيحية على اليهودية حيث يقدم يسوع على أنه موسى الجديد الذى يقود شعبه – الذى هو إسرائيل الجديدة – إلى ملكوت الله. وحديث يسوع هنا الذى نقله يوحنا قد تم فى الجليل فى مناسبة الاحتفال الثانى للفصح. وحقيقة احتفال يسوع الثانى بالفصح فى الجليل وليس فى أورشليم هو لأن المسيح – وليس الهيكل – هو مركز خطة الله للخلاص.

ويقدم لنا الأصحاح السادس من بشارة يوحنا، المسيح على أنه كمال فصح العهد القديم ومصدر حياة الكنيسة الافخارستية. ويبدأ الأصحاح بمعجزة اشباع الجموع الذين حضروا إليه فى الجليل وقت الفصح للبحث عن الشفاء والإستنارة.

ومن الخمس خبزات والسمكتين التى قدمها أحد الصغار أطعم يسوع أكثر من خمسة آلاف من الشعب وكان الطعام متوافراً لدرجة أنهم جمعوا كل ما تبقى (يو 6: 1 - 13).

وبالنظر إلى ما فعله يسوع هنا (معجزة إشباع الجموع هى المعجزة الرابعة التى سجلها الإنجيل بحسب يوحنا) فإن الشعب قد آمن به أنه النبى الذى تحدث عنه سفر التثنية (تث 18: 15 - 19) وهو موسى الجديد الذى سوف يقود الشعب من العبودية (يو 6: 14) وكانوا مستعدين أن يعلنوا عن يسوع أنه هو ملك إسرائيل ولكن كما رأينا أن يسوع المسيا ليس قائداً حربياً أو سياسياً كما توقعه اليهود فى ذلك الحين ولذلك فإنه اختفى من الجمع وذهب بمفرده « وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً إنصرف أيضاً إلى الجليل وحده» (يو 6: 15).

ولقد تبع معجزة إشباع الجموع التى حدثت فى الشاطئ الشرقة لبحر الجليل (يو 6: 1) حديث يوحنا عن خمس معجزات صنعها يسوع.

ولقد طلب يسوع من تلاميذه أن يتركوا مكان معجزة إشباع الجموع ويذهبوا قدامه إلى كفرناحوم. وفى مساء ذلك اليوم حينما عبر تلاميذه البحر إلى كفرناحوم، وبينما هما يعبرون البحر رأوا يسوع ماشياً ومقترباً من القارب. ومعجزة المشى على الماء هذه هى اعادة تشريع Reenactment لإسرائيل القديمة التى عبرت البحر الأحمر. والبحر فى الإنجيل هو رمز للعالم الذى فسد بالخطية وهلك بالموت. وكما قاد موسى شعب بنى إسرائيل الأول خلال البحر إلى الحرية هكذا المسيح الذى هو موسى الجديد قاد تلاميذه الذين هم إسرائيل الجديدة خلال البحر إلى الأرض التى كانوا ذاهبين إليها. ومشى يسوع على الماء وهو علامة لنصرته على العالم. وخلال المعمودية المسيحية يستطيع الإنسان أن يدخل إلى النصرة ويخلص خلال الماء (1بط 3: 20).

أما قمة حديث يسوع فى الأصحاح السادس من الإنجيل بحسب يوحنا فى حديثه عن خبز الحياة الذى أعلن يسوع انه كان علامة لموته وقيامته وعن تأسيس سر التناول المقدس الذى سوف يحل محل الفصح الذى كان مركز احتفال شعب الله. ولقد نطق يسوع بهذا الحديث أمام جموع كثيرين تبعوه لكى يحل لهم كل أتعابهم ومشاكلهم. ولقد أراد يسوع أن يحول تفكيرهم من الأمور إلى السمائية طالباً منهم أن يعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى الذى للحياة الأبدية الذى هو كائن فى ابن الإنسان (يو 6: 22 - 27).

وفى حديث يسوع فى مجمع كفر ناحوم فانه ذكرّ سامعيه أن الله أطعم الشعب الجائع فى إسرائيل الأول خلال فترة التواهان فى البرية بالمن الذى هو الطعام السمائى والآن فى المسيح الذى هو موسى الجديد فإن الله قدم ثانية طعاماً من السماء لشعبه. وفى هذا الخبز الذى هو يسوع نفسه فإن الله قد أعطى حياة للعالم (يو 6: 22 - 34).

«فقال لهم يسوع أنا هو خبز الحياة. مَنْ يقبل إلىَّ فلا يجوع ومَنْ يؤمن بى فلا يعطش أبداً» (يو 6: 35). ولأولئك الذين اتهموه أنه جدف بسبب اعلانه عن أصله السمائى أجاب يسوع: «لا يقدر أحد أن يقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى ارسلنى وأنا أقيمه فى اليوم الأخير. أنه مكتوب فى الأنبياء ويكون الجميع متعلمين من الله» (يو 6: 47، 45، 44 - 51).

وكثيرون من الذين سمعوا تعجبوا وارتبكوا فيما تعنى كلمات يسوع فاجابهم يسوع بأكثر صراحة: «إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم. مَنْ يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية» (يو 6: 52 - 58).

ولما استصعب التلاميذ أيضاً كلام يسوع الجسد والدم ورجع كثيرون منهم للخفل ولم يسيروا معه «من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه» (يو 6: 66). ولكن بقى الاثنى عشر فى خدمة الرب وتحدث بطرس بالأنابة عنهم وقال للرب: «يا رب إلى مَنْ نذهب... كلام الحياة الأبدية عندك» (يو 6: 65 - 71).

وهكذا فإن حديث الرب عن سر الافخارستيا وخبز الحياة واضح جداً. إن جسد المسيح صُلب على الصليب وسُفك دمه وخلال موته وقيامته قد تحررنا من قوى الخطية والموت. ولكن لكى ندرك الخلاص المقدم لنا فى شخص يسوع ابن الإنسان المصلوب على الصليب يجب أن نأكل من جسده ونشرب من دمه، وخلال سر الافخارستيا الذى أسسه الرب يسوع نفسه فى العشاء الأخير فإننا نتناول من الجسد والدم اللذان ليسوع المصلوب الذى قام.

وكما فى المعمودية كذلك فى الافخارستيا نحن ندخل عن طريق ممارسة السر فى سر الفصح الفدائى وندخل مع المسيح إلى الحياة الأبدية ونصيرمتحدين مع الثالوث المقدس. لأن الاتحاد مع الجسد المقدس والدم الكريم اللذان للرب يسوع المسيح المخلص هو اتحاد مع الله الذى هو مفتاح الحياة الأبدية وكمال سؤال البشرية وطلبها للسعادة الكاملة.

7 - نور العالم:

تتحدث الأصحاحات السابع والثامن والتاسع عن زيارة يسوع إلى أورشليم بمناسبة الاحتفال بعيد المظال. وعيد المظال هو الاحتفال بعيد الحصاد الذى كان يستمر لمدة ثمانية أيام ويتذكرون فيه تيهان إسرائيل الأولى فى برية سيناء حيث عاش الشعب المختار فى خيام. وكان عيد المظال هو أحد الاحتفالات الثلاثة الكبرى – مع الفصح وعيد الخمسين – التى كان اليهود الأوائل يحتفلون بها وخلال هذا الأحتفال – كما وصفه يوحنا – (الذى ربما يكون قد وقع خلال العام الأخير من اقامة الرب يسوع على الأرض) علّم يسوع فى الهيكل والقى حديثاً عاماً شيقاً. والبعض ظنه مجنوناً. بينما ظنه البعض الآخر انه المسيا، بينما أعتبره البعض الآخر (الصدوقيين والفريسيين وأعضاء مجمع السنهدريم) انه خطر يهدد الدين والسياسة فى منطقة فلسطين (يو 7: 1 - 52) وكانت شعبية الرب انذاراً للسلطات اليهودية وربما تسبب ذلك فى خوف واضطراب السلطات اليهودية من الرومان وكثيراً ما قاوم اليهود سلطان المسيح وحاولوا أن يبرهنوا أنه يعلم الشعب أن يكسروا ناموس موسى (يو 8: 2 - 11) وحاولوا أن يقيدوه.

وقد حدثت مناقشة عامة ومناورة سياسية مع يسوع خلال هذا الاحتفال الدينى مما جعله يتحدث حديثاً عظيماً دوّنه البشارة الرابعة لإنجيل يوحنا.

ومن بين طقوس الاحتفال بعيد المظال انارة الهيكل، حيث يتم إيقاد المصابيح الذهبية الموجودة فى وسط فناء الهيكل فى مساء اليوم الأول من الاحتفال. وهذه الانارة هى رمز لعمود النور الذى كان الله يستخدمه لقيادة شعب بنى إسرائيل عن طريقه فى البرية خلال سنين التيهان فى البرية. وأثناء هذا الأحتفال تحدث يسوع فى الهيكل معلناً «أنا هو نور العالم. مَنْ يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يو 8: 12).

وفى هذا الاعلان فان يسوع يقدم نفسه على أنه هو عمل الله مما أثار روح العداوة فى الفريسيين ولكن الرب رد عليهم «لأنى لست وحدى بل أنا والآب الذى أرسلنى... أنا هو الشاهد لنفسى ويشهد لى الآب الذى أرسلنى» (يو 8: 13 - 20).

ولم يستطيع الفريسيون أن يفهموا كلام يسوع لانه كان يتحدث عن بنوته للآب، ولكن هناك آخرين تأثروا بكلام الرب وآمنوا به (يو 8: 28 - 30) وقد قال يسوع لاولئك الذين آمنوا به «فقال يسوع لليهود الذين آمنوا به انكم إن ثبتم فى كلامى فبالحقيقة تكونون تلاميذى. وتعرفون الحق والحق يحرركم» (يو 8: 32، 31).

أما الفريسيون فقد أعلنوا أنهم أولاد إبراهيم ولذلك فإنهم غير محتاجين للحق ولا للحرية التى تحدث الرب عنها، ولكن يسوع رد عليهم بانهم ليسوا أولاداً حقيقيين لإبراهيم، لان إله إبراهيم ليس هو أبيهم بل هو الشيطان (يو 8: 33 - 47) ولما اغتم الفريسيون عند سماعهم ذلك قالوا عن يسوع ان به شيطان (يو 8: 52، 48) ولما أعلن لهم أن لديه قوة الآب لكى يخلّص البشر من لعنة الموت اندهش أعداءه وسألوه «ألعلك أعظم من أبينا إبراهيم الذى مات. والأنبياء ماتوا. مَنْ تجعل نفسك» (يو 8: 53) فأجابهم يسوع بتأكيد أنه هو المسيا الذى كان يرجوه إبراهيم وأكد لهم أنه هو إبن الله (يو 8: 54 - 56) ولما استمر تعيير أعدائه له وحديثهم معه بعنف فان الرب أعلن لهم الكلمات القوية والأخيرة فى حديث العيد «قال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل ان يكون إبراهيم أنا كائن» (يو 8: 58).

وكان هذا الاعلان الصريح للرب يسوع المسيح انه مساو للآب هو نفس الاعلان الذى حدث فى العليقة (خر 3: 13 - 15) ولذلك أعلن يسوع انه هو نور وحياة العالم وأعلن أيضاً اتحاده مع الآب الكائن والعامل. ولذلك فإن اليهود أعتبروا ذلك أقصى ما يمكن أن يكون من التجديف فأخذوا حجارة ليرجموه، لأن الرجم بالحجارة كان عقاباً للتجديف وفقاً لناموس موسى ولكن يسوع قد فارقهم وترك الهيكل (يو 8: 59).

وبعد حديث يسوع فى الهيكل قام بشفاء المولود أعمى (يو 9: 1 - 12) وهذه المعجزة السادسة التى صنعها يسوع وفقاً للإنجيل بحسب يوحنا هى علامة على ان يسوع هو نور العالم (يو 9: 5).

ولقد وصف يوحنا معجزة شفاء المولود أعمى بأكثر تفصيل وقد حدثت هذه المعجزة فى يوم السبت وكانت ضمن الأمور التى أثارت حقد الفريسيين وغيظهم (يو 9ك 13 - 23) ولكن الأعمى الذى شفى مجد يسوع على أنه نبى ورجل الله ورفض أن يتعامل مع الفريسيين الذين حاولوا تجريم يسوع والتشهير به وبسبب ذلك فان الفريسيين طردوا المولود أعمى خارج المجمع (يو 9: 24 - 34) وبعد حرمانه من المجمع صار هذا المولود أعمى تلميذاً للمسيح. ويخبرنا يوحنا بأن يسوع قد فتح عينىّ روحه كما فتح عينى جسده ورأى هذا الإنسان ألوهية ابن الإنسان فسجد للرب (9: 35 - 38) وهذه هى الرؤية الروحية الهامة لأن منح نعمة البصر لذلك المولود أعمى كانت مجرد علامة لشفاء أعمق وهو نعمة الإيمان بالمسيح وهو اعلان للذين اصيبوا بالعمى الروحى أن يأتوا ليبصروا الحق. أما أولئك الذين يظنون أنهم يرون الحق بدون نور يسوع – مثل الفريسيين – فإنهم بلا بصيرة روحية.

وهكذا فإن بهاء نور المسيح هو إشراق للبعض بينما هو عمى بصر للآخرين.

8 - الراعى الصالح:

يتضمن الأصحاح العاشر من بشارة يوحنا حديثاً آخر ليسوع مع السلطات اليهودية فى أورشليم. وهذا الحديث تم بعد ثلاثة شهور تقريباً من الاحتفال بعيد المظال الذى تم فى الفصل السابق. وكان حضور يسوع فى أورشليم بسبب الاحتفال بعيد التجديد (يو 10: 22) وهذا هو أحد الأعياد الأولى فى اليهودية الذى تأسس فى القرن الثانى قبل الميلاد. وعيد التجديد هذا هو لتذكار انتصار يهوذا المكابى على جيوش الامبراطور سلوسيد Seleucid عام 164ق. م وتحرير أورشليم من اليونان واعادة تجديد الهيكل لإله إسرائيل. وكان ملك السلوسيد Seleucid هو انتيخوس أبيفانوس Antieches Epiphanoes الذى كان قد دنس الهيكل عام 168 ق. م (مكابين الول 1 - 4) وعيد التجديد هذا Hanukah كان يحتفل به لمدة ثمانية أيام خلال شهر ديسمبر وكان يتضمن اضاءة شموع فى الهيكل وفى كل بيت يهودى. ومازال هذا العيد يحتفل به كل يهود العالم ولكن بدون إضاءة للهيكل لأن هيكل أورشليم قد تدمر بيد الرومان عام 70م. والحديث الذى أورده القديس يوحنا فى الأصحاح العاشر هو إعادة تركيز على تقديم يسوع نفسه على أنه نور العالم. وقد قوبل حديث يسوع هذا بالسخرية بسبب مقاومة اليهود ليسوع حينما كانوا يحتفلون بعيد التجديد هذا.

وكعادة يسوع فى زيارته لأورشليم كان يتحدث ويعلم فى الهيكل أثناء الاحتفال بالعيد فأعطى حديثه المشهور عن نفسه انه هو الراعى الصالح (10: 1 - 18) والعهد القديم يتحدث عن الله وعن المسيا انه هو الراعى وعن شعب الله أنهم خراف فى قطيع الرب (مز 23: 1 - 6؛ مز 80: 1؛ مز 95: 7؛ مز 100: 3؛ إش 40: 11).

ويجب أن نلاحظ أنه يتم تربة الأغنام فى فلسطين بسبب اللبن والصوف وليس بسبب اللحم. والعلاقة بين الراعى والقطيع هى علاقة لصيقة جداً ومملوءة بالحنان. وكان شائعاً أن يعطى الراعى أسماء للخراف ليدعوها به والخراف تعرف وتفهم صوت راعيها وهى لا تسمع قط لصوت الغريب (يو 10: 2، 1).

وهذه مرة ثانية يقدم يسوع فيها نفسه على أنه المسيا ويقدم خدمته على أنها عمل من أعمال الله. وهو الراعى الذى يدعو شعب الله الحقيقى بأسمائهم وهم سوف يسمعون ويعرفون صوته ويتبعونه تاركين حظيرة العالم وداخلين فى المراع الخضر السمائية (يو 10: 3 - 5) ولقد تضمن حديث الرب أن أولئك الذين لا يعرفون ولا يسمعون صوته (مثل الفريسيين) ليسوا أعضاء حقيقيين فى قطيع الرب.

وكالعادة فإن الرب يتحدث بصراحة حين لا يفهم الفريسيون ما يقوله ولذلك قال لهم: «الحق الحق أقول لكم إنى أنا باب الخراف... أنا هو الباب إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى... وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم (للخراف) حياة وليكون لهم أفضل» (يو 10: 7 - 10) وفى قوله عن نفسه إنه هو باب الخراف لانه فى مراعى فلسطين فإن الراعى يقود قطيعه فى الليل إلى الحظيرة المفتوحة حتى يستطيع القطيع أن يدخل ويخرج. من الحظيرة لأن الراعى نفسه يرقد فيها فى الليل عند المدخل لكى يحفظ قطيعه داخل الحظيرة أى أن الراعى نفسه يصير هو الباب، ولا يوجد مجال للدخول إلاَّ عن طريقهز ويسوع هو الراعى وفى نفس الوقت هو باب قطيع الله وعن طريقه فقط نستطيع أن ندخل ونخرج أى نتحرك فى أمان فى المراعى الأبدية السماوية.

ويتتابع يسوع فى حديثه فيعلن أنه هو الراعى الصالح الذى يبذل نفسه من أجل الخراف وهو بذلك يعلن عن موته المزمع أن يكون والذى سوف يؤول إلى تصالح شعبه مع الآب معلناً عن حبه لشعبه. وهنا يعلن الرب أن موته سيكون بإرادته وأنه سيقوم بالقوة التى يمنحها له الله الآب. ويركز يسوع أن موته هو فداء ليس لشعب إسرائيل فقط بل أيضاً من أجل الأمم الذين رجعوا إليه فى إيمان وطاعة وان قطيع الراعى الصالح يتضمن الخراف المؤمنة من شعب إسرائيل والخراف الآخرى أيضاً الآتية من الألأم الأخرى.

وقد قوبل حديث يسوع عن الراعى الصالح بالنقد والأسئلة من كل أعدائه الفريسيين. ولقد طلب الفريسيون وآخرون من اليهود المتدينين أن يعرفوا فى كلمات واضحة هل يسوع هو المسيا أم لا (يو 10: 19 - 24) ولقد اعلن لهم أنه هو حقيقة المسيا (يو 10: 25 - 29) وعندئذ أكد لهم ما سبق اعلانه منذ ثلاثة شهور حين تم الأحتفال بعيد المظال «أنا والآب واحد» (يو 10: 30) ولما أتهموا يسوع بالتجديف حاول أن يشرح لهم بصراحة بنوته الإلهية «أجابهم يسوع أليس مكتوباً فى ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة. أن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله.. فالذى قدسه الآب وأرسله إلى العالم أتقولون له إنك تجدف لأنى قلت إنى ابن الله» (يو 10: 34 - 38).

ولكن أعداءه لم ينصتوا لما قاله وحاولوا مرة أخرى أن يقبضوا عليه ولكنهم فشلوا «فطلبوا أيضاً أن يمسكوه فخرج من أيديهم» (يو 10: 39).

9 - القيامة والحياة:

إن قصة قيامة لعازر من الموت المعروفة قد رواها يوحنا فى الأصحاح الحادى عشر. لقد كان لعازر فى بيت عنيا – واختاه مريم ومرثا من الأصدقاء المخلصين الصالحين للرب وكانوا أيضاً من تلاميذه. وحين مرض لعازر أرسلت مريم ومرثا إلى يسوع (يو 11: 1 - 3) ولقد عرف الرب أن لعازر يجب أن يموت لأنه خلال موت لعازر فإن مجد الرب الإلهى سوف يعلن (يو 11: 4) وحين وصل يسوع وتلاميذه إلى بيت عنيا (يو 11: 5 - 6) كان لعازر قد مات حقيقة ووضع فى القبر منذ أربعة أيام (يو 11: 17) وخرجت مرثا لكى تلتقى بيسوع حين وصل إلى بيتها فحيته وقالت له: « يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخى. لكنى الآن أيضاً اعلم أن كل ما نطلب من الله يعطيك الله إياه» (يو 11: 22، 21).

فقال لها يسوع: «سيقوم أخوكِ... أنا هو القيامة والحياة. ومِنْ آمن بى ولو مات فسيحيا» (يو 11: 23 - 26) ولما سمعت مرثا هذا الكلام تقوّت فى إيمانها بربوبية يسوع وأنه هو المسيا وابن الله (يو 11: 27). ولما سمعت مريم بوصول يسوع ذهبت أيضاً لتحيته (يو 11: 28 - 32). ثم ذهب يسوع مع مريم ومرثا ومجموعة من الأصدقاء إلى قبر لعازر وكان حجر موضوع على باب القبر (يو 11: 33 - 38) وطلب الرب أن يدحرج الحجر عن باب القبر (يو 11: 40، 39) وقدم صلاة شكر إلى أبيه السماوى، وصرخ يسوع بصوت عال وقال: «لعازر هلم خارجاً» (يو 11: 41 - 43) ولقد شهد يوحنا أن الميت قد خرج خارجاً ويداه ورجلاه مربوطتان ووجه ملفوف بمنديل وقال لهم يسوع: «حلّوه ودعوه يمضى» (يو 11: 44).

ولقد أثار ذلك الذى حدث دهشة وعجب الجميع وكانت هذه هى المعجزة والعلامة السابعة للاهوت المسيح الابن التى سجلتها البشارة الرابعة. وكانت علامة على قوة المسيح فوق الموت وتأكيد على القيامة الأخيرة للموتى التى صارت ممكنة عن طريق قيامة الرب المجيدة.

وعند سماع لعازر لقول الرب: «هلم خارجاً» فان روحه قد رجعت Resuscitation ولكنه لم يقم القيامة العتيدة من الموت Resurrected لأن الذى يقوم القيامة العتيدة لا يموت بعد ذلك قط، ولكن وفقاً للتقليد فان لعازر مات فى الجسد ثانية بعد معجزة إقامته ببعض السنين. وكانت إقامة لعازر هى صورة أو ظل لقيامة المسيح نفسه التى هى العلاقة القصوى والأخيرة لنصرة الرب على قوى الشر والموت.

وكانت إقامة لعازر هى العلامة التى قدمها يسوع وفاقت كل العلامات الأخرى وهى المعجزة التى أفحمت وأنذرت أعداء الرب فى الأوساط الدينية. ولذلك تم عمل اجتماع خاص فى مجمع السنهدريم لمناقشة المشاكل الخاصة بيسوع (يو 11: 45 - 53) وتحدث أحد الأعضاء فقال: «ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. ان تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتى الرومانيوس ويأخذون موضعنا وأمتنا» (يو 11: 48، 47) واعلن قيافا رئيس الكهنة «أنتم لستم تعرفون شيئاً. ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها» (يو11: 49 - 50) وأعلن يوحنا بأن كلمات رئيس الكهنة كانت نبوة عن أن يسوع سوف يموت عن مملكة إسرائيل وعن جميع شعب الله فى كل أمم العالم (يو 11: 52، 51) وكان قيافا بلا شك لا يفهم كمال معنى الكلمات النبوية التى قالها. ولكن تحت قيادة قيافا الكهنة خرجت مؤامرة القبض على يسوع إلى حيز الجدية والتنفيذ.

وبعد حديث يوحنا التفصلى عن معجزة إقامة لعازر فانه امتد بعد ذلك للحديث عن ألوهية المسيح الابن على أنه الكلمة المتجسد وهو المسيا ابن الله وهو خبز الحياة ونور العالم والراعى الصالح.

وكان الذى حدث فى بيت عنيا مقدمة لما سوف يحدث لخدمة الرب يسوع المخلص على الأرض وهو أن المسيح يسوع هو القيامة والحياة.

10 - آلام يسوع المسيح وصلبه وقيامته:

لقد جاء يسوع إلى أورشليم للمرة الثالثة خلال تجسده وذلك للإحتفال بعيد الفصح للمرة الأخيرة. ولقد إزدادت شهرة يسوع وإزداد الهجوم عليه بسبب زيادة حدة مقاومته من اليهود خصوصاً بعد معجزة إقامة لعازر من الموت. وكانت الجموع متوقعة حضوره فى العيد لكى يسمعوا تعاليمه وربما لكى يشهدوا قوة عمل المعجزات التى كان يفعلها. وكان أعضاء مجمع السنهدريم ينتظرون مجيئه إلى أورشليم حتى يمكن أن يقبضوا عليه.

وبعد أن أقام يسوع لعازر ترك بيت عنيا – التى كانت خارج أورشليم – وذهب لكى يمكث فى مدينة إفرايم وهى تبعد حوالى عشرة أميال شمال المدينة المقدسة (يو 11: 54).

ولما إقترب موعد الفصح رجع الرب إلى بيت عنيا وأمضى يوم السبت السابق على دخوله أورشليم (سبت لعازر) فى بيت لعازر ومريم ومرثا. ووفقاً لإنجيل يوحنا فإنه قد تم فى هذه المناسبة دهن مريم أخت لعازر ليسوع بالطيب وكان هذا رمزاً لموت الرب ودفنه (يو 12: 1 - 11) وفى اليوم التالى دخل يسوع أورشليم وبدأ الأسبوع الأخير لاقامته على الأرض ليعمل عمل الفداء.

وحديث يوحنا عن دخول المسيح الانتصارى إلى أورشليم لا يختلف عما رواه القديس متى (21: 1 - 11) أو القديس مرقس (11: 1 - 11) أو القديس لوقا (12: 28 - 44). ولكن يوحنا لم يسرد ما صنعه يسوع يوماً فيوماً بعد الدخول الانتصارى إلى أورشليم كما فعل البشيرون الثلاثة الآخرون ولكنه سجل حديثاً للرب يسوع عن موته وقيامته ومجده القريب الحدوث (يو 12: 20 - 50) لانه «قد أتت الساعة ليتمجد ابن الإنسان... الآن دينونة هذا العالم. الآن يطرح رئيس هذا العالم خارجاً. وأنا ان ارتفعت عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع» (يو 12: 23، 31 - 32).

وخلال موت الرب وقيامته فانه تم اعلان رجوع الجنس البشرى ليكون لهم نصيب فى الحياة الأبدية ولكن يجب أن نستعد لكى نتبع المسيح حتى الموت (يو 12: 24 - 26) وكان هذا هو الحديث التعليمى الجهارى الأخير للرب يسوع الذى سجله القديس يوحنا فى الأصحاح الثانى عشر (20 - 50). ومن ذلك الحين والرب يسوع يركز لتلاميذه على الاستعداد للمجد الذى يضمنه المحاكمة والموت والقيامة.

11 - العشاء الأخير والحديث الوداعى:

لقد تحدث القديس يوحنا فى بشارته عن العشاء الأخير فى الأصحاح (13: 1 - 17). والحديث لم يحو أى إشارة عن تأسيس سر الافخارستيا المقدس. لأنه فى الوقت الذى كتب فيه يوحنا بشارته (حوالى 85 – 90م) كانت التقاليد الخاصة بالعشاء الأخير قد سجلها البشيرون الثلاثة وأصبحت معروفة جداً. وكان يوحنا مركزاً على ملء الصورة التى رسمت فعلاً فى الأناجيل الثلاثة وتحدث يوحنا عن أحداث العشاء الأخير التى لم يسجلها البشيرون الثلاثة.

إن القديس يوحنا يخبرنا أن يسوع فى العشاء الأخير قد غسل أرجل تلاميذه (يو 13: 1 - 20) وكان هذا العمل هو ما درج عليه واجب الضيافة فى الشرق الأوسط ويتم هذا الطقس عن طريق العبيد أو الخدم. ولقد اندهش تلاميذ يسوع حينما رأوا الرب انه هو الذى يغسل أرجلهم ويقوم بعمل العبد وحينما حاول بطرس أن يمنع الرب عن ذلك قال له إن كنت لا أغسلك فليس لك معى نصيب (يو 13: 6 - 8) وبعد أن غسل أرجلهم شرج لهم ما فعله هو رمز للإرسالية التى سوف يرسلهم فيها، وكما انه خادم الله وخادم الجنس البشرى هكذا هم أيضاً يجب أن يخدموا الله ويخدموا زملاءهم من البشر. وكما جعل المسيح الخلاص ممكناً للعالم هكذا الرسل عليهم أن يقدموا هذا الخلاص لكل الأمم (يو 13: 12 - 20) وفى حديثه عن الارسالية المزمعة للكنيسة الرسولية فان الرب قد أعلن «الذى يقبل مَنْ أرسله يقبلنى. والذى يقبلنى يقبل الذى أرسلنى» (يو 13: 20). وفى حديثه لبطرس إن كنت لا أغسلك ليس لك معى نصيب كان يسوع يشير إلى القوة المظهرة لموته وقيامته. وفى الكنيسة الأولى فان حادثة غسل الأرجل هى علامة عن تأسيس الأسرار. لأن المعمودية والتناول هما سران بهما ندخل إلى موت المسيح وقيامته فيكون لنا شركة مع الرب القائم وعندئذ نكون أنقياء كلنا بالتمام فى جسد والروح «الذى قد إغتسل ليس له حاجة إلاَّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله» (يو 13: 10).

إن آباء الكنيسة قد رأوا فى واقعة غسل الأرجل فى العشاء الأخير علامة لرفعة المسيح (بالصليب) حيث صار معروفاً لكل العالم عن طريق سرى المعمودية والافخارستيا.

وبعد واقعة غسل الأرجل فان المسيح تنبأ عن الذى سوف يسلمه وحدد أنه هو يهوذا الاسخريوطى ولكن بعض الرسل لم يفهموا ما كان يسوع يتحدث عنه ولم يفهموا أن يهوذا الاسخريوطى هو ذلك الذى يتحدث عنه يسوع. ولقد طلب يسوع من يهوذا أن يترك الاجتماع مع الرسل ويذهب ليتمم بسرعة ما نوى أن يفعله بدون أى ضجة (يو 13: 21 - 30).

وحينما ترك يهوذا جماعة الرسل قدم يسوع للتلاميذ التعاليم الأخيرة لبشارته على الأرض. وهذه التعاليم موجودة فى يوحنا (13: 31 حتى 16: 33) وهذه الأحاديث المعروفة بالأحاديث الوداعية لانها خاتمة التعاليم الرئيسية التى سجلها القديس يوحنا. ولقد بدأ يسوع حديثه عن المجئ الثانى واعلان مجد الآب ومجد الابن فى موت يسوع. لأنه خلال ذلك الموت فإن الله قد أعلن نفسه منتصراً على قوة الظلمة. وان محبة الله للجنيس البشرى وللعالم كله قد تأكدت فى الصليب وأن قيامة المسيح من الموت كانت بالتأكيد علامة عن مجد الله وقوته ومحبته (يو 13: 31 - 35).

إن موت المسيح وقيامته وصعوده هو رحيل للرب عن تلاميذه، لانه حيث يذهب هو لا يستطيعون هم أن يذهبوا إليه (يو 13: 33) ولكن رحيل المسيح عن تلاميذه لن يكون بصفة دائمة لانه عن طريق قيامته من الموت وصعوده المملوء مجداً إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب فإن يسوع جعل إمكانية للدخول إلى ملكوت الله. وعن طريق مجيئه الثانى الذى سيكون فى نهاية الأيام فإن الرب سوف يرجع إلى العالم وسيقود شعبه إلى كمال الخلاص (يو 14: 1 - 4). إن يسوع هو الطريق والحق والحياة، هو الطريق إلى الخلاص، وفى شخصه وفى أعماله الخلاصية فإننا سوف نكتشف الحق الذى يتعلق بالله وبالعالم وبأنفسنا، وحين نقبل هذا الحق وحينما نسلك هذا الطريق فإننا سوف نحصل على الحياة الخاصة بملكوت السموات (يو 14: 6) لأننا فى المسيح نتصالح مع الله الآب.

وفى حديث يسوع مع الرسل قال لهم: «أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفنى يا فيلبس الذى رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب.. صدقونى أنا فى الآب والآب فيَّ» (يو 14: 11، 9) وبسبب هذا الاتحاد الكامل بين الآب والابن فان البشر يستطيعون أن يدخلوا فى شركة مع الآب خلال الايمان والطاعة للابن.

وهكذا فإن علاقتنا مع المسيح هى التى تحدد لنا العلاقة مع الآب، فإذا ما نحن رفضنا المسيح فإننا لن نجد الآب، وإذا ما نحن آمنا بالمسيح وتبعناه فإننا سوف نكون أولاد الله (الآب) (يو 16: 16، 20: 28).

ونحن نلاحظ أنه فى العهد القديم فان الله يعلن خلاصه عن طريق تأسيس ملكوت الله فى نهاية الأيام، أما فى العهد الجديد فإن الوضع يختلف عن هذا لأن العهد الجديد يعلن لنا أن ملكوت الله قد أتى وسوف يأتى أيضاً خلال شخص المسيح وأعماله. وفى العهد الجديد نحن نحقق المستقبل فى الحاضر (اسكاتولوجياً Eschatology) أو بمعنى آخر فإن العهد الجديد يحوى كل ما هو خاص بالأبدية لكى ندركه هنا وننعم به هنا. وهكذا فإن التعاليم الخاصة بالنهاية Last things قد إحتوتها إرسالية يسوع بحيث أصبحت تحوى أبعاد الماضى والحاضر والمستقبل. وخلال حياة الرب وموته وقيامته وصعوده فان يسوع قد خلصنا من قوى الشر. وفى مجئ الرب الثانى فانه سوف يكمل ويتمم تصالح كل الأشياء فى الله. وهكذا فى المسيح نحن قد خلصنا ونحن سوف نخلص، أى أن ملكوت الله قد أتى وملكوت الله موجود وملكوت الله سوف يأتى أيضاً. وهكذا فإن الفداء أصبح يحوى الماضى والحاضر والمستقبل.

ويحتوى الحديث الوداعى على أجزاء خاصة بالروح القدس لأن يسوع قد أخبر تلاميذه بأنهم سوف يأخذون الروح القدس سريعاً، وأن الروح القدس سوف يحل عليهم وليمكنهم إدراك الحق الخاص بالخلاص الذى منحهم الله ان يشتركوا فيه خلاص حياته على الأرض (يو 14: 15 - 26، 25، 17) وكان لابد للتلاميذ أن يأخذوا الروح القدس بعد موت الرب وقيامته وصعوده (يو 16: 5 - 7).

ولذلك فإن بعد رحيل الرب من العالم أرسل لهم الأقنوم الثالث من الثالوث المقدس وهو الروح القدس «الذى ينبثق من الآب» لكى يحيا ويقود الرسل وكل أعضاء كنيسة المسيح (يو 15: 27، 26؛ أع2).

ولقد تحدث الرب عن الروح القدس انه هو المحامى أو المدافع Advocate وباليونانية Parakletos وأنه روح الحق (يو 14: 15 - 26، 17؛ 15: 27، 26؛ 16: 13، 7) وكما أن المسيح هو المحامى والمدافع عن شعبه (1يو 2: 1) هكذا الروح القدس يصالح ويشجع ويعزى ويدافع عن الكنيسة أمام الذين يضطهدوننا من العالم أو من الجسد أو من الشيطان. والروح القدس هو الذى دخل إلى قلوب الرسل وجعل حياة الكنيسة رسولية، وهو روح الحق الذى يعلم تابعى المسيح كل شئ ويذكرهم بكل ما عمله المسيح إياهم طوال فترة حياته على الأرض (يو 14: 26، 25). والروح القدس سوف يعلن الحق الذى لم يعلنه المسيح للتلاميذ بسبب عدم إمكانية قدراتهم على الاستعاب فى ذلك الوقت «إن لى أموراً كثيرة لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق... ويخبركم بأمور آتية» (يو 16: 13، 12).

ولقد كتب أحد الشراح فى تفسير تلك الآيات فقال: [إن اعلان الله دائماً فى تقدم. لأن المسيح أعلن للتلاميذ فقط ما يمكن أن يقبلوه ويفهموه. ولكنه طلب منهم أن ينتظروا اعلانات كثيرة بعد صعوده عند مجئ الروح القدس وأن يقبلوا هذه الاعلانات مثل قبولهم لكلمة الله].

وقد قال يسوع فى حديثه الوداعى ان الروح اقدس سوف يقوى الكنيسة لكى تشهد بقوة الخلاص الذى جاء إليهم عن طريق المسيح (يو 15: 27، 26). وخلال الروح القدس فإن الكنيسة تحمل للعالم عمل المسيح الخلاصى وفى الواقع انها سوف تعمل أعظم من هذا الذى فعله الرب نفسه «الحق الحق أقول لكم مَنْ يؤمن بى فالأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعظم منها» (يو 14: 12). وهذا لا يعنى أن عمل الكنيسة أعظم من عمل المسيح ولكن معناه أنه خلال بشارة الكنيسة التى لا تتم إلاَّ فى المسيح فإن خلاص الله سوف يكون ممكناً لكل العالم عى إتساعه.

وتعاليم المسيح عن الروح القدس كانت مقدمة للتلاميذ (الكنيسة) لكى يهيئهم لفترة رحيله عنهم من العالم. ولا يمكن أن تترك الكنيسة يتيمة بعد رحيل الرب من العالم (يو 14: 18) ولكن خلال قوة وحضور الروح القدس فإن أتباع المسيح سوف يعلمون أن الابن فى الآب والكنيسة فى الابن والابن فى الكنيسة «إنى أنا حى فأنتم ستحيون. فى ذلك الوقت وتعلمون أنى أنا فى أبى وأنتم فىَّ وأنا فيكم» (يو 14: 20، 19). والروح القدس سوف يشجع ويقوى الكنيسة لكى تحب وتطيع المسيح (يو 14: 21) وفى الروح القدس فإن الآب والابن سوف يصنعان منزلاً لهم فى الكنيسة وفى المؤمنين (يو 14: 22 - 23).

ولهذا فإنه خلال خدمة الروح القدس (الكنيسة) فإن المسيح سوف يتمجد فى الكنيسة والكنيسة سوف تحيا فى اتحاد مع الثالوث المقدس (يو 16: 15، 14).

ويسجل إنجيل يوحنا بأن التلاميذ لم يفهموا معنى تعاليم المسيح فى العشاء الربانى ولكنهم كانوا يؤمنون أنه هو المسيا الذى لبنى إسرائيل وكانوا يعرفون أيضاً ألوهيته (يو 16: 30، 29) ولكنهم كانوا غير قادرين على أن يفهموا ما قاله لهم عن رحيله من العالم ومجئ الروح القدس (يو 14: 22، 9، 8، 5؛ 16: 18، 17) وبسبب عدم الفهم هذا فإن التلاميذ تركوا المعلم بعد القبض عليه (يو 16: 31 - 32) وحتى بطرس الذى أعلن أنه مستعد أن يموت من أجل الرب فإنه قد أنكر الرب ثلاث مرات فى ليلة واحدة (يو 13: 36 - 38) ولقد وعد المسيح تلاميذه بأن يكونوا شهوداً للأخبار السارة التى للخلاص. وبعد قيامة الرب وخاصة بعد حلول الروح القدس فإن التلاميذ فهموا حقيقة طبيعة إرسالية المسيح الخلاصية. ولقد أخبرهم بأنهم سوف يضطهدون ويرفضون من العالم ويموتون (يو 15: 18 - 25؛ 16: 1 - 4) ولكن عن طريق الروح القدس سوف ينقيهم ويعلمهم كيف يحبون المسيح وكيف يحبون بعضهم بعضاً كما أحبهم المسيح وسوف يحملون الرسالة الإلهية للخلاص إلى أقاصى كل المسكونة (يو 15: 1 - 17؛ 13: 35، 34؛ 14: 12 - 14) وعن طرق الرسل وبقوة المسيح والروح القدس فان كنيسة العهد الجديد سوف تولد وسوف تغلب العالم (يو 16: 33) وسوف تنمو وأخيراً ستلحق بملكوت الله.

وفى نهاية الحديث الوداعى رفع يسوع عينيه إلى السماء وصلى إلى أبيه السماوى تلك الصلاة المعروفة بالصلاة الشفاعية العظيمة (يو 17) وهى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ - فى القسم الأول صلى يسوع من أجل مجده الوشيك الوقوع عن طريق موته وقيامته وصلى لكى يقود تلاميذه إلى المعرفة الكاملة لله وللحياة الأبدية وصلى من أجل تأكيد اتحاده مع أبيه فى مجد السماء (يو 17: 1 - 5).

ب - وفى القسم الثانى صلى يسوع من أجل استمرار اتحاد الرسل فى المحبة وأن يكون لهم فرح عوض الأتعاب وأن يقاوموا خطط إبليس وأن يكملوا إرساليتهم الرسولية إلى العالمز.

«أيها الآب القدوس احفظهم فى إسمك... حفظتهم ولم يهلك منهم أحد... لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير... قدسهم فى حقك» (يو 17: 6 - 19).

ﺟ - وفى الجزء الثالث صلى يسوع من أجل الكنيسة بأكملها لكى نحيا فى حب ووحدة خلال جميع الجيال المقبلة «لست أسأل من أجل هؤلاء فقط (الرسل) بل من أجل الذين يؤمنون بى بكلامهم ليكون الجميع واحداً... كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىَّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم انك أرسلتنى وأحببتهم كما أحببتنى. أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطتنى يكونون معى حيث أكون أنا لينظروا مجدى الذى أعطيتنى لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم... ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به وأكون أنا فيهم» (يو 17: 20 - 26).

12 - محاكمة وموت المسيح:

بعد العشاء الأخير (الذى تم فى مساء الخميس من الأسبوع المقدس) ذهب يسوع وتلاميذه إلى بستان عبر وادى قدرون الذى يعرف باسم جثسيمانى (يو 18: 1) حيث قبض على يسوع بمعرفة جند الهيكل الذى أرسلهم مجمع السنهدريم وقادهم يهوذا الاسخريوطى الخائن (يو 18: 2 - 11). ولم يصف يوحنا تفاصيل محاكمة المسيح أمام مجمع السنهدريم، ولكنه أشار أنه تم محاكمة يسوع عن جريمة التجديف الدينية لأنه جعل نفسه أبناً لله (يو 19: 7). وبينما تم استجواب الرب ومحاكمته أمام مجمع السنهدريم (18: 12 - 14، 19 - 24) قام بطرس الرسول بإنكار انه كان أحد تابعى وأصدقاء يسوع (يو 8: 15 - 18، 25 - 27). ومعظم الرسل الآخرين قد تركوا يسوع كما تنبأ هو عنهم قبل ذلك.

وقد أدان مجمع السنهدريم يسوع عن جريمة التجديف وفقاً لقانون موسى وحكموا على يسوع بالموت. وكما ذكرنا من قبل أن اليهود لا يستطيعون أن ينفذوا حكم الموت بمفردهم بل يجب أن يعتمد الحكم ويصدق عليه من الحاكم الرومانى الخاص باليهود وهو بيلاطس النبطى. وبعد التصديق على قرار مجمع السنهدريم تم تسليم يسوع كإنسان متهم لتنفيذ حكم الموت عليه عن طريق الجيش الرومانى. ولذلك أمر قيافا رئيس الكهنة أن يؤخذ يسوع إلى مكان إقامة ذلك الحاكم الرومانى. وأمام بيلاطس الحاكم الرومانى إتهم قادة السنهدريم يسوع بقيامه بمؤامرة سياسية علاوة على جريمة التجديف (يو 18: 33 - 38؛ 19: 7).

وقد قرر يوحنا الإنجيلى – مثل البشيرين الثلاثة – بان يسوع لم يكن عليه أى لوم قط من قبل السلطات الرومانية (18: 38). وقد حاول بيلاطس بكافة الطرق أن يطلق يسوع (يو 18: 38 - 40؛ 19: 1 - 11)، ولكن القادة اليهود قد اعترضوا على ذلك بعنف وصرخوا أمام الحاكم الرومانى إذا أطلقت هذا الإنسان فلست محباً لقيصر، لأن كل مَنْ يقيم نفسه ملكاً – لأن يسوع أقام نفسه ملكاً على اليهود – فهو عدو لقيصر (يو 19: 12). وحينما وضع بيلاطس فى مأزق الاختيار بين المسيح وقيصر فان بيلاطس بدون تردد قد اختار طيباريوس قيصر (14 - 37م) وأصر اليهود على أنه ليس لديهم ملكاً سوى قيصر (يو 19: 15) وعندئذ صدق بيلاطس على قرار السنهدريم وأمر بأن يُصلب يسوع (يو 19: 13 - 16).

وقد أورد يوحنا الحديث عن الصليب فى (ص 19: 17 - 37). وفقاً لرواية يوحنا فإن المسيح قد صلب وسط اثنين، ورغم اعتراض السلطات اليهودية فإن بيلاطس قد وضع فوق الصليب وصفاً باليونانية واللاتينية والعبرية مكتوباً «يسوع الناصرى ملك اليهود» (يو 19: 17 - 22). ولقد وزع عساكر بيلاطس ملابس يسوع على أنفسهم وألقوا القرعة على الرداء ليكون من نصيب أحدهم. وهذه الواقعة التى أوردها يوحنا هى تكميل للنبوة بالمسيا التى وردت فى (مز 22: 18) «يقسمون ثيابى بينهم وعلى لباسى يقترعون» (يو 19: 23 - 25).

وقد وقفت أم يسوع وبعض من تلاميذه عند الصليب، وكان أحد هؤلاء التلاميذ هو يوحنا الحبيب الذى يخبرنا التقليد بأنه هو يوحنا الرسول نفسه. ولما رأى يسوع أمه والتلميذ الذى كان يحبه واقفاً بالقرب منه قال لأمه «يا إمرأة هوذا إبنك» وقال للتلميذ «هوذا أمك» (يو 19: 25 - 27). ثم أخبرنا إنجيل يوحنا انه «من تلك الساعة اخذها التلميذ إلى خاصته» (يو 19: 27). وهنا صارت أم الله هى حواء الجديدة التى أصبحت أما للتلميذ الحبيب الذى يمثل الكنيسة. وأخذ التلميذ الحبيب – ممثل الكنيسة – الأم القديسة مريم إلى خاصته وكما كانت القديسة مريم شفيعة عن أصدقائها فى عرس قانا الجليل هكذا الآن صارت شفيعة عن كل شعب الله.

وبعد كلمات يسوع غلى أمه وإلى التلميذ الحبيب وبعد أن علم يسوع بأنه قد أكمل كل شئ قال: «أنا عطشان» حتى تكمل الكتب (مز 69: 21) فأعطاه الحارس الرومانى بعضاً من الخل ليشرب وحين أخذ يسوع الخل ليشرب قال: «قد أكمل» وأحنى رأسه وأسلم الروح (يو 19: 28 - 30). واستمر يوحنا فى حديثه فقال: «لان الصلب قد تم ليلة السبت طلب اليهود من بيلاطس أن تكسر أرجل المصلوبين حتى يرفعوهم من على الصلبان «حتى لا يموتوا فى يوم السبت وعندئذ قام الجنود الرومان بكسر عظام اللصين اللذين صلبا مع يسوع، ولكن حينما أتوا إلى يسوع ورأوا أنه قد مات فعلاً لم يكسروا رجليه» (يو 19: 33، 32) ولكن واحداً من العسكر طعن جنب يسوع فخرج منه دم وماء (يو 19: 34) ولذلك قد أكملت نبوة العهد القديم فيما يخص المسيا أن عظماً من عظامه لم يكسر (خر 12: 46، مز 34: 20) وطعن بالحربة (زك 12: 10) ثم قام يوسف الرامى ونيقوديموس – وهما عضوان من السنهدريم – اللذان كانا تلميذين للرب فى الخفاء وأخذا تصريحاً من بيلاطس أن يأخذا جسد يسوع ولفاه بكتان ووضعا عليه الأطياب كما هى عادة اليهود. ودفنا – ربما كان هناك آخرون معهما – جسد يسوع فى مقبرة قريبة وأغلقا القبر بحجر كبير (يو 19: 38 - 42؛ 20: 1). ويعتبر كل تباعى المسيح بأن القبر هو العلامة الأخيرة لانتصار قوى الشر حيث كان الرجاء فى الخلاص فى المسيح قد غاب بلا شك بسبب اليأس الذى أحاط بهم عند موته.

13 - قيامة المسيح:

إن حديث يوحنا عن قيامة المسيح قد ورد فى الأصحاحين (21، 20) من البشارة الرابعة. ويخبرنا القديس يوحنا بقصة القيامة كما أوردها البشيرون الثلاثة، ويخبرنا يوحنا بأن مريم المجدلية قد ذهبت إلى قبر الرب فى الصباح الباكر ليوم الأحد التالى لموت لارب ولم يتحدث يوحنا عن حاملات الطيب الأخريات ولكن هذا لا يستبعد وجودهن. والجزء الموجود فى (يو 20: 1 - 18) قد كتب من ذاكرة مريم المجدلية حيث كانت هى المصدر الرئيسى لرواية تلك الآيات « وفى أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذى كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه» (يو 20: 2، 1).

وبعد أن شهد التلميذان القبر الفارغ رجعا إلى بيتهما (يو 20: 3 - 10) وقد ظنا – مثل مريم المجدلية – بأن جسد المسيح قد أخذه الرومان أو السلطات اليهودية (يو 20: 9).

وحين نتبع قصة القبر الفارغ فإن يوحنا يسجل ظهورات أربعة لقيامة المسيح. أولاً ظهر لمريم المجدلية حينما ذهبت مع حاملات الطيب وانحنين إلى القبر بعد أن رجع بطرس والتلميذ المحبوب إلى المنزل وقد نقلت مريم المجدلية هذا الظهور إلى التلاميذ قائلة لهم: «لقد رأيت الرب» (يو 20: 11 - 18).

والظهور الثانى للرب القائم من الأموات الذى سجله يوحنا كان فى مساء يوم القيامة حيث ظهر يسوع لتلاميذه وأراهم يديه المثقوبة وجنبه المطعون وأمرهم أن يحملوا عمله حيث قال لهم: «كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت» (يو 20: 21 - 23). وهذه الكلمات التى قالها المسيح هى الأساس الإنجيلى لسرى الكهنوت والتوبة، لأنه عن طريق تقديس الرسل ومنحهم قوة من الرب وخلال سيامتهم للآخرين للقيام بارساليتهم فان كهنوت المسيح المقدس قد وصل إلى الأساقفة والكهنة فى الكنيسة خلال التاريخ. وأيضاً من النافع أن نسجل أن شركة الروح القدس مع الرسل قد حلت أيضاً فى يوم الخمسين على الكنيسة (أع 2).

وهناك فرق بين الكهنوت الرسولى «حيث يتم دعوة بعض من المسيحيين القليلين» وبين كهنوت كل المؤمنين (الذى يحوى كل المسيحيين).

ولم يكن توما الرسول حاضراً وقت ظهور الرب للتلاميذ الآخرين مساء يوم القيامة، ولما علم بما حدث رفض أن يصدق (يو 20: 25: 24) وقد حدث بعد ثمانية أيام من القيامة أن الرب ظهر للرسل ثانية ومعهم توما. لذلك قد طرح القديس توما شكه جانباً، وكما أدرك الإنسان الأعمى لاهوت المسيح (يو 9: 1 - 14) هكذا قد أدرك ذلك الذى تشكك فى المسيح. ولكن يسوع قد وبخ توما من أجل اصراره على الرؤية الجسدية ومدح أولئك الذين يؤمنون بالقيامة بدون الاثبات المادى الملموس. ويجب أن نضيف هنا بأنه وفقاً للتقليد فإن الرب يسوع قد قدس القديس توما ومنحه أيضاً الكهنوت الرسولى وصار مكرساً ونافعاً لخدمة الإنجيل. وفى الواقع أن يوحنا قد أشار أن هذا الظهور الثالث لقيامة المسيح كان خصيصاً من أجل توما لكى يقوده إلى كمال الاخوة الرسولية أما الظهور الرابع لقيامة المسيح فهو حين ظهر لسبعة من الرسل كانوا يصطادون فى الجليل (يو 21: 1 - 14) وقد تضمن الظهور هنا حواراً بين الرب وبين بطرس الرسول (يو 21: 15 - 19) وهنا لا يفتخر بطرس أن محبته للرب تفوق محبة الرسل ولكن هذا الحديث يفيد أن إنكار بطرس للرب فى ليلة المحاكمة قد محيت وغفرت حين أكد بطرس محبته للرب ثلاث مرات فى الحديث. وقد تم تكليف بطرس بقيادة القطيع وهذا تأكيد على أن الرب قد أكمل عضوية بطرس فى مدرسة الرسل، وأن مضمون هذا الحوار (يو 21: 18 - 19) يتضمن أن بطرس سوف يثبت فى تبعيه المسيح حتى لو وصلت تلمذته للرب إلى اختيار الموت.

وبعد اعلان هذا الظهور الأخير لقيامة الرب فإن بشارة يوحنا تكون قد أوشكت على الأنتهاء وفى (يو 21: 20 - 24) نحن نعرف بأن التلميذ الحبيب كان هو المصدر الوحيد لما احتوته البشارة وكما رأينا فإنه واضح أن كانت بشارة يوحنا هو يوحنا الرسول الذى يخبرنا بأن «آيات آخر كثير صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح إبن الله ولكن تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يو 20: 31، 30).

ووفقاً لرواية، يوحنا فإن يسوع الناصرى هو المسيا الذى لبنى إسرائيل وهو ابن الله المتجسد «مخلص العالم» (يو 4: 42). وفى تجسد يسوع المسيح ابن الله وابن الإنسان فإنه قد صار محور الاتحاد بين الله والجنس البشرى.

وان الاتحاد مع المسيح خلال الإيمان والطاعة هو اتحاد مع الله. ووفقاً لكلمات القديس أثناسيوس الاسكندرى (373م) فإن [كلمة الله نفسه صار إنساناً لكيما نصير نحن واحداً مع الله].

ويسوع هو الكرمة الحقيقية (يو 15: 1 - 17) وفيه نحن نتحد مع الله فنرجع لنا الحياة الإلهية التى فى الثالوث المقدس. وفى المسيح الذى هو النور وعن طريق خدمته وتعاليمه نأخذ الحق الذى يخص الله والإنسان والعالم وهذا الحق هو يسوع نور العالم ونور الحياة (يو 8: 12)، وهو يمنحنا الحق الذى يحررنا من العمى الروحى ومن الخطية ومن الموت ومن العذاب الأبدى (يو 8: 32، 31؛ 9: 1 - 41) وحق المسيح هو الحق المخلص.

والمسيح هو الراعى الصالح الذى يقودنا إلى المراعى التى هى ملكوت الله (يو 10: 1 - 18) وهو الباب للخلاص والاتحاد مع الله (يو 10: 9، 7). وهو الطريق والحق والحياة فهو الطريق للخلاص كما أنه الحق للنور الحقيقى ولحياة الله (يو 14: 6). ولا يستطيع أحد أن يأتى إلى الآب إلاَّ إذا قبل المسيح كطريق وحق وحياة. وقد تغرب الإنسان عن الله كنتيجة للخطية، والمسيح قاد الإنسان للصلح والاتحاد مع الله عن طريق تجسده وعن طريق الحق الذى فيه خلال موته وقيامته وصعوده ورفعته. وفى موته فإنه قدم نفسه عن خطايانا وعن موتنا وعندئذ خلصنا من لعنة الخطية والموت. لان المسيح البر الكامل حين صار خطية لأجلنا فان الخطية قد محيت وحين مات كلى الحياة فان الموت قد تلاشى. وهكذا فانه بالموت قد داس الموت. وبقيامة الرب من الموت فإنه أقام الطبيعة البشرية من القبر وأعطى حياة جديدة أصبحت ممكنة حقيقة وممنوحة للكل. وفى صعوده الممجد وجلوسه عن يمين الآب فإن المسيح قد فتح الباب أمام شركة الطبيعة الإلهية وفى المسيح يسوع ربنا يصير لنا حياة ويصير لنا أفضل (يو 10: 10).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل السابع لاهوت المسيح فى رسائل بولس الرسول - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

الفصل الخامس اتفاق البشرين الثلاثة (متى – مرقس – لوقا) - رسالة الأنجيل في المفهوم الأرثوذوكسي - معهد فلاديمير الروسي- القمص أشعياء ميخائيل

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات