اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ – سفر أخبار الأيام الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

هذا الفصل هو جزء من كتاب: 13- تفسير سفر أخبار الأيام الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

اَلأَصْحَاحُ الثَّالِثُ عَشَرَ

قرار جماعي فاشل.

محاولة إحضار التابوت إلى أورشليم.

داود وتابوت العهد (أصحاحات 13 - 16).

في (2 صم 5: 11 - 25) نرى داود يبني قصره، ويدخل في معركة مع الفلسطينيين ويتمتَّع بالنصرة قبل أن يجعل من أورشليم مركزًا دينيًا للمملكة. هنا يهتم الكاتب بالكشف عن رغبة داود الملتهبة غيرة في إحضار تابوت العهد إلى مدينة أورشليم بكونه يُمَثِّل العرش الإلهي. يود أن يبرز أن نقل تابوت العهد إلى أورشليم يُعتبَر العمل الأول والرئيسي لدى داود، هذا التابوت الذي تجاهله شاول.

اهتم داود بتجمُّع الأسباط ووحدة الشعب وحضورهم [2، 5، 6].

تُخبِرنا الأصحاحات 13 - 16عن هذه الغيرة المقدسة. ربما يتذكَّر القارئ أنه في فترة القضاة، استولى الفلسطينيون على تابوت العهد، ولكن إذ سبَّب لهم متاعب لا حصر لها، قاموا بوضعه على عجلة جديدة وأعادوه إلى إسرائيل (1 صم 6). ومن ذك الوقت، بقي تابوت العهد في منزل أبيناداب في قرية يعاريم، إلى أن رأى داود أن يقوم بمحاولة إحضار تابوت الله إلى عاصمة مملكته أورشليم، لكي ما تصبح المدينة الملكية هي أيضًا المدينة المقدسة.

المحاولة الأولى لإحضار التابوت.

لم يطلب داود يومًا من الأيام كرامته الشخصية، ولا تسرَّع في اعتلاء العرش، بالرغم من نواله وعدًا إلهيًا بذلك منذ صباه، إنما ما كان يشغله هو أن يجتمع الشعب مع القادة حول تابوت العهد، بكونه مُمَثِّلاً عرش الله، حيث يوجد كرسي الرحمة.

جمع داود كل جماعة إسرائيل ليأخذ قرارًا جماعيًا صادقًا خاصًا بهذا العمل. اشترك فيه قادة الجيش ورؤساء الأسباط والكهنة واللاويون، وأرسلوا إلى كل إسرائيل، لكن غاب عنهم أن يستشيروا الرب، لذا تحوَّل العمل المُفرِح إلى مرارةٍ، فقد مات عُزَّا الذي لمس التابوت لكي لا يسقط من العجلة، وحميَ غضب الرب، وخاف داود، ولم ينقل التابوت إلى أورشليم!

1. داود يستشير القادة وكل جماعة إسرائيل 1 - 4.

2. تحرك الجميع لنقل التابوت 5 - 6.

3. احتفال عظيم بنقل التابوت 7 - 8.

4. موت عُزَّا 9 - 11.

5. خوف داود 12 - 13.

6. الرب يبارك بيت عوبيد أدوم 14.

الأعداد 1-4

1. داود يستشير القادة وكل جماعة إسرائيل

لماذا بدأ الحديث هنا في إنجازات داود بنقل تابوت العهد من يعاريم إلى أورشليم، مع أنه جاء في (2 صم 5 - 6) أنه قام بإنجازات كثيرة قبل نقل التابوت؟ يريد الكاتب أن يؤكد أن كل أعمال داود وإنجازاته غايتها التمتُّع بالحضرة الإلهية. فقد احتل تابوت العهد قلب داود حتى من قبل أن يصير ملكًا. وجاء نقله إلى أورشليم ليس بالأمر الجديد في فكر داود وتصرفاته. فما ما يشغل الكاتب ليس العرض التاريخي الزمني، بل الإعلان عمَّا في فكر داود وقلبه وتصرفاته.

وَشَاوَرَ دَاوُدُ قُوَّادَ الأُلُوفِ وَالْمِئَاتِ وَكُلَّ رَئِيسٍ [1].

ما أن تثبَّت داود على عرشه، حتى فكَّر في نقل تابوت الله، وكان له هدفان:

أ. تقديم الكرامة لله كقائدٍ حقيقيٍ لشعبه، بإظهار الاحترام لتابوته الذي يُمَثِّل حضوره.

يا ليت الاهتمام الأول والأعظم لأولئك الذين تمتَّعوا بالسلطان والكرامة والغِنَى أن يكون تقديم الكرامة لله وخدمته وخدمة ملكوته بين البشر.

ب. الحصول على الراحة الحقيقية والسعادة والفائدة من وجود التابوت في العاصمة. فإنه من الحكمة أن يأخذ حكام العالم تابوت الله معهم، بل وفي أعماقهم، ليتمتَّعوا بحكمته ومشورته ومن نواميسه، فالذين يبدأون بمخافة الرب يحظون بنعمته.

اعتاد داود أن يستشير الرب في كل شيءٍ، ويطلب بركته وتدخُّله، لكن إذ حسب أن نقل التابوت لا يحتاج إلى مشورة، فهو عمل مبارك دون شكٍ يفرح قلب الله، لذا فشل، إذ اعتمد على القرار الجماعي وعلى فهمه، متجاهلاً الالتجاء إلى الله. نسيَ داود أن تابوت العهد، وهو يُمَثِّل عرش الله، لا يعتمد على الأذرع البشرية، ولا على غيرة إنسانٍ. تَعلَّم داود ذلك، لكن للأسف ليس قبل البدء في العمل، وإنما بعد أن تمت جنازة عُزَّا ودفنه في القبر!

يُلاحَظ أن سفر صموئيل لم يذكر استشارة داود للقادة. بحكمة استشار داود قواد الألف والمئات وكل رئيس، حتى يشعر الكل أن هذا العمل يخص القادة مع الشعب، وليس خاصًا بالملك وحده، غير أنه أخطأ إذ لم يسأل الرب، ربما لأنه شعر بأن الأمر لا يحتاج إلى سؤال الرب، لأنه عملٌ فيه محبة لله. من جانب آخر لم يسأل الكهنة واللاويين عن شريعة حمل التابوت والسير به.

حسن أن يقوم داود باستشارة قادة الشعب، فبالرغم من أنه كان عمًلا جليًلا، وبما أن داود هو الملك، وفي سلطانه أن يأمر بتنفيذ هذا العمل، إلاَّ أنه اختار أن يأخذ المشورة، وفضَّل أن يُشرِك الآخرين في القيادة. هذا دفع الجميع أن يثقوا في قراراته الحكيمة، ويستريحوا لسلوكه بروح التواضع، فنال التأييد بالإجماع.

ليس من مُدَبِّر حكيم يشتهي أن يتخذ قراراته دون مشورة. فداود نفسه كان ذكيًا جدًا، ومع ذلك استشار قواده، "لأن الخلاص بكثرة المشيرين" (أم 24: 6). لو أن داود سأل الرب المشورة، وسأل أي لاوي عن كيفية نقل التابوت، لتم نقل التابوت بسلامٍ وفرحٍ.

وَقَالَ دَاوُدُ لِكُلِّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ:

"إِنْ حَسُنَ عِنْدَكُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الرَّبِّ إِلَهِنَا،.

فَلْنُرْسِلْ إِلَى كُلِّ جِهَةٍ إِلَى إِخْوَتِنَا الْبَاقِينَ فِي كُلِّ أَرَاضِي إِسْرَائِيلَ،.

وَمَعَهُمُ الْكَهَنَةُ وَاللاَّوِيُّونَ فِي مُدُنِ مَرَاعِيهِمْ لِيَجْتَمِعُوا إِلَيْنَا. [2].

قام باستدعاء كل الشعب ليحضروا هذه المناسبة، لتكريم التابوت، ولأجل إرضاء الشعب وتنويره. إنه يدعو عامة الشعب إخوتنا، وهذا يدل على تواضعه وكياسته ومدى المحبة التي كان يكنها لهم، هكذا لم يستحِ ربنا يسوع أن يدعونا إخوة (عب 2: 11) من أجل محبته العجيبة لنا.

اشترط داود أن يكون هذا حسب إرادة الله، وكأنه يقول: "بالرغم من أن هذا يظهر حسن لي ولكم، إلاَّ أنه إن لم يكن من الرب، فلا نعمله". ليتنا نحن أيضًا في كل أمر نفعله يجب أن يكون سؤالنا: "هل هذا من الله؟ هل هذا حسب إرادته؟ هل يمكننا أن نعطي جوابًا حسنًا أمام الله عن هذا؟ هل نتوقع أن يكون هذا مرضيًا لله؟ هل سألنا الله قبل البدء فيه؟

فَنُرْجِعَ تَابُوتَ إِلَهِنَا إِلَيْنَا،.

لأَنَّنَا لَمْ نَسْأَلْ بِهِ فِي أَيَّامِ شَاوُلَ. "[3].

دعا تابوت العهد "تابوت الله" أو "تابوت إلهنا". أراد أن يُحضِرَه إلى العاصمة، ليجعل منها مركزًا للعبادة للشعب كله. أراد تأكيد أن الله هو مركز حياة جميع المؤمنين.

في أيام شاول حدث تجاهل لتابوت العهد. استولى الفلسطينيون عليه لمدة سبعة شهور، ورجع إلى قرية يعاريم، حيث حُفِظَ في بيت أبيناداب اللاوي (1 صم 4 - 7). ظلَّ تابوت العهد في القرية سنين عديدة، هذا يكشف عن المبالاة بالحضرة الإلهية، أو الالتصاق بالله، أو قبول الله كمركز للحياة، أما الرغبة في نقل تابوت العهد إلى العاصمة، فيحمل رغبة أن يكون الله هو الأول في حياة الجماعة، وهو مركز الصدارة.

هكذا يليق بنا أن يكون الكتاب المقدس، بكونه كلمة الله، مركز الصدارة في حياتنا.

كان ما يشغل قلب داود الملك أن يجمع إسرائيل بكل أسباطه وقادته مع الكهنة واللاويين لإرجاع تابوت العهد من قرية يعاريم. وأن يجمع كل الساجدين للربِّ لهذا الأمر، قائلاً في مرارة: "لأننا لم نسأل به في أيام شاول" [3]. أدرك داود أن سرَّ فشل إسرائيل في أيام شاول أن تابوت العهد كان في طي النسيان. فمنذ وقت إرجاعه بأيدي الفلسطينيين لم يهتم أحد به (1 صم 14: 18 - 19). نلاحظ أن داود لم يُبدِ أيّة ملاحظة سيئة عن شاول، فلم يقل "شاول لم يهتم أبدًا بالتابوت، على الأقل في أواخر مُلكْه"، ولكن بتواضعٍ قال: "لأننا لم نسأل به في أيام شاول". فاعتبر نفسه مُذنِبًا مع الآخرين عن هذا الإهمال. إنه من الأفضل أن نحكم على أنفسنا، وليس على الآخرين، فالمتواضعون والصالحون "يندبون نصيبهم في الذنب العام، وينسبون العار لأنفسهم" (دا 9: 5 الخ.).

فَقَالَ كُلُّ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ،.

لأَنَّ الأَمْرَ حَسُنَ فِي أَعْيُنِ جَمِيعِ الشَّعْبِ. [4].

الأعداد 5-6

2. تحرك الجميع لنقل التابوت

وَجَمَعَ دَاوُدُ كُلَّ إِسْرَائِيلَ مِنْ شِيحُورِ مِصْرَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ،.

لِيَأْتُوا بِتَابُوتِ الله مِنْ قَرْيَةِ يَعَارِيمَ. [5].

شيحور مصر: معناه أسود أو مُكدِّر وهو نهر النيل. ينقسم في آخر مجراه (فرعي الدلتا). والقسم الشرقي هو الحدّ بين مصر وإسرائيل، وهو المُشار إليه هنا.

مدخل حماة: في الأرض حوالي حمص، وهو سهل مفتوح إلى الشمال نحو حماة، وإلى الشرق نحو برية سوريا، وإلى الجنوب نحو ربلة والبقاع وإلى الغرب نحو بلاد الحصن والبحر، وهي مدخل لهذه الجهات. أي شيحور كان في أقصى الجنوب، ومدخل حماة في أقصى الشمال.

وَصَعِدَ دَاوُدُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ إِلَى بَعْلَةَ،.

إِلَى قَرْيَةِ يَعَارِيمَ الَّتِي لِيَهُوذَا،.

لِيُصْعِدُوا مِنْ هُنَاكَ تَابُوتَ الله الرَّبِّ،.

الْجَالِسِ عَلَى الْكَرُوبِيمَ الَّذِي دُعِيَ بِالاِسْمِ. [6].

كان التابوت في بيت أبيناداب في قرية يعاريم حين ردَّه الفلسطينيون إلى إسرائيل (1 صم 4: 3). وأما خيمة الاجتماع فكانت في شيلوه في أيام عالي الكاهن (1 صم 1: 3) وفي نوب في أيام شاول (1 صم 21: 1 - 9)، وفي جبعون في أيام داود وكان الكاهن صادوق، وأخيرًا في أورشليم في أيام سليمان قبل بناء الهيكل.

الأعداد 7-8

3. احتفال عظيم بنقل التابوت

وَأَرْكَبُوا تَابُوتَ الله عَلَى عَجَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَيْتِ أَبِينَادَابَ،.

وَكَانَ عُزَّا وَأَخِيُو يَسُوقَانِ الْعَجَلَةَ، [7].

إن عجلة يجرها ثيران كانت وسيلة مناسبة للفلسطينيين لنقل التابوت (انظر 1 صم 6: 7)، ولكن شعب الله قد أعطى أوامر مُحدَّدة في هذا المضمار (انظر عدد 4: 11، 15)، فبالرغم من أنهم احتفلوا بحضور التابوت، إلا أنهم عصوا تعليمات الله. بهذا فشلوا في الاعتراف بوجود الله القدوس بينهم.

من كان يظن أن داود كان من الممكن أن يعمل مثل هذا الخطأ أن يحمل التابوت على عجلة؟ لأن الفلسطينيين حملوه بهذه الطريقة والتدبير الإلهي سمح بدفع العجلة، ظنَّ داود أنه من الممكن أن يعملوا المِثْل. ولكن يجب أن نسير طبقًا للوصية الإلهية، وليس طبقًا للتمثُّل بالآخرين حينما يختلفون عما جاء في الوصية، حتى وإن كانت مثل هذه الأمثال قد سمحت بها العناية الإلهية في ظروف خاصة.

لذلك لما لمس عُزَّا التابوت ضربه الرب ومات، وخطية عُزَّا تُنذِرنا بقوة لنتجنب الافتراض المُسبَّق والتسرُّع وعدم الهيبة أثناء التعامل مع المقدسات، ولا نظن أن حُسن النية يُبَرِّر العمل الخاطئ.

فمثًلا عند التقدُّم من الأسرار المقدسة يجب أن نلاحظ ونفحص قلوبنا، لئلا تُؤدي الزلة والألفة والاعتياد إلى قلة الاحترام. ليتنا لا نعبث في طرقنا للاقتراب من الله، ولكننا نتقدَّم خلال المسيح بدالة إلى عرش النعمة، لأننا تحت تدبير الحرية والنعمة وليس تحت العبودية والإرهاب، ليت الكآبة التي بدَّلت فرح إسرائيل بسبب عقوبة عُزَّا تذكرنا دائمًا أن نعبد الرب بخوفٍ ورعدةٍ، بينما نخدم بفرحٍ وسرورٍ. ليكن غيظ داود في هذه المناسبة مُحَذِّرًا لنا، لنلاحظ أنفسنا حينما نكون تحت تأديب من الله، لئلا نتخاصم معه بدلاً من الخضوع لإرادته.

وَدَاوُدُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ يَلْعَبُونَ أَمَامَ الله،.

بِكُلِّ عِزٍّ وَبِأَغَانِيَّ وَعِيدَانٍ وَرَبَابٍ وَدُفُوفٍ وَصُنُوجٍ وَأَبْوَاقٍ. [8].

مع أَخْذِ داود قراراته في كل شيءٍ حتى في الأمور الدينية بجدِّية وتوازُن ووقار، وضع في قلبه أن يسود روح الفرح سائر الشعب.

يرى العلامة أوريجينوس في استخدام الموسيقى تعبيرًا عن الفرح بروح الوحدة والانسجام معًا في الرب. بنغمات الموسيقى، يستطيع الراغبون في الوحدة أن ينسجموا مع الغير، أما رافضو الوحدة، فلا يستمتعون بالموسيقى. هذا ما ظهر بقوةٍ في مثل السيد المسيح عن الابن الراجع إلى أبيه، إذ التقى الابن بأبيه الذي ركض إليه ووقع على عنقه وقبَّله (لو 15: 20)، ضُرِبَت الموسيقى في البيت الذي هو الكنيسة، وحدث رقص رمزًا للوحدة العجيبة بين الآب المملوء حنوًا والابن الراجع بكل قلبه. لكن للأسف لم يُسَر الابن الأكبر بذلك (لو 15: 25 - 28).

  • تُستخدَم كلمة "سيمفونية بكل دقةٍ عن الأصوات المتناغمة. ففي وسط الأنغام الموسيقية ينسجم البعض فيما بينهم. هذا التعبير معروف في الكتاب المقدس وينطبق على الموسيقى، حيث قيل:" سمع صوت آلات الطرب symphonias ورقصًا "(لو 15: 25). فإنه يليق عند الانسجام الذي تمَّ بين الأب وابنه الذي كان مفقودًا ووُجِدَ بالتوبة أن تُسمَع سميفونية في هذه المناسبة التي تفرح البيت... يماثل هذا ما ورد في الملوك (صموئيل)، عندما تَقَدَّم إخوة عميناداب التابوت، وعزف داود وأبناء إسرائيل أمام وجه الرب موسيقى رائعة بقوٍة مع أغانٍ (راجع 2 صم 6: 4 - 5 LXX) [222].

العلامة أوريجينوس.

الأعداد 9-11

4. موت عُزَّا

وَلَمَّا انْتَهُوا إِلَى بَيْدَرِ كِيدُونَ،.

مَدَّ عُزَّا يَدَهُ لِيُمْسِكَ التَّابُوتَ،.

لأَنَّ الثِّيرَانَ انْشَمَصَتْ. [9].

فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى عُزَّا،.

وَضَرَبَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَدَّ يَدَهُ إِلَى التَّابُوتِ،.

فَمَاتَ هُنَاكَ أَمَامَ الله. [10].

أعطى الله تعليمات مُحَدَّدة عن كيفية حمل التابوت ونقله (عد 4: 5 - 15). وكان يلزم أن يقوم الكهنة بحمله بواسطة عصي توضع في حلقاته دون أن يُلمَسَ. تمنع الشريعة حتى الكهنة لمس التابوت نفسه (عد 4: 15).

مات عُزَّا لأنه لمس تابوت العهد، بينما تبارك بيت عوبيد أدوم حيث حُفِظَ التابوت.

يقول الرسول: "مُخيف هو الوقوع في يديّ الله الحيّ" (عب 10: 31). نتطلع إلى الله بكونه الأب الرحوم، ونلتزم أيضًا بتكريمه بكونه ملك الملوك ورب الأرباب!

يرى يوسيفوس[223] أن سبب موت عُزَّا أنه اقتحم حقوقًا خاصة بالكهنة، ولا يجوز له ممارستها.

إن كان عُزَّا عن عدم إدراك تصرف، فسقط ميّتًا لأنه مارس ما لا يجوز له فعله، هكذا من يتناول جسد الرب ودمه بغير استحقاق يُدَان، وإن لم يكن يدرك خطورة الأمر.

سمح الله بموت عُزَّا لأنه لمس التابوت الذي لا يجوز له فعل ذلك، لكي لا نستهين بأية وصية إلهية، فمع محبة الله الفائقة للإنسان، غير أنه يليق بالإنسان أن يلتزم بالطاعة للوصية الإلهية مهما بدت بسيطة؟

  • كما أن الذي يكشط جزئيًا صورة (الإمبراطور) عن العملة الملوكية، يُحسَب كمن ارتكب عملاً مفسدًا كاملاً، هكذا من ينحرف ولو قليلاً عن الإيمان الطاهر يُحسَب أنه ارتكب أخطاءً جسيمةً ويصير فاسدًا بكامله...

النقص في الغيرة في الأمور الصغيرة هو السبب لكل كوارثنا. ولأن الأخطاء الهَيِّنة تمنع الإصلاح المناسب، تزحف الأخطاء الكبيرة إلى الداخل. وكما أن الإهمال في جراحات الجسد تُسَبِّب حمى ومتاعب وموتًا، هكذا في النفس، فإن الشرور البسيطة تفتح الباب لشرورٍ خطيرةٍ[224].

القدّيس يوحنا الذهبي الفم.

  • عندما رأى داود، الإنسان التقي والنبي والممسوح ملكًا، والذي اختاره الله حسب قلبه، ليتمم إرادته في كل شيء، أن الجهل عوقب بغضب الرب، خاف وحزن... وخشي لئلا يسقط تحت نفس الحكم[225].

القديس جيروم.

فَاغْتَاظَ دَاوُدُ لأَنَّ الرَّبَّ اقْتَحَمَ عُزَّا اقْتِحَامًا،.

وَسَمَّى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ "فَارِصَ عُزَّا" إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. [11].

اغتاظ وداود وغضب وارتعب، وخشي أن يُحضِرَ التابوت إلى أورشليم. لأن احتفاله العظيم بنقل التابوت قد فشل تمامًا، وأدَّى إلى قتل رجلٍ في نظره كان بريئًا. لكن الله لم يتركه في غضبه وحزنه، إنما فتح عينيه ليرى بركات تابوت العهد التي حلَّتْ على بيت عوبيد أدوم الجتِّي، فاشتهى الالتصاق بتابوت العهد ونقله إلى العاصمة، ولكن بروح الطاعة للوصية.

فَارِصَ عُزَّا Perez Uzzah: هذا الاسم عبري، معناه عقوبة عُزَّا[226].

الأعداد 12-13

5. خوف داود

وَخَافَ دَاوُدُ الله فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَائِلاً:

"كَيْفَ آتِي بِتَابُوتِ الله إِلَيَّ؟" [12].

وَلَمْ يَنْقُلْ دَاوُدُ التَّابُوتَ إِلَيْهِ إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ،.

بَلْ مَالَ بِهِ إِلَى بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ الْجَتِّيِّ. [13].

وُضِعَ تابوت العهد في بيت عوبيد أدوم الجتِّي لمدة ثلاثة شهور، فملأ البيت بالبركة.

العجيب أن سفر أخبار الأيام الأول الذي ستر على خطايا خطيرة وبشعة لداود، سجَّل لنا خطأه هنا، إذ لم يتبع الشريعة في نقل تابوت العهد؛ لماذا؟

1. حسن أن يفرح داود ومن معه ويُسَبِّحون الله، لأنهم ينقلون التابوت إلى العاصمة، لكن مع التسبيح يلزم الحرص على الطاعة لشريعة الله، فعدم الالتزام بأن الكهنة هم الذين يحملون التابوت، مكتفيًا بأن يأتي بعجلةٍ جديدةٍ تحمل التابوت وإن بدت أمرًا صغيرًا، لكن الطاعة لله فوق كل شيء.

2. راحة تابوت العهد لا في نقله إلى العاصمة، إنما في طاعة الإنسان للوصية، نتمتَّع بحضور الله بطاعتنا للوصية الإلهية.

3. حمل الفلسطينيون تابوت العهد عند إرجاعه إلى إسرائيل على عجلةٍ جديدةٍ، ولم يمت منهم أحد، لأنهم لا يَعْلَمون شيئًا عن هذه الشريعة. لقد أرجعوا التابوت حسب ضمائرهم، وحسبما أدركوا بالناموس الطبيعي، ولم يكن لديهم ناموس موسى.

4. فشل داود في نقل التابوت، وتحوَّلت ثقته مع الفرح والتسبيح إلى خوفٍ ومرارةٍ وسخطٍ، بل وإلى اتهام لله. ومع هذا تحقق نقل التابوت بعدما تَعَلَّم داود الطاعة.

5. قَدَّم الله لنا درسًا عمليًا ألا نطلب أن نرضيه حسب فكرنا البشري، إنما بالطاعة لكلمته الإلهية ووصيته التي وهبنا إيّاها.

  • يليق بنا أن نؤمن أن فترة التأخير في تنفيذ الوصية هي وقت للعصيان بالنسبة لمن يُنَفِّذ الوصية بعد ذلك... لذلك وجب علينا أن نتذكر القول: "لا تتأخر في الرجوع إلى الرب، ولا تؤجله من يوم إلى يوم" (ابن سيراخ ٥: ٧)، والقول: "لا تقل لصاحبك اذهب وعد، فأعطيك غدًا، وموجود عندك" (أم ٣: ٢٨). يلزمنا أن نعتقد أنه دينونة على مرثا إن الكلمات: "فرفعوا الحجر" [٤١] قد كُتِبَتْ مؤخرًا، وكان يجب أن تُقال فورًا بعد الكلمات: "قال يسوع: ارفعوا الحجر". [227].

العلامة أوريجينوس.

  • برهان الحب هو إعلانه خلال العمل. هذا هو السبب الذي لأجله يقول يوحنا في رسالته: "من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب" (1 يو 2: 4). حُبُّنا حقيقي إن حفظنا إرادتنا متناغمة مع وصاياه. من يجول هنا وهناك خلال شهواته الشريرة لا يحب الله بالحق، لأنه يضاد الله في إرادته[228].

البابا غريغوريوس (الكبير).

  • كل كلمة من كلمات المسيح تكشف عن مراحم الله وبرِّه وحكمته، ويمكن أن تكون لهذه الكلمة قوتها في النفس عن طريق الأذن إن أصغت إليها طوعًا. هذا هو السبب في أن الإنسان القاسي القلب والشرير الذي لا يصغي إليها طوعًا ليس فقط لا يدرك الحكمة الإلهية، بل ويصلب (يسوع) الذي علَّم بها.

لذلك يجب علينا أيضًا أن ننظر إن كنا نصغي إليه طوعًا، إذ قال: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي... الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأظهر له ذاتي" (يو 15: 14، 21).

ألا ترى كيف أنه يجعل في وصاياه مكمنًا لإعلان ذاته؟ ‍ إن أعظم الوصايا هي أن تحب الله والقريب، تلك التي تأتي بعدما نرفض كل الأمور الزمنية ويستقر ذهننا[229].

  • التدريب الروحي ليس شيئًا منفصلاً عن الوصية، بل هو الوصية عينها.

أرني عملاً ليس هو وصية؟! فإن تكلمت عن الصلاة فهي وصية.

وإن تكلمت عن طرد الأفكار فهي وصية (كن وقورًا وساهرًا).

وإن تكلمت عن الصوم أو السهر... فهذه وصايا أيضًا.

وإن تكلمت عن إماتة الذات، فهي أيضًا وصية (أنكر نفسك).

القديس مرقس الناسك.

العدد 14

6. الرب يبارك بيت عوبيد أدوم

وَبَقِيَ تَابُوتُ الله عِنْدَ بَيْتِ عُوبِيدَ أَدُومَ فِي بَيْتِهِ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ.

وَبَارَكَ الرَّبُّ بَيْتَ عُوبِيدَ أَدُومَ وَكُلَّ مَا لَهُ. [14].

إن كان الموت فد حلَّ بعُزَّا لأنه لمس تابوت العهد غير مُرَاعي الوصية الإلهية، فقد بارك الرب بيت عوبيد أدوم لأن التابوت مكث فيه. هكذا يؤكد الله أنه مصدر البركات التي لا تُحصَى لمن يتمسك به ويطلبه، لكن من لا يبالي بوصيته، يسمع القول الإنجيلي: "حقًا ما أرهب الوقوع في يديّ الله الحيّ" (عب 10: 31).

لتكن البركة التي حلَّت في بيت عوبيد أدوم بسبب التابوت، مُشَجِّعة لنا لنرحب بطقوس الكنيسة في بيوتنا، أيّ كمن يؤمنون أن التابوت كضيفٍ لا يسبب ضررًا، وإنما كانت كلمة الإنجيل للبعض هي "رائحة موت لموت"، كما كان التابوت لعُزَّا، فلنقبلها نحن بفرحٍ ومحبةٍ وسوف تكون لنا "رائحة حياة لحياة".

من وحي 1 أي 13.

لتُعلِنْ عن حضورك الإلهي في قلبي!

  • بروحك القدوس تُقِيم من أعماقي هيكلاً لك.

تتجلَّى يا سيدي في أعماقي،.

فأراك عميقًا في داخلي أعمق من عمقي،.

وعاليًا يا أيها القدوس أعلى من عُلوِّي!

  • هَبْ لي بحضورك الإلهي ألا أنشغل إلا بك!

سَمِّرْ خوفك في قلبي، وأعلن حبك في أعماقي.

مع الشاروبيم والسيرافيم أقف أمامك بمخافة!

وبالصليب ينسكب قلبي بالحب والشوق إليك!


[222] Commentary on Matthew,14: 1.

[223] Antiquities of the Jews, 7: 4: 2.

[224] Commentary on Galatians,1.

[225] Defense Against the Palagians, 1: 38.

[226] Break Through: The Bible for Young Catholics, Saint Mary's Press, 2006, p. 511.

[227] Commentary on John, Book 28: 19 – 22.

[228] Hom. 30, PL 76: 1220. Forty Gospel Homilies,.

[229] Philokalia, Book 1.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

اَلأَصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الأول - القمص تادرس يعقوب ملطي

اَلأَصْحَاحُ الثَّانِي عَشَرَ - سفر أخبار الأيام الأول - القمص تادرس يعقوب ملطي