الأصحاح الثاني – تفسير إنجيل يوحنا – القمص أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: انجيل يوحنا – القس أنطونيوس فكري.

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

الإصحاح الثانى

مقدمة للإصحاحات 2 - 4.

في الإصحاح الأول رأينا كلمة الله اللوغوس (آية1) وهو إبن الله (آية14 + 34 + 39). صار جسداً أي تجسد وصار إبن الإنسان (آية51). فلماذا فعل ذلك؟ الإجابة نجدها في الإصحاحات2 - 4 وتسمى إنجيل التجديد.

إصحاح (2): السيد يحول الماء إلى خمر. ثم يطهر الهيكل. ونفهم أن الهيكل هو جسده أي الكنيسة.

إصحاح (3): نرى هنا الولادة الجديدة من الماء والروح، ونسمع عن أن الحية النحاسية هي رمز للصليب. فالمعمودية تكتسب قوتها من الصليب. وشهادة يوحنا المعمدان عن المسيح، وأن الإيمان به شرط للحياة الأبدية. فالمسيح مات لأجل كل العالم. لكن من يولد من الماء والروح (معمودية) ويؤمن، فهذا يخلص. "من آمن وإعتمد خلص" (مر16: 16).

إصحاح (4): نرى نموذج لعمل المسيح. فها هي السامرية الخاطئة تتحول إلى مؤمنة بل كارزة وهذا هو التجديد. ومن يتجدد ويمتلئ سيقدم عبادة لله بالروح والحق (رو9: 1). والعبادة تكون في كل مكان وأي مكان. ثم نرى معجزة للمسيح هي شفاء إبن خادم الملك، هذا في الظاهر. لكن المهم في هذه المعجزة أنها شفاء الإيمان. فالإيمان شرط للحياة الأبدية. والمسيح مستعد لشفاء الإيمان، ولكن هذا لمن يأتي إليه كما أتى خادم الملك هذا. فآمن هو وبيته كله (يو53: 4). وهذا هو التجديد، شفاء لأرواحنا، لنصبح في المسيح خليقة جديدة (2كو17: 5).

ومن إصحاح (2) نرى عرس، فالمسيح هو عريس نفوسنا، وهو أتى ليحول حياتنا إلى فرح، الله خلق الإنسان في جنة عدن (أي فرح)، وهو يعيدنا للحالة الفردوسية الأولى أي لحالة الفرح، بعد أن فقدنا هذا الفرح بسبب الخطية. ولكن كيف؟ هو حول ماء التطهير الذي كان اليهود يستخدمونه في تطهير أجسامهم وكل ما يأتي من خارج البيت إلى داخل البيت. والمعنى أن كل من يحاول أن يطهر نفسه يحول له المسيح حياته إلى فرح. ومن يهمل، فالمسيح الذي يحب شعبه سيطهره ببعض التجارب، وهذا هو مفهوم تطهير الهيكل بسوط من الحبال، فمن يحبه الرب يؤدبه (عب5: 12 - 6). ولكن التجارب والتطهير لا فائدة منهم بدون الصليب والمعمودية والإيمان وهذا ما سمعنا عنه في إصحاح (3). ثم نرى نموذج لمن يتم تجديده وشفاءه في إصحاح (4).

وبهذا ففي إصحاحات (2 - 3 - 4) نرى إجابة السؤال.. لماذا تجسد إبن الله، الكلمة الإلهي. ولكن لاحظ في إصحاح (4) أن المسيح يسعى وراء السامرية لتعرفه، تتعرف عليه كشخص، وتكتشفه وإذ تعرفه تؤمن به، فتحصل على الماء الحى الذى قال لها عنه السيد وهو الروح القدس الذى يسكب محبة الله فى قلوبنا (رو5: 5). والحب يتحول إلى فرح (تحويل الماء لخمر). وهذا ما نجده في ثمار الروح القدس،.. محبة / فرح.. فالمحبة التي يسكبها الروح القدس فينا تتحول إلى فرح داخلنا ونستعيد الحالة الفردوسية الأولى، بعد أن حولتنا محبة العالم للهم والغم والإضطراب.

موقف المسيحية من الخمر:

ليس في المسيحية طعام أو شراب يقال عليه أنه نجس. فليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم. ولكن أن يكون الإنسان في حالة سكر فهذا هو المحرم، بل يمنع من دخول الملكوت. وكان الكتاب المقدس يمنع السكر عند اليهود. ولكن كان اليهود يعتبرون الخمر غير محرمة بل عطية من الله. ولاحظ أنه لم يكن لليهود إمكانية الفرح الروحى، فالروح القدس لم يكن يسكن فيهم، والروح القدس كان يحل فقط على الملوك والأنبياء ورؤساء الكهنة. لذلك كانوا يفهمون أن طريق الفرح هو فى الأكل والشرب. لكنهم أيضاً يعتبرون أن السُكْر محرم. وأما فى العهد الجديد فالروح القدس هو الذى يعطينا الفرح وما عدنا فى حاجة للأفراح العالمية. ونحن نستعمل في الأسرار المقدسة خمر غير مسكرة. وما يحكم الإنسان المسيحي الآن بخصوص قضية الخمر هو أن كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق أو تبني، وعلى أن يكون غير مستعبد لشئ. والعهد الجديد يشير لقضية هامة وهي إن كان أكل طعام يعثر أخي فلن آكل لحماً إلى الأبد.. أي إن كانت قضية شرب الخمر حتى وإن كانت ليست بدافع السُكْرْ ستكون سبب عثرة لآخرين فلا داعي لشرب الخمر مطلقاً. وراجع الشواهد التالية (تك25: 27 + 28 + 37) + تك18: 14 + إش17: 36 + 8: 62 - 9 + 8: 65 + مز15: 104 + يؤ24: 2 + أر9: 6 + 30: 25 + أم1: 20 + أش12: 56 + هو11: 4 + (أش11: 5 - 12 + 22) + (إش1: 28 - 7) + رو13: 13 + غل19: 5 - 21 + لو34: 21 + 1كو11: 5 + 1كو10: 6 + 1تي23: 5) + تث (14: 26).

الآيات (يو2: 1 – 11) (عرس قانا الجليل).

الأعداد 1-11

الآيات (يو2: 1 – 11): -

"1 وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ. 2 وَدُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعُرْسِ. 3 وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ». 4قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ». 5قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ». 6 وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ، حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ، يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. 7قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. 8ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا. 9فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْمَاءَ الْمُتَحَوِّلَ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ، لكِنَّ الْخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَقَوُا الْمَاءَ عَلِمُوا، دَعَا رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْعَرِيسَ 10 وَقَالَ لَهُ: «كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلاً، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ! ». 11هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ.".

يقرأ هذا الفصل يوم (13طوبة) وهو اليوم الثالث لعيد الظهور الإلهي (عيد الغطاس). كما يقول الإنجيل "وفي اليوم الثالث.." ويعتبر هذا العيد اليوم الأخير من أعياد الظهور الإلهي (الثيئوفانيا) إذ قيل هنا وأظهر مجده فآمن به تلاميذه. وهو أظهر أنه إبن الله الذي حول ماء التطهير إلى خمر العهد الجديد الذي يحمل سر الخلاص. أعياد الظهور الإلهي [1] الميلاد (الملائكة تبشر، والمجوس يعتبرونه ملكاً). [2] الختان = المسيح متمم الناموس [3] الغطاس (هو إبن الله) [4] عرس قانا الجليل (بداية الآيات التي أظهر فيها مجده). وهو عيد سيدي صغير.

ونلاحظ هنا أن بدء خدمة المسيح كان في عرس فملكوت السموات يشبه عرس (مت2: 22 - 14 + مت1: 25 - 13 + مر18: 2 - 20) وفي نهاية العالم سنجد عشاء عرس الخروف (رؤ7: 19 - 9). فالمسيح هو عريسنا. هو عريس الخليقة الجديدة التي أتى ليؤسسها. ولأن يوحنا لم يستطع تصوير المسيح كعريس لجأ لهذه البداية أن يُصوِّر المسيح في عرس. وفي هذا العرس يحول المسيح الماء إلى خمر فالخمر يشير للفرح. والشعب اليهودي بسبب خطاياه ما عاد لهم فرح (يؤ5: 1). وهذا ما نراه هنا في أن الخمر نفذت والمسيح حين حوّل الماء إلى خمر فهذا يشير إلى أنه أتى ليعيد بهجة الخلاص والفرح لمن فقدها. ونلاحظ أن الماء كان للتطهير. والمسيح قال إملأوا الأجران إلى نهايتها وهذا يشير أنه لكي نفرح ببهجة الخلاص التي يعطيها المسيح علينا أن نبذل كل الجهد في جهادنا لنتطهر فيسكب المسيح نعمته فينا ونفرح. ونرى أن العذراء هي التي شعرت بأنه ليس لديهم خمر.. وهي مازالت تشعر بكل من هو ليس فرحاً وتتشفع له حتى يدخل المسيح حياته فيفرح. والخمر تعبير عن سر الشركة مع المسيح. فالمسيح حَوَّل الخمر إلى دمه وبدون شركة مع المسيح أو بغياب المسيح عن حياتنا فلا فرح. وقول العذراء ليس لديهم خمر كأنها تقول للمسيح إعلن عن وجودك. وهذه المعجزة تشير للاهوت المسيح فهو حَوَّل مادة إلى مادة أخرى. ورأى تلاميذه ما فعل فآمنوا به إذ رأوا مجده. وكما عرف تلميذي عمواس المسيح وقت كسر الخبز، عرفه التلاميذ هنا حينما حَوَّل الماء إلى خمر.

ونلاحظ أن المسيح في إنجيل يوحنا يُحوِّل 5خبزات ليشبع الجموع ويُحوِّل الماء إلى خمر ليفرح الناس. وفي هذا إشارة إلى الخبز والخمر اللذان كانا سبب بركة لكل العالم حين حَوَّلهما إلى جسده ودمه ليكونا للعالم كله سبب حياة وشبع وفرح. فالخبز والخمر هما مادتا سر الإفخارستيا. ونلاحظ أنه كما يفرح المؤمنين بالمسيح يفرح المسيح بهم. وفرح الكنيسة بالعريس عَبَّرَ عنه النبي (يؤ24: 2). وفرح المسيح بكنيسته (إش5: 62). وبنو الملكوت حين يشربون من خمر بهجة الخلاص سيدركون أنه خمر جيد وأنه غير خمر أفراح العالم التي شربوها من قبل، فهم سيدركون سر الحياة التى أخذوها فى التناول من خمر سر الافخارستيا. وسيدركون أن أفراح العالم كم هي خمر رديئة ودون (أف5: 18).

هذه المعجزة تشير لأن إرادة الله أن نفرح "أراكم فتفرح قلوبكم" (يو22: 16). والله خلقنا ووضعنا فى جنة عدن.

(عَدْنْ كلمة عبرية = فرح) وهذا ما قاله بولس الرسول "إفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً إفرحوا" (في4: 4). والمسيح أتى لأجل هذا، ليعيد لنا الفرح الذي فقدناه.

الآيات (1 - 2) المسيح ترك اليهودية ومعه 6 تلاميذ أتى بهم إلى هذا العرس وهم أندراوس / يوحنا / بطرس / يعقوب / فيلبس / نثنائيل. منهم 4 أسماء يهودية وإسمان باليونانية، فالمسيح جعل الإثنين واحداً، وهو أتى ليعطي الفرح للجميع. وقانا الجليل واضح أنها في الجليل (هناك قانا أخرى في لبنان جنوب شرق صور).

والمسيح قَدَّس الزواج بحضوره عرس قانا الجليل، وصنع المعجزة حتى لا يحدث حرج للعريس وعائلته. فالمسيح يعيش وسط أفراحنا وحياتنا وآلامنا، يقدس حياتنا ويعزينا في آلامنا. ولكن لنرى وننظر من يحضر أفراحنا، فهذا الفرح كان يحضره يسوع وأمه وتلاميذه. والمسيح يشاركنا أفراحنا على أن تكون أفراح مقدسة. والمسيحية هي إنفتاح على العالم، نشارك الناس أفراحهم وضيقاتهم بقلب محب رقيق. والمسيح بالرغم من زهده حَوَّل الماء إلى خمر حتى لا يُحرج العريس. لذلك علينا أن نثق أنه يدبر كل أمورنا. وقارن مع فرح آخر، هو يوم سكر هيرودس فتحول الفرح إلى مأتم إذ قتل المعمدان، وهذا إسكات لصوت الحق. إذاً علينا أن نسأل أنفسنا هل المسيح في أفراحنا أم لا، وكيف نفرح. بل نحن حينما نحاول أن نفرح بطريقة العالم دون أن يكون المسيح وسطنا تتحول أفراحنا إلى غم.

اليوم الثالث = غالباً محسوب من (43: 1) فهو اليوم الذي بعد الغد، فهو اليوم السادس للأيام التي حوت الحوادث الأولى، ونلاحظ أن رقم (3) هو رقم القيامة، فالمسيح إستعلن ذاته كعريس يُفرح عروسه الكنيسة بقيامته. القيامة هي سر فرحنا. والقيامة الآن لنا هي قيامة من موت الخطية بقوة المسيح.

ملاحظة: العرس يستمر عند اليهود 7 أيام (تك22: 29 - 27 + قض11: 14 - 12).

أم يسوع = يوحنا لا يذكر إسمه ولا إسم أمه ولا العذراء فهي خالته. ويبدو أنه كانت هناك قرابة بين العذراء وأهل العريس، فذهبت وذهب معها يسوع، والمسيح أخذ تلاميذه فهو كان يعرف أنه سيظهر مجده هناك فيؤمنوا به.

(آية3): ليس لهم خمر = هي مشكلة كبيرة لأصحاب الفرح قطعاً (والخمر رمز للفرح وكأن العذراء تشكو للمسيح حال البشرية الحزين) هنا لم تحدد العذراء للمسيح كيف يتصرف، هي وضعت أمامه المشكلة وتركته يتصرف كما يريد فهي تؤمن بأن عنده حل لكل مشكلة، وهكذا صنعت أختا لعازر، إذ أرسلتا ليسوع قائلتين هوذا لعازر الذي تحبه مريض، ولم يطلبا شيئاً وهكذا ينبغي أن نصلي. وهنا نرى دور العذراء الشفاعي، فهي تطلب المستحيل من إبنها فيعطيها. وكان لابد للخمر أن تنفذ، ففي وجود المسيح لا يجب أن توجد خمر رديئة، والعذراء تدعو إبنها ليصحح الوضع ويعلن عن حضوره. فرغت الخمر = لا فرح = الله غير موجود في حياة الناس.. لذلك أتى المسيح.

(آية4): يا امرأة = أي يا سيدة (LADY) وهي كلمة تدل على الاحترام والوقار في ذلك الوقت. والسيد قالها ثانية وهو على الصليب. ولنلاحظ: -.

  1. ما لي ولكِ = لقد بدأ عملي الخلاصي وإنتهى زمن خضوعي للمشورات البشرية. وبدأ تنفيذ إرادة الآب فقط.
  2. ليس فيها إحتقار للعذراء فمن أوصى بإكرام الوالدين لن يحتقر أمه. بل قال الكتاب أنه "كان خاضعا لهما" (لو2: 51).
  3. آدم أطلق لقب إمرأة على حواء وهي مازالت عذراء. وأطلق الله على العذراء مريم لقب إمرأة حينما قال أن "نسل المرأة أى المسيح سيسحق رأس الحية" (تك3: 16). وكما صارت حواء أماً لكل حي صارت العذراء أماً للكنيسة جسد المسيح. وكما صار المسيح آدم الأخير (1كو15: 45) صارت العذراء مريم حواء الأخيرة، أو الإمرأة الجديدة أم كل جسد حى بحياة المسيح. حواء كانت أماً للخليقة القديمة التى هى نسل آدم وحواء. وهذه الخليقة محكوم عليها بالموت. والعذراء صارت أماً للخليقة الجديدة جسد المسيح وهى الكنيسة. والكنيسة خليقة حية بحياة المسيح. ونرى بداية أمومة العذراء للكنيسة فى شخص يوحنا الذى قال له المسيح وهو على الصليب "هذه أمك"، وقال للعذراء مريم أمه "يا إمرأة هوذا إبنك" (يو19: 26، 27).
  4. العذراء كأم الكنيسة تبدأ مع إبنها طريق الصليب ويجوز في نفسها سيف وتنتهي معه وهي بجانبه على الصليب، فهي شريكة أحزانه.

لم تأت ساعتي بعد = هناك تفسيران: [1] المسيح يريد أن يبدأ بالتعليم ثم يصنع معجزات، والسيد بهذا الرد كان يُظْهِر أن التعليم أهم من المعجزات.

[2] إذا بدأ المسيح معجزاته وظهر مجده سيهيج إبليس، وكأن هذه المعجزة إشارة لبدء الهجوم الذي سينتهي بالصليب، أو بها يبدأ العد التنازلي للصليب. ومع هذا، وأن ساعته لم تأتِ بعد إلاّ أنه لم يرفض لأمه طلبها وصنع المعجزة.

(آية5): بالرغم من صورة الرد الجافة إلاّ أن العذراء تعرف دالتها عند إبنها، وهنا تظهر قوة شفاعتها، فهي تعرف إرادة إبنها أكثر منا. وصلواتنا تكون مقبولة بشفاعتها.

للخدام = يوحنا الإنجيلي إستخدم باليونانية لفظ دياكونيين. وفي هذا إشارة للخدام الكنسيين (كهنة وشمامسة) الذين يخدمون الأسرار. فهنا سر عظيم يحدث. (كلمة خدام بمعنى خدام عاديين تختلف عن دياكونيين في اليونانية).

مهما قال لكم فإفعلوه = هذه وصية العذراء لنا دائماً. وهذه هي العظة الوحيدة التي قالتها العذراء. فتنفيذ وصية المسيح هو سر الفرح مهما كانت الوصية صعبة. وهذه هى وصية الآب لنا من السماء يوم التجلى "له إسمعوا" والعذراء نفذت هذا (حبلت وفي هذا خطورة / هربت لمصر / شهدت الهجوم على إبنها بل صلبه).

(آية6): كان اليهود يطهرون كل شئ (مر3: 7 - 4) ولا يأكلون إن لم يغسلوا أياديهم وهم دائماً يغسلون أيديهم وأرجلهم. المِطْر = البث = الإيفة = 22. 991لتراً. سعة الجرن تتراوح بين 46 - 69لتر. إذاً فحجم الأجران كبير، وكان على الخدام أن يحملوا الأواني التي يملأونها بالماء من أقرب بركة إلى المنزل، وهذا ما يشير لجهاد الإنسان في تطهير نفسه، ولأنهم 6 أجران ماء، ورقم 6 يشير للإنسان الناقص الذي خلق في اليوم السادس. فمهما صنع الإنسان لن يتطهر وبالتالي لن يفرح. ولكن على الإنسان أن يفعل كل ما بوسعه، حينئذ تتدخل النعمة الإلهية وتطهر الإنسان وتملأه فرح. ولذلك فالأجران الفارغة تشير لعدم إمكانية الناموس أن يطهر أو يعطي فرحاً حقيقياً. وحينما يجاهد الإنسان حتى الدم في العهد الجديد تنسكب النعمة داخله. ولنلاحظ أن المسيح لا يتدخل بمعجزة إلاّ إذا إنتهت الوسائل الطبيعية.

من حجارة = الأجران تشير لقلوبنا، وملأها بماء التطهير يشير لجهادنا لتطهيرها، ومن يفعل يملأ الرب قلبه فرحا (الخمر) وقوله من حجارة يشير لقساوة القلب بالخطية وهذه حين يحولها الله بالتطهير لقلب لحم ستمتلئ حباً فتفرح (حز19: 11).

تطهير اليهود = كان بالماء، أما المسيحيين فتطهيرهم بدم المسيح في المعمودية والإفخارستيا.

(آية7): الجهد المطلوب لملء الأجران ماء، ليس جهد قليل فهم سيملأون ما يقرب من 20صفيحة ماء، هذا إشارة للجهاد. والله يريدنا أن نجاهد لنطهر أنفسنا، وإلا لماذا لم يحول الهواء الى خمر ويريح الخدام. وهذه المعجزة تشبه تماماً معجزة الخمس خبزات والسمكتين، فالخمس خبزات هم الجهاد الإنساني والنعمة أشبعت بهم 5000شخص. وتشبه معجزة صيد السمك الوفير. وإذا فهمنا أن الخدام هم خدام طقوس الأسرار، فالكاهن والشمامسة يخدمون ويملأون المعمودية ماء، والروح القدس يعطي للماء قوته. والكاهن يصلي على الخبز والخمر والروح القدس يحوله إلى جسد ودم المسيح. ونلاحظ هنا طاعة الخدام في ملأ الأجران ثم تقديم خمر كان أصله ماء منذ ثوان لرئيس المتكأ. وهذه هي عطية المسيح بوفرة وبفيض وهي عطايا جيدة، أما أفراح العالم فسريعاً ما تزول. إملأوا الأجران = علينا أن نبذل كل ما بوسعنا حتى نتطهر، ونجاهد حتى الدم حينئذ يملأ الرب حياتنا فرحاً.

(آية8): رئيس المتكأ = هي عادة شرقية أن يدير الإحتفال رجل مرموق الكرامة من أهل العريس، يتشرفون به ويقدمون له الأكل والشراب أولاً، وهو يتبرع بتنظيم وضبط حفل العرس ولذلك فهو يظل بدون أن يسكر حتى يضبط الحفل، فشهادته لها قيمتها. وقد يكون رجل الدين الذي يجري مراسم الإحتفال. وكان بحسب طقس العشاء يتذوق هو أولاً الطعام والشراب. وكون المسيح هو الذي يطلب أن يشرب رئيس المتكأ فهذا يشير لأن المسيح هو العريس الحقيقي والكل مدعويه. والمسيح أيضاً أراد أن يعترف رئيس المتكأ بنوعية الخمر التي تحمل قوة إلهية قادرة أن تعطي فرحاً حقيقياً لوجود الله.

(الآيات9 - 10): إستقوا الآن = الماء تحول فورياً. من أين هي = هو يعلم أن المنزل ليس به هذه النوعية. لكن هذه تشير لجهل الناس كيف يتغير أولاد الله ويتجددون.

توجد الأجران خارج المنزل، لذلك لم يعرف رئيس المتكأ ما حدث، لكن الخدام عَرِفوا فهم الذين ملأوا الأجران وهم الذين رأوا ما حدث. وتفسير هذا روحياً: لم يعلم = رئيس المتكأ يشير لشعب العهد القديم الذين هم تحت الناموس، هؤلاء لا يدركون عمل المسيح الخفي. فأسرار نعمة الله خفية لا يعرفها إلاّ من يقترب من الله. والخدام علموا = يشير الخدام هنا لخدام العهد الجديد الذين عرفوا شخص المسيح وهم يعلمون عمله في تجديد الطبيعة.

ولنلاحظ أن الخمر التي صنعها المسيح ليست خمراً مسكراً، بل هي إعلان عن حبه، كانت مادة حلوة المذاق ولكنها بالتأكيد غير مسكرة مع أن لها طعم الخمر، فواضع الشريعة لن يناقض نفسه. ولا نستغرب أن تكون الخمر لها طعم الخمر وهي غير مسكرة فنحن نتناول دم المسيح ونتذوقه كخمر وهو دم، وننزل لماء المعمودية ونخرج دون تغيير ظاهر وبالميرون يحل فينا الروح القدس دون أن نراه.

هنا المسيح يحول القديم إلى جديد، ماء التطهير إلى خمر حقيقي فيه فرح حقيقي.

ومتى سكروا = هذا لا يشير إلى أن الحاضرين كانوا سكارى، بل رئيس المتكأ يقول عن مثل مشهور. ولكن هذا القول المشهور كان مُعَبِّراً عن حال اليهود (إش7: 28 - 9). فواقع حال اليهود رديء وهو الموصوف بالخمر الدون، أمّا المسيح فأتى ليعطي الفرح الحقيقي أي الخمر الجيدة. ونلاحظ أن هذا هو حال العالم وحال الخطية فهي تقدم للناس لذة مؤقتة، خمراً رديئة، هي لذيذة في بدايتها ولكن يعقبها مراً وإفسنتيناً.

جيدة = هي نفس الكلمة المترجمة صالح في "أنا هو الراعي الصالح" فالخمر الجيدة لها علاقة بالمسيح الذي هو الكرمة الحقيقية. وعموماً فهناك صنفان من الناس الأول = لا يعلم، والثاني = يعلم.

الأول هو من لا يعلم يشير لمن شربوا الخمر وأعجبتهم وتوقفوا عند هذا، وهؤلاء هم من رأوا معجزات المسيح وأعجبهم كلامه ولكنهم لم يتغيروا ولم يؤمنوا، مثل من أكل مما صنعه المسيح في معجزة الخمس خبزات فتبعوه إذ هم يطلبوا المزيد من الطعام البائد (يو26: 6). وهؤلاء أيضاً هم من إنخدع بملذات العالم الشهية للنظر ولم يعلم النهاية المرة للشهوات العالمية.

الثاني هو من يعلم هم من عرفوا المسيح لشخصه وعرفوا قوته ونعمته، وعلموا أن المسيح هو إبن الله فدخلوا في شركة معه (مت29: 26). هؤلاء إختبروا قوة التجديد ولذة الفرح.

وعطايا المسيح عكس عطايا العالم فقد تبدأ بمرارة الجهاد والتوبة ولكنها تنتهي بالفرح.. حزنكم يتحول إلى فرح (يو20: 16).

(آية11): تسمى آيات لأنها برهان على صدق رسالة المسيح. وأظهر مجده = (قال يوحنا في ص (1) رأينا مجده. وهنا نرى كيف رأي يوحنا مجده) لذلك تعيد الكنيسة بعيد عرس قانا الجليل مع أعياد الظهور الإلهي الذي فيه إستعلن الثالوث. هنا التلاميذ إكتشفوا يسوع، فهذه المعجزة هي معجزة خلق، وإكتشفوا حنانه فهو لم يقبل أن يحرج العريس، لكن يسوع يريد من يطلب منه بثقة ولأن إيماننا ضعيف فنحن نتشفع بأم النور وهي تطلب منه بثقة. كلمة آية في اليونانية تشير لطبيعة صانع العمل، أي هي عمل يكشف عن طبيعة من عمله.

ونلاحظ أن أول معجزة صنعها المسيح تحويل الماء إلى خمر وآخر آية صنعها هي تحويل الخمر إلى دمه.

ماء خمر دم.

والمعنى أن الحياة الطاهرة بجهادنا (ماء) تتلامس مع المسيح في (الخمر) حبه وفرحه.

فيؤهل الإنسان إلى شركة جسده و(دمه) الأقدسين. ولنلاحظ أن المسيح حول الماء إلى خمر حتى لا يحرج العريس ولكنه رفض تحويل الحجارة إلى خبز بالرغم من جوعه، بهذا نفهم إهتمامه بتدبير كل حاجاتنا.

فآمن به تلاميذه = هم قبلاً أعجبوا به وتبعوه، لكنهم هنا عرفوا مجده فآمنوا به.

العدد 12

آية (يو2: 12): -

"12 وَبَعْدَ هذَا انْحَدَرَ إِلَى كَفْرِنَاحُومَ، هُوَ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ وَتَلاَمِيذُهُ، وَأَقَامُوا هُنَاكَ أَيَّامًا لَيْسَتْ كَثِيرَةً.".

هذه الآية لا تذكر يوسف فغالباً كان قد مات. ولا تذكر أخوات المسيح ربما لأنهن قد تزوجن. وأخواته كانوا من زواج سابق ليوسف النجار. والمسيح بعد عودته مع يوسف والعذراء من مصر عاشوا في الناصرة (مت22: 2 - 23) وعاش فيها كنجار (مر3: 6) حتى سن الثلاثين، إلى أن نزل ليعتمد من المعمدان (مر9: 1) ثم ذهب مع تلاميذه إلى الجليل وحضر عرس قانا الجليل مع تلاميذه الستة. ثم إنحدر مع أمه وإخوته وتلاميذه إلى كفرناحوم (مت13: 4). وكان هذا لأيام قليلة عادوا بعدها إلى الناصرة. والمسيح جعل من كفرناحوم مركزاً لدعوته حتى أن كفرناحوم دعيت مدينته (مت1: 9). ولماذا ترك الناصرة؟ فهذا لأنها رفضته (مر1: 6 - 6) ولم تكن كفرناحوم افضل حالاً من الناصرة (مت20: 11 - 24). والأناجيل الثلاثة (متى ومرقس ولوقا) ركزت على خدمة المسيح في الناصرة، أمّا يوحنا فركز على خدمة المسيح في اليهودية، وتحدث قليلاً عن خدمته في الجليل (1: 2 - 22 + 43: 4 - 54 + 1: 6 - 9: 7 + 1: 21 - 25) بينما كان في 17 إصحاح تقريباً يتكلم عن خدمة المسيح في اليهودية، حيث ركز معظم تعاليمه اللاهوتية الخطيرة فلماذا: - 1 * فأورشليم يوجد بها دارسو الناموس واللاهوتيين، أما الجليليين فهم بسطاء ومنهم تلاميذه البسطاء. 2 * أيضاً "الشريعة تخرج من صهيون ومن أورشليم كلمة الرب" (إش3: 2). 3 * وأيضا "الرب يدخل في المحاكمة مع رؤساء وشيوخ إسرائيل شعبه" (إش14: 3).

الآيات (يو2: 13 – 25) (تطهير الهيكل اليهودي والإشارة إلى هيكل جسده).

الأعداد 13-25

الآيات (يو2: 13 – 25): -

"13 وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيبًا، فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، 14 وَوَجَدَ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ بَقَرًا وَغَنَمًا وَحَمَامًا، وَالصَّيَارِفَ جُلُوسًا. 15فَصَنَعَ سَوْطًا مِنْ حِبَال وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ، اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ، وَكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ. 16 وَقَالَ لِبَاعَةِ الْحَمَامِ: «ارْفَعُوا هذِهِ مِنْ ههُنَا! لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ! ». 17فَتَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي». 18فَأَجَابَ الْيَهُودُ وَقَالوُا لَهُ: «أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟ » 19أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ». 20فَقَالَ الْيَهُودُ: «فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ » 21 وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. 22فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هذَا، فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكَلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ. 23 وَلَمَّا كَانَ فِي أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ، آمَنَ كَثِيرُونَ بِاسْمِهِ، إِذْ رَأَوْا الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَ. 24لكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. 25 وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ، لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ.".

المسيح طهر الهيكل مرتين، الأولى هنا في بداية خدمته، والثانية يوم الإثنين من أسبوع الآلام قبل الفصح الأخير [وذلك إظهاراً لسلطته وإعلاناً عن عمله، إذ هو أتى ليطهر ما قد فسد (جسدنا = هيكلنا)]. وهنا نجد مقارنة بين هيكل أورشليم القديم الذي سيهدم لتقوم الكنيسة هيكل جسد المسيح الجديد.

(الآيات 13 - 14): في (ملا1: 3 - 4) يتنبأ ملاخي عن مجيء المسيح للهيكل ليطهره، لقد حلّ الآن السيد بغتة في هيكله ليطهره. وزكريا يتنبأ عن بناء الهيكل الجديد (12: 6 - 13).

فصح اليهود = لماذا يقول فصح اليهود وهل هناك فصح لأحد غير اليهود؟ هذا إشارة لأن المسيح هو الفصح الجديد. ويوحنا يكتب إنجيله سنة 100م بعد أن إستقر الفصح المسيحي الجديد. وبعد المسيح إنتهى الفصح اليهودي ولم يصبح له معنى وما عاد فصحاً للرب. والمسيح أتى لأورشليم يفتقدها ويصنع فيها آيات (آية23) وبدأ خدمته بتطهير هيكلها فرسالته تطهير البشر وإصلاحهم. (المسيح أتي في الفصح لأورشليم تنفيذاً للناموس.).

فصعد إلى أورشليم = لأن أورشليم على جبل.

ووجد في الهيكل = أي الرواق الخارجي.

لا تجعلوا بيت أبى بيت تجارة = وكان الذين يبيعون ويشترون الأغنام والأبقار، والصيارف الذين يغيرون العملة الأجنبية وعليها صورة قيصر بالشاقل اليهودي الذي بدون أي رسومات ليدفع اليهودي النصف الشاقل المفروضة عليه بالناموس. أمّا الأغنام والأبقار فكانت ليقدموا منها ذبائح في الهيكل، ولقد سمح قيافا وحنان بهذه التجارة في الهيكل فكانت أرباحهم منها أرباح ضخمة إذ كانوا يتلاعبون ويغشون الناس، فمن يريد أن يقدم ذبيحة يشترى الخروف الذى سبق وفحصه الكهنة وختموه دليل أنهم وجدوه بلا عيب وصالح لتقديمه ذبيحة. وحين يأتى الرجل بهذا الخروف للكهنة فى الهيكل يفحصونه ويقولون به عيب، فيقول الرجل وماذا أفعل بهذا الخروف الآن، يقولون له نشتريه منك ونبيع لك آخر، ثم يشترونه بثمن بخس ويبيعون له آخر بثمن كبير. فحققوا من هذا الغش أرباحا ضخمة. بل كان التجار من الكنعانيين وكانوا مشهورين بالغش (هو7: 12) وهؤلاء طردهم المسيح (زك21: 14) (راجع أش7: 56 + أر11: 7). وكان يجب أن تكون هناك حيوانات لتقديم ذبائح. ويجب أن يكون هناك صيارف. لكن الموضوع تحول لتجارة ونهب وغش وخداع للشعب فى البيع والشراء لحساب رؤساء الكهنة، وكان هذا عثرة للشعب. ولذلك قال لهم الرب أنهم جعلوا بيت الله مغارة لصوص (لو19: 46 + مر11: 17).

حنان وعائلته: - وشرع الصيارفة لأنفسهم نسبة أرباح لهم من تغيير العملات، وكان ما يحصلون عليه مبالغ ضخمة. بل كان هؤلاء الصيارفة يدخلون فى صفقات وحوارات مع كل من يأتى إليهم للحصول على أكبر كم من الربح. وكان هناك غش كثير فى الموازين. كل هذا سبب أرباحا ضخمة لهؤلاء الصيارفة. ويقال أن "كراسوس" إستولى من هؤلاء الصيارفة فى الهيكل ذات مرة على مليونين ونصف إسترلينى (هذا الرقم مقدر من أيام تأليف هذا الكتاب لإدرشيم فى منتصف القرن التاسع عشر).

يضاف لهذا تجارة المواشى والطيور التى تقدم كذبائح فى الهيكل. وحتى فى هذه التجارة إنتشر الغش بسبب الشرط أن يكون الحيوان الذى يقدم بلا عيب. وكان التلاعب فى هذا الموضوع سببا فى أرباح عالية بالإضافة للمغالاة فى أسعار الذبائح. وتصور الحال فى هيكل العبادة لله، مع كل هذا الكم من الطمع والغش والخداع والتجارة والمشاحنات بين الصيارفة وبائعى الحيوانات والطيور (والفصال فى الأثمان) والمشاحنات بين الناس ومن يقوموا على الكشف على الحيوان ليتأكدوا من خلوه من العيوب. وكان هناك أيضا تجارة السكائب وكل ما يقدم كتقدمات فى الهيكل. وفى أيام المسيح كان من يقومون بهذه التجارة هم أولاد حنان رئيس الكهنة. وكانت المحال التى يتم فيها هذه التجارة تسمى "بازار أولاد حنان".

وحقا كان التجار والصيارفة يكسبون مكاسب ضخمة من هذه التجارة. ولكن كان المكسب الأكبر للكهنة الذين يحصلون على جزء من الأرباح. والمعروف وقتها أن عائلة رئيس الكهنة تربح من كل هذه التجارة أرباح خيالية. بل صارت عائلة رئيس الكهنة مشهورة بالشراهة والجشع والفساد. وبعد كل هذا... هل يصح أن يكون هذا بيت صلاة؟! بل صار مغارة للصوص كما قال الرب. ولقد صوَّر فساد هذه العائلة يوسيفوس المؤرخ وكثير من الربيين الذين أعطوا صورة مرعبة عما كان يحدث. وقال يوسيفوس عن حنان الإبن وهو إبن حنان رئيس الكهنة أنه كان خزينة للنقود، وإغتنى غناء فاحشا. بل كان يغتصب بالعنف حقوق الكهنة الشرعية. وسجل التلمود اللعنة التى نطق بها (آبا شاول) أحد الربيين المشهورين فى أورشليم على عائلة حنان رئيس الكهنة وعائلات رؤساء الكهنة الموجودين، والذين صار أولادهم وأصهارهم مساعدين لهم فى جباية الأموال، وصار خدامهم يضربون الشعب بالعصى. وهم يعيشون فى رفاهية ونهم وشراهة وفساد وسفه فى صرف أموالهم. وقال التلمود عنهم "لقد كان الهيكل يصرخ فى وجوههم.. أخرجوا من هنا يا أولاد عالى الكاهن لقد دنستم هيكل الله". وهذا كله يساعد على فهم ما عمله يسوع، وسبب عداء رؤساء الكهنة له. وهذا أيضا يعطى تفسير لماذا لم يعترض الجمهور الموجود على ما عمله يسوع. وخاف المسئولون عن مواجهته أو القبض عليه من هياج الجماهير والحامية الرومانية على بعد خطوات فى قلعة أنطونيا. [أضف لذلك هيبة المسيح التى أخافت الجميع كما حدث ليلة القبض عليه، فالمسيح حين يريد تظهر هيبته وإذا إستسلم لهم يكون هذا بإرادته]. ولكنهم خزنوا حقدهم ضد المسيح ليوم الصليب.

وكان اليهود (الكهنة) موقفهم ضعيفا إذ هم يعلمون الفساد المتفشى فى الهيكل. وطلبوا من الرب أن يريهم آية (أى علامة تثبت أحقيته لفعل هذا).

وكانت العلامة التى رد بها الرب "أنقضوا هذا الهيكل، وفى ثلاثة أيام أقيمه" وكان يتكلم عن صلبه وقيامته التى بها سيطهر الهيكل. ولكنهم لم يفهموا معنى كلامه بل إتخذوه ضده فى محاكمته. وكان أيضا يشير لأنهم مهما عملوا وخططوا ضده حتى الصليب فهو سينتصر ويقوم، ليقيم كنيسة طاهرة هى جسده ويتمم مشيئة أبيه السماوى. بل كانت هذه هى العلامة الوحيدة التى أعطاها المسيح لأعدائه... قوموا وهيجوا ضدى أو ضد الكنيسة هيكل جسدى وسأنتصر وتنتصر كنيستى ولن يقوى عليها عدو حتى الموت. وهذا ما أثبتته الأيام فالمسيح قام بعد ثلاثة أيام والكنيسة باقية للآن بالرغم من كل الإضطهاد التى عانت منه عبر العصور ولكنها ما زالت صامدة وباقية وللأبد. قال المسيح "" ينبغى أن أكون فيما لأبى "(لو2: 9) ولذلك بدأ المسيح ظهوره العلنى بتطهير الهيكل، فتطهير الهيكل بيت أبيه كان هو الهدف الذى أتى من أجله، وهو بهذا يعلنه. وأنهى خدمته بتطهير الهيكل ثانية قبل صلبه بأيام، سواء الهيكل بمعنى الكنيسة أو الإنسان هيكل الله. وتطهير الهيكل للمرة الثانية كان قبل صلبه ليشير لطريقة التطهير وأنها بدمه.

(الآيات 15 - 16): راجع (إش10: 1 - 17 + 1بط17: 4). والمسيح يبدأ حركة التطهير. ونلاحظ أن الفصح كان قريباً والفطير كان قد إقترب والمعنى واضح فالمسيح يريد تطهير شعبه من خمير الخطية. والمسيح إستخدم سوطاً من حبال = والحبال كانت في يد تجار الماشية مع ماشيتهم والحبال لها شكل وليس لها فعل، هو رمز للسلطان وليس للتأديب، طرد بها السيد تجار الماشية، الصيغة المستخدمة في الإنجيل تشير أن المسيح لم يضرب أحداً بالسوط. أما الحمام الوديع الهادئ قال عنه المسيح إرفعوا هذه.. ومن المؤكد فلقد ظهر على المسيح هيبة عجيبة جعلتهم يسرعون هاربين منه دون إعتراض وطرد الذبائح إشارة لإنتهاء عهد الذبائح الدموية، والآن سيقرب الذبيحة الحقيقية. والمسيح إستعاض عن الذبائح الإجبارية على اليهود بالصلاة حين قال "بيتي بيت الصلاة يُدعى". وهذا قاله داود "لتستقم صلاتى كالبخور قدامك، ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية" (مز 141: 2). وكان عمل المسيح هذا سبباً في أن يتربص به اليهود ليقتلوه فرؤساء الكهنة شعروا أن تجارتهم في خطر. إرفعوا هذه من ههنا = نحن هيكل الله وينبغي أن نرفع كل فكر رديء أو شهوة رديئة أو نظرة رديئة، داخل الكنيسة أو خارجها.

ملحوظة: يوحنا هو الوحيد بين الأربعة الإنجيليين الذي أشار للسوط في يد المسيح. وذلك لأنه يهدف لأن يقول أن السوط يرمز للتجارب والتأديبات التي يسمح بها لشعبه ليؤدبه، فيتطهر، ويفرح. وكما قلنا فيوحنا هو الوحيد الذى ذكر موضوع السوط فهو رمز للتجارب التى يسمح بها الله ليطهر أولاده الغير قادرين على تطهير أنفسهم (فيوحنا يذكر موضوع السوط عقب موضوع أجران التطهير فى عرس قانا الجليل).

(آية17): كان التلاميذ يفرحون بما يعمله المسيح إذ يقابلوه ( = يقارنوه) بالنبوات فيزداد إيمانهم (مز9: 69) وهو مزمور ملئ بالنبوات عن آلام المسيح.

ولاحظ أن ما فعله السيد المسيح كان عملاً صعباً جداً ففي عيد الفصح يوجد ملايين في أورشليم وتصور الزحام في الهيكل، وفي وسط كل هذا الزحام يعمل المسيح ما عمله. ولو لم ترهبهم هيبته لكانوا قتلوه فى الهيكل.

ولاحظ أن المسيح أتي ليطهر الهيكل ولما رفضوا التطهير تركه لهم خراباً (مت38: 23) وهكذا فالله يعمل على تطهير أجسادنا وحياتنا وإذا رفضنا نَفْسَد، فمن يفسد هيكل الله يفسده الله (1كو17: 3) إذاً لنصرخ لله ليطهرنا ونقبل عمله المطهر والسوط الذي يؤدبنا به.

(آية18): هو سؤال للسيد أن يثبت أنه مرسل من الله بأن يصنع معجزة كما حدث مع موسى فالذي له سلطان على الهيكل هو المسيا (ملا1: 3) وهذه محاولة من اليهود يظهروا بها أنفسهم أنهم أصحاب السلطة، وهي دفاع عن عدم إيمانهم.

(آية19): إنقضوا.. أُقيمهُ = هما كلمتان تصلحان أن يقالا عن المباني المبنية بالحجارة وعن الإنسان. (2كو1: 5 + رو25: 4). فإنقضوا تعني في اليونانية هدم، قتل / حل / فك. وأقيم يمكن أن تقال عن قيامة الجسد وعن قيام أو إقامة مبنى والمسيح هنا يخبرهم عما سيفعلونه به كنبوءة. وأنه سيقوم بعد أن يقتلوه. ولكن كلام المسيح ينطوي على تهديد لهم. فساعة أن يقتلوه سيحكمون علي هيكلهم وأمتهم بالخراب، أما هو فسيقوم وهذا ما حدث. ثلاثة أيام = مثل يونان النبي (مت4: 16). وهم فهموا كلام المسيح هنا أنه سيقوم بعد أن يقتلوه بثلاثة أيام (مت62: 27 - 64). ولاحظ أن المسيح قال أقيمه وليس أبنيه. هم طلبوا دليل على أنه المسيا الذي أتى ليطهر هيكل أبيه، فقال لهم هذا الدليل أنكم ستصلبونني وتقتلونني وسأقوم بعد 3 أيام لأنني إبن الله الحي الذي لا أموت. أقيمه = سلطانه أن يقيم نفسه فهو إبن الله. وقوله أنقضوا.. أقيمه فيه إشارة لأن الجسد الذي يقوم له علاقة بالجسد الذي نقضوه أي حلوا أجزاءه، فهو سيعيد تجميعه.

تأمل: هم طلبوا آية أمّا نحن فلا نطلب معجزات، بل بالإيمان نثق أن الله موجود ويعمل.

(آية20): ست وأربعين سنة = بدأ البناء في الهيكل سنة 20ق. م. على يد هيرودس الكبير (لم يكن هذا بناء لهيكل جديد، فالهيكل تم بناؤه على يد زربابل سنة 515 ق. م. وهذا لأن نبوخذ نصر الملك البابلى هدم الهيكل الذى بناه سليمان سنة 586 ق. م. وجدده يهوذا المكابى حوالى سنة 176 ق. م. والآن يقوم هيرودس بتجديده وتوسيعه) والآن نحن في سنة 26م أو سنة 27م. فالمسيح ولد سنة 4 ق. م. والهيكل إنتهى العمل فيه سنة 63م على يد هيرودس أغريباس الثاني.

(آية21): هذه الشهادة فهمها التلاميذ بعد قيامة المسيح (آية21). وهيكل جسده هو الحجارة الحية التي هي نحن (أي كنيسته) (1بط5: 2) وهو حياتنا (في 21: 1).

(آية22): القيامة شددت إيمان التلاميذ إذ إستعلنت حقيقة إبن الله. فآمنوا بالكتاب = نبوات العهد القديم عن موت المسيح وقيامته.

(آية23): كان هذا أول عيد للفصح يحضره المسيح في أورشليم. ولكن إيمان الكثيرين هنا كان كالزارع الذي رمى بذرته فجاءت على أرض محجرة (مت20: 13 - 21). هو إيمان غير صحيح وغير ثابت بدليل أن يسوع لم يأتمنهم على نفسه (آية24).

(آية24): من آمنوا أرادوا أن يجعلوا المسيح ملكاً، فهم لا يبحثون عن المسيح لشخصه بل لأنفسهم على حسابه، لذلك إختفى عنهم وللآن فهناك من لا يريد أن يعرف المسيح إلاّ لمنافع مادية، فإذا خسر مادياً ينقلب على المسيح. يأتمنهم على نفسه = أي يثق فيهم، فهم يمكن أن ينقلبوا عليه في أي لحظة، وهذا ما حدث فقالوا بعد ذلك "إصلبه".

(آية25): هو عرف تقلبهم، وما في نفوسهم، فهم معه اليوم لإنبهارهم بمعجزاته ولكنهم سينقلبون عليه إذا إكتشفوا أن إرادتهم لا تتوافق مع إرادته، وأفكارهم ليست كأفكاره وهو فاحص القلوب والكلى. ولاحظ أن المسيح مستعد أن يعطي نفسه لمن يطلبه لشخصه وليس لهدف مادي. ولاحظ كم الخسارة الرهيبة إذ نترك المسيح بسبب خسارة مادية، فنحن نخسر الله اللامحدود في شخصه وفي بركاته وغناه ومجده.

ملخص الإصحاح: المسيح يريد أن يملأ حياة أولاده فرحاً ويجعل حياتهم عرساً دائماً، ولكن هذا لمن يجاهد في تطهير نفسه. ومن محبة المسيح لنا أن من يهمل في تطهير نفسه، يؤدبه ببعض التجارب (السوط) ليتطهر فيفرح. "لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوماً فيوم" (2كو16: 4 - 17).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

No items found

الأصحاح الثالث - تفسير إنجيل يوحنا - القمص أنطونيوس فكري

الأصحاح الأول - تفسير إنجيل يوحنا - القمص أنطونيوس فكري

تفاسير إنجيل يوحنا الأصحاح 18
تفاسير إنجيل يوحنا الأصحاح 18