الفصل الخامس تداريب أثناء الصوم – روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث

الفصل الخامس تداريب أثناء الصوم

ما هى هذه التداريب؟

مادام الصوم فترة روحية مقدسة، يهدف فيه الصائم إلى نموه الروحى، إذن يليق أن يضع أمامه بعض تداريب روحية، لكى يحول بها هذه الرغبات الروحية إلى حياة عملية. فما هى هذه التداريب؟

تختلف التداريب الروحية من شخص إلى آخر.

وذلك بحسب احتياج كل إنسان. سواء كانت هذه التداريب تشمل مقاومة نقط ضعف معينة فى حياة الصائم، أو تشمل فضائل معينة تنقصه، أو اشتياقات روحية تجول فى قلبه.

وهكذا تختلف فى الشخص الواحد حسب احتياجه.

فما يحتاج إليه إنسان فى وقت، غير ما يحتاجه فى وقت آخر. وذلك حسب حروبه من جهة، وحسب درجة نموه من جهة أخرى.

المهم أن توجد التداريب، حتى يشعر الصائم أنه يضع هدفاً خاصاً أمامه أثناء الصوم، يحاسب نفسه عليه، ويتابع تنفيذه، وحتى يخرج بنتيجة واضحة من صومه بالإضافة إلى الفضائل العامة للصوم.

وما سنتحدث عنه الآن، هو مجرد أمثلة.

وليضع كل إنسان ما يناسبه من تداريب أثناء صومه. وليكن ذلك تحت إشراف أب اعترافه بقدر الإمكان.

1 - تداريب خاصة بالصوم

والغرض منها أن يكون الصوم صوماً سليماً، نامياً فى نوعيته.

ومنها تداريب خاصة بضبط النفس:

وقد تشمل منع الصائم لنفسه من أكل أصناف معينة يشتهيها. سواء كان ذلك منعاً كلياً طوال فترة الصوم، أو منعاً جزئياً خلال فترة محددة أو يوم معين. أو كان ذلك المنع عن طريق الإقلال من الكمية، أو عدم طلب صنف معين بالذات.

وقد تشمل تداريب ضبط النفس: فترة الإنقطاع وتحديدها والنمو فيها. والبعض يلجأ إلى نظام التدرج حتى خلال الصوم الواحد. فالصوم الكبير يشمل ثمانية أسابيع، قد يتدرج الصائم أثناءها فى درجة نسكه وانقطاعه عن الطعام.

ويشمل ضبط النفس يوم الرفاع، ويوم العيد أيضاً، فلا يكون الأكل فيهما على مستوى التسيب بلا ضابط. كذلك ضبط النفس يشمل أيضاً عنصر الجوع.

وقد تكون التداريب خاصة بالفضائل المصاحبة للصوم.

وبهذا تشمل النواحى الروحية فى الصوم كضبط النفس عموماً خارج نطاق الأكل، والسيطرة على الجسد عموماً، والإمتناع عن كل شهواته الجسدية، وكل الترفيهات الخاصة بالحواس. وتدريب السهر، وتدريب البعد عن الكماليات.

وكذلك التداريب الخاصة بما فى الصوم من تذلل وانسحاق أمام الله، وما فيه أيضاً من زهد، يتسع نطاقه بالتدريج.

2 - تداريب خاصة بالتوبة

لأن الصوم هو بلا شك فترة توبة. وتداريب التوبة كثيرة نذكر منها:

التركيز على نقطة الضعف أو الخطية المحبوبة.

وكل إنسان يعرف تماماً ما هى الخطية التى يضعف أمامها، ويتكرر سقوطه فيها، وتتكرر فى غالبية اعترافاته. فليتخذ هذه الخطايا مجالاً للتدرب على تركها أثناء الصوم. وهكذا يكون صوماً مقدساً حقاً.

وقد يتدرب الصائم على ترك عادة ما.

مثل مدمن التدخين الذى يتدرب فى الصوم على ترك التدخين.

أو المدمن مشروباً معيناً، أصبح عادة مسيطرة لا يستطيع تركها، كمن يدمن شرب الشاي والقهوة مثلاً. او الذى يصبح التفرج على التليفزيون عادة عنده تضيع وقته وتؤثر على قيامه بمسئولياته. كل ذلك وأمثاله تكون فترة الصوم تدريباً على تركه.

وقد يتدرب على تركه خطية كالغضب أو الإدانة.

وهى من الخطايا المشهورة التى يقع فيها كثيرون. وربما تشمل التداريب مجموعة من خطايا اللسان تعود الإنسان السقوط فيها، فيدرب نفسه فى الصوم على التخلص منها واحدة فواحدة.

وما أسهل أن يضع أمامه آيات خاصة بالخطية.

فمثلاً يذكر نفسه كلما وقع فى خطية النرفزة بقول الكتاب ((لأن غضب الإنسان لا يصنع برّ الله)) (يع 1: 2). ويكرر هذه الآية بكثرة كل يوم، وبخاصة فى المواقف التى يحاربه الغضب فيها. ويبكت نفسه قائلاً ماذا أستفيد من صومى، إن كنت فيه أغضب ولا أصنع برّ الله؟!

أو إن كان واقعاً فى أية خطية من خطايا اللسان، يضع أمامه قول الكتاب ((كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس، سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين)) (مت 12: 36). ويقول لنفسه فى عتاب: ماذا أستفيد إن صمت صوماً فيه كل ضبط النفس، ثم لم أضبط لسانى، وقلت لأخى يا أحمق، وأصبحت بذلك مستحقاً لنار جهنم (مت 5: 22).

وكلما تجوع وتشتهى الأكل، بكّت نفسك.

وقل لها: حينما تتركين هذه الخطية، سوف أسمح لك بالأكل. هوذا الكتاب يقول ((إن الذى لا يعمل لا يأكل)) (2 تس 3: 10). وأنتِ لم تعملى عمل التوبة اللائق بالصوم، أو اللائق بقلب هو مسكن الله.

وبّخ نفسك وقل لها: ما فائدة امتناعي عن الأكل، إن كنت لم أمتنع بعد عن هذه الخطية التى تفصلنى عن الله، ولا ينفعنى صومى كله.

خذ نقطة الضعف التى فيك، واجعلها موضوع صلواتك وجهادك خلال هذا الصوم.

ركّز عليها التركيز كله، من جهة الحرص والتدقيق، ومن جهة مقاومة هذه الخطية.

واسكب نفسك أمام الله، وقل له: نجنى يارب من هذه الخطية. أنا معترف بأننى ضعيف فى هذه النقطة بالذات، ولن أنتصر عليها بدون معونة منك أنت. إرحم يارب ضعفى وعجزى. لا أريد أن أنتهى من هذا الصوم، قبل أنت تنتهى هذه الخطية من حياتى. إجمع آيات الكتاب الخاصة بهذه الخطية، وضعها أمامك، لتتلوها باستمرار.

لتكن فترة الصوم هذه هى فترة صراع لك مع الله، لتنال منه قوة تنتصر بها على خطاياك. درَّب نفسك خلال الصوم على هذا الصراع.

وقل: مادام الصوم يخرج الشياطين حسب قول الرب، فليته يخرج الشياطين التى تحاربنى فى خطايا معينة، دائماً أضعف أمامها... ليته يخرج منى خطايا مادام هو مع الصلاة يخرج الشياطين.

3 - تداريب الإعتكاف والصمت

يقول الكتاب ((قدسوا صوماً، نادوا باعتكاف)) (يوئيل 1: 14). ضع هذه الآية أمامك، ودرب نفسك على الاعتكاف.

والمقصود بالاعتكاف، أنه اعتكاف مع الله.

لأن هناك من يعتكفون فى بيوتهم، دون أى عمل روحى، بل قد يعتكفون مع الراديو أو التلفزيون أو المجلات، أو فى أحاديث مع أهل البيت...! أو يعتكفون مع الأفكار الخاطئة، ليس هذا هو الاعتكاف. إنما الاعتكاف يكون من أجل عمل روحى تعمله فى مخدعك المغلق عليك مع الله.

تعتكف مع الكتاب، مع سير القديسين، مع المطانيات، مع الصلاة.

إن كان لك برنامج روحى، ستحب الإعتكاف.

وإن استفدت فائدة روحية من اعتكافك، ستستمر فى هذا الاعتكاف، وتشعر أنه بركة لك من الله. لذلك اجلس إلى نفسك. وضع هذا البرنامج، واعتكف لأجل تنفيذه. وحاول أن تستغنى عن صداقاتك وترفيهاتك خلال هذه الفترة، التى سيكون فيها الله هو صديقك الحقيقى. درّب نفسك أنك تستغنى عن الحكايات والدردشة والكلام الذى لا يفيد، وحينئذ ستقدر أن تعتكف وتعمل مع الله.

وإن لم تستطع أن تعتكف طول الصوم، فهناك حلول أسهل:

إستخدم تدريب ((بعض الأيام المغلقة)).

أى حدد لنفسك أياماً معينة لا تخرج فيها من بيتك، وتكون قد نظمت مشغولياتك ومسئولياتك وزياراتك، بحيث تعتكف فى هذه الأيام المغلقة. ويمكن أن تبدأ بيوم واحد مغلق فى الأسبوع، ثم يومين، ثم تنمو أكثر... ولكن ماذا تفعل إن لم تستطع أن تغلق على نفسك مع الله؟

إن لم تستطيعوا أن تغلقوا أبوابكم خلال الصوم، فعلى الأقل أغلقوا أفواهكم عن الكلام الباطل.

فحديثنا مع الناس، ما أسهل أن يعطل حديثنا مع الله. وكما قال أحد الآباء ((الإنسان الكثير الكلام، إعلم أنه فارغ من الداخل))... أى فارغ من العمل الروحى داخل القلب، فلا صلاة ولا تأمل ولا تلاوات روحية...

إن تدريب الخلوة والاعتكاف، سيساعدكم على الصمت. والصمت سيخلصكم من أخطاء اللسان، كما أنه يعطيكم فرصة للعمل الداخلى، عمل الروح...

ولكن ماذا إذن، إن كان الصائم لا يستطيع الإعتكاف الكامل، ولا الأيام المغلقة، ماذا يفعل؟ هناك تدريب آخر هو:

تدريب مقاومة الوقت الضائع:

هناك إنسان مشكلته الأولى ضياع وقته. وقته تافه فى عينيه. يضيع أوقاته دون أن يستفيد. هذه هى خطيته الأولى. ونتيجة لإضاعة الوقت، لا صلاة، ولا قراءة، ولا أى فكر روحى. ونتيجة لهذا أيضاً: الفتور الروحى، وربما الوقوع فى الخطية.

هذه يقول لنفسه: أريد خلال الصوم أن أدرب نفسى على مقاومة الوقت الضائع، وعلى الاستفادة من وقتى. وكيف ذلك؟

توفر الوقت الضائع فى الكلام مع الناس، والوقت الضائع فى المقابلات والزيارات، وفى المناقشات التى لا تفيد، والوقت الضائع فى قراءة الجرائد والمجلات والتعليق على ما فيها. وكذلك الضائع فى الاستماع إلى الراديو والتلفزيون، وفى سائر الترفيهات التى يمكن الإستغناء عنها، وتحويل وقتها إلى عمل روحى مع الله.

كل إنسان يعرف أين يضيع وقته. ويعرف بالتالى كيف يمكن أن ينقذ هذا الوقت كجزء من حياته، ويستفيد به. ليكن هذا تدريباً لنا خلال الصوم بإذن الله...

وهذا التدريب يساعدنا على تدريب آخر هو:

صوم اللسان...

قال ماراسحق ((صوم اللسان خير من صوم الفم)). إن عرفت هذا درّب نفسك على الصمت على قدر إمكانك. وإن لم تستطع، إستخدم هذه التداريب الثلاثة:

أ - عدم البدء بالحديث إلا لضرورة.

ب - الإجابات المختصرة.

ج - اشغل فكرك بعمل روحى، يساعدك على الصمت.

4 - تداريب الانسحاق والتذلل

أيام الصوم هى أيام انسحاق وتذلل أمام الله، لذلك درب نفسك على ذلك حتى تصل نفسك إلى التراب والرماد. وذلك عن طريق التداريب الآتية:

أ - إبعد عن محبة المديح، وعن كلام الافتخار ومديح النفس.

ب - استخدم كلام الانسحاق فى صلواتك، مثل ترديدك لمزمور ((يارب لا تبكتنى بغضبك، ولا تؤدبنى بسخطك)) (مز6).

ج - إذا جعت، أو جلست لتأكل، قل لنفسك ((أنا لا أستحق الطعام بسبب خطاياى، لأنى فعلت كذا وكذا... أنا لست أصوم عن قداسة، وإنما عن مذلة داخل نفسى)).

الإنسان الذى وصل إلى الإنسحاق، مهما وضعوا أمامه من مشتهيات، لا يجد رغبة فى الأكل. وإن ضغط عليه الجوع، يقول لنفسه: تب أولاً، حينئذ يمكنك أن تأكل... وإن وجد نفسه ما يزال فى خطأ، يبكت ذاته قائلاً: هل هذا هو صوم مقبول أمام الله؟! هل هذا تقديس للصوم؟!

د - أيام الصوم فرصة صالحة للإعتراف وتبكيت الذات أمام الله، وأمام أب الاعتراف، وداخل نفسك.

إنها فترة صراحة مع النفس، ومحاسبة للنفس، وتوبيخ وتأديب لها. إحرص فيها أن تجلب اللوم على ذاتك. واهرب من كل تبرير للنفس فى أية خطية، مهما سهلت التبريرات.

ھ – أدخل فى تداريب الاتضاع، وهى كثيرة جداً. ونود أن نقدم لك فى ذلك كتاباً خاصاً إن شاء الله.

5 - تداريب الحفظ

يمكن أن تتخذ فترة الصوم مجالاً أيضاً للحفظ: حفظ آيات، وحفظ مزامير، وحفظ فصول من الإنجيل، وحفظ ألحان وتراتيل...

أ - خذ مثلاً تدريباً لحفظ العظة على الجبل. وتشمل 111 آية. لو أنك حفظت كل يوم 3 آيات، تنتهى منها فى 37 يوماً.

ب - إحفظ مثلاً قطع الأجبية، وتشمل 36 قطعة (غير الستار)، فلو حفظت كل يوم قطعة، يمكنك الإنتهاء منها فى 36 يوماً.

ج - إحفظ تحاليل الساعات، وتشمل 8 تحاليل. ويمكن أيضاً القطع المشتركة فى كل الصلوات مثل الثلاثة تقديسات، وصلاة الشكر، والمزمور الخمسين، وختام كل صلاة، مع بعض القطع التى تنفرد بها صلاة باكر أو صلاة النوم.

د - إحفظ ما يمكنك من مزامير الساعات، ويمكن البدء بمزامير قصيرة.

ھ – إحفظ آيات مختارة من الكتاب، وحبذا لو كانت بشواهدها. فلو أنك حفظت كل يوم ثلاث آيات، لأمكنك أن تحفظ فى الصوم الكبير وحده 150 آية فى كل عام...

و - يمكن أن تحفظ آيات تبدأ بالحروف الأبجدية، بحيث تستخدمها متى تشاء. أو تحفظ آيات تشمل معانى معينة، أو آيات على كل سرّ من أسرار الكنيسة، أو آيات خاصة بعقائد، أو خاصة بكل فضيلة من الفضائل.

ز - يمكن أن تحفظ خلال الصوم فصولاً مشهورة فى الكتاب المقدس، مثل (1 كو13) الخاص بالمحبة، أو (رو12) وهو مجموعة آيات ذهبية خاصة بفضائل عديدة، وكذلك (1تس 5: 12 - 23)، (أف 6: 10 - 18) الخاص بالحروب الروحية، وفى (فى 3: 7 - 14)... وما يشبه ذلك من الفصول المختارة فى الكتاب.

ح - ما تحفظه من آيات إتخذه مجالاً للتأمل الروحى، غذاء لنفسك خلال الصوم. ويمكن أن تتخذه مجالاً للتطبيق العملى.

ط - ما تحفظه من صلوات ومزامير، ردده باستمرار، لكى تضيفه إلى صلواتك اليومية.

ى - كذلك ضع لك برنامجاً فى حفظ الألحان والتسابيح.

وهكذا تجد أمامك جدولاً روحياً، تشعر فيه بقيمة وقتك وأهميته، فتحرص عليه لكى تستخدمه فيما ينفعك.

6 - تداريب الصلاة

إهتم فى أيام الصوم أن تزيد برنامج صلواتك. فلا تقتصر على صلوات الأجبية او الوضع العادى لك فى الصلاة. وإنما نضع أمامك التداريب الآتية، لتستخدمها حسب إمكانياتك:

1 - تدريب الصلاة فى الطريق:

يمكن أن يكون سائراً فى الطريق، وقلبك منشغل مع الله، إما بمزمور، أو بصلاة خاصة، أو بصلوات قصيرة ترفع بها قلبك إلى الله، كأن تقول له:

يارب إغفر لى، لا تحسب علىّ آثامى. ارحمنى يارب كعظيم رحمتك. نجنى يارب من ضعفاتى، أعطنى قوة. إجعلها يارب أيام مباركة، بارك أيام هذا الصوم. أعطنى يارب فترة أقضيها معك. أربط يارب قلبى بك. إملأنى يارب من محبتك. أعطنى يارب نعمة، أعطنى معونة. أعطنى يارب حياة مقدسة، أعطنى قلباً نقياً. اغسلنى يارب فأبيض أكثر من الثلج. يارب نقنى. يارب نجنى. احفظنى من كل شر. إشترك فى العمل معى. كرحمتك يارب ولا كخطاياى...

درب نفسك على أمثال هذه الصلوات، وأنت فى الطريق، أو وأنت فى طرق المواصلات. المهم أن تشغل قلبك بالله... وهناك أيضاً:

2 - تدريب الصلاة وسط الناس:

سواء كنت فى اجتماع، أو مع أصدقائك، أو مع أفراد الأسرة، أو وسط الناس فى أى مكان، إرفع قلبك إلى الله بأية عبارة. وهكذا تكون ساكناً، وقلبك يشتغل من الداخل، فى شركة مع الروح القدس. لأن الإنسان الصامت يمكن أن يكون مخزناً لأسرار الله. وكما يقول الشيخ الروحانى ((سكت لسانك، لكى يتكلم قلبك...)).

3 - تدريب الصلاة أثناء العمل:

العمل اليدوى يساعد كثيراً على امتزاجه بالصلاة، كما كان آباؤنا فى عمل أيديهم. وهكذا يختلف عن الأعمال اليدوية التى يقوم بها أهل العالم. وحتى لو كان عملك فكرياً بحتاً، بين الحين والآخر إرفع قلبك إلى الله ولو بصلاة قصيرة جداً كأن تقول: إشتقت إليك يارب. لا أريد أن أتغرب كثيراً عنك. اجعلنى أعمل من أجلك. بارك كل ما أعمله. أحبك يارب من قلبى وأشتاق إليك. أسبح اسمك القدوس أثناء عملى. حلو إسمك ومبارك، فى أفواه قديسيك. أشكرك يارب من كل قلبى. كن معى. إشترك فى العمل معى... لا تجعل العمل يفصلنى عن الصلة الدائمة بك. لا شيء يفصلنى عن محبة المسيح...

4 - تدريب التأمل فى الصلوات:

خذ صلوات المزامير مثلاً، وباقى صلوات الأجبية، مجالاً لتأملك الروحى وهكذا عندما تصليها يكون ذلك بعمق. وكذلك صلوات القداس والتسبحة، حتى يكون لها تأثيرها فى قلبك عندما تسمعها.

5 - تدريب الإستمرار فى الصلاة:

درب نفسك على أنه كلما تجد صلاتك قاربت على الإنتهاء، حاول أن تطيلها بعض الوقت، ولو دقيقتين. المهم أنك لا تسرع بالإنتهاء من الصلاة والإنصراف من حضرة الله. قاوم نفسك واستمر ولو قليلاً جداً. ثم استأذن الرب واختم صلاتك. ,.

6 - تداريب نقاوة الصلاة وروحانيتها:

وهى تداريب كثيرة جداً. منها الصلاة بفهم، وبعمق، وبحرارة ورغبة. والصلاة باتضاع وانسحاق. والصلاة بلا طياشة بلا سرحان. وإن لم تستطع ذلك، أدخل فى التدريب التالى وهو:

7 - تدريب الصلاة لأجل الصلاة:

قيل لمار اسحق ((كيف نتعلم الصلاة؟)) فقال ((بالصلاة))...

ولا شك أن الصلاة – كأى عمل روحى – هى ((عطية صالحة نازلة من فوق من عند أبى الأنوار)) (يع 1: 17). فاطلبها إذن منه، كما طلبها التلاميذ قائلين ((علمنا يارب أن نصلى)) (لو 11: 1).

قل له: أعطنى يارب أن أصلى. أعطنى خلوة حلوة معك. أعطنى الكلام الذى أقوله لك. أعطنى الرغبة فى الصلاة. واعطني الحب الذى أحبك به فأصلى. أعطنى الحرارة التى فى الصلاة. واعطني الدموع والخشوع. أنا يارب لا أعلم كيف أصلى، فعلمنى. وامنحنى المشاعر اللائقة بالصلاة. وتحدث أنت معى يارب فأحدثك...

8 - تدريب الصلاة لأجل الآخرين:

لا تكن صلاتك فى الصوم من أجل نفسك فقط. إنما تدرب أيضاً على الصلاة من أجل الآخرين. كم من أناس طلبوا إليك أن تصلى لأجلهم، ولم تفعل. تذكر ذلك فى الصوم. كم من أشخاص تشعر بحاجتهم إلى الصلاة، لأنهم فى مشكلة، أو فى ضيقة، أو مرض، أو هم محتاجون من أجل حياتهم الروحية. صلّ من أجل هؤلاء، ومن أجل الذين رقدوا...

صلّ من أجل الكنيسة، ومن أجل سلامة البلد، ومن أجل الخير العام، ومن أجل الذين لا يعرفون الله، من أجل الملحدين والمستهترين وغير المؤمنين. صلّ لأجل ملكوت الله على الأرض.

إنه تدريب جميل أن تصل لأجل غيرك. وبوجه خاص:

9 - تدريب الصلاة لأجل المسيئين:

إنه أمر الهى أكثر من كونه تدريباً، إذ يقول الرب ((صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم)) (مت 5: 44). إنها فرصة أن تدرب نفسك على تنفيذ هذه الوصية أثناء الصوم.

صلّ أن يغفر الله لهؤلاء المسيئين، وأن ينقذهم مما هم فيه. وصلّ من أجل محبتهم لك ومحبتك لهم، حتى لا يتغير قلبك من جهتهم بسبب إساءتهم لك. أطلب لهم الخير. وصلّ أن ينقذك الرب من إدانتهم فى فكرك أو أمام الناس.

طبيعى أنك تصلى لأجل أحبائك. والأجمل أن تصلى لأجل هؤلاء.

قل له: إحفظهم يارب. خلصهم. إغفر لهم. أعطني نعمة فى أعينهم. واعطنى أن أحبهم كسائر أحبائى. إجعل قلبى نقياً من جهتهم.

10 - تداريب أخرى للصلاة:

أ - درب نفسك على التبكير فى الصلاة، وأن يكون الله هو أول من تكلمه فى يومك، ولو بعبارة قصيرة. أشكرك يارب. إجعله يارب يوماً مباركاً. أعطنى يوماً مقدساً أرضيك فيه...

ب - درب نفسك على ترديد صلوات القديسين. إبحث عنها وصلّ بها. (صلوات الأنبياء موجودة فى الكتاب وفى طقس سبت النور).

ج - اقرأ الكتب التى تعطيك حرارة روحية وتجعلك تصلى بحرارة.

د - صلّ قبل كل عمل، وقبل كل زيارة ومقابلة.

7 - تداريب وسائط روحية أخرى

1 - درب نفسك على القراءات الروحية:

القراءات الدينية كثيرة، ولا تدخل تحت حصر. ولكن أيام الصوم المقدسة – كفترة عبادة – لا يكون التركيز فيها على الكتب التى تزيد معلوماتك ومعارفك، إنما اهتم بالكتب الروحية التى تلهب قلبك بمحبة الله، وتشعلك بحرارة تقودك إلى الصلاة، وتحثك حثاً على التوبة ونقاوة الحياة. بمثل هذه الكتب تهتم. وأنت أدرى بالقراءات التى تؤثر فيك روحياً... أما باقى الكتب الدينية، فلست أمنعك عنها. ولكنها فى الصوم لها الدرجة الثانية. أما الأولوية فللكتب الروحية وسير القديسين.

2 - درب نفسك أيضاً على التراتيل والألحان.

وبخاصة التراتيل والألحان التى لها روح الصلاة، وتشعر فيها أنك تخاطب الله، والتى ترتلها من قلبك وروحك، وقد مسّت مشاعرك وأثرت فى قلبك.

ويمكن أن تحفظ هذه الترانيم التى تؤثر فيك وترددها فى أى وقت.

3 - درب نفسك أيضاً على المطانيات.

إن أهملتها فى أوقات أخرى، إحرص أن تمارسها أثناء الصوم.

8 - تداريب على فضائل معينة

يمكن الإستفادة من المشاعر الروحية العميقة خلال فترة الصوم، ليتدرب الصائم خلالها على أية فضيلة يشتاق إليها قلبه... كأن يدرب نفسه على التسامح، أو الإحتمال، أو الهدوء، أو الوداعة، أو آداب الحديث، أو احترام الآخرين، أو البذل والعطاء، أو الأمانة فى العمل، أو الدقة فى كل شئ، أو النظام... الخ ولو أنك خرجت من كل صوم، وقد أتقنت إحدى الفضائل، فإن هذا ولاشك ربح روحى كبير.



الفصل الرابع: فضائل ومشاعر مصَاحبة للصوم - روحانية الصوم - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات