أسرار الكنيسة السبعة – 01 المقدمة – القس أنطونيوس فكري

هذا الفصل هو جزء من كتاب: أسرار الكنيسة السبعة – القس أنطونيوس فكري. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

سر المعمودية

سر التوبة والإعتراف

سر مسحة المرضى

الرموز فى الكتاب المقدس والأيقونة القبطية

سر الإفخارستيا

سر الميرون

سر الكهنوت

سر الزيجة

المقدمة

الأسرار السبعة هي:

1- المعمودية                     2- الميرون (التثبيت)               3- التوبة والاعتراف

4- الإفخارستيا                   5- مسحة المرضى                  6- الزيجة

7- الكهنوت خادم الأسرار كلها. فلا يمارس أي سر إلاّ كاهن شرعي غير محكوم عليه.

وهناك أسرار لا تعاد وهي المعمودية والميرون والكهنوت. وباقي الأسرار تعاد فالإنسان يقدم توبة ويعترف ويتناول دائماً.

ومدخل كل الأسرار هو المعمودية. فلا يتناول إنسان من سر الإفخارستيا ما لم يكن معمداً. كما أن الشعب اليهودي لم يأكل من المن إلاّ بعد أن إجتاز البحر الأحمر الذي هو رمز للمعمودية.

وإن كان سر التوبة هو الخاص بمغفرة الخطايا إلاّ أن مغفرة الخطايا هي مع كل سر من الأسرار. ففي المعمودية غفران للخطايا (الحالية والجدية) ويخرج الإنسان مولوداً جديداً. وهكذا في الميرون والإفخارستيا ومسحة المرضى والزيجة. لذلك يجب ممارسة الإعتراف قبل كل سر

1)  يقول الكاهن في القداس (يعطي خلاصاً وغفراناً للخطايا) .

2) وعن سر مسحة المرضى “صلاة الإيمان تشفي المريض وإن كان قد فعل خطية تغفر له” (يع15:5) .

والإنسان لكي يتقبل نعمة من الله في أي سر من الأسرار لابد أن يكون تائباً ليستحق غفران خطاياه وبهذا يستحق أن يعمل فيه الروح القدس عملاً خاصاً.

الأسرار السبعة هى عمل الروح القدس

أسرار الكنيسة مبنية على عمل الروح القدس. فالروح القدس هو الذي يبارك مياه المعمودية ويعطي للإنسان ميلاداً جديداً فيعتبر مولوداً من الماء والروح. والروح القدس هو صاحب المسحة المقدسة في سر الميرون. وهو الذي يعطي غفران الخطايا في سر التوبة فلا يغفر الخطايا سوى الله وحده. والروح القدس هو الذي يحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه، والكاهن يستدعي روح الرب في سر الإفخارستيا فبروحه تتم الإستحالة. والروح القدس هو الذي يمنح السلطان والدرجة في سر الكهنوت. وهو الذي يحول الإثنين واحداً في سر الزواج ثابتين فى جسد المسيح كجسد واحد ، ويمنحهما حباً روحانياً متبادلاً يحافظ على كيان الأسرة، لذلك يقول الكتاب “ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان” والروح القدس هو الذي يمنح الشفاء في سر مسحة المرضى.

إذاً الروح القدس هو العامل في الكنيسة في الأسرار المقدسة. وسميت أسرار لأجل العمل السري الذي يعمله الروح القدس دون أن يرى الناس منه شيئاً (يو3 : 7 ، 8). ولذلك قيل أنها أسرار لأننا بها ننال نعمة سرية تُعطَى بواسطة شئ ظاهر ، فالظاهر مثلاً هو تغطيس المعمد في الماء والسر هو ولادة جديدة = موت مع المسيح وقيامة مع المسيح . والظاهر في سر الإفخارستيا هو خبز وخمر . والسر هو عمل الروح القدس غير المنظور فى تحويلهما الى جسد الرب ودمه. لذلك فالسر الكنسي يقال عنه نعمة غير منظورة تحت أعراض منظورة .

والنعمة التي نحصل عليها في السر هي نعمة قابلة للزيادة والنقصان بحسب جهاد الإنسان:-

أمثلة : في سر الميرون يسكن الروح القدس في الإنسان بمقدار كذا بجهاد الإنسان يمتلئ بالروح وتزداد النعمة لتصير وإذا أهمل الإنسان جهاده يحزن الروح وينطفئ لتقل النعمة

لذلك يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس “أذكرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التي فيك بوضع يديَّ” (2تي6:1). ويقول للجميع “امتلئوا بالروح” ويكمل شارحاً كيف نمتلئ بالروح “مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية مترنمين ومرتلين في قلوبكم للرب. شاكرين كل حين على كل شئ .. خاضعين ..” (أف18:5-21). ولاحظ أنه يقول إمتلئوا بالروح لأهل أفسس الذين حل عليهم الروح القدس من قبل (أف4 : 3 ، 4) ويقول لأهل كورنثوس “جسدكم هيكل للروح القدس” (1كو19:6). وينبه الرسول أيضاً قائلاً “لا تحزنوا روح الله” (أف30:4)

وأيضاً “لا تطفئوا الروح” (1تس19:5).

مثال آخر: في المعمودية دفنا مع المسيح وصُلِب إنساننا العتيق، وقمنا بحياة جديدة متحدين بالمسيح (رو3:6-6)، فهل جسد الخطية بَطُلَ لكل المعمدين؟‍‍! قطعا لا… إذاً لماذا ؟

هذا لأن ليس كل المعمدين يجاهدون ، ولهذا تضمحل النعمة التي حصلوا عليها. فصلب الإنسان العتيق هو قرار شخصى بحريتى ، لذلك يقول بولس الرسول “قدموا أجسادكم ذبيحة حية …” (رو12 : 1). وبالنسبة لنفسه يقول “أقمع جسدى وأستعبده” (1كو9 : 27) . ومن يقرر ويفعل يمتلئ من ثمار الروح (غل5 : 24) .

مثال آخر: كسر الخبز فتح عيني تلميذي عمواس فعرفوا المسيح (لو24 : 30 ، 31).

وفي قسمة للقديس كيرلس (رقم 19 في الخولاجي) يقول (وعند إصعاد الذبيحة على مذبحك تضمحل الخطية من أعضائنا بنعمتك) فهل كل إنسان يتناول تنفتح عينيه فيعرف المسيح وتضمحل الخطية من أعضائه؟  لا….. والسبب يرجع للتراخي وعدم الجهاد.

مثال آخر: في سر الزيجة يمنح الروح القدس نعمة المحبة للزوجين، فهل كل زوجين نالا سر الزيجة هما في محبة روحانية؟ لا….. والسبب راجع لعدم الجهاد. فالبيت الذي فيه صلاة وكتاب مقدس وتوبة وجهاد تزداد فيه نعمة الروح القدس الممنوحة للزوجين فى سر الزيجة وبالتالى لابد وأن يمتلئ البيت محبة وفرح .

مثال آخر: وبنفس المفهوم يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الذي حصل على سر الكهنوت “إلى أن أجئ أعكف على القراءة والوعظ والتعليم. لا تهمل الموهبة التي فيك، المعطاة لك بالنبوة مع وضع أيدي المشيخة.. لاحظ نفسك والتعليم” (1تي12:4-16). فتيموثاوس حصل على نعمة الكهنوت بوضع يد المشيخة (وضع يد بولس الرسول الرسولية الكهنوتية) وهذه النعمة تزداد بالقراءة والوعظ والتعليم (يعلم نفسه) والتعليم أيضا بمعنى (يعلم شعبه)

“فالمُروي هو أيضاً يُروَى” (أم25:11).

والسر هو عمل مقدس يتم بالصلاة وإستخدام وسائط حسية منظورة ننال بها نعمة الله ومواهبه غير المنظورة. ولذلك قال أغسطينوس أن (السر هو الشكل المنظور لنعمة غير منظورة). والله أراد أن نستخدم أشياء منظورة لأننا الآن في الجسد، والجسد هو شئ مادي لا يُدرك سوى الماديات. الإنسان روح وجسد ، والروح تدرك الروحيات والجسد لا يُدرك سوى الماديات. لذلك فإستخدام المواد في الأسرار هام حتى يُدرك الجسد ما يحصل عليه. (التفاصيل تجدها فى موضوع الرموز فى الكتاب المقدس فى مقدمات الأناجيل) .

مادة السر:

المقصود بمادة السر هو المادة التى يحدث لها التحول.

1)  في المعمودية الماء وهو مادة مناسبة فبالماء يغتسل الإنسان لينظف جسده وفي المعمودية غسيل من الخطايا. والماء مادة مناسبة يغطس فيها الإنسان ويخرج إشارة للدفن مع المسيح والخروج حياً معه مرة أخرى.

2)  في الإفخارستيا الخبز والخمر. والخبز مادة مناسبة، فبالخبز يحيا الإنسان جسدياً ويشبع، وحينما يتحول الخبز إلى جسد المسيح يحيا به الإنسان روحياً ويشبع بالمسيح (أى يشعر بأنه يكتفى بالمسيح ولا يحتاج لسواه). ورغيف الخبز يتكون من حبات كثيرة من القمح تطحن لتتحد مع بعضها (الطحن يشير لألام هذا العالم الواقعة على شعب الله) وتعجن بالماء لتصير خبزة واحدة (الماء يشير للروح القدس الذى يوحد الكنيسة كجسد واحد “فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا نشترك فى الخبز الواحد” (1كو10 : 17). ولاحظ أن المسيح كان حبة القمح التى دفنت فى الأرض وماتت لتأتى بثمر كثير هم حبات القمح الكثيرة أى المؤمنين

(يو12 : 24). ولا حياة بدون خبز والمسيح مصدر الحياة. والخمير الذى يخبز به الخبز يشير للخطية التى حملها عنا المسيح، ومات بها على الصليب، وكما تميت نار الفرن الخميرة أمات المسيح الخطية بموته على الصليب. والخمر مادة للفرح ويستخدم كرمز للفرح فى الكتاب المقدس فى العهد القديم (نش1 : 2 ، 7 : 9). ويشرح نيافة الأنبا رافائيل سبب إستخدام عصير عنب مختمر قليلا فى السر، أى به نسبة قليلة من الكحول:- يسمى الكحول فى اللغة الإيطالية سبرتو وتعنى الروح (الروح بالإنجليزية = spirit). فالعنب حينما يختمر يوجد فيه نسبة من الكحول وهو مادة متطايرة تشير للروح الإنسانية التى تفارق الجسد عند الموت. ومن هنا جاءت تسمية المشروبات الكحولية بالمشروبات الروحية. فالكحول فى عصير العنب يشير لوجود روح حياة المسيح التى فى الدم. هذا بالإضافة إلى اللون الأحمر لون عصير العنب وهو لون الدم، ولذلك يسمى عصير العنب دم العنب. والمسيح إستخدم رمز الكرمة للإشارة له وللكنيسة جسده (يو15 : 1). فالكرمة تكون شجرة واحدة لكنها تظل تمتد لتشمل حديقة بأكملها، إشارة لنمو الكنيسة وإمتدادها فى كل العالم. ورمز الكرمة إستخدم فى العهد القديم للإشارة لإسرائيل. لذلك حين إستخدمه الرب عن نفسه وعن الكنيسة قال “أنا هو الكرمة الحقيقية وأنتم الأغصان”. هو جذر الكرمة والتلاميذ هم ساق الكرمة ونحن الأغصان. وكل عنقود عنب فى الكرمة يمثل كنيسة مكونة من حبات العنب، ويسرى فى الكنيسة عصارة واحدة هى دم المسيح. ولذلك كانوا يزرعون فى الكنائس قديما كرمة عنب. وحينما يتم التحول يصير الجسد والدم مصدرا للشبع الروحي وللفرح الروحي.

3) سرى الميرون ومسحة المرضى الزيت وكان العبرانيون يستخدمون الزيت في:

  1. الطعام: أرملة صرفة صيدا (1مل12:17). وكانوا يصنعون الخبز بالزيت.
  2. الإضاءة: مثل العذارى + (أم18:31)
  3. مسح الأجساد: داود إغتسل وإدهن بعد أن مات إبنه (2صم20:12) وكانوا يستعملون الزيت بعد تعطيره بالعطور الشرقية في إحتفالاتهم دليلاً على الفرح (مز5:23) وعدم إستخدامه دليل الحزن (مت17:6).
  4. معالجة الجروح: (إش6:1 + لو34:10) (السامري الصالح).

وكان هناك استخدامات مقدسة (أي خاصة بالعبادة) مناظرة لهذه : =

  • تقدمة الدقيق يسكب عليها زيت (لا2).

2- المنارة تستخدم الزيت (داخل الخيمة).

3- مسح الملوك ورؤساء الكهنة وبعض الأنبياء وتدشين الأماكن.

4- مسح المرضى بالزيت (مر13:6).

4) وفي سر الاعتراف يكون وضع يد الكاهن وصلاة التحليل من الكاهن إعلاناً لغفران الله للمعترف. والمادة هنا هى المعترف الذى يخرج وخطاياه قد غفرت.

5) الزيجة والمادة فيها هما العروسان اللذان يصبحا واحدا.

6) الكهنوت ومادة السر هنا هو الكاهن الذى يخرج وله السلطان أن يستدعى الروح القدس ليعمل فى الأسرار.

النعمة غير المنظورة:

  1. في سر المعمودية النعمة هي غفران الخطايا والولادة الجديدة لخليقة جديدة من الماء والروح وموت الإنسان العتيق.
  2. في سر الميرون النعمة هي سكنى الروح القدس في الإنسان.
  3. في سر التوبة النعمة هي غفران الخطايا.
  4. في سر الكهنوت النعمة هي سلطان مغفرة الخطايا وإمساكها وممارسة الأسرار.

الأسرار السبعة لماذا؟

خلق الله الإنسان على غير فساد “ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جدا” (تك1 : 31).

ولكن أخطأ الانسان وفسدت الخليقة ومات آدم فى خطيته. وكان ذلك لإنفصاله عن الله، فلماذا؟   ببساطة “الله قدوس، وهو نور ولا شركة للنور مع الظلمة ولأنه أية خلطة للبر والإثم …” (2كو6 : 14) . فلما إنفصل الله عن آدم إذ أخطأ، مات آدم، لأن الله حياة (يو11 : 25). ولكن الله في محبته لم يقف عاجزاً بل كان الفداء. فما هو الفداء؟

الفداء:

ليس هو دفع ثمن الخطية فقط بل تجديد الخليقة، هو خلقتنا كخليقة جديدة، هو ولادتنا ولادة جديدة، وهذا هو ما وقف نيقوديموس عاجزا عن فهمه (يو3 : 4) .

ونرى فى (أف2 : 10) الخلقتين :-

الخلقة الأولى :- لأننا نحن عمله ………….  كان هذا يوم خلق الله آدم.

الخلقة الثانية :- مخلوقين فى المسيح يسوع …  كان هذا بالمعمودية.

وبهذه الخليقة نخلص … (غل6 :15). وهذه الخليقة الجديدة تكون عن طريق الإتحاد بالمسيح المتجسد. هذا الإتحاد أسماه بولس الرسول …”فى المسيح”  “إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة” (2كو5 : 17) . وهذا ما تم شرحه رمزيا فى (إر18). وكان هذا بالتجسد

“وجدت مريم حبلى من الروح القدس” (مت1 : 18) ومن هذه الآية نرى أنه صار للمسيح طبيعة جديدة واحدة من طبيعتين:-

الأولى إلهية (لها حياة أبدية) والثانية جسدية أخذها من العذراء مريم ( قابلة للموت ، مات بها على الصليب) … لكنه قام إذ أن لاهوته متحد بناسوته، ولاهوته لا يموت . مات المسيح على الصليب فإنفصلت روحه الإنسانية عن جسده. وقام المسيح إذ إتحدت بجسده الميت حياة جديدة أبدية غير قابلة للإنفصال عن جسده مرة أخرى (رو6 : 9).

والمسيح اتحد بطبيعتنا، ليميت الخليقة الاولى الفاسدة ويعطينا خليقة جديدة لها إمكانية الحياة الأبدية. بل تأخذ هذه الخليقة الجديدة شكل المسيح (غل4 : 19+ 2كو3 : 18).

فكيف يحدث كل هذا؟ هذا هو عمل الأسرار السبعة

الأسرار هدفها تكوين جسد المسيح المعنوى

كما يولد الإنسان وله روح حياة، يأكل ويشرب ليعيش، ويتناسل لينمو المجتمع. وحين يمرض يذهب للطبيب ليُشفى. هكذا فى جسد المسيح – يولد الإنسان فى المعمودية.

المعمودية: نموت مع المسيح ونقوم مع المسيح متحدين معه أي فى المسيح (رو 6). وكل معمد يصير عضوا فى جسد المسيح فيبدأ الجسد المعنوى للمسيح يتكون.

الميرون: المعمودية لا تفقدنا حريتنا، لذلك يمكن أن نرتد ونخطئ، ولكن الروح القدس الذى يسكن فينا بسر الميرون ، يظل يبكت ويعين ويجدد الإنسان المعمد العمر كله.

التوبة والاعتراف: بها تغفر الخطايا. والخطية مرض وشفاؤها فى سرى التوبة والإعتراف ومسحة المرضى. وفى سر الإعتراف ينقل الروح القدس الخطايا التى إعترف بها المعترف إلى المسيح. وفى سر الإفخارستيا يحمل المسيح الذى يقدم نفسه ذبيحة هذه الخطايا، التى تسببت فى موتنا روحيا. وبهذا يكون سر الإفخارستيا “غفرانا للخطايا” وبالأكل من الجسد المحيى نعود ونحيا حياة أبدية. هو سر نقل الحياة ثانية فنحيا كأعضاء حية فى جسد المسيح. أما الزيجة: هى اتحاد الزوج والزوجة كجسد واحد فى المسيح لنمو جسد المسيح عدديا. والكهنوت هو خادم كل الأسرار.

تأمل : رأينا أن السيد المسيح له طبيعة واحدة من طبيعتين:

الأولى لاهوتية : لها صفة الحياة الأبدية ولا تموت.

الثانية جسدية: لها قابلية إمكانية الموت.

ونحن نتناول الجسد المكسور نعلن قبولنا أن نصلب أجسادنا معه ونموت معه، ثم نتقدم ونتناول الدم فنحيا، وهذا ما قاله بولس الرسول “مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ” (غل2: 20). ويطالبنا القديس بولس الرسول أن نقبل أن نصلب الجسد مع الأهواء والشهوات، وبهذا يثمر الروح القدس فينا (غل5: 22- 24)، وهذا لأن الروح القدس يعمل فيمن حصل على الحياة من المسيح . وهذا ما نردده في صلاة القسمة في القداس “وعند إصعاد الذبيحة على مذبحك تضمحل الخطية في أعضائنا”. فجسد المسيح المصلوب عندما نتناوله مع قبولنا أن نصلب شهواتنا (وهذا ما يُسمى الجهاد ، والجهاد هو أن نغصب أنفسنا   مت11: 12) هنا نقبل عمل الذبيحة. جسد المسيح المكسور وتضمحل الخطية في أجسادنا، وتثبت حياة المسيح فينا.

ويقول لنا السيد المسيح “إثبتوا فىَّ وأنا فيكم” فكيف نثبت فيه ؟   يكون هذا بأن نمارس حياة الإماتة = أى أن نقف أمام الخطية كأموات (رو6 : 11 + كو3 : 5) فتثبت حياة المسيح الأبدية فينا فنحيا، ويكون هذا كما إتحدت حياة المسيح الأبدية بعد القيامة بجسده الميت فى القبر. وهذا ما يقوله بولس الرسول “حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضا في جسدنا. لأننا نحن الأحياء نسلم دائما للموت من أجل يسوع لكي تظهر حياة يسوع أيضا في جسدنا المائت” (2كو4 : 10 ، 11) . ولهذا يقول بولس الرسول أنه صلب نفسه للعالم (وهذا ما نسميه صليب إختيارى) (غل6 : 14) فيحيا ويثمر ، بل مع كل أمراضه نجده يقمع جسده ويستعبده (1كو9 : 27) ، فثمار الروح القدس لا تظهر سوى فى من صلب جسده مع الأهواء والشهوات (غل5 : 24) . ولذلك يقول بولس الرسول “إن كان المسيح فيكم فالجسد ميت” [يقصد جسد الخطية] (رو8 : 10) . والله من محبته حتى يساعدنا على الثبات فيه ، يسمح ببعض الألام والتجارب لمن هو غير قادر على ممارسة الصلب الإختيارى (وهذا ما نسميه صليب سمح به الله فى حياتنا) لكى يستمر جسد الخطية فى حالة موت، فيستمر المسيح ثابتا فينا. وتستمر الحياة الأبدية متحدة بجسدنا المائت. وفى هذا يقول القديس بطرس الرسول “من تألم فى الجسد كُفَّ عن الخطية” (1بط4 : 1) . وقارن مع قول بولس الرسول “وإن كان إنساننا الخارجى يفنى فالداخل يتجدد يوما فيوم” (2كو4 : 16).

وهذا ما نراه على المذبح .. الجسد المكسور في الصينية على المذبح إشارة لأن موت المسيح كان على الأرض، المسيح يُصلب على الأرض ، ونحن نقبل الصليب ونحن على الأرض ، ويكون ذلك بأن نحيا كأموات أمام الخطية والملذات الخاطئة . والمسيح يساعدنا على ذلك ببعض الألام . فالصليب والموت والألم على الأرض هى مساعدة من المسيح لإماتة جسد الخطية. فالمذبح يشير للأرض هنا حيث حمل المسيح الصليب ونحن أيضاً نحمل صليبنا نتبعه.

أما الكأس فيوجد في الكرسي (للحماية من أن يُسكب) ولكن كلمة كرسي تعنى العرش، عرش الله. والدم حياة، فلا موت ولا ألم في السماء بل حياة أبدية.

المسيح وحده سيحتفظ فى السماء بجراحاته، وهذا ما قاله لتوما بعد قيامته وهذا ما رآه يوحنا فى رؤياه للمسيح في السماء “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ6 : 6). فلماذا يحتفظ المسيح بجراحاته؟ ذلك حتى نراها ونذكر خطايانا التى سببت له كل هذا، فندرك فداحة الثمن المدفوع لكى نوجد نحن فى هذا المجد .. فنشتعل حبا .

فهل المسيح كان محتاجا لمن يحبه؟ بل لماذا قال الكتاب “فتحب الرب إلهك من كل قلبك ..” (تث6 : 4)؟!  السبب أن الله يريدنا أن نفرح ، فالحب هو سبب الفرح الحقيقى الوحيد.

فحينما كان آدم فى جنة عدْن … وعدْن كلمة عبرية تعنى فرح، فيكون بهذا معنى جنة عدْن أن الله خلق آدم فى مكان جميل جدا ولكى يفرح. والفرح فى الجنة كان لأن آدم كان يحب الله وذلك لأنه مخلوق على صورة الله والله محبة. وبعد السقوط خدع إبليس آدم وبنيه وصَوَّر لهم أن اللذة الحسية هى الفرح، ولكن شتان الفرق:

فالفرح دائم واللذة لحظية. الفرح عطية إلهية وقادر أن ينتصر على أى ألم، بينما اللذة هى عطية الجسد وعاجزة عن أن تنتصر على الألم (يو16 : 22).

والله يريدنا أن نفرح، فهو قد خلقنا لهذا فى جنة الفرح، ولما فقدناه أرسل الروح القدس “ليسكب محبة الله فى قلوبنا” (رو5 : 5)، وهذه هى أهمية وصية “أحبوا أعدائكم”.. لنفرح. ونرى أن ثمار الروح  “محبة فرح..”  فالفرح نتيجة طبيعية للمحبة لغة السماء حيث الفرح الدائم

(1بط1 : 8) . فلنجاهد لنمتلئ بالروح.

يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عب13 : 8)

أسفار موسى الخمس مع سفر يشوع يشرحون قضية الخلاص

التكوين :- الله يخلق الانسان فى أكمل صورة فيسقط ويقع فى عبودية فرعون رمزاً لإبليس .

الخروج :- الله يرسل مخلصا هو موسى كرمز للمسيح ليحرر شعبه .

1) بدم خروف الفصح ….. كرمز لدم المسيح الذى إشترانا به ليحررنا من إبليس.

2) وعبور البحر الأحمر …. كرمز للمعمودية .

اللاويين :- تقديم الذبائح كرمز للمسيح الذى قدم نفسه ذبيحة.

1)  المحرقة :-  تشير لطاعة المسيح التى بها أرضى الله.

2)  الدقيق   :-  تشير لحياة المسيح التى بها نحيا الآن.

3)  الخطية   :-  تشير لدم المسيح الذى غفر لنا خطية آدم الأصلية.

4)  الإثم   :-  تشير لخطايانا الناشئة عن ضعفنا الذى حدث نتيجة للخطية الأصلية.

5)  السلامة  :-  تشير للإفخارستيا ففيها يشترك الله(المذبح) مع الكاهن مع مقدمها مع الناس.

العدد :- توهان الشعب فى البرية 40 سنة كرمز لرحلة غربتنا على الأرض ، وخلالها كان الشعب يخطئ …

فكيف كانوا يتقدسون ؟ هنا تأتى ذبيحة البقرة الحمراء التى كان الشعب يتقدس بها خلال رحلة غربته وكانت هذه رمزاً لدم المسيح الذى يقدسنا خلال رحلة غربتنا على الأرض.

يشوع :- هو سفر دخول الشعب إلى كنعان مع يشوع، رمزا لدخولنا الى السماء بعد رحلة غربتنا على الارض لنكون مع يسوع.

وبهذا نرى أن ذبائح العهد القديم تشرح ما قدمه لنا الصليب. والإفخارستيا التى هى ذبيحة صليب مكررة يوميا، فبدم المسيح عبرنا من العبودية إلى الحرية (ذبيحة خروف الفصح فى سفر الخروج) ، (وبذبائح سفر اللاويين) يرضى الله علينا ويغفر لنا خطايانا وتكون لنا حياة المسيح ونكون فى شركة الجسد الواحد بذبيحة الإفخارستيا (السلامة) ، (وبذبيحة البقرة الحمراء فى سفر العدد) نتقدس خلال رحلة غربتنا على الارض أى نتكرس لله ونحيا كأموات عن الخطية التى فى العالم (هذا معنى رماد البقرة الحمراء وراجع تفسير عد 19).

كيفية غفران الخطية في العهد القديم :- كان الخاطئ يأتى بذبيحة بريئة لم تخطئ، ويعترف بخطيته أمام الكاهن واضعا يديه على رأس الذبيحة، فتنقل الخطية إلى الذبيحة، ويذبحها الكاهن وبدمها المسفوك تغفر الخطية .

وهذا هو نفس ما يحدث الآن فالله لا يتغير :- فالخاطئ يعترف بخطيته للكاهن . والكاهن يصلى له الحل وبهذا تنقل الخطية إلى المسيح وبهذا يمكنه أن يتناول ، ثم يقدم الذبيحة الإفخارستية  وبدم الذبيحة تغفر الخطايا ، وبالأكل منها نحيا بحياة المسيح.وكانت تقدمة الدقيق التى تقدم يأخذ منها الكاهن ويضع على المذبح ، والباقى من تقدمة الدقيق هو للكاهن وبنيه. والكهنوت كان لهرون وبنيه. وفى العهد الجديد صار الكل يأكل، فالكل لهم كهنوت بمفهوم الكهنوت العام. أما الكهنوت الخاص فهو للكاهن المشرطن الذى يقدم الذبيحة فقط . وهذه التقدمة من الدقيق ترمز لحياة المسيح التى نحيا بها الآن (لى الحياة هى لمسيح..فى1 : 21). لذلك نصلى فى القداس قائلين ….. يعطى لغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه.

  • الكنيسة جسد المسيح تحقق القصد الإلهى

الله خلق آدم ومنه كون الله حواء ومن كلاهما يولد الأبناء أى أن الخليقة كلها هى آدم. وآدم فى البداية كان فى الإبن، والإبن فى الآب. ومن هنا نفهم أن القصد الإلهى كان هو  الوحدة – البشر كلهم من آدم واحد. وآدم فى الإبن، والإبن فى الآب. ولأن البشر كانوا من واحد فالمفروض أن يعيشوا فى محبة، وكانت إرادة الله أن يحيا الإنسان للأبد. وكان الحب متبادلا بين الله وآدم، وعلامة حب الله عطاياه غير المحدودة لآدم. وهذا يتضح من أن الله ظل يُعِّد الجنة بلايين السنين ليحيا فيها آدم فى فرح وللأبد – إن أكل من شجرة الحياة، أى يختار بحريته الإتحاد الكامل بالله. وكان إختيار آدم عكس المفروض، وأخطأ فإنفصل عن الله فلا شركة للنور مع الظلمة.

ودمرت الخطية هذه الوحدة وفسد الإنسان ومات، ودخلت الكراهية فقتل الأخ أخيه. تشتتت الوحدة ولم يعد الإنسان واحدا. ومات الإنسان منفصلا عن الله وكارها لأخيه.

فهل يفشل القصد الإلهى؟ قطعا هذا لن يحدث – وكان الفداء . الله خلق الإنسان لأنه يحب الإنسان. كنا فى عقل الله فكرة، وخرجت الفكرة يوم خلق الله آدم . وحينما مات الإنسان كان لا بد من حل، لأن الله يحب الإنسان منذ الأزل أى منذ كان فكرة فى عقل الله. وكان الفداء ليس فقط لكى يدفع المسيح ثمن الخطية، بل ليعيد خلقة الإنسان فى خليقة جديدة.

تجسد المسيح ومات وقام، وبالمعمودية يموت إنساننا العتيق، ونقوم بإنسان داخلى جديد متحد بجسد المسيح . رفض آدم أن يتحد بشجرة الحياة فيحيا للأبد، فأتى المسيح شجرة الحياة

(رؤ2 : 7) ليتحد هو بنا فنحيا للأبد. ونستمر ثابتين فى جسد المسيح الواحد بسر الإفخارستيا. وكان سر الإفخارستيا لازما لأننا نحيا فى عالم مملوء بالخطية “العالم كله قد وضع فى الشرير” (1يو5 : 19). ونتأثر بالخطية الموجودة فنخطئ. والخطية ينتج عنها عدم الثبات فى المسيح وتتهدد الوحدة وإستمرارية حياتنا الأبدية. والرب يطلب أن نثبت فيه (يو15 : 4) لنظل أعضاء جسده ونظل أحياء “إن لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” (يو6 : 53). ووضع الرب هذا السر الذى به نستمر ثابتين فى جسده “من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه” (يو6 : 56). ونلاحظ أن سر الإفخارستيا أى التناول من جسد المسيح ودمه ليس عقيدة للخلاف على ألفاظ، وهل هناك تحول حقيقى للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه أم هو مجرد رمز للذكرى. بل هو عقيدة أساسية فى المسيحية بها يجمع المسيح الكل كجسد واحد، فتصير أجسادنا أعضاء المسيح (1كو6 : 15)، نصير “أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه” (أف5 : 30). ويقول الرسول أيضا عن هذا السر “الخبز الذى نكسره هو شركة جسد المسيح. وبه نصير نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعا نشترك فى الخبز الواحد”

(1كو10 : 16 ، 17). ولنتساءل كيف يتم هذا أن نكون نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد إن لم يتحول خبز الإفخارستيا إلى جسد المسيح الواحد الذى يجمعنا معا فيه فى جسد واحد. الإفخارستيا هى عقيدة من صميم فكر الوحدة التى يريدها الله بحسب القصد الإلهى الأزلى. فما شتته آدم بالخطية أتى المسيح ليعيد تجميعه وتوحيده فى جسده. ولنرى الفكر الإلهى فى صلاة المسيح الشفاعية “ولست اسال من اجل هؤلاء فقط، بل ايضا من اجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدا، كما انك انت ايها الاب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم ايضا واحدا فينا، ليؤمن العالم انك ارسلتني. وانا قد اعطيتهم المجد الذي اعطيتني، ليكونوا واحدا كما اننا نحن واحد.  انا فيهم وانت فيَّ ليكونوا مكملين الى واحد، وليعلم العالم انك ارسلتني، واحببتهم كما احببتني” (يو17 : 20 – 23).

فما شتته آدم بالخطية وصار جسده ميتا وبلا إتحاد، وبلا محبة بين أعضاءه، أتى المسيح آدم الأخير ليؤسس جسدا جديدا واحدا يحيا للأبد بحياته هو المقامة من الأموات. والروح القدس الذى أرسله المسيح بعد صعوده أول ثماره المحبة، ويعطى الروح القدس المحبة فى قلوب كل شعب المسيح . وبالمحبة يترابط الجسم معا ويتحد كوحدة واحدة مع جسد المسيح. وتعود الصورة التى أرادها الله منذ الأزل – إنسان واحد، جسد واحد فى المسيح إبن الله، والإبن فى الآب. ويفيض الآب بمحبته على الإنسان الواحد الثابت فى إبنه المحبوب، والإبن الوحيد الجنس فى الآب، وتعود الصورة كما أرادها الله منذ الأزل. ونلاحظ أن الإبن بجسده أى كنيسته يعيد الخضوع للآب بحسب القصد الإلهى الأزلى (1كو15 : 28)، بعد أن صدَّق أبوينا الأولين الشيطان ولم يصدقا الله. المسيح أعاد صورة الوحدة للإنسان لنصير نحن واحدا، وأيضا واحدا فيه، وهو فى أبيه. وأعاد الحياة والمجد للإنسان . وأعاد المحبة المتبادلة بين الله والإنسان “سكب محبة الله فى قلوبنا بالروح القدس” (رو5 : 5) . الله يفيض بمحبته على الإنسان الثابت فى إبنه المحبوب، والإنسان فى محبته يثق فى الله ثقة تجعله يخضع فى حب لله.

كان آدم الأول رأس الجسد القديم الذى مات بسبب الخطية. وصار آدم الأخير رأس الكنيسة الجسد الحى، الخليقة الجديدة فى المسيح. وكما كانت الإمرأة حواء أما لهذا الجسد الميت، صارت الإمرأة العذراء مريم أما للجسد الحى – الكنيسة، لذلك قال الرب على الصليب لأمه “يا إمرأة هوذا إبنك” – وليوحنا “هوذا أمك” (يو19 : 77).

جسد حقيقى وجسد رمزى معنوى

  • فى سر الإفخارستيا يتحول الخبز إلى جسد المسيح الحقيقى، ويتحول الخمر إلى دم المسيح الحقيقى. وهذا ما قاله رب المجد “جسدى مأكل حق ودمى مشرب حق” (يو6 : 55). التحول حقيقى وجوهرى. وحينما نتناول الجسد والدم فنحن نتناول جسد المسيح ودمه الحقيقيين ولكن تحت أعراض الخبز والخمر، فما يظهر أمامنا خبز وخمر. فنحن لا نتذوق طعم لحم ولا طعم دم بشريين، فالله لا يريد لنا أن نصبح من آكلى لحوم البشر. والرب أسس هذا السر لكى يتحد بنا مكونا جسده الرمزى أى الكنيسة الواحدة. إذاً هناك جسد حقيقى نأكله ونتحد به موجودا فى الصينية والكأس، ويوجد جسد معنوى هو كل الكنيسة التى إتحدت بجسد المسيح الحقيقى فى السر لتصير كرمة واحدة.

تشبيه لنيافة الأنبا رافائيل :- مريض بالأنيميا (نقص الحديد بالجسم) يعطيه الطبيب أقراص حديد. وشكل أقراص الحديد هو نفس شكل أى قرص آخر، ولكن بداخل القرص حديد حقيقى هو المادة الفعالة التى يحتاجها جسم المريض، ولكننا لا نعطى للمريض مسمار حديد ليتناوله. ولا يقول أحد أن الحديد الذى فى القرص هو رمزى. ما يظهر شكل قرص عادى والجوهر عنصر الحديد.

هناك جسد خاص بالمسيح وُلِد به من العذراء مريم، وصلب به ومات وقام به. وجلس به عن يمين الآب. وهذا الجسد هو بعينه على المذبح فى الصينية. هذا الجسد الحقيقى نتحد به إتحاد سرائرى مع المسيح، لتكوين الكنيسة جسد المسيح المعنوى. لذلك فالصينية قد ترمز للمذود، وللصليب، وللجبل الذى جلس عليه المسيح ليعلم، وترمز للقبر الذى دفن فيه جسد المخلص، وترمز للعرش. واللفائف على المذبح قد تشير للأقمطة وقد تشير للأكفان التى كفنوا بها جسد الرب. ولكن حين نقول أن الكنيسة جسد المسيح فهذا يعنى جسد المسيح المعنوى، فالمسيح يده محيية، أما أنا فيدى ليست محيية. الجسد الحقيقى نتناوله فى سر الإفخارستيا لكننا لا نتناول الجسد المعنوى الذى هو الكنيسة.

وماذا يعنى الجسد المعنوى أو الرمزى؟ كان هناك آدم واحد أُخِذت حواء من ضلع منه، فحواء صارت من جسد آدم. لكن كان هناك شخصين منفصلين آدم وحواء. آدم لم يصر حواء وحواء لم تصر آدم. وهكذا حين نتناول جسد المسيح لا نصير نحن المسيح. فالمسيح يده محيية، أما أنا فيدى ليست محيية. المسيح جسده متحد بلاهوته أما أنا فلست متحدا باللاهوت بل آخذ من اللاهوت المتحد بجسد المسيح ما لا يوجد سوى فى اللاهوت كالحياة الأبدية مثلا.

الكنيسة جسد المسيح المعنوى بمعنى شرحه الرسول فى (1كو12) + (أف4). فشبه الكنيسة بإنسان له أعضاء كثيرة، وكل عضو له وظيفة غير الآخر فيتكامل أعضاء الجسم. لكن العين ليست أذن والأذن ليست يد، وهكذا. ولو قام كل بعمله لظهر شخص المسيح فى الكنيسة وراجع هذا المفهوم فى مقدمة رسالة أفسس.

ويقول القديس بولس الرسول “لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شئ فى المسيح، ما فى السموات وما على الأرض، فى ذاك” (أف1 : 10). فالوحدة لم تكن فقط بين الله وآدم، بل أن الملائكة سبقت خلقتهم خلقة الإنسان. وسقط بعض الملائكة فإنفصلوا عن الله وصاروا شياطين، ومن بقى منهم إستمر ثابتا فى الإبن.

  • والقداس هو الفرصة المقدسة التى نتحد فيها كجسد المسيح الواحد، ونتحد بجسد المسيح ونصير “خبز واحد، وجسد واحد” (1كو10 : 17). بل تشرح الكنيسة فكرة الوحدة مع السمائيين، فنجد فى صلوات القداس الغريغورى “الذى ثبت قيام صفوف غير المتجسدين فى البشر” ففى القداس تحضر الملائكة معنا. وهناك ملاك الذبيحة الذى يصرفه الكاهن فى نهاية القداس. ويشترك فى الوقوف معنا من سبقونا للسماء من القديسين ونرى ذلك فى أوشية الراقدين وفى المجمع. بل ونشرك القديسين معنا فى الصلاة عنا خلال التسابيح وخلال دورات البخور حينما يبخر الكاهن أمام الأيقونات. ونلاحظ مسكونية الكنيسة أى إهتمامها بالكل، فالصلوات المرفوعة فى القداس هى من أجل كل الناس.
  • سبق وقلنا أن الروح القدس هو العامل فى أسرار الكنيسة ليُكوِّن جسد المسيح، هو العامل فى سر المعمودية الذى فيه نولد لنصير أعضاء فى الجسد، وبالميرون يسكن فينا الروح القدس ليجدد طبيعتنا ويحفظنا ثابتين فى المسيح . وبالتوبة والإعتراف نؤهل للتناول من الجسد والدم فى سر الإفخارستيا لنثبت فى الرب . وبذلك نرى أن الروح القدس الذى كون جسد المسيح فى بطن العذراء هو نفسه الذى يعمل فى الأسرار ليكون جسد المسيح المعنوى أى الكنيسة.

ملخص كتاب

بتصرف (إختصار وحذف وزيادات)

JESUS and the

JEWISH  ROOTS of the EUCARIST

الأصول اليهودية لسر الإفخارستيا

تأليف

BRANT  PITRE

مقدمة الكاتب

53فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. 54مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، 55لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَق وَدَمِي مَشْرَبٌ حَق. 56مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ.57كما أرسلنى الآب الحى، وأنا حى بالآب، فمن يأكلنى فهو يحيا بى. (يو6 : 53 – 56) .

يقول الكــــــــاتب :-

أنه شاب كاثوليكى المنشأ ومتدين. وعندما ذهب هو وخطيبته البروتستانتية إلى راعى كنيستها ليحصلوا منه على موافقة بعقد صلوات الزواج فى كنيسته، ولكن بطقوس مسكونية. وهذه الطقوس تقبلها العائلتان. وأمام إصرار والدَىْ العروس أن يكون الزواج فى كنيسة بروتستانتية، إتفق الطرفين أن تكون الصلوات بطقوس مسكونية ولكن فى كنيسة بروتستانتية. فذهب الشاب وعروسه لكنيسة العروس ليطلبوا موافقة راعى الكنيسة على إستخدام الكنيسة لإتمام طقوس الزواج. ولما علم الراعى البروتستانتى أنه شاب كاثوليكى هاجمه بعنف، وأخذ يسخر منه ومن عقيدته لمدة ثلاث ساعات وبالذات فى موضوع الإفخارستيا (وأن الإيمان بهذا السر مثير للسخرية وأنهم من آكلى لحوم البشر كأن من يؤمن بسر الإفخارستيا يتصور أن المسيح يأمرنا بأكل جثته) . وفى موضوع الصلاة على الراقدين (قال أنهم يقومون بتحضير الأرواح) . وعن العذراء مريم قال أنهم (يعبدون مريم ولا يعبدون الله وحده) . وعن الأسفار المحذوفة قال أن الكنيسة الكاثوليكية قد أضافتها فى القرون الوسطى. وكان هذا الراعى ينظر إلى الشاب وعلى فمه إبتسامة العارف المنتصر.

وهو كان شاب متدين وفى مبتدأ العشرينيات وما زال طالبا فى الجامعة، ولكنه لم يكن دارسا متعمقا فى العقيدة فلم يتمكن من الرد عليه. وإنتهى الحوار بأن قال الراعى للفتاة أن لا تتزوجه فهو غير مؤمن. وإنصرفوا من عنده وهم يبكون.

وذهب الشاب لبيته ولم يتمكن من النوم وتدور فى رأسه كل كلمات الحوار مع هذا الراعى، ولكن كان أكثر ما ثبت فى ذهنه هو كلمات الراعى عن الإفخارستيا، لأن التناول من جسد الرب ودمه كان أكثر الأشياء أهمية فى حياته. وكانت الأسئلة التى تدور فى رأسه …. هل ما تربيت عليه من عقائد كان خطأ؟ لقد تعود على الذهاب أسبوعيا للكنيسة والتناول من جسد الرب ودمه. فهو يؤمن أنه بعد صلوات الكاهن على الخبز والخمر فهما يتحولان إلى جسد المسيح ودمه، ويؤمن بحضور حقيقى للمسيح فى السر تحت شكل الخبز والخمر. وكان ينصرف بعد القداس فى فرح فهل هذا كله كان خطأ ؟! … هو كان مؤمنا إيمانا قويا لكنه لا يعرف إثباتا لإيمانه من كلمات الكتاب المقدس. ويقول الكاتب أنه مع الوقت ومع تعمقه فى الدراسة وجد عشرات الإثباتات على ما يؤمن به.

وقام هذا الشاب وأتى بكتابه المقدس وحينما فتحه إذا به أمام شئ عجيب، إذ أنه فتحه مباشرة لتقع عيناه على الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا ووجد الأيات المذكورة عاليه أمام عينيه. ويقول أنه قام فرحا، بل وباكيا أكثر من شدة الفرح، فرح الشاب لأنه وجد أن إيمانه الذى تربى عليه كان صحيحا، وبحسب ما قاله المسيح تماما، ومكتوب فى الإنجيل. وتساءل هل لم يرى هذا الراعى هذه الأيات، وكيف قال أن التعليم بأن الأكل من جسد المسيح لم يرد بالكتاب المقدس، وكيف لم يرى تكرار المسيح وإصراره على أهمية الأكل والشرب من جسده ودمه وضرورة ذلك للحياة الأبدية. وفكر أن يقوم ويطلب هذا الراعى البروتستانتى ويشير له على هذه الآيات. ولكنه قال لنفسه أن هذا الراعى دارسا وأنا لم أدرس الموضوع دراسة متعمقة، وسينتصر علىَّ فى المناقشة، فلن أطلبه ولن أذهب إليه. ولكنه إتخذ قرارا بتغيير دراسته من الأدب الإنجليزى إلى دراسة اللاهوت. حتى حصل على الدكتوراة من جامعة نوتردام فى اللاهوت. وكانت هذه المناقشة الحادة مع هذا الراعى البروتستانتى سببا فى تغيير مجرى حياته بالكامل فصار دارسا متعمقا فى الكتاب المقدس ومحاضرا ومؤلفا للكتب ومنها هذا الكتاب عن الإفخارستيا.

ويقول الكاتب أن سبب عدم إدراك هذا الوضوح فى كلام الرب يسوع عن الإفخارستيا هو البلبلة التى أثارها من قالوا وعلموا بأن أقوال المسيح هنا هى مجرد رموز، وأنه لم يقصد المعنى الحرفى. وإعتمدوا على قول الرب “الجسد لا يفيد شيئا” (يو6 : 63) وسنرى تفسير هذه العبارة فيما بعد. بل قال البعض أن يسوع كيهودى لا يمكن أن يقول مثل هذه الأقوال فهو يعرف أن ناموس موسى حرَّم شرب الدم تماما (لا17 : 11) مع أن أقوال وتعليم المسيح عن الأكل من جسده والشرب من دمه موجود فى الأربعة الأناجيل ورسالة بولس الرسول الأولى لكورنثوس.

ويقول الكاتب … لكن فى خلال دراستى كان لى الفرصة أن يكون بعض أساتذتى فى الجامعة من اليهود، وهؤلاء فتحوا أمامى الباب واسعا لدراسة كتب التقاليد اليهودية فتحقق لى موضوع فى منتهى الأهمية حول المسيحية وهو : أنه إذا كنت حقا تريد أن تعرف من هو يسوع ومعنى أقواله وأفعاله يجب أن تترجم كلماته فى سياق المفاهيم اليهودية، أى يجب أن تكون عارفا باليهودية القديمة كما تعرف أيضا المسيحية القديمة. وهذا كما قال أحد أساتذتى اليهود “كان على يسوع أن يكون فى أعماله وأقواله متوافقا مع كونه يهودى من الجليل، ولذلك فلكى تفهم يسوع يجب أن تدرك أن يسوع فى أقواله وأعماله كان يجب أن يكون مفهوما من اليهود فى أيامه. وبهذا أيضا ستفهم لماذا قبله البعض وآمنوا به، ولماذا رفضه آخرون، ولماذا حاول البعض قتله” . والمعنى أنه لا يمكننا الفصل بين رسالة المسيح وإيمان وأمال ورجاء سامعيه من اليهود فالمسيح كان يحقق تطلعاتهم.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.