والمجد

والمجد

فى أسبوع الآلام نرى السيد المسيح كما وصفه النبى ((محتقراً ومخذولاً من الناس... فلم يعتد به)) (أش 53: 3). ونحن إذ نراه محتقراً من أجلنا، نتابعه بتلك التسبحة الخالدة ((لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين... يا عمانوئيل إلهنا وملكنا)).

محتقراً ومخذولاً من الناس!!

وفى الحقيقة إنه لم يخل ذاته من المجد فى أسبوع الآلآم فقط، بل بذل كرامته من أجلنا فى كل حين. حتى كان ((بلا كرامة فى وطنه)). وكانوا يعيرونه قائلين ((أليس هذا هو إبن النجار؟!)) (مت 13: 55). من أجلنا احتمل العار، وشبع شتائم وتعييرات...

من أجل تواضعه فى الجلوس مع العشارين والخطاة، قالوا عنه إنه أكول وشريب خمر. ومن أجل محبته فى شفائه للمرضى، قالوا عنه إنه كاسر للسبت... ومن أجل اهتمامه بتعليمنا التعليم البعيد عن الشكليات الذى يترك الحرف ويدخل إلى العمق، قالوا عنه إنه ناقض للشريعة... ونحن إذ نراه مهاناً من أجلنا، نتبعه بنفس التسبحة ((لك القوة والمجد...)).

نحن نعلم يا رب لماذا أهانوك. لقد فعلوا ذلك لأنك لست مثلهم، لأن تواضعك كان يكشفهم. لم تفعل مثلهم إذ كانوا ((يعرضون عصائبهم، ويطيلون أهداب ثيابهم، ويحبون المتكأ الأول فى الولائم، والمجالس الأولى فى المجامع، والتحيات فى الأسواق، وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى)) (مت 3: 5 - 7). أما أنت فعشت متواضعاً وديعاً، تعاشر الأدنياء والصغار والمحتقرين، وتؤاكل الخطاة والعشارين، وتلمسك المرأة الخاطئة، وتناقشك المرأة السامرية، ويقترب إليك الأطفال. وأنت تسير فقيراً، بلا منصب، ولا مال، ليس لك أين تسند رأسك...

لقد رفضوا أن يمجدوك، لأنك احتقرت أمجادهم، وقلت ((مجداً من الناس لست أقبل)) (يو 5: 41). وهكذا رفضت الملك والعظمة. وأما نحن الذين نعرف حقيقة عظمتك، فنخاطبك قائلين ((لك القوة والمجد))...

إن طل تحقيرهم لك لا يمكن أن ينقصك شيئاً من مجدك. لقد باعوك بثمن عبد ((ثلاثين من الفضة)). وباستهزاء ألبسوك ثوباً أرجوانياً، ووضعوا إكليلاً من شوك فوق رأسك. أما نحن فنتبعك فى كل ذلك قائلين ((لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين))...

أنت ألهنا الممجد.

هم يحقرونك، لأنك أخذت شكل العبد. أما نحن فنمجدك، لأننا نعرف من أنت... أنت المساوى للآب فى الجوهر ((وكل ما للآب فهو لك)) (يو 17: 10). وأنت ((الكائن فى حضن الآب منذ الأزل)) (يو 1: 18). ((بهاء مجده ورسم جوهره)) (عب 1: 3). نعم إننا نمجدك من أجل ((المجد الذى كان لك عند الآب قبل كون العالم)) (يو 17: 5). أنت الذى ((دفع لك كل سلطان فى السماء وعلى الأرض)) (مت 28: 18)...

أنت الممجد قبل أن نكون، وقبل أن نوجد. أنت الذى ((تجثو بأسمك كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض)) (فى 2: 10). قبل أن نمجدك نحن، كانت وماتزال تمجدك الملائكة ورؤساء الملائكة... ((ألوف ألوف وقوف قدامك، وربوات ربوات يقدمون لك الخدمة... ويصنعون كلهم كلمتك يا سيدنا)). وقبل الملائكة وقبل كل خليقة أخرى كنت ممجداً أيضاً، وأنت كائن وحدك. لست محتاجاً إلى مخلوق ليمجدك. فأنت ممجد بذاتك، وممجد بصفاتك، ممجد بلاهوتك، لست محتاجاً إلى مجد من أحد. أنت ((الأول والآخر، الألف والياء، البداية والنهاية)) (رؤ 22: 13)...

وعندما نمجدك، فلسنا نأتى بشئ جديد عليك. فحتى وسط إخلائك لذاتك ظهرت أمثلة كبيرة لتمجيدك...

فقد مجدتك الملائكة فى ميلادك عندما بشرت الرعاة، ومجدك المجوس عندما سجدوا لك مقدمين هداياهم التى تليق بمجدك. وتمجدت عندما سقطت أصنام مصر أمامك فى زيارتك لها وأنت طفل (أش 19: 1). ومجدك يوحنا المعمدان عندما شهد قائلاً ((يأتى بعدى من هو أقوى منى، الذى لست مستحقاً أن أنحنى وأحل سيور حذائه))...

وظهر مجدك وقت العماد، عندما نزل عليك الروح القدس بهيئة حمامة، وكان صوت من السماء قائلاً ((أنت إبنى الحبيب الذى به سررت)) (لو 3: 22).

وظهر مجدك أيضاً على جبل التجلى، عندما أضاء وجهك كالشمس، وصارت ثيابك بيضاء كالنور. وقال الآب من السحابة ((هذا هو إبنى الذى به سررت. له اسمعوا)) (مت 17: 2 - 5).

وظهر مجدك فى معجزاتك الكثيرة، حتى الشياطين نفسها لم تحتمل وكانت تعترف لك. بل ظهر مجدك على جبل التجربة ذاته، عندما انتهرت الشيطان فذهب، وإذا ملائكة جاءت تخدمك (مر 1: 13)...

وظهر مجدك ليوحنا الرائى، عندما رآك وسط المنائر الذهبية. ووجهك كالشمس وهى تضئ فى قوتها، وعيناك كلهيب نار، وصوتك كصوت مياه كثيرة حتى أن يوحنا لم يحتمل هيبة ذلك المنظر العظيم، فسقط عند رجليك كميت (رؤ 1: 13 - 17)...

وستأتى أيضاً فى مجدك، فى مجيئك الثانى، على سحاب السماء. إذ يقول الكتاب أنك ستأتى فى مجدك وجميع الملائكة القديسين معك (مت 25: 31). ((السحاب والضباب قدامك، والعدل والقضاء قوام كرسيك... تضئ بروقك المسكونة... رأت الأرض فارتعدت، وذابت الجبال مثل الشمع)) (مز97).

ونحن أيضاً نمجدك.

عندما نمجدك، تتقدس أفواهنا بتمجيدك، وأنت لا تزيد شيئاً. نحن فى الحقيقة عندما نمجدك، لسنا نعطيك مجداً، وإنما نعترف بمجدك. وأنت يا رب كالشمس: هى منيرة سواء اعترف الناس بنورها أو لم يعترفوا. إعترافهم بنورها لا يزيدها نوراً فهى منيرة بذاتها...

إننا لسنا نمجدك فقط فى عظمة مجيئك الثانى حينما يكون مجدك واضحاً، وإنما نمجدك الآن فى عمق آلامك، نسير وراء آلامك خطوة خطوة ونحن نهتف قائلين ((لك القوة والمجد... ياعمانوئيل إلهنا وملكنا)). ونمجد بذلك اللحن الجميل pekqronoc الذى نقول فيه فى قطعة موسيقية رائعة خالدة، لا مثيل لها فى موسيقى العالم ((كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب إستقامة هو قضيب ملكك))...

وبتمجيدنا لك إنما نحتج على ما فعله بك المتآمرون والصالبون. نحتج على ما فعلته البشرية الجاحدة بك. ونرى أن مجدك الحقيقى كان فى صليبك الذى احتملته لأجلنا. وبتمجيدنا لك فى صلبك، إنما نقبل فى شرف مجد الصليب لنا كحياتنا وفى خدمتنا. بل نغنى مع بولس الرسول ((مع المسيح صلبت. لأحيا لا أنا بل المسيح الذى يحيا فىّ)) (غل 2: 20).

بهذا اللحن الجميل نمجد الرب فى آخر صلوات يوم الجمعة الكبيرة عندما يكون قد دفع دمه ثمناً لخلاص العالم، وبدأ يملك على خشبة. فنرتل له قائلين عرشك يا الله إلى دهر الدهور... وهذا اللحن نمجد به الرب أيضاً فى يوم الثلاثاء عندما يعلن الرب موعد صلبه بقوله لتلاميذه فى الإنجيل ((تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح، وابن الإنسان يسلم ليصلب)). (مت 26: 2).

وبنفس النغم الجميل نمجد الرب بلحن ausnon. إننا نمجدك يا رب فى صليبك، وليس فقط فى معجزاتك...



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

والبركة

لك القوة

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات