الفصل الثاني بحارة أمميون كانوا أفضل من النبى

الفصل الثاني بحارة أمميون كانوا أفضل من النبى

ما أعجب أهل هذه السفينة التى ركبها يونان... حقا كانوا أممين، ومع ذلك كانت لهم فضائل عجيبة فاقوا بها النبى العظيم. وفيهم تحقق قول الرب (( ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغى أن آتى بتلك أيضا فتسمع صوتى. وتكون رعية واحدة وراع واحد)) ((يو 1: 16.)).

يذكرنى أهل هذه السفينة بكرنيليوس قائد المائة، الذى كان في مظهره رجلًا أمميا بعيداً عن رعوية الله ولكنه كان فى حقيقته رجلاً تقياً خائفا الله هو وجميع بيته. وكان أيضاً رحومًا كثير الصدقة وكان ((يصلى إلى الله فى كل حين)). وأستحق أن يظهر له ملاك فى رؤيا ويقول له ((صلواتك وصدقاتك صعدت تذكارا أمام الله)). وأستحق أيضا أن يحل عليه الروح القدس هو وكل الذين معه أثناء كلام بطرس معه)) ((أع0 1)).

هناك كثيرون غير معروفين للناس في عالم القداسة، ولكنهم معروفون عند الله بأسمائهم. ومن هؤلاء كان أهل تلك السفينة، كانت فيهم كل الصفات الجميلة، وإذ كان ينقصهم الأيمان ــ عن جهل ــ رأى الله أن يمنحهم الأيمان.

لعله تدبير إلهى أن ينزل يونان في هذه السفينة بالذات، من أجله ومن أجل هذه السفينة... لم يشأ الله أن يمضى إلى كوره بعيدة))... العجيب أن الله أعد له المكان الذى يهرب أليه من وجه الرب، المكان الذى يناسبه، والذى يسمع فيه كلمة منفعة، والذى يقف فيه أمام وجه الله مرة أخرى، لكيما يرجعه أليه... أعد له الله البيئة المقدسة التي تبكته على هروبه. ووجد نفسه وسط أناس أفضل منه في كل شئ، ما عدا وظيفة النبوة..!

فضائل أهل السفينة.

* أول صفة جميلة فى بحارة هذه السفينة أنهم كانوا رجال صلاة.

لما صدمتهم الرياح الشديدة وكادت تكسر السفينة، يقول الكتاب ((فخاف الملاحون، وصرخوا كل واحد إلى إلهه. وطرحوا الأمتعة التى فى السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم)) ((1: 5)) نلاحظ هنا أنهم لجأوا إلى الله قبل تنفيذهم ما تتطلبه الحكمة البشرية لإنقاذ الموقف. صلوا أولا ثم ألقوا الأمتعة ليخففوا عن السفينة.. هم اذن يضعون الصلاة فى مرتبة أعلى من مهارتهم البحرية، ويعتمدون عليها بالأكثر..

وعندما أيقظوا يونان، لم يقولوا له ((قم ساعدنا فى التخفيف عن السفينة)). وإنما قالوا له ((قم اصرخ إلى ألهك)).

كان كل بحارة السفينة وركابها يصلون. والوحيد الذى كان لم يصلى في ذلك الوقت هو نبى الله يونان!!

وحتى بعد أن أيقظوه، لم يقل الكتاب انه قام وصلى!

إنه موقف مخجل حقاً..! كان يونان ((قد نزل إلى جوف السفينة وأضطجع، ونام نوماً ثقيلاً))... عجيب أن يكون النبى العظيم نائما فى الوقت الذي كان فيه الأمميون يصلون! شيء مخجل... ومما يزيد الخجل فيه أن يأتى إليه إنسان أممى ليبكته قائلا "مالك نائما".. ما هذا الكسل والتراخى واللامبالاة؟! ألا تقوم وتصلى كباقى الناس؟ ((قم اصرخ إلى إلهك، عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك))...

هل أنت حقا يا يونان تهتم بكرامتك الشخصية؟ أين هي هذه الكرامة، بينما أنت الوحيد النائم الأمميون حولك يصلون، ويوبخونك على نومك؟!

عجيب حقا هو الرب إذ يبكت أحد أنبيائه برجل أممي: لو أن الله أرسل له ملاكا ليبكته أو حتى نبيا مثله لبدا الأمر معقولاً، فأن لم يبكته ملاك أو نبى، فليكن تبكيته على يد مؤمن عادى. أما أن يبكته رجل أممى، وثنى، لا يعرف الله فهذا هو منتهى الإذلال. انه أشعار له بضآلته وعمق خطيته...

على أية الحالات، فأن الله إذ يعرف أن التبكيت نافع حتى للأنبياء، لم يحرم نبيه من نعمة التبكيت، وشاء آن تكون من أممى لتكون أعمق أثرا.

ولكن هذه هي طريقة الله فى التبكيت:

عندما أراد الله أن يبكت شعبه، أرسل إليهم الأمم فسبقوهم إلى الأيمان وبكتوهم. وقال لهم الرب ((يأتون من المشارق والمغارب ويتكئون في حضن إبراهيم. أما بنو الملكوت فيطرحون في الظلمة الخارجية ((متى 8: 11)). بكتهم بالمرأة الكنعانية التى هى من شعب ملعون، وبالسامرى الصالح الذي هو من جنس منحرف فى الأيمان والعقيدة والتقاليد. ومع ذلك صار هذا السامرى أفضل من الكاهن ومن اللاوى خدام الله...

بكت الفريسى أكثر الناس افتخاراً بالعشار المحتقر في خطاياه، وبالمرأة الزانية التى بللت قدمى الرب بدموعها، وكانت أكثر فضيلة وحباً من الفريسى...

وبنفس الطريقة بكت الرب يونان النبى العظيم، بأهل السفينة الأمميين الذين وبخوه لكى يقوم ويصلى مثلهم...

عجيب أن يونان كان فى ذلك الوقت نائما نوما ثقيلا... من عمق نومه، لم تستطع أن توقظه الرياح الشديدة، والنوء العظيم، وأهتزاز السفينة التي كادت تنكسر!!

كيف خالف الله، وكسر وصيته وهرب منه، وأستطاع أن ينام نوماً ثقيلاً؟! لابُد أن ضميره كان قد نام أيضاً، نوما ثقيلا، مثله...

هناك من يعصى الله ويخاف ويضطرب، أو يقلق ويأرق وتظل خطيئته تطارده وتتبعه... أما يونان فهرب من الله ولم يبال. وبكل أعصاب مستريحة وفكر هادئ، أمكنه أن ينام نوماً ثقيلاً! يُخيل إلى أن وراء هذا النوم سبباً. لا شك أن يونان على الرغم مما فعله كان يبرر ذاته من الداخل، ويبرئ ذاته. وهكذا لم يشعر بالأثم ولم يقلق، فنام...

* صفة جميلة نجدها فى أهل السفينة أنهم كانوا يبحثون عن الله.

لم يقولوا ليونان فى تعصب لديانتهم ((قم أصرخ إلى إلهنا)). وإنما قالوا له ((قم أصرخ إلى إلهك، عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك))... وهذا يدل على أنهم كانوا يبحثون عن الله، ولا يعرفون أين يوجد.. كانوا مضطربين في وسط عقائد كثيرة، لا يعرفون أين الإله الحقيقى، ولكنهم يحبون ويؤمنون به دون أن يدركوه... لذلك كشف الله لهم ذاته في قصة يونان...

* صفة جميلة ثالثة وهى أنهم كانوا رجال بساطة وأيمان. لم يكتفوا بالصلاة، وإنما أيضًا ألقوا قرعا. كانوا يؤمنون أن الله سيكشف لهم الحقيقة بتلك الطريقة، وقد كان... ألقوا القرعة ليعرفوا ((بسبب من حدثت تلك البلية))...

إذ أنهم فى تقواهم كانوا يشمئزون من بشاعة الخطية ويشعرون أنها سبب البلايا التى تحيق بالإنسان. هم ــ كبحارة مهرة ــ لم يقولوا أن هذا النوء العظيم حدث بسبب البحر وطبيعة المياه وتقلبات الرياح، وإنما أيقنوا أن ذلك بسبب خطية أرتكبها أحدهم، ويطالب بها العدل الإلهى. فبحثوا ((بسبب من تلك البلية)).

ووقعت القرعة على يونان... حقاً أن الله صالح وحنون... حتى لو صلى إليه أناس أمميون، بضمير مستقيم، طالبين إرشاده، فأنه يسمع لهم ويستجيب.. ووقوع القرعة على يونان، كشف صفة أخرى جميلة فى نوتية تلك السفينة الأتقياء....

* كانوا أيضًا أشخاصا عادلين لا يحكمون على أحد بسرعة. بل إتصفوا بطول الأناة، وبالفحص وإرضاء الضمير.

كان يمكنهم بعد وقوع القرعة على يونان، أن يتخلصوا منه فى الحال، وبخاصة انه كان يبدو غريبا... كان نائما والكل يصلون وكان غريبا لا يعرفون له أصلا. وقد كشفته القرعة إذ وقعت عليه بعد صلوات صرخوا بها جميعهم إلى الله.

إلا أنهم أرادوا أن يريحوا ضميرهم، فحققوا معه. قالوا له: أخبرنا من أنت؟ وما هو عملك؟ ومن أين أتيت؟ وما هى أرضك؟ ومن أى شعب أنت؟ وبسبب من هذه المصيبة التي حلت علينا؟.. أسئلة كثيرة..

حقا أنه من فضائل هؤلاء الناس طول الأناة العجيبة...

أننى متعجب من عدلهم ومن حساسية ضميرهم. السفينة موشكة على الغرق، والبحر هائج، وبين لحظة وأخرى يمكن أن يهلكوا... ومع ذلك يصرون على التحقيق مع يونان، لكى يريحوا ضميرهم ولا يظلموا الرجل... وهم يفعلون ذلك على الرغم من كل الأدلة التى تحت أيديهم. ولكنهم مؤمنون أنه لا يجوز لهم أن يصدروا حكماً بدون محاكمة، وأنه لا يليق بهم أن يحكموا على إنسان دون أن يعطوه فرصة لكى يتكلم عن نفسه...

أما يونان فأعترف لهم وقال ((أنا عبرانى، وأنا خائف من الرب اله السماء الذى صنع البحر والبر))، وبمجرد سماعهم ذلك الكلام خافوا خوفاً عظيماً...

أنهم قوم بسطاء لا يكذبون غيرهم.

هل الهك يا يونان هو اله البحر والبر؟.. نحن الآن في البحر، إذن فنحن في يد الهك أنت. ونحن نريد الوصول إلى البر، الهك هو اله البر أيضاً، كما هو اله البحر، أذن فنحن في يديه. لذلك خافوا ووبخوه قائلين ((لماذا فعلت هذا؟!)). وللمرة الثانية يتبكت النبى العظيم من الأمميين. حسنا أوجده الله فى هذه السفينة التي يوبخه ركابها، دون أن يستحوا منه كنبي...

* وكما كان ركاب السفينة عادلين، كانوا أيضاً فى منتهى الرحمة والشفقة:

فبعد ثبات التهمة على يونان، واعترافه أمامهم بذنبه وبأنه هارب من الرب، وتأكدهم أن كل المصيبة التي حلت عليهم كانت بسببه لم يشاءوا أن يتخلصوا منه على الرغم من أن ((البحر كان يزداد اضطراباً)). بل فكروا فى حل لإنقاذ هذا الإنسان الذي تسبب فى أتعابهم...

كانوا يوقنون أنه مذنب ويستحق الموت. ومع ذلك لم يكن سهلا على هؤلاء القوم الرحماء، أن يميتوا إنساناً حتى لو كان هو السبب في ضياع متاعهم وأملاكهم وتهديد حياتهم بالخطر.

لم يكن سهلاً عليهم أن يضحوا به بسهولة أو بسرعة. فقالوا له ((ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟))... أبحث معنا عن حل، لأن اضطراب البحر كان يزداد بطريقة مقلقة... فقال لهم يونان ((خذونى واطرحونى في البحر، فيسكن البحر عنكم لأنى عالم أنه بسببى هذا النوء العظيم عليكم))... القونى فى البحر فليس هناك حل للمشكلة غير هذا... ولكن مع كل هذا. لم يكن ضميرهم مستريحاً لألقائه...

إنى متعجب من شدة رحمة هؤلاء الناس الأبرار. لقد عرفوا سبب مشكلتهم، وعرفوا علاجه، ولكن ضميرهم لم يساعدهم على التنفيذ. كيف نقتل الرجل، حتى لو كان دمه حلالاً لنا؟! وحتى لو كان خاطئا يستحق الموت... وهكذا جذفوا بكل قوتهم ليرجعوا السفينة إلى البر فلم يستطيعوا لأن البحر كان يزداد اضطرابا عليهم...

لقد بذلوا كل جهدهم لإنقاذ الرجل الخاطئ من الموت، ولكن دون جدوى، كانت مشيئة الرب أن يلقى يونان في البحر... وهكذا أسقط في أيديهم. ولكن لكى يريحوا ضمائرهم، صرخوا إلى الرب وقالوا ((آه يا رب، لا نهلك من أجل نفس هذا الرجل. ولا تجعل علينا دما بريئاً. لأنك أنت يا رب فعلت كما شئت)). وإذ تحققوا أن هذه هي مشيئة الله، وأنهم لا يستطيعون أن يقفوا ضد مشيئة، ((أخذوا يونان وطرحوه فى البحر، فوقف البحر عن هيجانه))...

* من كل ما سبق يتضح أن هؤلاء البحارة كان لهم ضمير حساس نقى، وأنهم أرادوا بكل حرص أن يقفوا أمام ضميرهم بلا لوم.

لم يكن سهلًا عليهم أن يرتكبوا خطية، مهما كانت العوامل الخارجية ضاغطة، ومهما كانت هناك أسباب تبرر الموقف. وقد كان موقفهم من يونان نبيلا جدا، ورحيما جدا، وموافقا لإرادة الله فيه.

* وكانت لهؤلاء الناس قلوب مستعدة لعمل الله فيها: كانوا يتلمسون إرادة الله لتنفيذها. ولما وقف هيجان البحر بإلقاء يونان فيه، تأكدوا من وجود الله فى الأمر، فآمنوا بالرب، وذبحوا له ذبيحة، ونذروا له نذورا.... وفي إيمانهم بالرب لم يؤمنوا فقط أنه هو الله، وإنما بتقديمهم للذبيحة أعلنوا أيضاً إيمانهم بالدم والكفارة...

وهكذا كسب الله المعركة الأولى، وتمم خلاص أهل السفينة بعصيان يونان. بقيت فى خطة الله للخلاص مسألتان هامتان أخريان: وهما خلاص أهل نينوى، وخلاص يونان...



أضف تعليق

الفصل الثالث يـونـان فـى بـطـن الـحـوت

الفصل الأول مشكلة النبي الهارب

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات