والبركة

والبركة

نحن نتبع سيدنا المسيح فى صلبه، ونقول فى أذنه لك البركة. لأن الكتاب يقول ((ملعون كل من علق على خشبة)) (غل 3: 13). لذلك كان لابد أن تدفن فى نفس اليوم جثة هذا المتسوجب الموت ولا يبيت معلقاً، لئلا ينجس الأرض، لأن المعلق ملعون من الله (تث 21: 23، 22). وهكذا حمل الرب عنا لعنة الناموس، و ((صار لعنة لأجلنا)) (غل 3: 13).

ولكننا نعلم أنه قدوس بلا خطية، وأن اللعنة التى حملها هى لعنتنا نحن، هى اللعنات التى تستوجبها خطايانا حسب الناموس (تث28). إنه ليس خاطئا، حاشا. بل هو حامل خطية، خطية غيره، خطية العالم كله. لذلك نحن نتبعه آسفين على ما حمّلناه إياه، قائلين له من عمق قلوبنا ((لك القوة والمجد والبركة... يا عمانوئيل إلهنا وملكنا))...

بسبب هذه اللعنة صلبوه خارج المحلة، لكى لا ينجسها، ونحن فى أسبوع آلامه نخرج وراءه أيضاً كما قال معلمنا بولس الرسول ((فلنخرج إذن إليه خارج المحلة حاملين عاره)) (عب 13: 13). نعم نحمل عاره ((حاسبين عار المسيح غنى أعظم)) كما قيل عن موسى النبى (عب 11: 26). وهكذا تجلس الكنيسة طوال أسبوع الآلام خارج المحلة، بعيداً عن المذبح، بعيداً عن الهيكل، بعيداً عن الخورس الأول، خورس القديسين، متذكرين خطيتنا التى أخرجتنا خارج المحلة مثل آدم عندما طرد من الفردوس. وإذ نتبع الرب خارج المحلة، نقول له: أنت البار، ونحن الأشرار. نحن نستحق اللعنة والطرد، أما أنت فلك البركة إلى الأبد آمين يا ربى يسوع المسيح المخلص الصالح.

بينما ينظر اليهود إلى صليب المسيح كرمز للذل والعار، نقول له نحن: لك البركة ولصليبك. بصليبك ننال البركة فى كل شئ الكهنة يرشمون به الشعب فيتباركون وبرشم الصليب يتم التكريس والتقديس.

به نرشم فى المعمودية، فننال بركة الميلاد الجديد. وبه نرشم كل عضو من أعضائنا فى سر الميرون، فتتبارك أعضاؤنا جميعاً وتتقدس. وبه تتم الرشومات المقدسة فى الأفخارستيا وفى سر الكهنوت وفى جميع أسرار الكنيسة، فننال به النعمة والبركة والمواهب، ونصرخ من أعماقنا ((لك البركة))...

لك يا رب البركة التى فقدناها منذ سقطة آدم، وظللنا نحلم بها حتى هذا اليوم، منتظرين أن ننالها منك، أنت يا من بك تتبارك جميع قبائل الأرض...

عندما خلق الإنسان باركه الله، ولكنه عندما سقط، دخلت بسقوطه اللعنة إلى الأرض، إذ قال الرب لآدم ((ملعونة الأرض بسببك)) (تك 3: 17). ثم بدأت اللعنة تدخل إلى البشر أنفسهم، فلعن الرب قايين (تك 4: 11). ثم لعن كنعان ونسله (تك25، 9).

ثم امتدت اللعنة حتى وصلت إلى كل خاطئ. إذ تقول الشريعة للإنسان ((إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه... تأتى عليك جميع هذه اللعنات وتدركك. يرسل الرب عليك جميع هذه اللعنات وتدركك... يرسل الرب عليك اللعن والإضطرابات فى كل ما تمتد إليه يدك لتعمله حتى تهلك وتفنى سريعاً...)) (تث 28: 15 - 20)..

ووسط لعنات الناموس، كانت البشرية تحلم بتحقيق وعد الله لإبراهيم عندما قال له ((بنسلك تتبارك جميع أمم الأرض)) (تك 22: 18).

وظلت البشرية تترقب هذا النسل الذى تتبارك به جميع أمم الأرض... ومرت أجيال طويلة والبشرية مدنسة فى سقطاتها ((الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الرب، ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد))... وظلت البشرية تنتظر مجيئك حتى أتيت، أيها المحب الحنون، الذى ترفع عنا جميعاً لعنة الناموس، وبك تتبارك جميع قبائل الأرض. ونحن نقف إلى جوارك على الصليب، واثقين من وعدك لأبينا إبراهيم. ننظر إليك وأنت تغمس زوفك فى دمك الكريم، وتنضح علينا فنطهر. ونرتل لك بكل تمجيد وتقديس ((لك البركة إلى الأبد آمين))...

لك البركــــــة...

لك البركة التى منحتها للعالم، فتتبارك فى كل اجناسه وأجياله ولو لم تكن لك هذه البركة لهلك العالم كله فى خطاياه.

لك البركة التى نقول لك عنها فى القداس ((وباركت طبيعتى فيك)). لك البركة غير المحدودة التى باركت بها العالم كله...

لك البركة التى باركتنا بها نحن الأمم المدعوين غرلة، الذين كنا بدون مسيح، أجنبيين وغرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لنا... فصرنا ببركتك قريبين، ولم نعد غرباء ونزلاء بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله (أف 2: 11 - 19).

لك البركة، لأنك قدوس. لذلك نرتل لك اللحن يوم صلبك، قائلين ((قدوس الله، قدوس القوى، قدوس الحى الذى لا يموت الذى صلب عنا، إرحمنا))... وإذ نرتل لحن قداستك إنما ننزهك عن كل ما اتهموك به. وإذ نقول لحن ((آجيوس)). هذا بالنغم الحزاينى، فلسنا نحزن عليك، إنما نأسف فى قلوبنا لأن البشرية قدمتك كخاطئ إلى الصليب ونسبت إليك ما لا يليق. أما أنت أيها القدوس، المولود من الروح القدس، الذى أنت وحدك قدوس (رؤ 15: 4)، فلك البركة إلى الأبد آمين.

هذه البركة منحتها أولاً للص اليمين، عندما أدخلته معك إلى الفردوس. وبهذه البركة باركت جهال العالم الذين أخزيت بهم الحكماء، وباركت بها تلك الأوانى الخزافية الضعيفة التى حملت إسمك القدوس...

من كان يظن أن هؤلاء الصيادين الضعفاء، ويصيرون فى يديك كالخمس الخبزات، فتشبع بهم العالم كله ((فى كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقطار المسكونة كلماتهم)) (مز 19: 4). من كان يظن أن هذه الجماعة الخائفة المختبئة فى العلية، يمكن أن تخرج لتقف أمام أباطرة وأمام فلسفات وأمام أديان، وتملأ الأرض كلها... إنها البركة التى قيلت لأمنا رفقة ((صيرى ألوف وربوات، وليرث نسلك باب مبغضيه)) (تك 25: 60). نعم يا رب، لك البركة...

كانت الخطية قد حجبت البركة. فلما نزعت هذه الخطية عنا. أرجعت إلينا البركة أيضاَ. ورددت الإنسان إلى رتبته الأولى. وقلت له فى حنو ((أباركك، وتكون بركة)) (تك 12: 2). نطلب إليك أن تديم بركتك علينا، فى كل ما تحمل من نعمة ومن كثرة... ولترجع إلينا تلك البركة التى سمعناها منذ اليوم السادس حينما قلت لنا ((أثمروا وأكثروا، واملأوا الأرض، وأخضعوها)) (تك 1: 28)، والتى باركت بها أبانا نوح (تك8).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

أضف تعليق

والعزة

والمجد

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات