مقالات – إنطلاق الروح – البابا شنودة الثالث

مقالات

تَأمَل فى النور والظلمَة

((فى البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت الأرض خربة وخاوية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. ثم قال الله ليكن نور، فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. دعا الله النور نهارا، والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا)).

(تك 1: 1 - 5).

لم تقل يارب ((لا تكن ظلمة))، وإنما قلت ((فليكن نور))، فكان نور، وبقيت الظلمة، ووجد الاثنان معا..

فلماذا لم تقض على الظلمة، ما دام النور الذى رأيته كان حسناً فى عينيك؟ لماذا أبقيتها؟ ولماذا أعطيتها اسما؟ ولماذا سمحت أن يكون لها سلطان، وقلت ((هذه ساعتكم وسلطان الظلام)) (لو 22: 53)؟!

لماذا لم تجعل الكل نهاراً، والكل نورا، أيها النور الحقيقي، النور الذى لا يدنى منه؟ لماذا سمحت بأن يكون الظلام موجودا، وبأن يحبه الناس أكثر من النور؟! كان بامكانك ان تلغى الظلام إلغاءا فلا يكون. أو لا تسمح بوجوده قبل أن يوجد. ولكنك أبقيته على الرغم من أنه لا يتفق مع طبيعتك! فلماذا؟

ان كنت قد سمحت ان يعيش الزوان مع الحنطة الى يوم الحصاد، حيث يلقى الزوان فى النار، فهل للظلمة أيضاً وقت تنتهي فيه. ويعيش أبناء النور فى النور، النور الذى لم يستطيعوا الدنو منه عندما كانوا فى الظلام؟ ولكن أليس حقا أن الأشرار يخلدون فى الظلمة الخارجية؟ إذن فالظلمة الخارجية خالدة هى أيضاً! ولكن خارج أورشليم السمائية، بعيدة عن أولاد الله وبينهما وبينهم هوة عميقة...

متى وجد الظلام؟ ((كان على وجه الغمر ظلمة)). كان ذلك فى بدء الخليقة كلها، قبل أن يقول الرب ((ليكن نور))! فمنذ متى كان الظلام؟...

عندما كان الله وحده فى الأزل، لم يكن هناك ظلام، لأنه لم يكن هناك سوى الله وحده، والله نور. إذن فالظلام حدث. فمتى حدث؟ وكيف؟ ولماذا؟ أجبني يا رب فإنني لا أعرف...

هل كانت الظلمة أقدم من النور بالنسبة الى الخليقة؟ وما علاقة هذا بنظرية السديم؟ بلا شك أن النور كان هو الأقدم. يقال أن هذه – الظلمة من الناحية الطبيعية – حدثت من فاعلية حرارة المجموعة الشمسية المنيرة فى الغمر، فتبخرت المياه بكثرة وسرعة، ومن كثرة البخر تكون ضباب كثيف جدا حجب نور السديم، فصار على وجه الغمر ظلمة.. على أننى لا أريد أن أهبط الى مستوى هذا التفكير المادى، انما على أن أتأمل فى النور كما ينبغى...

((كان على وجه الغمر ظلمة)). إذن كان هناك غمر، وكانت هناك أرض، وكانت هناك ظلمة. لم تكن الأرض تعرف الله، ولا كان الغمر يعرفه، فهل عدم معرفة الله كان هو الظلمة؟ عندما كان روح الله يرف على وجه المياه. والمياه لا تعرفه ((النور أضاء فى الظلمة، والظلمة لم تدركه))؟! ثم قال الله ((ليكن نور))، فكان نور. أكان ذلك النور هو سر تلك الآية الجميلة ((السماوات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه)) (مز 19: 1)؟

هل هذا هو أول نور دخل الى العالم؟ ولكن واضح أنه بدخوله لم ينته زمن الظلمة. فلماذا كانت الظلمة إذن؟ أريد يا رب أن أعرف. فهمنى انت. أنر عقلى وروحى لأفهم أقوالك المحيية..

وهناك أنواع من النور: قيل عن الشمس والقمر والنجوم انها نور. وقال الرب لتلاميذه ((أنتم نور العالم)). وقيل عن الابن (الاله المتجسد) أنه نور من نور، حل بيننا ورأينا مجده. وقيل عن الآب (الذى لم يره أحد قط) أنه نور لا يدنى منه. وقيل عن قبول الإنسان لعمل الله انه استنارة... والخير عموما يسمى نورا. والبر يسمى نورا، والحكمة والمعرفة تسمى نورا.

فى بادئ الأمر خلق الله النور المادى الذى ندركه بالحس ورأى الله النور انه حسن. ولكن هذا النور هو أقل درجة من درجات النور. هناك نور آخر يتدرج فى الخليقة الحية حتى يصل إلى الإنسان الذى يمكنه بالروح أن يدرك الله ذاته. فما هو كنه النور فى النبات والحيوان بأنواعهما؟ وما هى درجات رقيهما عن الجماد؟ وما علاقة كل هذه الخليقة بالله قبل خلق الانسان؟ وما علاقته به بعد خلقه؟ الله نور، يفيض من نوره على الطبيعة فتنير، وأيضاً على العقل والنفس والحس والروح، فيكون نورها من فيض نوره ولكن ليس من جوهره. كما أن الله هو الحياة، وقد أعطى الخليقة حياة ولكنها ليست من جوهره وإنما من فيضه. والله هو عقل وروح، وقد أعطى الانسان عقلا وروحا، ولكنهما من فيضه أو من نعمته... وهكذا.

لماذا رأى النور أنه حسن؟ لأنه موافق لطبيعته. فالله نور ليست فيه ظلمة البتة. ان الظلمة ليس فيها الله، والا أصبحت نورا. والذين يخضعون للظلام، سوف يلقون فى الظلمة الخارجية أى خارج نطاق التمتع بالله.

أن كان الله قد فصل بين النور والظلمة، فكيف دخلت الظلمة إلى الانسان؟ وكيف تأصلت فيه؟ وكيف أحبها أكثر من النور؟ إنها اسئلة، اتركها لتأمل كل منا... [26].

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 15
.

عندما أجلس إلى ذاتى

انها يارب ساعة مباركة، تلك التى أجلس فيها الى ذاتى ذلك لأنى عندما أجلس إلى ذاتي، انما أجلس معك. إذ أنت فى داخلى، وان كنت لا أراك كما كنت فى العالم، والعالم لم يعرفك.

لذلك يا رب كانت احدى خطاياى الكبرى فى العالم، هى الهروب من ذاتي.

لم يكن لى وقت لأجلس فيه مع ذاتى. وكل وقت كنت تفرغني فيه من المشغوليات والاهتمامات، وتعطينى فرصة أجلس فيها الى ذاتى، وأجلس فيها معك، كنت أنا – لفرط جهلي – أبحث عن مشغولية جديدة أو أهتمام جديد، لأشغل بها الوقت! كان الجلوس الى ذاتى نوعا من الكسل! كنت وأنا في العالم أعرف نظريا أهمية الجلوس إلى النفس، ولكننى من الناحية العملية لم أعر هذا الأمر اهتماما. أو أن الشيطان لم يسمح لى أن أهتم بذلك. فكنت مشغولا على الدوام، مشغولية مستمرة لا تنقطع..

من أجل ذلك يارب، لم أر الكنز الموجود داخل نفسى، الذي هو أنت...

وعندما كنت اجلس بعض الوقت الى ذاتى، وأرى ولو شعاعا ضئيلا من ذلك الكنز، كنت أخفيه الى أن أجد وقتا أطول أتفرغ فيه له، كنت أخفيه حتى أذهب أولا، وأدفن أبى. وأرى حقلى واختبر بقرى!

وأخيرا يارب، عندما سمحت لى فى يوم ما لا أستطيع تحديده تماما، أن أجلس الى نفسى تلك الجلسة الطويلة الهادئة. واكتشف ذلك الكنز المخبأ فيها، عند ذلك بعت كل شئ واشتريته ذلك الكنز الذى هو أنت، فصرت لى...

وهأنذا يارب أعترف لك:

اننى عندما أجلس الى نفسى، أشعر فى كل مرة أن نفسى أثمن من العالم كله ((لأنه ماذا يستفيد الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟!)).

وعندما أشعر أن نفسى أثمن من العالم، يصغر العالم فى عينى جدا، وآخذ منك نعمة الزهد فى كل شئ. وعندما أزهد كل شئ، أنظر فأجدك أمامى تشجعنى وتقولى لى ((لا تخف... أنا معك)).

وعندما أجلس يارب الى ذاتى، واكتشف ما بداخلها، وأرى أيضاً ما فعله الغرباء الذين تطاولوا على مقادسك فيها... عندما أرى ذلك، أعرضه عليك، لكى تحفظ من الغرباء نفسى، عندئذ تطول بى الجلسة، وأجد أشياء كثيرة لأقولها لك ولها. عند ذلك تضؤل أمامى التعزيات البشرية، ولا أبحث عن الاستئناس بالناس، بل بالأكثر أحب الوحدة والخلوة والسكون، حتى لا أحرم من تلك الجلسة اللازمة لى جدا، التى تجلب لى الانسحاق والنقاوة. وأحيانا يارب، عندما أجلس الى ذاتى واتعمق فى بحثى داخلها، أجد فى بعض أركانها حيات وعقارب كامنة نائمة، أو هى تحاول أن تأكل حبات قلبى فى صمت أو فى خفية، وتنفث سمومها فى دمى وفى فكرى وفى مشاعرها، دون أن أدرى...

وهذه عندما كنت أنظر اليها، كانت تستيقظ وتلدغ ضميرى وتتعبنى. ولكني كثيرا ما كنت اتركها نائمة حتى لا تتعب نفسى! ولكن ما الفائدة يارب فى أن اتركها هكذا، وأتعامى عنها باحثا عن نياح نفساني؟! خداع هو فى الحقيقة، وهروب من النفس...

أليس من الأفضل أن أكشف هذه الحيات وأقاتلها؟ ارحمنى يارب فانى ضعيف، وشاعر بضعفى وعجزى عن مقاتلة أصغرها. الأصلح أن أكشفها لك يارب، وأنت تقاتل عنى ((على رجز الأعداء تمد يدك وتخلصنى يمينك)).

وعندما أجلس يارب الى نفسى، أعرف حقيقتى، أدرك أننى تراب ورماد قدامك، فتتضع نفسى فى داخلى، وتشعر بأن مجد العالم إنما هو طلاء خارجى زائف لا يغير من حقيقة النفس شيئاً...

وعندما أجلس الى ذاتى واشعر بضعفى، التصق بك بالأكثر متأكدا اننى بدونك لا أستطيع شيئا. وكلما ألتصق بك، تكشف لى ذاتك، فأرى أنك أبرع جمالا من بنى البشر، فأحبك، وأحب الجلوس معك أكثر من جلوسى مع سائر الناس... وفى كل مرة أعرف عنك شيئاً جديدا، فتزداد نفسى تعلقا بك...

اعطنى يارب أن أترك الناس، وانشغل بنفسى، لأربطها بك. ثم أعطنى يارب أن أنسى نفسى، وأنشغل بك...

.

اكشف لى ذاتك

لست أنا يارب الذى أذهب إليك، لأنى لا أعرف طريقة الوصول جيدا، عقلى قاصر، وروحى حبيسة، وأنا أيضاً مربوط الى الجسد. وهناك أشياء كثيرة تعطلنى: منها شهواتى ورغباتى... وأيضاً يارب لأنى أحيانا أريد أن أتقرب اليك!!

ثم أنى يارب، مشغول عنك! لدي اهتمامات كثيرة تعطلنى. وأنا من فرط شقاوتى وجهلى لا أنزع عنى الاهتمامات الباطلة وإنما أزيد عليها فى كل يوم شيئا جديدا... فتعال أنت يارب الى. اكشف لي ذاتى وافتقدنى – كابن أو كعبد – أنت يا من كلك محبة، بل أنت المحبة كلها.

لست أنا يارب الذى أبني لك بيتا فى قلبى لتسكن فيه، لأنه ((إن لم يبن الرب البيت، فباطلا تعب البناؤون))... من أنا حتى أبنى لك هيكلا مقدسا يحل فيه روحك عندى؟ أنت يارب تبنى أورشليم. فتعال ولا تنتظرنى، اذ قد يطول انتظارك ولا أجئ...

ليس بجهدي يارب، ولكن بمعونتك، ليس بقوتي، ولكن بنعمتك. أنا من ذاتى لا أستطيع أن أعرف، لكن أنت تستطيع بمحبتك أن تكشف ذاتك لى.

وأنت لا تكشف لي ذاتك، ان لم أحبك. ولكن كيف أحبك إن لم تكشف لى ذاتك. أكشف ذاتك لى حتى ينمو حبى لك. لأنى كلما أرى فيك شيئا جديدا، يزداد حبى لك بالأكثر، وتتوطد علاقتي بك. اذ كيف يمكن أن يحب الإنسان بمحبة حقيقية كائنا ان لم يعرفه ولم يره ومعلوماته عنه غامضة؟!

فاكشف لي ذاتك إذن، لأن هذا هو المصدر الوحيد الذي أعرفك به معرفة حقيقية: ليس عن طريق الناس أو الكتب، بل معرفة الذى رأيناه بأعيننا ولمسناه بأيدينا...

اننى لا أستطيع أن أعرفك معرفة كاملة عن طريق الكتب أو عن طريق الناس الذين عرفوك، اذ أن هؤلاء أيضاً لا يستطيعون أن يعبروا عما رأوه فيك من صفات لا ينطق بها، ولا يقوى لسان أن يتحدث عنها. بل كل ما يستطيعونه أنهم يشوقون السامع أو القارئ بقولهم: ((تعال وانظر ما أطيب الرب)) أما أن يوضحوا حقيقتك فليس بامكانهم!

ولكن ان كشفت لى ذاتك يارب، فكيف أستطيع أن أرى وجهك بينما بدون القداسة لا يعاين أحد الرب؟! والقداسة أمر ليس فى امكانى، فقد كثر الذين يحزنوننى واعتزوا أكثر منى، وأنا ضعيف أمامهم جميعاً: أمام العالم والجسد والشيطان، وأمام الرغبات والشهوات والأفكار.

كثيرا ما أسقط، وكثيرا ما أزل. والقداسة حلم أشتهيه ولكن أين لى به! فهل معنى هذا أننى سوف لا أراك؟... أعطنى يارب نقاوة القلب التى بها أرى وجهك. انضح على بزوفاك فأطهر. اغسلني فأبيض أكثر من الثلج.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 16
.

محبة الطريق

لماذا أصلى؟ ولماذا أصوم؟ ولماذا أختلى. ولماذا أقرأ؟..

هل لكى أصبح رجل صلاة، أو رجل صوم أو خلوة أو معرفة؟

هل أحب أن أكون عابدا؟ هل العبادة شهوة مستقلة فى نفسى لها غرض خاص؟

هل أريد أن تكبر نفسى، او أن أكبر فى عينى نفسى، عن طريق النجاح والنبوغ فى هذا الطريق!؟

هل أنا مهتم بذاتى: ماذا أكون؟ وكيف أكون؟ ومتى أكون؟ وكيف أتطور إلى أفضل؟...

هل أنا أحب الله ذاته، أم أحب الطريق الذي يوصل إليه؟

هل أنا مثلا أحب الصلاة، أم أحب الله الذى أصلى اليه؟!

أنني ألاحظ فى نفسى أحيانا أخطاء كثيرة:

عندما أكمل مزاميرى أفرح: لا لأنى تحدثت مع الله، وإنما لأننى راهب ناجح فى القيام بقانونه وواجبه في العبادة!! وعندما لا أستطيع أن أصلى مزاميرى جميعها، أحزن: لا لأنى فقدت متعة التحدث مع الله، وإنما لأنى راهب فاشل!! وهكذا أيضاً فى صومى، وفى سهرى، وفى قراءاتي...!

المسألة إذن شخصية بحتة. هى أنانية واضحة. أريد فيها أن أكبر فى عينى نفسى على حساب صلتي بالله...؟

متى يأتى الوقت الذى لا أصلى فيه مزمورا واحدا، ومع ذلك أكون سعيدا لانى على الرغم من ذلك كنت ثابتا فى الله عن طريق أخر من العبادة.

هل أنا أصلى من أجل لذة ومتعة الحديث معك، وحلاوة الوجود فى حضرتك، أم من أجل أن أكتسب فضيلة أصل بها الى الحياة الأخرى؟ أم أننى لكى أتحدث معك حديثا أطلب فيه تلك الحياة؟

هل الصلاة فى نظرى هدف فى ذاتها أم مجرد وسيلة؟

ان كنت أثور على انسان عطل خلوتى وصلاتى، ومن أجل الصلاة والخلوة، أفقد سلامى الداخلى، وأفقد سلامى مع الناس، وبالتالى يتعكر قلبى وافقد سلامى مع الله أيضاً، اذن فقد أصبحت الصلاة هدفا لا وسيلة، وفى سبيل هذا الهدف قد أنحرف واخطئ!!

ان العبادة هى مجرد طريق يوصل الى الله، ولكن الهدف هو الله ذاته. والمحبة طريق، والخدمة طريق، ولكن واحدا هو الهدف، أعنى الله.. لماذا إذن تفقد الله من أجل المحافظة على الطريق الذي يوصل إليه؟! ومن أجل أن يكون هذا الطريق فى الوضع الذى نشتهيه؟!

فلنحب الطريق لا لأنه شهى فى ذاته – وحقا هو شهى – وانما لأنه يقودنا الى الله. ولنسرع في الطريق ونعبره بسرعة لنصل اليه.

والكمال هو أن يكون طريقنا الى الله، هو الله. لأنه ذاته... هو الطريق.

🟍 🟍 🟍.

اتركيني الآن

((هذه المقالة ليست لكل أحد، أنها درجة روحية معينة، الذين هم أقل منها، لا ينتفعون بها)).

هو ذا أنا هكذا يارب أتدخل باستمرار فيما لا يعنينى. لست أقصد التدخل فى شئون غيرى من الناس، كيف يتصرف، وكيف تتصرف أنت معه – ولو أننى أقع كثيرا فى هذا الخطأ – وإنما أقصد تدخلى فى شئون نفسى. بينما هى أمور لا تعنينى أنا بقدر ما تعنيك أنت!...

نفسى ليست ملكى، إنما هى ملكك، اشتريتها بدمك الكريم فأصبحت لك. وليس لى بعد أن أتدخل فى شئونها، لأنك أنت تدبرها حسب مشيئتك الصالحة الطوباوية.

علي إذن أن أنظر وأمجدك.

متى يأتي الوقت الذي لا أتدخل فيه فى شئون نفسى، وإنما اتركها لك: حيثما تسيرنى أسير، وكيفما تصيرنى أصير؟ متى أرضى بحالتى التى أرتضيتها أنت لي، فلا ألح عليك فى تغييرها كأنك غافل عن صالحى؟!

متى تتحول صلاتى من طلب إلى شكر؟ أو متى أبحث عن شئ اطلبه فلا أجد، لانى لست أجد شيئاً خيرا لى الآن مما أنا فيه؟..

متى يأتى الوقت الذى يصبح فيه عملى الوحيد هو ألا أعمل شيئاً، وإنما أترك نفسى فى يديك وانساها هناك، ولا أذكر إلا هاتين اليدين اللتين جبلتانى وصنعتانى واللتين كنت تضعهما على كل واحد فتشفيه.

متى أؤمن بك الإيمان كله، فأستأمنك على حياتى تدبرها كيف تشاء، أنت يا صانع الخيرات، دون أن أقحم نفسى فى عملك هذا واتلصص متجسسا عليك لأرى ماذا تعمل بى!! وكيف تعمل! ّ! وهل عملك مقبول أم لا!! وهل يستدعى الأمر تدخلا منى أم لا يستدعى؟!

اه يا رب كم أنا وقح في تصرفي معك! جاهل أنا واتدخل فى أعمالك حكمتك محاولا أن أوقفها لأنفذ مشورتي الغبية!! كم يكون أحكمنى لو أننى سكت وأخذت منك موقف المتفرج لا موقف الشريك. اذن لكنت أرى عجائب من حكمتك...

اننى يارب أفكر كثيرا فى ذاتى، ولا أفكر ولو قليلا فيك. اننى أثق كثيرا بذاتى، ولا اثق ولو قليلا بك. ذاتى هى صنمي، متى يتحطم لكى أعبدك العبادة الحقة؟ ان كنت لا أحطم بنفسى هذا الصنم لكونه جميلاً فى عينى، أو لكونه محبوبا لدى جدا، فتول أنت يا رب تحطيمه، وعند ذلك لا يبقى لك منافس فى قلبى فأحبك، ولا يبقى لك منافس فى ايمانى فأعبدك. لو كنت يا رب أفكر فيك بقدر ما أفكر فى ذاتى، ولو كنت أعتمد عليك بقدر ما أعتمد على مقدرتي الخاصة، ولو كنت أحبك بقدر ما أحب نفسي، إذا لأصبحت مثل أولئك القديسين الذين أنكروا أنفسهم ليعرفوك.

متى تعتقنى يارب من ذاتى؟ متى؟ لا لكي أصير قديسا، وانما لكى أجدك.

متى تخرج من الحبس نفسي، وتطلق عبدك بسلام؟ متى أضيع ذاتى من أجلك لكى أجدك؟ وحينئذ أجدها فيك. متى أهلك ذاتى من أجلك؟ إذن لكانت تحيا بك. متى أنظر الى ذاتى فلا أجدها، وإنما أجدك أنت، متى أنظر اليها فأراك؟ ومتى أنظر الى العالم فأراك؟ وإلى الناس فأراك؟ وتصبح أنت لى الكل فى الكل وليس سواك.

هى تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت وسنوك لا تفنى.

قالوا لى: ((اعرف نفسك)). وقالوا لى: ((أدخل الى ذاتك)). اه يارب هى ذاتي هذه سبب متاعبي كلها.. متى أدخل إليها فلا اجدها؟!..

كم مرة نظرت الى ذاتى فوجدتها معلقة على الصليب بلا حراك. فلما أمعنت النظر إليها، أبصرتك أنت، ففرحت. لم أفرح بذاتى لأنها ورثت الملكوت وإنما فرحت بك لأنى وجدتك.

ويخيل الى أننى سوف لا أجدك فى كل مرة الا هناك فى وادى ظل الموت. لاننى ان سرت فى وادى ظل الموت فأنت معى. لقد خلقتنا للحياة، ولكننا بخطيتنا اخترنا لنا الموت، فإذا بك أنت البسيط الذى كل شئ طاهر قدامك، تقدس الموت وتجعله لنا بابا للحياة!! بل هو الباب الوحيد للحياة. ((من وجد نفسه يضيعها، ومن أضاع نفسه من أجلى يجدها)). ((انكر ذاتك واحمل صليبك واتبعني)).

فى السنة الأولى من حياتى الرهبانية قرأت لقديسيك أن الرهبنة هي انحلال من الكل للارتباط بالواحد. فعلى قدر استطاعتى حبست نفسي عن العالم والناس. ولكن هذا لم يوصلني الى الارتباط بك. لأنني لم أدخل الى الوحدة من أجلك، وإنما من أجل نفسى. أما لترضى هى عن ذاتها، او ليرضى الناس عنها.

لكننى فى السنة الثانية عرفت معنى الانحلال من الكل بتفسير آخر، وهو الانحلال من نفسى. لاننى أجعلها بالنسبة الى الكل فى الكل.

وفى السنة الثالثة أى معنى سأعرفه لهذه العبارة؟ لست أدرى. ليتنى أكون قد نسيتها، ونسيت التفكير فى معناها، من فرط الانشغال بك.

كنت أقول عن اجتماعى بالاخوة، أننا باجتماعنا معا على الأرض هنا نعطل أنفسنا عن الانشغال بالله، وربما نتسبب بذلك فى عدم اجتماعنا كلنا هناك معه فى الأبد. وأريد الآن أن أقول أن اجتماعى بنفسى هو الذي يعطلنى بالأكثر.

اننى اشعر اننى محتاج، بين الحين والحين، كلما أخلو إلى نفسي، أن أقول لها: ((أتركيني الآن، فهذا خير لنا)) اتركينى أخلو بالله، وبهذا أستطيع أن أتمتع بوعده من أن تثبتى فيه)). فأجلس – لا مع ذاتى وانما مع الله الحال فى ذاتى.

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 17
.

ربنا موجود

أنت يارب موجود، يحس الضعفاء وجودك فيتعزون، وان تذكر الأقوياء وجودك يرتعشون. لذلك فعبارة ((ربنا موجود)) تبهج وترعب، تعزى وتكدر.

ولكن على الرغم من وجودك، فإن كثيرين لا يحسونه، وهكذا صاح سليمان الحكيم قائلا: ((ثم رجعت ورأيت كل المظالم التى تجرى تحت الشمس. فهوذا دموع المظلومين ولا معز لهم...)) (جا 4: 1) فلماذا يارب تنظر وتصمت؟!

أرنا يارب رحمتك. اثبت وجودك. لماذا يعيروننا قائلين: ((أين الرب الهكم؟)) لماذا تنتظر حتى الهزيع الأخير من الليل، والتلاميذ مضطربون فى السفينة، والأمواج شديدة؟! نعم، لماذا تنتظر، بينما يقول الكتاب أنك تأتى ولا تبطئ؟!

أسرع يارب أسرع. لقد شكا داود من هذا الابطاء، فقال: ((اللهم التفت الى معونتى، يارب أسرع وأعنى. أنت معينى ومخلصي يارب فلا تبطئ)) (مز69) نحن نعلم أن رحمتك ستأتى، وأنه ليس لنا أن نعرف الأزمنة والأوقات التى جعلتها في سلطانك وحدك. لذلك سننتظر كل الوقت، كما قال المرتل ((انتظرت نفسي الرب من محرس الصبح حتى الليل))...

ها نحن يارب ننتظر، مؤمنين أنك موجود، وأنك لابد ستعمل. وستعمل بقوة. وبحكمة. وفى الوقت المناسب الذي تحدده رأفاتك غير المحدودة.. ما أجمل قول ربنا يسوع: ((أبى يعمل حتى الآن، وأنا أيضاً أعمل))... فأعمل يارب إذن، اعمل من أجل محبتك للعدل وللصلاح. واعمل من أجل أن يطمئن الناس، فيسلموا حياتهم فى يديك، ويتأملوا عملك وهم صامتون، أو يتأملون عملك وهم ينشدون تلك الأغنية الجميلة ((الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون)).

بل هم يتأملون عملك، فيتغنون وهم مطمئنون ((ربنا موجود)) نعم حقاً: ((ربنا موجود)). [27]...

انطلاق الروح - البابا شنوده الثالث 18
.



قصائد - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

انطلاق الروح - إنطلاق الروح - البابا شنودة الثالث

فهرس المحتويات
فهرس المحتويات

جدول المحتويات