الأصحاح الأول – تفسير الرسالة إلى غلاطية – القمص تادرس يعقوب ملطي

مقدمة في رسالة غلاطية

القلب الناري.

تكشف الرسالة إلى أهل غلاطية عن قلب الرسول بولس الناري، حيث يُعلن أن اللَّه قد أفرزه من بطن أُمه لهذا العمل الفائق. لا هدف له إلا الدخول بكل نفس إلى إنجيل المسيح والتمتّع بقوة الصليب واهب الحرية الداخلية، من كل ضعف ومن كل خطية، بل ومن كل حرفية للناموس.

ينطلق الرسول بولس كما بأولاد اللَّه إلى الجلجثة، ليدركوا مفهوم الحرية الحقة القائمة على حب وبذل للأنا، فيعيش المؤمن بروح مُخلصه، يسوع المسيح، الذي بكمال حريته قدم حياته مبذولة لأجل الغير.

الحرية المسيحية ليست مجالاً للتهاون ولا للإباحية، إنما هي حرية الشخص الناضج المقدس الذي يدرك مسئوليته، فيعيش ملتزمًا تجاه إلهه، وتجاه نفسه وتجاه البشرية، حاملاً طاقات حب وتقديس لا يقدر العالم أن يحطمها.

2 أبريل 1990م.

القمص تادرس يعقوب ملطي.

المسيح محررنا.

رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية تُصور مخلصنا كمحررٍ لنا، فقد حررنا (5: 1)، ووهبنا مفهومًا جديدًا للحرية.

اقتبس منها القديسون أغناطيوس الأنطاكي وبوليكريس ويوستين. كما نسبها القديس إيريناؤس صراحة إلى القديس بولس؛ ووردت في القانون المورتاني Muratorian Canon وفي كل القوائم الخاصة بالأسفار المقدسة التي أصدرتها المجامع الأولى. هذا وتقدم لنا الرسالة شهادة داخلية بذلك، حيث يُعلن كل سطر من سطورها قلم القديس بولس وشخصيته الفريدة[1].

تاريخ الرسالة وظروفها.

لم يتفق الدارسون على هوية محددة للغلاطيين الذين كتب إليهم القديس بولس هذه الرسالة. فإذا تطلعنا إلى خريطة العصور القديمة لا تسعفنا، بسبب تغيرها المستمر[2].

الغلاطيون هم من سلالة السلتية Celts الذين استقروا في وسط آسيا الصغرى خلال القرن الثالث ق. م.

1. نظرية غلاطية الشمالية.

بحسب هذه النظرية هذه الرسالة موجهة إلى سلالة الغلاطيين، أو إلى الكنائس التابعة لمملكة غلاطية القديمة القائمة في شمال وسط آسيا الصغرى (بسينوس Passinus، أنقرةAnycra، تافيوم Tavium). اضطر القديس بولس في رحلته التبشيرية الثانية أن يبقى في غلاطية بسبب مرضه (أع 15: 6؛ غل 4: 13). كخادم للرب لا يعرف التعب، ولم يستطع المرض أن يلزمه بالصمت، بل صار يكرز بالإنجيل؛ وقد نجح في تأسيس الكنائس المسيحية هناك (1: 6). بحسب هذه النظرية كُتبت هذه الرسالة ما بين سنتي 53 و57م، من أفسس أو من مكدونية[3].

2. نظرية غلاطية الجنوبية.

بعد موت أينتاسAyntas ملك غلاطية القديمة عام 25 ق. م، ضمت روما الأقاليم الجنوبية إلى الأقاليم في مقاطعة واحدة، دُعيت غلاطية. حسب هذه النظرية يرى بعض الدارسين أن الرسالة موجهة إلى الجماعات التي أسسها القدّيس بولس في رحلته التبشيرية الأولى في منطقة آسيا الصغرى الممتدة من شاطئ البحر داخليًا لتشمل لِستِرة ودِربة (أع 13: 27). هذه النظرية تضع الرسالة بين كتابات الرسول المبكرة، ربما عام 48م، أو حتى قبل ذلك، لكن غالبًا ما جاءت بعد مجمع أورشليم المذكور في أع 15، عام 49 أو 50م[4].

لاحق المعلمون الكذبة المدعوون “المتهودين” القديس بولس في غلاطية، وقاوموا تعاليمه الخاصة بتجاهل الأمم الداخلة الإيمان للطقس الحرفي الخاص بالشريعة، كما قاموا بالتشكيك في سلطانه الرسولي (1: 1 - 12). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعض اليهود الذين آمنوا إذ غلبهم الميل إلى التهود، وفي نفس الوقت سكروا بحب المجد الباطل، أرادوا أن يقيموا أنفسهم في كرامة المعلمين، لهذا جاءوا إلى الغلاطيين وعلموهم بأن الختان وحفظ السبوت والاهتمام ببدء الشهور أمور جوهرية، وأنه لا يجوز طاعة بولس الذي ألغى هذه الأمور. كما قالوا بأن بطرس ويعقوب ويوحنا، قادة الرسل ورفقاء المسيح لم يمنعوا هذه الأمور... بولس يقف بمفرده، بينما هم الكثيرون أعمدة الكنيسة. لقد اتهموه أنه يلعب دورًا (له خطورته)، قائلين أن ذاك الرجل عينه الذي يمنع الختان، ويلتزم به في بلاد أخرى، فيكرز لكم بطريق ولآخرين بآخر[5]].

كانت حجتهم الرئيسية هي أن شريعة موسى المتفق عليها عمل إلهي وأن المسيح قال إنه جاء “لا لينقض بل ليكمل الناموس” (مت 5: 17). لقد أكدوا أن الخلاص مستحيل بدونه، أما بالنسبة للأمم فلن يدركوا الخلاص ما لم يتهودوا أولاً. بمعنى آخر، أثقلوا على المؤمنين بنير التهود بجانب بساطة إنجيل المسيح[6]. لقد ألقوا بضوء على دور بولس الرسولي، فحسبوه أقل خبرة وعلم من الإثنى عشر (1: 11 - 24). بهذا نجح المعلمون الكذبة في إثارة القلق والتشويش في ضمائر الغلاطيين، الذين كانوا يميلون شيئًا فشيئًا نحو إتباع تعاليمهم كطريق أكثر ضمانًا للخلاص؛ بهذا تصير المسيحية - بالنسبة لهم – مجرد طائفة من التهود[7].

يحسب مانك Munck أن مسببي هذه البلبلة لم يكونوا من أصل يهودي بل أممي، وأن قبولهم الإيمان بحماس دفعهم إلى الاعتقاد بأن التهود مرحلة لازمة لقبول الإنجيل. بينما كثير من مفسري الكتاب المقدس يرون أنه من الصعب تحديد هوية هؤلاء المعلمين الكذبة, بالإجمال غالبًا ما يرتبط هؤلاء بحركة التهود المذكورة في سفر الأعمال أصحاح 15[8].

سمات الرسالة.

1. تحمل هذه الرسالة قلب الرسول الملتهب، كتبها بغيرة في قوة مع عمق المشاعر. ألقى الرسول بنفسه بلا تحفظ لإعلان الإنجيل، فجاءت تحمل قوة فريدة بين كتاباته. أهميتها الرئيسية لاهوتية، فيها نلتقي بالكثير من الموضوعات التي لها وزنـها في تعاليم القديس بولس، مثل التبرير بالإيمان العامل بالمحبة، الحياة الجديدة في المسيح، التزامات الحب، مفهوم الصليب، ناموس المسيح، عمل الناموس الموسوي، السلوك بالروح[9].

2. يظهر القديس بولس في هذه الرسالة حازمًا، لأن الأمر كان خطيرًا، إذ بدأ كثيرون يتحولون عن بساطة الإنجيل إلى التهود كعمل ضروري للخلاص.

المقدمة غنية بروح عالية ملتهبة؛ ويمكننا القول بأنه ليس فقط المقدمة، وإنما الرسالة كلها (ملتهبة). لأنه عندما يكون الإنسان لطيفًا مع تلاميذه حتى عندما يحتاجون إلى العنف، فإنه لا يقوم بدور معلم وإنما بدور مفسد وعدو...

اختلف حديث بولس مع تلاميذه حسب احتياجاتهم، فيستخدم أحيانٍا العصا وأخرى العلاج اللطيف. يقول لأهل كورنثوس: “ماذا تريدون؛ أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟ ” (1 كو 4: 21)، بينما يقول للغلاطيين: “أيها الغلاطيون الأغبياء” (غل 3) [10]].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. تكشف هذه الرسالة عن التنظيمات الكنسية وهيكلها (تكوينها) أيام القديس بولس. يُدعى صفا (القديس بطرس) والقديس يعقوب أخو الرب والقديس يوحنا “رسل أورشليم” (1: 18 - 19؛ 9: 2). كما نقرأ هنا عن أمورٍ لاهوتية عملية وتنظيمات لحقول الخدمة على أساس خاص بالجنس (من أصل يهودي أو أممي)، والجدال الذي قام بين رسولين (2: 11 - 14) [11].

4. تمدنا هذه الرسالة بمعلومات قيمة عن حياة القديس بولس الرسول الخاصة وخدمته. مع هذا لم يهدف القديس بولس إلى تقديم معلومات خاصة بحياته، إنما ذكرها عرضًا خلال سياق مجادلاته[12].

يقسم الدارسون الرسالة إلى: عرض شخصي، أحاديث لاهوتية، تطبيقات عملية، وإن كان الهدف واحدًا، وهو تحقيق الحرية العملية في السيد المسيح، بكونها المفهوم الحق للإنجيل المعاش.

5. مفهوم الحرية: تقدم لنا الرسالة ربنا بكونه المحرر، كما أوضحت الحرية المسيحية. يقدم ربنا نفسه كمحرر، قائلاً: “إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا “ (يو 8: 36).

من التهوّر أن نقول إن الحرية هي تحرر من القانون (الشريعة). بهذا تصير ثورة ضد اللَّه ونظامه، وتتحول حضارتنا إلى نوعٍ من البربرية. الحرية هي تحرر في الناموس؛ على سبيل المثال عندما ندخل حديقة عامة أول ما نشاهده لائحات كُتب عليها: "لا تمشى على الحشائش»، « ممنوع اصطحاب الكلاب"، "لا تقطف ورودًا". مثل هذه القوانين تحافظ على الحديقة المفتوحة للكل. هكذا يليق بالمسيحي أن يترك الناموس لا ليصير حرًا يسلك بذاته حسب هواه، إنما ليسلك بالروح القدس بكونه قائد حياتنا (5: 25).

يقول V. P. Furnish: [يبدو أن مشكلة بولس في نظر قلة من المفسرين أنه كان يصارع مع فريقين مختلفين: فريق ناموسي من جهة وفريق متحرر (متسيب) من الجانب الآخر. فكان ملتزمًا بالصراع مع جبهتين متضادتين في وقت واحد. هذا المأزق يوضح لنا مدى ارتباكه (40: 2)، وتنقله الواضح ما بين التشديد من جهة خطورة الناموسيين (ص 1 - 4) وخطورة المتحرّرين (ص 5 - 6) [13]].

6. ضمت هذه الرسالة الحديث عن كثير من الأمور المتقابلة أو المضادة لبعضها:

أ. النعمة والناموس (2: 21): لا يمكننا القول بأن "النعمة ضد الناموس"، لأن كلمة "ناموس" هنا تُستخدم بمعنى حفظ الطقوس الناموسية14، أي ممارسة الطقوس الواردة في الشريعة بطريقة حرفية تفسد الإيمان الذي نناله بالنعمة. يكشف لنا الناموس عن حاجتنا إلى النعمة، التي تعني حنو اللَّه لنا الذي لا نستحقه، والذي يشبع احتياجاتنا.

ب. الإيمان وأعمال الناموس (15: 2 - 20): بالإيمان نقبل النعمة الإلهية، أما حفظ أعمال الناموس فيكشف عن ضعفنا. يؤكد القديس بولس أن الإيمان الحقيقي لا يمكن عزله عن الأعمال الصالحة، أي عن الأعمال الروحية التي هي عمل الروح القدس في حياة المؤمنين. حقًا إن هذه الرسالة تركز على عمل الروح القدس في حياة المؤمنين كمصدر تقديسنا، لكنه "الإيمان العامل بالمحبة" (6: 5). عمليًا لا نقدر أن نفصل بين الإيمان الحقيقي والأعمال الصالحة. فاللص الذي شهد للسيد المسيح أثناء الصلب، شهادته هي إيمان حق، لكنها هي عمل صالح، لأنه صنع أفضل بكثير مما فعله التلاميذ. الشهادة في مثل هذه الظروف هي عمل إيماني صالح.

ج. ثمر الروح وأعمال الجسد (5: 19 - 6: 6): يعطينا الروح غلبة يومية على الخطية بينما يستعبدنا الجسد لها.

د. الصليب والعالم (6: 14): الصليب يعني بذل "الأنا"، بينما محبة العالم تعني "الأنانية". بالصليب نقتني المجد الداخلي الذي يقابله المجد الباطل أو مجد هذا العالم الزائل.

ه. مقابلات أخرى، مثل: "في الخطية" و "الخلاص من الخطية" (4: 1) "إنجيل آخر، وإنجيل المسيح" (1: 6 - 9)؛ إرضاء الناس وإرضاء اللَّه (10: 1)؛ الاتكال على الفكر البشري وإعلان يسوع المسيح (1: 11؛ 2: 14)، الدينونة والتبرير (6: 3 - 16)، فقدان في آدم، وخلاص في المسيح (3: 19 - 22)، خدام مستعبدون وأبناء ورثة (4: 1 - 7)، عهد قديم وعهد جديد (4: 10 - 31)، نمو في النعمة وسقوط من النعمة (5: 6)، السلوك بالروح وتكميل شهوة الجسد (5: 17، 18) الخ.

7. الحياة المسيحية - كما جاءت في هذه الرسالة - لا تعرف التطرف:

* نفهم الحرية كتحرر من عبودية الطقس الحرفي لأعمال الناموس، لكنها ليست خروجًا عن ناموس المسيح.

* الحياة المسيحية حياة شخصية، تلاقٍ قوي وخفي مع اللَّه؛ إذ يختار اللَّه المؤمن ويدعوه؛ دون تجاهل لحياته الكنسية أو حياته وسط الجماعة.

* المؤمنون جميعًا واحد في المسيح، لكنه يوجد من هم أعمدة في الكنيسة.

8. في هذه الرسالة نرى ربنا يسوع المسيح محررنا، جاء ليهبنا حرية وقوة. لقد دُعي "حامل خطايانا" (4: 1) ومخلصنا (3: 13؛ 4: 5) ولعنة لأجلنا (3: 13) ونسل (المرأة) (3: 19؛ 4: 4) ومقد سنا (2: 16؛ 3: 24).

9. إذ تركز هذه الرسالة على نعمة اللَّه التي تحررنا من نير ناموس موسى، تكشف عن عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمنين كواهب للحرية الداخلية:

يُدعى الآب "أبانا الذي له المجد إلى أبد الآبدين" (1: 4)، يحبنا كأبناء له، نتمجد معه أبديًا. هذه هي حريتنا، أن نتشبه به، فيصير لنا القلب المتسع الذي يحب إخوتنا في البشرية لكي يشاركونا مجدنا السماوي. بمعنى أن الآب يهب الحب الروحي الجامع نحو كل بشر.

الابن هو محررنا الذي دفع دمه الثمين ليهبنا الحرية من:

- الخطية (1: 4).

- هذا العالم الحاضر الشرير (1: 4).

- عبودية إرضاء الناس (1: 10).

- لعنة الناموس (3: 13).

- عبودية أعمال الناموس (4: 19).

- تحت الوصاية (4: 1 - 6).

يهبنا الابن الشركة في صلبه، أي بذل "الأنا"، بكونه الحرية الحقة. صار هو عبدًا من أجلنا، ونحن بإرادتنا الحرة نود أن نكون عبيدًا لأبناء اللَّه في المسيح يسوع.

الروح القدس هو روح التبني وليس روح العبودية؛ يعمل فينا ليحضرنا للآب في المسيح كأبناء له أحرار. لهذا كثيرًا ما يُشير الرسول إلى الروح القدس بكونه[14].

- الموعود به (3: 14).

- المرسل (4: 6).

- الخادم (العامل فينا) (3: 5).

- يُنال بالإيمان (3: 2).

- الساكن في قلوبنا (4: 6).

- الذي يبدأ بالعمل (3: 3).

- القائد (5: 18).

- الغالب شهوة الجسد (5: 16 - 18).

- واهب الثمر (5: 22 - 24).

- معطى الرجاء (5: 5).

- مقدم الثقة (في الوعود) (6: 8).

يسمي بعض الدارسين هذه الرسالة "كتاب لوثر"، لأنه كثيرًا ما اعتمد عليها في كتاباته ومجادلاته ضد المفهوم اللاهوتي المنتشر في أيامه، وقد اعتاد هو أن يلقبها "كتابي".

أقسام الرسالة.

1. المقدمة (1: 1 - 10).

أ. التحية (1 - 5).

ب. ظروف كتابتها (6 - 10).

2. توضيح شخصي: دفاعه عن سلطانه الرسولي (1: 11 - 2: 14).

أ. يكرز بالإنجيل الحق (1: 6 - 11).

ب. مدعو من اللَّه (1: 12 - 17).

ج. شركته مع غيره من الرسل في ذات الإنجيل (1: 18 - 2: 10).

د. انتهاره للقديس بطرس (2: 11 - 21).

3. عرض لاهوتي: التبرير بالإيمان (ص4,3):

أ. خبرة الغلاطيين للإنجيل (3: 1 - 5).

ب. خبرة إبراهيم (3: 6 - 9).

ج. لعنة الناموس (3: 10 - 14).

د. عدم بطلان الوعد (3: 15 - 18).

ه. غاية الناموس (3: 19 - 25).

و. أبناء لا عبيد (3: 26 - 4: 11).

ز. مناشدتهم أن يتحرروا من الناموس (4: 12 - 20).

ح. رمزية قصة هاجر وسارة (4: 21 - 31).

4. التطبيق العملي: الحرية المسيحية (ص5، 6):

أ. الخطورة عليها من الناموسية (5: 1 - 12).

ب. تعريفها (5: 13 - 15).

ج. حسن استخدامها (5: 16 - 26).

د. إعلانها عمليًا (6: 1 - 10).

ه. ارتباطها بالصليب (6: 11 - 16).

و. ثمنها (6: 17).

ز. بركتها (6: 18).

الأصحاح الأول

إنجيل واحد.

يبدأ القديس بولس رسالته بمقدمة تضم تحية تحمل الفكر اللاهوتي للرسالة في مجملها، يلحقها بالكشف عن سبب الكتابة، حاثًا إياهم على الرجوع إلى إنجيل المسيح الواحد بعيدًا عن فكر المتهودين، مؤكدًا صدق رسوليته.

1. التحية 1 - 5.

2. ظروف الكتابة 6 - 10.

3. دفاعه عن رسوليّته 11 - 23.

1. التحية

يقول Lighfoot G. A.: [ارتبط الخطان الممتدان خلال هذه الرسالة - دفاع الكاتب عن رسوليته وتأكيده عقيدة النعمة - معًا في التحية الافتتاحية.].

1. "بولس رسول، لا من الناس، ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح واللَّه الآب" [1.] يوضح القديس بولس كمال سلطانه الرسولي من الكلمة الأولى للرسالة، إذ لم يُرسل بناء على دعوة بشرية، ولا تلقى تعليماته بطريقٍ بشريٍ،، بل اختاره اللَّه مباشرة بطريقة إلهية كسائر الإثنى عشر.

لقد عمده حنانيا، لكنه ليس هو الذي خلصه من الطريق الخاطئ ولا هو الذي حثه على الإيمان، بل المسيح نفسه بعث إليه صوته العجيب من الأعالي وطوقه في شبكته...

يُعلن لوقا بكلماته: "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 2). واضح - في هذه العبارة - أن سلطان الابن والروح واحد، فعندما يقول إنه مرسل من الروح إنما يقول إنه مرسل من المسيح[15].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. إذ تركز الرسالة على الحرية العملية في المسيح، يشير هنا إلى الآتي:

أ. أنه مُعّين بربنا يسوع المسيح [1]، لهذا لا يُخضع نفسه لعبودية إرضاء الناس.

ب. يُشير إلى يسوع القائم من الأموات [1]، إذ يهبنا بقيامته التحرر من الموت. الآب الذي أقام السيد المسيح المصلوب من أجل خطايانا يقيمنا نحن من خطايانا (مصدر الموت الأبدي). خلال الحياة المقامة في المسيح ننعم بطهارة الجسد، ونتحرر من عبودية شهوات الجسد.

قامت رسوليته على دعوة من المسيح المُقام؛ فإن كان لم يُختر من بين التلاميذ (أثناء وجود السيد المسيح على الأرض)، لكن الرب نفسه اختاره بعد قيامته كشاهدٍ حقيقيٍ للقيامة.

ج. يُشير الرسول إلى العالم الحاضر الشرير [4]، لأن فادينا يحررنا من عبودية ما نظنه ذا قيمة في هذا العالم. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول لا يقصد بقوله "الحاضر" الزمن، إنما يعني الأعمال والظروف المحيطة. [إنه يظهر لنا بأن المسيح يخلصنا ويهبنا طمأنينة من جهة المستقبل... لم يحقق الناموس شيئًًا من هذين الأمرين، إنما النعمة هي التي كان لنا فيها الكفاية لإشباع احتياجاتنا[16].].

د. يُشير إلى اللَّه بكونه أبانا [4]، الذي له المجد إلى أبد الآبدين [5.] فإننا ندرك الحرية خلال بنوتنا له، فنجد موضعًا لنا في أحشائه المجيدة، لنعيش فيها أبديًا.

هكذا في كل حنايا الرسالة، حتى في المقدمة، ينشر (الرسول) صلاح اللَّه لندرك كلماته هكذا: يا من كنتم قبلاً عبيدًا وأعداء وأجنبيين، من أعطاكم أن تكتسبوا حق دعوة اللَّه أبًا لكم فجأة؟ لم يهبكم الناموس هذه العلاقة، فلماذا تهجرون (المسيح) الذي جاء بكم إلى القربى للَّه وتعودون إلى معلمكم (الناموس)؟

لم يقل فقط "الآب" بل قال "أبوكم"، حتى يؤثر عليهم، مُظهرًا أن المسيح جعل أباه أبانا[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ه. الحرية المسيحية حب، لذا نراه يتحدث بلغة الجماعة، علامة حبه للجميع، فيرسل إليهم لا تحيته وحده بل تحية الإخوة الذين معه، ربما يقصد الشعب كله حيث كان يكتب، أو مجموعة الرفقاء الذين كان يرتحل معهم. جاءت تحيته هنا فريدة من جهة ذكره هذا التعبير، ربما لكي يُعلن أن ما يكتبه هنا لا ينبع عن فكرٍ شخصيٍ خاص، إنما هو عقيدة الكنيسة (الجماعة المقدسة). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:] أراد أن ينزع عنهم تشككهم (إنه كان بمفرده في كرازته)، ولكي يظهر أن كثيرين يعضدونه في عقيدته بمعنى أن ما يكتبه إنما كان بموافقتهم[18].].

و. الحرية هي نتاج النعمة الإلهية، إعلان الحب الإلهي نحو المؤمنين ليهبهم سلامًا داخليًا، كحالة تمس العقل، ثمرة لهذا الحب. لهذا نراه يُشير إلى النعمة وبعد ذلك السلام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان (الغلاطيون) في خطر السقوط من النعمة، لهذا يصلي بولس من أجل استرجاعها ثانية، وإذ صاروا في حالة حرب مع اللَّه يتضرع إلى اللَّه بأن يرد إليهم ذات السلام (الذي فقدوه).].

ز. صرنا أحرارًا بالصليب [4]؛ إذ هو الجسر الواحد الوحيد الذي يؤدي إلى المصالحة بين اللَّه والإنسان. فقد أخلى ذاته عن مجد العرش ليحرر نفوسنا الملوثة بالخطية ويهبنا برّه، مقدمًا الثمن عن البشرية. ليس أحد بارًا أمام اللَّه، إنما البرّ هي عطية إلهية كلفت الآب ابنه مبذولاً.

يقول الرسول "لأجل خطايانا" [1]؛ فقد طعنا أنفسنا بربوات الشرور، واستحققنا أشد العقوبات؛ ولم ينقذنا الناموس بل أداننا، جاعلاً الخطية أكثر وضوحًا، دون أن تكون لديه إمكانية خلاصنا منها أو منع غضب اللَّه عنا. لكن ابن اللَّه جعل المستحيل ممكنًا، لأنه غفر خطايانا، وردنا من حالة العداوة إلى الصداقة، مانحًا إيانا بركات مجانية بلا حصر[19].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

ح. «آمين»: لقد ختم تحيته بذكصولوجية (تسبحة شكر للَّه) تتجلى فيها طبيعة ملكوت اللَّه الأبدية بالمقابلة مع العالم الحاضر الشرير.

لن نجد في مقدمة أية رسالة كلمة "آمين"، إنما استخدم هذه الكلمة في بداية الرسالة ليظهر أن ما قاله قبلاً فيه الكفاية ضد اتهامات الغلاطيين، وأن مجادلاته قد كملت. فإن الخطأ الواضح لا يحتاج إلى تجريم مفصل. تحدث (في المقدمة) عن الصليب والقيامة والخلاص من الخطية، وتأمين المستقبل، وغاية الآب، وإرادة الابن، والنعمة والسلام وكل عطاياه الكاملة، خاتمًا كلامه بالتسبيح[20].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

هكذا، يُعلن الرسول في تحيته الرسولية بطريقة غير مباشرة عن حريتنا المسيحية من عبودية إرضاء الناس، ومن الموت والخطية والشهوات الجسدية والعالم الحاضر الشرير ومن الشيطان.

"إلى كنائس غلاطية" [2.].

هكذا يتضح أن لهيب الخطأ قد امتد ليشمل كل شعب غلاطية وليس فقط إلى مدينة أو مدينتين.

لاحظ أيضًا ما حملته العبارة من إهانة خطيرة ضدهم... إذ لم يقل "إلى المحبوبين" ولا "إلى القديسين"، حاذفًا كل لقبٍ يمكن أن يحمل مشاعر حب أو احترام لهم، مخاطبًا إياهم كجماعة مجردة دون ذكر "كنائس اللَّه"، معبرًا بهذا عن عمق حزنه وأسفه عليهم[21].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. ظروف الرسالة [6 - 11]

1. يتعجب الرسول أن الذين قبلوا الإيمان على يديه في غلاطية يتحولون هكذا سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح كما إلى إنجيل آخر، وهو ليس آخر، إنما يضيفون إليه حفظ طقوس الناموس الحرفية كمصدر خلاصهم. أما هو فقد كرز فقط بالإنجيل (الأخبار السارة) لأهل الختان كما لأهل الغرلة.

كلمة "(إنجيل) آخر" يعني بها السلوك الذي تأمر به (الشريعة)، لا من جهة العبادة، وإنما من جهة النظام نفسه (حرفية ممارسة الطقس كختان الجسد وحفظ السبت بطريقة ناموسية الخ.)؛... عمل المسيح هو دعوة الناس من الناموس إلى النعمة[22].

العلامة ترتليان.

لقد نادوا في الواقع بوصية أو وصيتين - الختان وحفظ الأيام - لكنه بقوله أن الإنجيل قد تحول يعني أن الانحراف البسيط يفسد الكل... الافتقار إلى الحماس في الأمور الصغيرة يسبب كل الكوارث التي تحل بنا، فإننا إذ نهمل تصحيح أخطائنا الهينة كما يليق نعطي الفرصة للأخطاء الجسيمة أن تتسلل داخلنا. كما يحدث بالنسبة للجسد فإن إهمال الجراحات يسبب حمى ثم موتًا، هكذا في النفس تفتح الشرور الهينة الباب للخطيرة... بهذا تدرك لماذا يدعو بولس الختان تحولاً عن الإنجيل[23].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. ما يثير الدهشة في افتتاحية الرسالة خلوها من تقديم "الشكر" للَّه، الأمر الذي اعتاده الرسول في رسائله الأخرى حيث يقدم شكرًا من أجل إيمان قارئيه أو حبهم. ربما تعمد ذلك ليكشف عن قلقه وغضبه، ليس فقط من جهة المعلمين الكذبة ولكن من أجل قارئيه أيضًا.

3. بالمقابلة مع ما ورد في الرسالة إلى أهل فيلبي (9: 20 - 23)، يفرح الرسول لأن مقاوميه يكرزون بالإنجيل، أما هنا فلا يظهر أي استعداد للتساهل معهم. المقاومون في فيلبي بشروا بالإنجيل الحق بالرغم من عدم إخلاصهم، أما هنا فالمقاومون لا يكرزون بالإنجيل الحق، ويلزم ألا يلتفت إليهم بغض النظر عن إخلاصهم أو عدمه، ومهما كان موقفهم الشخصي منه.

4. "ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن أناثيما". [8 - 9].

تأمل حكمة الرسول، كيف يضم نفسه في الأناثيما حتى يتحاشى الاعتراض بأنه متعال بالمجد الباطل في مدحه لتعليمه الخاص. هنا أيضًا يذكر الملائكة، لأن (المعلمين الكذبة) التجأوا إلى السلطة، أي إلى سلطان يعقوب ويوحنا... وقد أضاف "من السماء" عمدًا، لأن الكهنة أيضًا يدعون "ملائكة" [24].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يذكر نفسه أولاً (في الأناثيما)، معبرًا عن نفسه هو كمثال. فإن كان بالنسبة له هو لا يقدر أن يكرز بإنجيل آخر، فإنه ولا حتى ملاك يقدر أن يفعل ذلك[25].

العلامة ترتليان.

لا توجد أية شركة بين كلمات القديسين واختراعات البشر المبتكرة من خيالتهم، لأن القديسين خدام الحق، يكرزون بملكوت السموات، أما السالكون في الاتجاه المضاد فليس لديهم أفضل من الأكل حاسبين أن نهايتهم فناء.

القديس أثناسيوس السكندري.

5. "أفأستعطف الآن الناس أم اللَّه؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح" [10.].

يدرك القديس بولس أن ربنا يسوع المسيح هو محررنا من عبودية طلب مديح الناس والمجد الباطل. بمثل هذه الحرية يتحدث إليهم أنه يرضى محرره ومخلصه وليس أي مخلوق.

يقول القديس بولس: لنفترض أنني أخدعكم بهذه التعاليم، فهل أستطيع أن أغش اللَّه العارف أفكاري التي لا ينطق بها، فإنني أرضي من أسعى إليه بلا توقف؟ أنظر الروح الرسولية، السمو الإنجيلي!... فإنه إذ كان مضطرًا أن يبرر نفسه أمام تلاميذه بكونه معلمهم، فهو يخضع لهم (طالبًا حكمهم عليه)...

واضح أنني أكتب إليكم لا من منطلق حب السلطة أو لكي أقتنى لي تلاميذ، أو حتى لأجد كرامة لديكم، إنما أسعى لأرضي اللَّه لا إنسانًا، وإلا كنت قد بقيت في توافق مع اليهود اضطهد الكنيسة. إنني قد هجرت وطني ورفقائي وأصدقائي وأنسبائي وكل صيتي، وعِوض هذا كله قبلت اضطهادات وعداوة ونضالاً ضدي وتهديدات يومية بالموت؛ هذه جميعها برهان واضح أنني لا أتكلم حبًا في مديح الناس.

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يقول الرسول: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"، بينما يقول في موضع آخر: "كما أنا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33)... يقول إنه لا يرضي الناس، لأنه اعتاد أن يسلك بالحق، لا ليرضي الناس وإنما لكي يرضي اللَّه، وذلك بحبه لأولئك الذين يشتهي تغيير قلوبهم، عاملاً ما يرضيهم. لهذا فهو على صواب عندما يقول ما يقول إنه لم يرضِ الناس لأنه بهذا هدف إلى إرضاء اللَّه، وهو أيضًا على حق عندما علّم بسلطان أنه يجب إرضاء الناس، لا لكي نظن أن في هذا مكافأة على أعمالنا الصالحة وإنما لأن من لا يبذل نفسه ويتشبه بمن يشتهي خلاصهم لا يقدر أن يرضي اللّه[26].

القديس أغسطينوس.

لقد كفَ عن إرضاء الناس عندما صار خادم المسيح، جندي المسيح يسير في صيت رديء وصيت حسن (2 كو 6: 8)،... لا ينتفخ بالمديح، ولا يحطمه التوبيخ. لا يتعالى بالغنى، ولا يتقوقع على نفسه بسبب الفقر. يحتقر الفرح والحزن على السواء.

الفضيلة الأولى للراهب هي الازدراء بحكم الناس عليه[27].

القديس جيروم.

لقد زُفت (نفسك) للمسيح فلا تستهن به؛ لقد صيّرك الروح كاملاً، فلا تساوي نفسك به.

يقول بولس: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"... إنني أكرّم بطرس، لكنني لا أُدعى بطرسيًا، وأمدح بولس لكنني لا أُدعى قط بولسيًا. لا أسمح لنفسي أن أُلقب منتسبًا لإنسان مولود من اللَّه (بالتبني).

إن كنت تُدعى مسيحيًا، لأنك تؤمن بالمسيح أنه اللًّه، فليبق لقبك إلى الأبد، ولتتمسك بالإثنين: اللقب والإيمان، أما إن كان ارتباطك باسم المسيح ينبع عن مشاعر مجردة، فإنك تُنسب إليه كما إلى أسماء أخرى اكتسبتها عن ممارسة أو وقائع[28].

القديس غريغوريوس النزينزي.

3. دفاعه عن رسوليته (11: 1، 2: 14)

قال المتهودون إن بولس لم يكن رسولاً حقيقيًا، فهو لم يرَ المسيح ولا رافقه؛ إنما الإثنا عشر وحدهم هم بالحقيقة تلاميذ، وهم لم يشيروا إلى إلغاء الناموس بالمسيح. لم يرسل المسيح بولس للتبشير، إنه مجرد ممثل للرسل الأصليين الذين تعلم منهم واعتمد عليهم[29]. وقد جاء دفاع بولس عن رسوليته نابعًا لا عن شعوره بجرح كبريائه، وإنما من أجل قارئيه الذين يتوقف قبولهم لتعاليمه على ثقتهم في موقفه الرسولي.

1. تعليمه مخوّل له من الله نفسه [10 - 24.] الله وحده هو الذي استطاع أن يحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارزٍ في وقت قصير. لقد قبل إنجيله من الرب مباشرة، الذي تنازل وأعلن له كل معرفة دون وساطة بشرية. لقد أخذ الرسول موقفًا حازمًا، وهو أن كل من تجاسر بالكرازة بإنجيل آخر غير الذي بشر به هو في زيارته الأولى التأسيسية لهذه الكنائس فليكن محرومًا، إذ هم بالحق مدانون من قبل الله. ما بشر به هو الأخبار السارة، لا توجد غيرها أخبار سارة!

إن سُئِلَ بولس أن يثبت بأن اللَّه نفسه هو الذي أعلن له أسراره غير المنطوق بها مباشرة، وهو يقدم حياته الماضية مثالاً مبرهنًا أنه لو لم يكن تحوّله بإعلان إلهي لما حدث ذلك بطريقة مفاجئة[30].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

2. يُذَّكر القديس بولس قارئيه بالخلفية اليهودية التي عاشها، وأسلوب حياته قبل تمتعه بخبرة التحول في الطريق إلى دمشق. كان قائدًا في الديانة اليهودية يحتل مقامًا عظيمًا، الأمر الذي يجاهد المتهودون الناموسيون المقاومون له أن يبلغوه بمزج إنجيل النعمة بالأفكار اليهودية الحرفية. كان يضطهد المسيحيين بإفراطٍ شديدٍ، وكان يتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه من بني جنسه، إذ كان أوفر غيرة في تقليدات آبائه، وأكثرهم عملاً وحماسًا. لكنه ترك هذا من أجل ما هو أفضل. لقد أخذ إعلان النعمة بطريقة إلهية، وصرح به قبلما يرى أحدًا من الرسل الآخرين بزمنٍ طويلٍ.

هذا هو بُرهانه؛ إن كانت جهودي ضد الكنيسة نبعت عن باعث ديني لا بشري، مع أن غيرتي كانت خاطئة، فكيف يحركني المجد الباطل وأنا أناضل لحساب الكنيسة وقد اعتنقت الحق؟... ما أن اجتزت إلى تعاليم الكنيسة حتى تخلصت من تعصبي للديانة اليهودية، مظهرًا بهذا غيرة أكثر اتقادًا كدليل على إخلاصي في تحولي، وأن الغيرة التي تملكتني هي من فوق. أية دوافع أخرى إذن أمكنها أن تدفعني إلى هذا التغيير، إذ قايضت الكرامة بالازدراء، وعِوض الطمأنينة دخلت في ضيقات؟ حقًا لا شيء سوى محبة الحق[31].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

3. حقًا حدث تحوله وهو في الطريق إلى دمشق حين كان يضطهد كنيسة المسيح، بل يضطهد المسيح نفسه من أجل "التهوّد". لكن دعوته بواسطة النعمة الإلهيّة بدأت وهو في بطن أمه [15]، كما فعل اللَّه مع إرميا (1: 5) وإشعياء (42: 1). لقد أفرزه لمهمة خاصة، دعاه، ثم أعلن له عن حقيقة الابن وعمله الفدائي على الصليب، لكي يبشر العالم غير اليهودي[32].

لماذا يقول: "أن يُعلن ابنه فيّ" [16] ولم يقل "لي"؟ لكي يُشير إلى أنه لم يتقبل تعليم الإيمان خلال الكلمات فقط وإنما بغنى الروح الذي وهب له - الإعلان الذي أنار نفسه كلها، وأن المسيح صار يتكلم فيه.

"لأبشر به بين الأمم" [16]، فإنه ليس فقط إيمانه، بل واختياره للعمل الرسولي قد انبثقا من اللَّه... كان يجب أن يوجد تمايز بين الكرازة لليهود والكرازة للأمم[33].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

يرى العلامة أوريجينوس في كلمات الرسول الخاصة بفرزه للعمل وهو في بطن أُمه [15] برهانًا على إرسال اللَّه ملائكة حراسًا لنا حتى قبل ولادتنا[34].

4. حياته الكنسية: لم يتجاهل القديس بولس الذي قبل الإنجيل من السيد المسيح نفسه المجتمع الكنسي، كما سنرى في لفاءاته مع القديس بطرس وغيره من قادة الكنيسة.

5. تظهر سلطة أو قانونية إنجيل القديس بولس في توبيخه للقديس بطرس (2: 11 - 12)، مبرهنًا بذلك أن القديس بطرس لم يكن أعظم منه كرسولٍ، فقد أشار إلى كيفية توبيخه له جهرًا، إذ سلك بوجهين بخصوص التقاليد اليهودية حين كان في أنطاكية.

يُشير القديس بولس إلى ثلاثة لقاءان مع القديس بطرس وغيره من الرسل، ليؤكد أن اتصالاته الأخوية معهم لم تكن بغرض أخذ تفويض منهم للكرازة.

اللقاء الأول مع القديس بطرس (1: 18 - 24): يؤكد القديس بولس نوعًا من استقلاله عن رسل أورشليم (عدم الاعتماد عليهم كوكيلٍ عنهم كما ادعى المتهودون)، لكن ليس بأسلوب فردي. فقط بعد عبور ثلاث سنوات من تحوله عن الفريسية اليهودية إلى الكرازة بيسوع بكونه المسيا، ذهب إلى أورشليم "ليتعرف" على بطرس [18.] يقول: "ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي" [17]. يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هكذا لا يتحدث بعجرفة إنما ليظهر كرامة مهمته، إذ تكرارًا قالوا بأن الرسل جاءوا قبله، وكانت دعوتهم سابقة له، لهذا يجيب: "ولا صعدت إليهم". لو كان لزامًا عليه أن يتصل بهم لكان قد أمره المسيح بذلك عندما أعلن له عن مهمته.].

قبل صعوده إلى أورشليم انطلق إلى العربية [17]، ثم رجع أيضًا إلى دمشق [17]. تشير "العربية" غالبًا إلى مدينه جنوب دمشق، في مملكة الـNabataeans وليس إلى منطقة سيناء. لم يسجل الرسول لنا ما فعله خلال هذه السنوات الثلاث. إن كان قد رأى بعض الآباء أن الرسول قد بدأ بالكرازة في الحال لكن كثيرين الآن يفضلون الاعتقاد بأنه كرس حياته في ذلك الوقت للصلاة والتأمل[35].

لاحظ هنا تواضعه، إذ لم يتحدث عن نجاحه (في العربية)، ولا عن من هم الذين علمهم وما عددهم. إنما هكذا كانت غيرته (للخدمة) في الحال بعد عماده، إذ حير اليهود، وأثار سخطهم ضده فتربّصوا له مع اليونانيين لقتله، الأمر الذي ما كان يحدث (أي كراهيتهم له) فلجأوا إلى القتل. هذه علامة تظهر تفوّق بولس عليهم. لم يذكر (الرسول) شيئًا عن هذا النجاح، وهكذا في كل أعماله لم يكن الطموح دافعه، ولا نوال كرامة أعظم من الرسل، ولا استمات لينال تقديرًا ساميًا، إذ يدعو نفسه سقطًا، أول الخطاة، آخر الرسل[36].

القديس يوحنا الذهبي الفم.

زار أورشليم ليلتقي بالقديس بطرس [18]، وهناك رأى القديس يعقوب أخا الرب وأسقف أورشليم. كانت مهمته الكبرى أن يعلن بأنه لا يعمل بروح فردي، منفصلاً عن قادة الكنيسة، وأن يؤكد لهم أن تحوله حقيقي. لقاءات القديس بولس المتتالية مع الرسل لم تضف شيئًا إلى إعلان إنجيل النعمة الإلهية له، إنما اعترفوا تمامًا برسوليته ورسالته.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم الملاحظات التالية:

أ. يقول القديس بولس إنه "رأى" القديس يعقوب [19]، ولم يقل إنه تعلم منه. ويمكننا القول إنه ذهب هناك "ليتعرف" على القديس بطرس [19] لا ليتعلم منه.

ب. يذكر القديس يعقوب بوقار إذ يقول: "أخا الرب" [19]، فهو خالٍٍ من كل حسد.

ج. خلال شفافية نفسه المقدسة المتواضعة، جاء تبريره لنفسه عظيمًا كمن يقدم حسابًا عن أعماله، مدافعًا عن نفسه كمن في دور العدالة [20.].

د. يُشير إلى رحلته التبشيرية للكرازة في المناطق القريبة من موطنه الأصلي "مدينة طرسوس"، في أقاليم كيليكية وسوريا [21] (بأنطاكية)، ليُعلن أن إرساليته كانت للأمم، وأنه لم يعزم أن يبني فوق أساس أقامه غيره (رو 15: 20).

ه. يقول بولس: "ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه" [22 - 23]. في تواضعه ذكر حقيقة اضطهاده للكنيسة، وعند تحوله وتبشيره لم يعجبوا به شخصيًا ولا نال إطراءهم أو دهشتهم، إنما مجدوا الله فيه [24]، ناسبًا كل شيء إلى النعمة الإلهية.

"مجدوا الله"، بمعنى أنه أراد أن يعرّفهم بأنه لا توجد عداوة بينه وبين الكنائس التي هي من أصل يهودي، فإنه وإن كان لم يبشرهم لكنهم فرحوا بعمل اللَّه به في المجتمعات الأممية. يرى القديس أغسطينوس أنهم مجدوا اللَّه لأنهم اعتادوا الصلاة من أجل أعدائهم ومضطهديهم لكي يحولهم السيد المسيح إلى الإيمان. سألوا هذا من الله قبلما يتحقق[37].


[1] A New Catholic commentary on Holy Scripture, Nelson, 1969, p. 1173.

[2] The Collegeville Bible Commentary, 1989, p. 1069.

[3] The NIV Study Bible, p. 1779.

[4] The New American Bible, p. 198.

[5] Chapter 1 (N & PN Frs. , Vol. 13).

[6] See Henerieta C. Mears: What the Bible is all about, Illinois,1987.

[7] Unger's Survey of the Bible, 1981, p. 285.

[8] John L. Mckenzie: Dict. of the Bible, 1965, p. 293.

[9] Victor Paul Furnish: Interpreter's Concise Comm. , Abingdon press, V. 7, p. 272.

[10] In Galat. , Chapter 1.

[11] Victor Paul Furnish: Interpreter's Concise comm. , Abingdon Press, V. 7, p. 273.

[12] Ibid.

[13] Ibid, p. 277.

[14] Boyed's Bible Handbook, 1983, p. 546.

[15] In Galat. , Chapter 1.

[16] In Galat. , Chapter 1.

[17] In Galat. , Chapter 1.

[18] In Galat. , Chapter 1.

[19] In Galat. , Chapter 1.

[20] In Galat. , Chapter 1.

[21] In Galat. , Chapter 1.

[22] Against Marcion, 5: 2.

[23] In Galat. , Chapter 1.

[24] In Galat. , Chapter 1.

[25] Against Marcion, 5: 2.

[26] Our Lord's Sermon on the mount, 2: 1: 3.

[27] Ep. 52: 13; 66: 6.

[28] Oration 37: 17.

[29] C. Normann Bartlett: Galatians and You, 1948, p. 13.

[30] In Galat. , Chapter 1.

[31] In Galat. , Chapter 1.

[32] Collegeville Bible Comm. , p. 1071.

[33] In Galat. , Chapter 1.

[34] Comm. On Matt. , book 13: 27.

[35] A New Catholic Commentary, p. 1176.

[36] In Galat. , Chapter 1.

[37] Sermons on New Testament Lessons, 6: 4.



أضف تعليق

الأصحاح الثاني - تفسير الرسالة إلى غلاطية - القمص تادرس يعقوب ملطي