59 – البابا مكاريوس الأول – Macarius I – الأستاذ أشرف صالح

الرئيسية » مقالات » قسم التاريخ » موضوعات تاريخية » بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية » 59 – البابا مكاريوس الأول – Macarius I – الأستاذ أشرف صالح.


[بطاركة القرن العاشر الميلادي].

59 – البابا مكاريوس الأول - Macarius I

932 م - 952 م

مقدمة

ولد البابا مكاريوس الأول في بلدة شبرا، وكان وحيداً لأمه العجوز، وكان رجلاً زاهداً في العالم منذ صغره وإشتاق إلى السيرة الرهبانية، ومن مُنطلق هذا الدافع، إنطلق إلى دير أبي مقار للرهبنة.

ثم حدث أنه بعد نياحة البابا "قسما الثالث" - إجتمع أساقفة مصر ورجال الكنيسة القبطية من أجل إختيار البابا الذي سوف يجلسونه خلفاً له، فتم إختيارهم بإجماع الآراء للراهب "مكاريوس"، ليكون بابا الكنيسة القبطية التاسع والخمسون.

ومنذ بداية جلوسه على الكرسي الباباوي المرقسي، كان دائم التعليم لشعبه، ولم يتعرض لشيء من أموال الكنائس، ولا وضع يده على أحد إلا بتزكية، وكان مداومًا على توصية الأساقفة والكهنة برعاية الشعب وحراسته للوعظ والإرشاد.

الجلوس على الكاتدراء المرقسي

قصد البابا "مكاريوس الأول" للحياة في جبل شيهيت بدير القديس مقاريوس، وسار في سيرة صالحة أهلته لإنتخابه بطريركاً خلفًا للبابا قزما (قسما الثالث)، فإعتلى الكرسي المرقسي في أول برمودة سنة 648 ش (27 مارس سنة 932 م.).

حِكمة الأم

وقد حدث لما خرج البابا مكاريوس الأول، من الإسكندرية قاصداً زيارة الأديرة ببرية شيهيت كعادة أسلافه، أن مر على بلدته لإفتقاد والدته.

وكانت إمرأة بارة صالحة، فلما سمعت بقدومه لم تخرج إليه، ولما دخل البيت وجدها جالسة تغزل فلم تلتفت إليه، ولا سلمت عليه، فظن أنها لم تعرفه - فقال لها: (ألا تعلمين أنى أنا ابنك مقاريوس الذي رقى درجة سامية، ونال سلطة رفيعة، وأصبح سيدًا لأمة كبيرة؟)، فأجابته وهى دامعة العين: "أنى لا أجهلك وأعرف ما صرت إليه، ولكني كنت أفضل يا أبني أن يؤتى بك إلى محمولا على نعش، خير من أن أسمع عنك أو أراك بطريركا. ألا تعلم أنك قبلاً كنت مطالباً بنفسك وحدها. أما الآن فقد صرت مطالبًا بأنفس رعيتك. فاذكر انك أمسيت في خطر، وهيهات أن تنجو منه".

قالت هذا، وإستمرت في الغزل كما كانت.

أما البابا مكاريوس الأول، فخرج من عندها حزيناً، وباشر شئون وظيفته، منبها الشعب بالوعظ والإرشاد، ولم يتعرض لشيء من أموال الكنائس، ولا وضع يده، على أحد إلا بتزكية.

وكان البابا "مكاريوس الأول"، مُداوِمًا على توصية الأساقفة والكهنة برعاية الشعب وحراسته بالوعظ والتعليم، أما إنطلق إلى دير أبي مقار كعادة أسلافه، وعند عودته منه تلقى دعوته من أهل بلدته يرجونه فيها زيارتهم، ولم يكن له في بلدته قريب سوى والدته العجوز، وكان يحبها محبه زائدة لأنها أحست تهذيبه وتربيته، وكانت على قيد الحياة فقرر زيارتها ليسر قلبها بوظيفته السامية، وسار إلى البلدة مع حاشيته، ولما اقترب منها أسرع واحد إلى والدته فوجدها، فبشرها بحضور ولدها بموكب عظيم، فلم تهتم بالبشرى ولم تلتفت لكلامه، بل لبثت تشتغل والدموع تجرى على خديها، فإندهش ذلك الشخص من أمرها ورجع من عندها بخجل عظيم. أما البطريرك، فإستقر في البلدة حتى ينتهي الاحتفال بقدومه.

الخلفاء المسلمين المعاصرين للخدمة

[تابع عصر الخلافة العباسية الإسلامية الشيعية]

الخليفة القاهر بالله

324م – 934م

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة القاهر بالله

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة القاهر بالله.

هو أبو منصور محمد القاهر بالله، هو أبو منصور محمد بن المعتضد ابن طلحة بنالمتوكل القاهر بالله من خلفاء الدولة العباسية الإسلامية الشيعية.

وقد ولد في سنة 286هـ - وكانت أمه هي أم ولد فتنة.

لما قتل المقتدر أحضر هو ومحمد بن المكتفي، فسألوا ابن المكتفي أن يتولى فقال لا حاجة لي في ذلك وعمي هذا أحق به، فكلم القاهر، فأجاب، فبويع، ولُقب القاهر بالله، كما لقب به أيضاً في سنة سبع عشرة.

ومما يذكر من الأحداث الجديرة بالذكر والتي عاصرت حكمه، أنه في سنة 321 هـ - حدث شغب عليه من جانب الجند، واتفق مؤنس وإبن مقلة وآخرون على خلعه بابن المكتفي فتحيل القاهر عليهم إلى أن أمسكهم، وذبحهم وطين على ابن المكتفي بين حيطتين.

وأما ابن مقلة، فإختفى، فأُحرقت داره، ونهبت دور المخالفين، ثم أطلق أرزاق الجند فسكنوا واستقام الأمر للقاهر وعظم في القلوب وزيد في ألقابه المنتقم من أعداء دين الله ونقش ذلك على السكة.

وفي هذه السنة أمر بتحريم القيان والخمر، وقبض على المغنين، ونفى المخانيث وكسر آلات اللهو، وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سواذج، وكان مع ذلك لا يصحو من السكر ولا يفتر عن سماع الغناء.

في سنة 322هـ ظهرت الديلم، وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان، وكان من قواده علي بن بويه فإقتطع مالاً جليلاًَ، فإنفرد عن مخدومه، ثم إلتقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة فهزم محمد وإستولى ابن بويه على فارس وكان بويه فقيراً صعلوكاً يصيد السمك، رأى كأنه بال فخرج من ذكره عمود نار، ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا فعبرت بأن أولاده يملكون الدنيا ويبلغ سلطانهم على قدر ما إحتوت عليه النار فمضت السنون، وآل الأمر على هذا إلى أن صار قائداً لمرداويج إبن زياد الديلمي، فأرسله يستخرج له مالاً من الكرخ، فإستخرج خمسمائة ألف درهم وأتى همذان ليملكها، فأغلق أهلها في وجهه الأبواب، فقتلهم وفتحها عنوة وقيل صلحاً ثم صار إلي شيراز، ثم إنه قل عنده من مال، فنام على ظهره فخرجت حية من سقف المجلس، فأمر بنقضه، فخرجت صناديق ملأى ذهباً فأنفقها في جنده.

وطلب خياطاً يخيط له شيئاً، وكان أطروشاً، فظن أنه قد سعى به فقال والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقاً لا أعلم ما فيها، فأحضرت فوجد فيها مالاً عظيماً.

وركب يوماً، فساخت قوائم فرسه فحفروه فوجدوا فيه كنزاً، وإستولى على البلاد وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة، وفي هذه السنة قتل القاهر - إسحاق بن إسماعيل النوبختي الذي قد كان أشار بخلافة القاهر ألقاه على رأسه في بئر، وطمت وذنبه أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية وإشتراها فحقد عليه.

وفي النهاية، حدث أن تحرك الجند عليه، لأن إبن مقلة في إختفائه، كان يوحشهم منه ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم وغير ذلك، فأجمعوا على الفتك به فدخلوا عليه بالسيوف، فهرب، فأدركوه، وقبضوا عليه في سادس من جُمادى الآخرة، وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر، ولقبوه الراضي بالله، ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضي أبي عمر والحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب وأبا طالب بن البهلول، فجاءه فقيل له ما تقول قال أنا أبو منصور محمد بن المعتضد لي في أعناقكم بيعة، وفي أعناق الناس ولست أبرئكم ولا أحللكم منها فقوموا فقاموا فقال الوزير يخلع ولا نفكر فيه أفعاله مشهورة وقال القاضي أبو الحسين فدخلت على الراضي وأعدت عليه ما جرى وأعلمته أني أرى إمامته فرضاً فقال: انصرف ودعني وإياه فأشار سيماء مقدم الحجرية على الراضي بسلمه فكحله بمسمار محمى. قال محمود الأصبهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدماء، فامتنع من الخلع فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه.

وقال الصولي: كان أهوج سفاكاً للدماء قبيح السيرة كثير التلون والإستحالة، مدمن الخمر ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل، وكان قد صنع حربة يحميها فلا يطرحها حتى يقتل بها إنساناً.

وقد توفي الخليفة الراضي بالله في سنة 339 هـ - الموافق لعام 940 م، عن ثلاث وخمسين عاماً، وكان له من الولد: عبد الصمد وأبو القاسم وأبو الفضل وعبد العزيز.

الخليفة الراضي بالله

934 م - 940 م

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة الراضي بالله

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة الراضي بالله.

في سنة 322 هـ - من خلافته مات مرداويج مُقدم الديلم بأصبهان، وكان قد عظم أمره، وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد، وأنه مسالم لصاحب المجوس، وكان يقول: "أنا أرد دولة العجم وأمحق دولة العرب".

وقد عثر فيها علي بن بويه إلى الراضي يقاطعه على البلاد التي إستولى عليها بثمان مائة ألف ألف درهم كل سنة، فبعث له لواء، وخلعاً، ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال.

وفيها مات المهدي صاحب المغرب، وكانت أيامه خمساً وعشرين سنة، وهو جد الخلفاء المصريين الذين يسمونهم (الجهلة الفاطميين).

فإن المهدي هذا إدعى أنه علوي، وإنما جده مجوسي، وكان باطنياً خبيثاً حريصاً على إزالة ملة الإسلام أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد.

وفي هذه السنة ظهر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي القراقر، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، فقُتل، وصُلب، وقُتل معه جماعة من أصحابه.

وفيها توفى أبو جعفر السجزي أحد الحجاب قيل بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وحواسه جيدة. وفيها انقطع الحج من بغداد إلى سنة 327هـ.

في سنة 323هـ تمكن الراضي بالله وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.

وفيها كانت واقعة إبن شنبوذ المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة. وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد واسودت الدنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب.

ومن الظواهر الفلكية العجيبة التي وقعت في عهده - نذكر أنه في ذي القعدة إنقضت النجوم سائر الليل، إنقضاضاً عظيماً ما رئي مثله.

كما حدث أنه في سنة 328هـ غرقت بغداد غرقاً عظيماً حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعاً وغرق الناس والبهائم، وإنهدمت الدور.

في سنة 324هـ تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها وحكم على البلاد وبطل أمر الوزارة والدواوين وتولى هو الجميع وكتابه وصارت الأموال تحمل إليه وبطلت بيوت المال وبقي الراضي معه صورة وليس من الخلافة إلا الاسم.

في سنة 325هـ - إختل الأمر جداً وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها أو عامل لا يحمل مالا وصاروا مثل ملوك الطوائف ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان، ووهت أركان الدولة العباسية وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم ـ قويت همة صاح الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني، وقال أنا أولى الناس بالخلافة وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وإستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة، إستأصل المتغلبين وفتح سبعين حصناً فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة العباسي ببغداد وهذا بالأندلس والمهدي بالقيروان.

في سنة 326هـ خرج يحكم على إبن رائق، فظهر عليه، وإختفى ابن رائق، فدخل بحكم بغداد، فأكرمه الراضي ورفع منزلته ولقبه أمير الأمراء وقلده إمارة بغداد وخراسان.

في سنة 327هـ كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي، وكان يحبه أن يطلق طريق الحاج، ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير، فأذن وحج الناس، وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج.

الخليفة المستكفي بالله

944 م - 946 م

الخليفة المستكفي بالله

الخليفة المستكفي بالله.

هو الخليفة المستكفي بالله أبو القاسم عبد الله، هو أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد (292 هـ - 338 هـ) من خلفاء الدولة العباسية الإسلامية الشيعية.

وقد حكم من 333 هـ هـ - 334 وهو ابن المكتفي إبن المعتضد - أمه أم ولد اسمها أملح الناس، وقد عُرف عنه أنه كان سني المذهب ولكنه كان يتظاهر بالتشيٌع.

وقد تعرض الخليفة المستكفي بالله للخلع جبراً من الحكم، حيث حدث أن تقدم إليه إثنان من الديلم إلى الخليفة، فمد يديه إليهما ظناً أنهما يريدان تقبيلهما، فجذباه من السرير حتى طرحاه في الأرض وجراه بعمامته، وهجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها، فلم يبق فيها شيء ومضى معز الدولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشياً إليه وخلع وسملت عيناه يومئذٍ، وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر وأحضروا الفضل بن المقتدر وبايعوه، ثم قدموا ابن عمه المستكفي فسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع.

ثم حدث انه بعد أن تم خلع الخليفة المستكفي بالله من كرسي الخلافة، أودع في السجن، إلى أن مات سنة 388 هـ، وكان وله ست وأربعون سنة وشهران، وكان يتظاهر بالتشيٌع.

الخليفة المطيع لله

946 م - 974م

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة المطيع بالله

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة المطيع بالله.

هو أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد الملقب المُطيع لله - من خلفاء الدولة العباسية.

ولد في سنة 301 هـ. بويع له بالخلافة عند خلع المستكفي بالله سنة 334 هـ، وظل بالخلافة حتى سنة 363 هـ، حتى مرض وثقل لسانه، فخلع نفسه من الخلافة بإرادته من دون إكراه، وسلم الأمر إلى ولده الطائع لله، وصلت مدة خلافته لتسع وعشرين سنة وعدة أشهر.

وقد مات المطيع في سنة 364 هـ.

[بداية ظهور الدولة الإخشيدية]

تمهيد

لم يجد الخليفة العباسي الراضي بالله خيرًا من محمد بن طغج ليوليه مصر، ويعيد إليها الأمن والسلام، وقمع فيها الفتن والثورات، فعهد إليه بها سنة 323 هـ - والموافق سنة 935 م، إستعد ابن طغج لما أسند إليه، وتجهز للأمر وأعد عدته، والأمر ليس هينًا بعد أن وقف في وجهه أحمد بن كيفلج والي مصر السابق، ومحمد بن علي الماذرائي عامل الخراج، وحالاً بينه وبين تولي مقاليد الأمور، فلجأ ابن طغج إلى سلاح القوة والبطش فتسلح بهما، وإتجه إلى مصر على رأس حملة عسكرية برية، ترافقه حملة بحرية نجحت في الاستيلاء على ثغور مصر في دمياط، وسارت في النيل حتى بلغت "سمنود"، وهناك التقت بسفن ابن كيفلجوالماذرائي، وألحقت بهما هزيمة ساحقة في (شعبان 323هـ = يوليو 935)، وواصلت سيرها حتى بلغت جزيرة الروضة بالقاهرة، وفي أثناء ذلك كانت قوات ابن طغج البرية قد نجحت في فتح مدينة الفسطاط في (رمضان 323هـ = أغسطس 935م.

وما كادت أقدامه تستقر في عاصمة البلاد حتى بدأ في تثبيت نفوذه، والضرب بشدة على الخارجين على النظام، والقضاء على القلاقل التي يثيرها أنصار الحاكم السابق، والعمل على صد هجمات الفاطميين الذين لم ييئسوا في ملاحقته بحملاتهم العسكرية المتكررة، وقد أدت جهوده إلى استقرار الأوضاع في مصر، وتلقيب الخليفة له بلقب الإخشيد، وهو لقب كان يطلق على ملوك فرغانة، وهي إحدى بلاد ما وراء النهر التي تتاخم بلاد التركستان، ويعني هذا اللقب باللغة التركية "ملك الملوك".

غير أن هذا الإستقرار الذي حققه الإخشيد في مصر والشام كدَّر صفوة تطلع ابن رائق الملقب بأمير الأمراء إلى الشام، وكان يتقلد إمارة الجيش ببغداد، وخرج جميع البلاد الإسلامية التابعة لدولة الخلافة العباسية، فأخذ يهدد الإخشيد ويطالبه بمال كأنه جزية على الممتلكات الإخشيدية في الشام، فلم يرق ذلك للإخشيد، واشتعل القتال بينهما حتى تم الصلح بينهما على أن يحكم ابن رائق الولايات الشامية شمال الرملة، وأن يدفع الإخشيد إليه جزية سنوية قدرها 140 ألف دينار، على أن الإخشيد لم يلبث أن استعاد الشام بعد مقتل ابن رائق سنة (330هـ – 941م)، فدخل دمشق، وفرض حكمه بحد السيف، وأصبحت الشام كلها تحت سيطرته، وأضاف إليه الخلافة العباسية.

فترة ولاية محمد بن طغج الأخشيدي

940 م - 946م

دينار ذهبي صدر في عهد الخليفة المطيع بالله

محمد الأخشيدي.

محمد بن طغج وبداية عصر الدولة الإخشيدية

بعد إقرار مُحمَّد بن طُغج الإخشيد - من قبل الخليفة العباسي - على ولاية مصر والشَّام، أخذت الخِلافة العبَّاسيَّة تعمل على إنعاش نفسها، وإنقاذ هذا المقام من الهوان والضُعف الذي حلَّ به نتيجة إستبداد القادة التُرك بالأمر مُنذُ حوالي رُبع قرن، فأُجريت بضعة تعديلات إداريَّة تناولت مركز الخِلافة والوزارة ووضع القادة التُرك، وإنتهت بِظُهور منصب «أمير الأُمراء»، الذي سيطر مُتقلِّدُه على مقاليد الحُكم وامتدَّت صلاحيَّاته إلى الضرائب والإدارة، فهيمن على الخِلافة وأزال نُفوذ الوُزراء وتوقَّف الصراع بين الخِلافة والقادة التُرك الذي شغل جانبًا كبيرًا من العصر العبَّاسي الثاني. وكان أوَّل من تقلَّد هذا المنصب هو أمير واسط والبصرة مُحمَّد بن رائق الذي بدا في حينه أقوى شخصيَّة عسكريَّة. لكن لم تمضِ بضعة أشهر على تولِّيه هذا المنصب حتَّى خرج عليه أحد قادته التُرك ويُدعى «بجكم»، وحلَّ محلَّهُ في إمرة الأُمراء بعد أن هزمه، ما دفع مُحمَّد بن رائق إلى التفكير في البحث عن ولايةٍ تخضع له، وقد أدَّى الوزير أبو الفتح بن الفُرات دورًا هامًا في توجيهه إلى الشَّام ومصر لِيُعوِّض بهما عن خسارته.

وفي نفس الوقت كانت الخِلافة غير مُطمئنَّة إلى وُجود الإخشيد في أهم ولايتين بالمشرق، وكانت مصلحة الدولة العبَّاسيَّة العُليا تقوم على التفرقة بين القادة الوُلاة وعدم السماح بِبُروز أيَّة قُوَّة في مصر والشَّام يُمكن أن تستقل بهما وتُهدد مصلحة الدولة ووحدة العالم الإسلامي، تمامًا كما حصل زمن الدولة الطولونيَّة، على الرُغم من الموقف الواضح لِلإخشيد في هاتين الولايتين والتي تخدم مصلحة العباسيين العُليا. لِذلك، أرسل الخليفة مُحمَّد بن رائق إلى الشَّام لِيُنافس الإخشيد ويحُد من أطماعه ويستخدمه ورقة ضغط عند الضرورة ضدَّ أي نشاطٍ مُعادٍ لِسياسته قد يُقدم عليه.

وُلِّي مُحمَّد بن رائق على حلب وأعمالها، لكنَّهُ سُرعان ما طمع بالشَّام كُلُّها، فراح يُهدِّد الإخشيد ويُطالبه بِالأموال كجزية عن المُمتلكات الإخشيديَّة في الشَّام ما أدَّى إلى قلقه واستيائه من هذا الوضع، ونصحهُ مُستشاروه بإسترضائه بِالأموال حتَّى يتجنَّب أذاه، فإقتنع بِهذه النصيحة، وأرسل إليه الحسن بن طاهر بن يحيى العلوي، وكلَّفهُ بإسترضائه.

فقدان الدولة العباسية لسلطانها على الِشام

والواقع أنَّ مُحمَّد بن رائق إتخذ من المال ذريعةً لِتحقيق تطلُّعاته، ولم يُخف نواياه في التوسُّع على حساب الإخشيديين، فتوغَّل في عُمق الشَّام، فإستولى على حِمص، ثُمَّ زحف إلى دمشق، فهزم واليها عُبيد الله بن طُغج، وإستولى عليها وطرده منها، وعيَّن مُحمَّد بن يزداد الشهرزوري حاكمًا عليها، ثُمَّ سار إلى مدينة الرملة ودخلها في أواخر ذي الحجَّة 327هـ وأوائل مُحرَّم 328هـ المُوافق فيه شهريّ أيلول (سپتمبر) وتشرين الأوَّل (أكتوبر) 939م، وانسحبت منها القُوَّات الإخشيديَّة من دون قتال، وتابع سيره إلى العريش وهو يُريد الديار المصريَّة.

وكان لِلنجاح الذي حقَّقه مُحمَّد بن رائق في الشَّام أثرٌ على سياق الأحداث في مصر. فقد شعر الإخشيد بِضغط هذا الرجُل والجُهود المُضنية اللازمة لِوقفه عند حدِّه، وعلم بِأنَّهُ قُلِّد ولاية الشَّام، فأراد أن يستطلع رأي الخليفة والقائمين على السُلطة في بغداد، ويتعرَّف على مواقفهم من الأحداث الجارية في الشَّام، فكتب إلى مُمثله في عاصمة الخلافة علي بن أحمد العجمي يطلب منهُ إعلام الخليفة بِنشاط مُحمَّد بن رائق ومطامعه في الشَّام، وأنَّهُ، أي الإخشيد، حاول عبثًا استرضاءه، وسيلتزم بِقرار الخليفة إذا صحَّ أنَّهُ ولَّاه هذه البلاد، كما أنَّهُ على استعداد لِقتاله وصدِّه عن الشَّام إذا كلَّفهُ الخليفة بذلك.

فما كان من الخليفة إلَّا أن ترك القرار لِأمير الأُمراء بجكم الذي قال: «مَن ضَرَبَ بِالسَّيفِ، وَهَزَمَ صَاحِبُه، فَالعَمَلُ لَه أي أنَّ القرار متروكٌ لِلسيف ومن ينتصر. وما أن علم الإخشيد بِموقف الخليفة وأمير الأُمراء، ثارت ثائرته وانتابته نوبة عصبيَّة وفكَّر في قطع صلته بِالخلافة العبَّاسيَّة والتقرُّب من الفاطميين بِالمغرب. فاستدعى الخطيب عُمر بن الحسن العبَّاسي وأمرهُ بِإسقاط الدُعاء لِلخليفة العبَّاسي مُحمَّد الراضي بِالله والدُعاء لِلخليفة الفاطمي مُحمَّد القائم بِأمر الله، لكنَّ مُستشاريه نصحوه بِالعُدول عن هذه الفكرة، وبيَّنوا له عاقبتها، إذ قد يلجأ الخليفة العبَّاسي إلى تعيين مُحمَّد بن رائق واليًا على مصر، ويمُدُّه بِالمُساعدة الماديَّة لِلتصدِّي له، ما يُؤدي إلى نهاية الحُكم الإخشيد.

ويبدو أنَّ الإخشيد إقتنع بِوجهة نظر مُستشاريه مُدركًا أنَّ موقفه مع الدولة الفاطميَّة الفتيَّة سيكون أضعف من مكانته لدى الخِلافة العبَّاسيَّة المُتداعية، وأنَّ مصلحته الخاصَّة تقضي بِالبقاء مع العبَّاسيين، ولِهذا تراجع عن تنفيذ هذه الفكرة، إلَّا أنَّهُ رأى ضرورة استعمال القُوَّة لِلتصدي لِخصمه الطَّامع في أملاكه، فمضى يتجهَّز لِقتاله، وأعدَّ حملتين من أجل ذلك: بحريَّة أرسلها إلى سواحل الشَّام، وبريَّة قادها بِنفسه. فخرج من الفسطاط في شهر مُحرَّم 328هـ المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) 939م، وعسكر في الفرما، وإستخلف أخاه الحسن بن طُغج على مصر، وأرسل طليعة إلى فلسطين لِلوُقوف على إستعداد خصمه.

حركة التمرد ضد الأخشيدين والقضاء عليها

غادر الفسطاط - على أثر دُخُول مُحمَّد بن طُغج - بعض القادة الذين ناهضوه، وإشتركوا في قتاله، أمثال حبشي بن أحمد قائد القُوَّة المغربيَّة، وعلي بن بدر قائد أُسطول أحمد بن كيغلغ وتوجهوا نحو الشرقيَّة، ثُمَّ يمَّموا وجههم صوب الفيُّوم، وقد تجنَّبوا الذهاب إلى الحُدود الشرقيَّة بإتجاه فلسطين ظنًا منهم أنَّهم لن ينجوا من أعوان مُحمَّد بن طُغج في هذه البلاد، وإختاروا الذهاب إلى الفيُّوم بِفعل عاملين: عدم امتداد سُلطان مُحمَّد بن طُغج إلى هذه المنطقة بعد، والطبيعة الجُغرافيَّة لِتلك المنطقة التي تُشكِّلُ حائلًا أمام أي هُجومٍ قد تتعرَّض له، والواقع أنَّ والي مصر الجديد لم يشأ أن يتركهم حتَّى تستفحل حركتهم، وأراد أن يقضي عليها في مهدها، فأرسل إليهم قُوَّة عسكريَّة بحريَّة بِقيادة صاعد بن كلملم. ويبدو أنَّ المراكب لم تستطع أن تُبحر في الترعة الموصلة إلى الفيُّوم، ما أعطى المُتمرِّدين الفُرصة لِلتصدي لها، وتمكَّنوا من الاستيلاء عليها وأسر قائد الحملة وقتله، وأبحروا إلى دار صناعة السُفن في جزيرة الروضة وأحرقوا المراكب الراسية فيها، ثُمَّ واصلوا السير إلى الإسكندريَّة، ومنها رحلوا إلى بِرقة، وكتبوا إلى الخليفة الفاطمي مُحمَّد بن عُبيد الله القائم بِأمرالله - يستأذنوه، ويدعونه لِي يغزو مصر، وهوَّنوا عليه أمرها، ووعدوه بِأخذها، وطلبوا منه مُساندتهم بِقُوَّةٍ عسكريَّة، فإستجاب لهم، كان من الطبيعي أن يتوجَّس مُحمَّد بن طُغج خيفةً من تمادي المُتمردين وبِخاصَّةً بعد اتصالهم بِالفاطميين، فجهَّز حملةً عسكريَّةً كبيرة أسند قيادتها إلى أخيه عُبيد الله، وأمر بِمُطاردتهم والقضاء عليهم، ويبدو أنهم عجزوا عن مُواجهته، واضطرّوا إلى مُغادرة مصر إلى رمادة بين برقة والإسكندريَّة، ومرض حبشي بن أحمد وتُوفي فيها في سنة 324هـ المُوافقة لِسنة 936م قبل وُصوُل المُساعدة الفاطميَّة ـ وهكذا خلُصت مصر لِمُحمَّد بن طُغج بِفضل جُهُوده الشخصيَّة.

بداية إحكام الإخشيديون لقبضتهم على مصر

كان مُحمَّد بن رائق آنذاك يتقدَّم بإتجاه مصر، وعسكر في الرملة، فاصطدمت طليعته بِالطليعة الإخشيديَّة في مُناوشاتٍ خفيفة، ثُمَّ سعى الحسن بن طاهر بن يحيى العلوي في الصُلح بين الطرفين، فأرسل الإخشيد كاتبه مُحمَّد بن كلا إلى الرملة لِلتفاوض عنه في شُروط الصُلح حيثُ اتفق الطرفان على اقتسام المنطقة، على أن تكون الرملة لِلإخشيد وطبريَّا وما يليها إلى الشمال من نصيب مُحمَّد بن رائق. وعاد الإخشيد إلى مصر، ويبدو أنَّ مُحمدًا بن رائق لم يكن صادقًا، فلم يُحافظ على بُنود الاتفاق مع الإخشيد، إذ ما أن تراجعت القُوَّة الإخشيديَّة بإتجاه مصر حتَّى سار على رأس قُوَّة عسكريَّة كبيرة مُتوجهًا إلى الرملة في طريقه إلى مصر.

مواصلة الزحف الإخشيدي وتمدد الدولة الأخشيدية

وعندما علم الإخشيد بِزحفه، حاول التوصُّل معه إلى إتفاقٍ يحقن دماء المُسلمين إلَّا أنَّهُ لم ينجح في مُحاولته السلميَّة، فقرَّر عندئذٍ التصدِّي له، فخرج على رأس جيشه، وإلتقى بِجيش خصمه في العريش، وعلى إثر ذلك، فقد جرت بينهما رحى معركةٍ ضارية أسفرت عن إنهزام الإخشيد، وحتَّى لا يقع في يد خصمه، عزم على الهرب واللحاق بِالإمبراطوريَّة البيزنطيَّة عن طريق البحر أو التوجُّه إلى المغرب لِلاحتماء بِالفاطميين، لكن ما جرى من انهماك قُوَّات مُحمَّد بن رائق بِالسلب والنهب، دفع الإخشيد إلى إعادة تنظيم صُفُوف قُوَّاته، وكرَّ عليها وأخذها على حين غرَّة وهزمها، وقتل وأسر كثيرًا من أفرادها. وتمكَّن مُحمَّد بن رائق من الفرار والنجاة مع سبعين من أنصاره وتوجَّه إلى دمشق، فأرسل الإخشيد أخاه أبا نصر الحُسين من طُغج على رأس قُوَّةٍ عسكريَّة لِمُطاردته، لكنَّ مُحمَّدًا بن رائق باغته في منطقة اللُجون، على بُعد عشرين كيلومترًا من طبريَّا، فتغلَّب عليه وقتله وأسر بعض مُساعديه، وسار بهم إلى دمشق.

هذا - ولقد دفعت هذه التطوُّرات العسكريَّة الطرفين إلى التفاهم مُجددًا، ذلك أنَّ الإخشيد أرسل قُوَّاته بِقيادة كافور إلى شمالي الشَّام، فإستولى على حِمص وحلب، وأسر والي حلب مُحمَّد بن يزداد، وعاث في المدينة والمناطق المُجاورة، كما تعرَّض لِلأهالي بِالأذى، وعاد إلى مصر مُنتصرًا بعد أن عيَّن مساور بن مُحمَّد الرومي واليًا على حلب، ولكنَّ الإخشيد رأى، على الرُغم من إنتصاره، ضرورة التفاهم مع ابن رائق لِسببين: أنَّ ولاية مصر واقعة بين بلاد الفاطميين من الغرب وسائر الولايات العبَّاسيَّة من الشرق، وكان الأوائل لا يملُّون وهُم يُحاولون انتزاع مصر من الدولة العبَّاسيَّة، ويتربصون شرًا بِالإخشيديين، وفي الوقت نفسه كان العبَّاسيين يعملون على زرع بُذور الشقاق بين وُلاة المشرق ويدعمون الفوضى في الشَّام ومصر كي لا يستقل بهما أحد كما حدث مع الطولونيين، وفي نفس الوقت أدرك مُحمَّد بن رائق أنَّ الموقف السياسي في الشَّام يتطلَّب التعقُّل والتفاهم مع الإخشيد لِمُواجهة دسائس العبَّاسيين.

ولقد كان مُحمَّد بن رائق السَّبَّاق إلى فتح باب التفاهم، فحنَّط جُثَّة الحُسين بن طُغج وأرسلها في تابوتٍ إلى الإخشيد مع ابنه مُزاحم بن مُحمَّد بن رائق، وحمَّلهُ رسالة اعتذار عن حادثة القتل عارضًا أن يفديه بابنه مُزاحم.

ولقد كان لِهذا الموقف أثرٌ كبيرٌ في نفس الإخشيد، فإمتنع عن الأخذ بِثأر أخيه، وأكرم غريمه، ورفع منزلته، وردَّهُ إلى أبيه مُعززًا، وكان ذلك من الأسباب التي أدَّت لِلتقارب بين الطرفين، فتمَّ الصُلح على أن يكون لِلإخشيد جميع البلاد المُمتدَّة من الرملة إلى مصر، ويدفع لابن رائق جزية سنويَّة ع - + ن الرملة مقدارها مائة وأربعين ألف دينار، ويحتفظ الأخير بِالبلاد الشَّاميَّة الواقعة شمالي الرملة.

وقد تمتَّن هذا الصُلح بالتقارُب الأُسري، فقد زوَّج الإخشيد إبنته فاطمة من مزاحم بن مُحمَّد بن رائق، وتقرَّر أن يبقى عند الإخشيد مُقابل أن يبقى عُبيد الله بن طُغج عند ابن رائق في دمشق.

ثم حدث أن قُتل مُحمَّد بن رائق في الموصل 21 رجب العام 330 هـ - والمُوافق في في يوم 10 إبريل من عام 932م، على يد ناصر الدولة الحمداني، الذي رمى جُثَّتهُ في نهر دجلة، وكتب إلى الخليفة يتَّهم ابن رائق بِالتآمر عليه - أي الخليفة - ولهذا تخلَّص منه.

وفي واقع الأمر أنَّ ابن رائق كان قد توجَّه إلى العراق بِطلبٍ من الخليفة لِلحد من الإضطرابات التي نجمت عن صراع الأخير مع القادة التُرك.

في ذات الوقت، كان الإخشيد يُراقب تطوُّرات الأحداث في العراق والشَّام آنذاك، وعندما علم بِمقتل ابن رائق خرج من مصر إلى الشَّام لِلسيطرة عليها، وعيَّن أخاه أبا المُظفَّر الحسن بن طُغج نائبًا عنهُ في مصر.

وعندما وصل إلى دمشق استقبله نائبها مُحمَّد بن يزداد الشهرزوري وسلَّمهُ مقاليد أُمورها، فأصلح شُؤونها، وعاد إلى مصر مُصطحبًا معه مُحمَّد بن يزداد الشهرزوري، فعيَّنهُ على شُرطتها، وعمد في آخر ذي القعدة، المُوفق فيه 5 آب (أغسطس) إلى عقد اجتماع لِكبار قادته وأعوانه، تقرَّر فيه استخلاف ابنه أُنوجور من بعده.

وفي عام 332م - المُوافق لعام 944م، غادر الإخشيد مصر مُتجهًا إلى دمشق، ثُمَّ انطلق منها إلى الرقَّة لِلقاء الخليفة، الذي طلب منه المُساعدة ضدَّ أمير الأُمراء الجديد «توزون»، الذي طغى، وتحكَّم بالبِلاد والعباد، ولمَّا اجتمع الرجُلان، أظهر الإخشيد الطَّاعة التامَّة لِلخليفة وبالغ في إظهار إجلاله، فأُعجب الخليفة به، فخلع عليه وكنَّاه بِأبي القاسم، وإستخلفهُ على ولايتيّ مصر والشَّام على مدى ثلاثين سنة، وإعترف لهُ بِحق توريثها لِأبنائه من بعده.

والواقع أنَّ هذا التقليد لم يكن إلَّا اعترافًا بِالأمر الواقع الذي لم يكن باستطاعة الخليفة أن يغض النظر عنه، إذ إنَّ الإخشيد كان قد أخذ البيعة لابنه من كبار قادته قبل لقاء الخليفة، ولم يحصل أي قتال بين الإخشيد وتوزون، إذ عاد الخليفة لِلتفاهم معه، فغدر به توزون وقبض عليه وسمل عينيه، وبايع أبا القاسم عبد الله بن المُكتفي بِالخلافة ولقَّبه بـ«المُستكفي بِالله، وعاد الإخشيد إلى مصر بعد أن نظَّم أُمُور الشَّام، فعيَّن الحُسين بن لؤلؤ على دمشق ثُمَّ نقله بعد ستة أشهر إلى حِمص وعيَّن مكانه يانس المُؤنسي، وولَّى أبا الفتح عُثمان بن سعيد الكلابي حلب كما ولَّى أخاه.

وقد إستمرَّت العلاقة الجيِّدة بين العبَّاسيين والإخشيديين، وقد أقرَّ المُستكفي الإخشيد على ولايتيّ مصر والشَّام، ودعا الأخير لِلأوَّل على المنابر في جميع أنحاء ولايته.

وحدث في 22 هـ من جُمادى الآخرة 334 المُوافق فيه 29 كانون الثاني (يناير) 946م، خُلع الخليفة العبَّاسي المُستكفي على يد مُعز الدولة البُويهي المُستبد بِدولة الخِلافة العبَّاسيَّة، وبايع بدلًا منه أبو القاسم الفضل بن المُقتدر ولقَّبه بـ "المُطيع لِله"، فثبَّت المُطيع الإخشيد على أعماله وزاد عليها الثُغُور والحرمين الشريفين واليمن، وخُطب لهُ على منابرها.

والراجح أنَّ هذا التقليد على الحرمين واليمن هو رمزي، إذ إنَّ سُلطان الإخشيد لم يستقر في تلك الأقاليم التي كانت تحت حُكم أُسرات محليَّة رُبما خضع أُمراؤها إسميًا لِلخلافة العبَّاسيَّة، ثُمَّ إنَّ منح الخليفة التقليد على تلك الديار وتنازُله عن سُلطانه ونُفوذه السياسي يُؤكِّد ما وصلت إليه الخِلافة من ضُعف، ويُبرهن على مدى ما وصلت إليه الدولة الإخشيديَّة من الإتساع والقُوَّة.

فترة ولاية أبو القاسم أنوجـــور

946م - 961م

دينار ذهبي صدر في عهد أبو القاسم أجونور

دينار ذهبي صدر في عهد أبو القاسم أجونور.

هو أبو القاسم أنوجور - ثاني حكام الدولة الإخشيدية.

وقد تولى حكم الدولة الإخشيدية بعد وفاة أبيه محمد بن طغج الإخشيد، وكان حينذاك في الرابعة عشر من عمره، ولكن لم يتمتع بحكم البلاد بمفرده، حيث كان كافور الإخشيدي وصياً عليه بأمر من أبيه محمد بن طغج الإخشيد، وبمرور الوقت لم يكن لأنوجور شيء في حكم البلاد، حيث كان كافور الإخشيدي تمكن من السيطرة على حكم البلاد، وكان يصرف لأنوجور مرتباً سنوياً يبلغ أربعمائة ألف دينار.

بعد وفاة الإخشيد - إشتد التنافُس على تولَّي الحُكم في مصر، فقد كان الإخشيد قد ولَّى عهده قبل وفاته ابنه الأكبر أبا القاسم أُنوجور، وكان حينذاك يبلغ من العمر أربعة عشر سنةً، على أن يخلفه بعد وفاته، وعيَّن غُلامه أبا المسك كافور الحبشي وصيًا عليه، بدلًا من عم أُنوجور أبي المُظفَّر حسن بن طُغج، الذي يبدو أنَّهُ خشي - على الرُغم من ثقته به - طُموحه في الاستئثار بالحُكم إن عيَّنهُ وصيًا على أُنوجور، ومن ثُمَّ انتزاع الحُكم من أولاده، ولعلَّ ذلك هو السبب الذي دفعهُ إلى تعيين كافور مُدبرًا لِأُمور ابنه من بعده دون عمِّه غارسًا بِذلك بُذور الانقسام في الأُسرة الإخشيديَّة، ومانحًا "كافور" - الفُرصة، لِكي يستبد بِالسُلطة ويتفرَّد بها.

وبعد وفاة الإخشيد بِبضعة أيَّام عُقد إجتماعٌ ضمَّ وُجوه النَّاس من الأُمراء والقادة والوُزراء والكُتَّاب والأشراف والقُضاة والشُهُود، لِبحث موضوع خِلافة الإخشيد، وإستدعوا أبا بكرٍ مُحمَّد بن علي الماذرائي لإستطلاع رأيه، فإعترض على طرح الموضوع على بِساط البحث لِأنَّهُ محسوم بِفعل أنَّ الإخشيد عقد ولايته لإبنه أُنوجور قبل وفاته وأنَّ الخليفة إبراهيم المُتقي لله أذن لِالإخشيد بِذلك، كما أنَّ صِغر سنِّه ليس مُبررًا لِتنحيته، فقد عُقد لِهٰرون بن أبي الجيش بن خُمارويه بِحُكم مصر والشَّام، وكان أصغر سنًا من أُنوجور، وأضاف الماذرائي إنَّ اضطراب الأوضاع في الشَّام بعد وفاة الإخشيد يُنذر بِعواقب وخيمة، إذا ضيَّع أهل السُلطة الوقت في الجدال والاختلاف، وبِذلك تمَّ الأمر لِأُنوجور.

وبعد وفاة الإخشيد حدثت عدة أحداث منها ما جرى في ذلك الوقت في بغداد من استبداد البُويهيين بِمُقدرات الخِلافة، وسعي الوُلاة والأُمراء إلى التقرُّب منهم، أرسل أُنوجور الهدايا إلى مُعز الدولة البُويهي سنة 338 هـ المُوافقة لِسنة 949 م وطلب منه أن يكون أخوه مُشاركًا له في إمرة مصر، ويكون من بعده، فأجابه مُعز الدولة إلى ذلك، وهكذا نال أُنوجور مُوافقة السُلطة المركزيَّة في بغدادعلى استخلاف أخيه من بعده.

ولم يكن أُنوجور سوى حاكمٍ صُوريّ، فلم يترك له كافور سوى الاسم والدست، واستبدَّ هو بالسُلطة كونه الوصيّ على الأمير الصغير، ولم يُتح له أي فُرصة لِلظُهور على مسرح الحياة السياسيَّة أو مُمارسة أي عمل سياسي، وازداد نُفوذه عندما صار يُدعى له على المنابر مُنذ سنة 340 هـ - المُوافقة لِسنة951 م، واكتفى أُنوجور بما خصَّصهُ له من راتب سنوي وقدره أربعمائة ألف دينار، وترك لهُ تدبير الأُمور، واحتوى كافور على الأموال وانفرد بِتدبير الجُيُوش وأخذ الأملاك، وفي تلك الفترة أيضًا كان الأمر قد إستتب لِمُعز الدولة البُويهي في بغداد، فأبطل الدُعاء لِلإخشيديين على منابر الحجاز، إلَّا في أحيانٍ قليلةٍ نادرة.

وعندما تجاوز أُنوجور سن الرُشد وشعر بِأنَّ من حقِّه أن يتولَّى زمام الأُمور، حاول التمرُّد على حُكم كافور، وشجَّعهُ أنصاره على ذلك، لكنَّ والدته تدخَّلت ومنعته من ذلك بعد أن شعرت أنَّ ابنها لا يستطيع التغلُّب على كافور وخشيت عليه من بطشه، فخوَّفته من عاقبة الفتنة، وأعلمت كافورًا أنَّ ولدها ينوي الرحيل عن مصر، فكتب كافورإلى أُنوجور، وصالحه في خُطوةٍ سياسيَّةٍ بارعة، مُحافظًا بِذلك على مُكتسباته، وإستمرَّ الوضع على حاله إلى أن تُوفي أُنوجور في 8 هـ - ذي القعدة 349 المُوافق فيه 960 م.

النياحة

لقد أقام البابا مكاريوس الأول على الكرسي المرقسي تسعة عشرة سنة وإحدى عشر شهرًا وثلاثة وعشرين يومًا في هدوء وطمأنينة ثم تنيَّح بسلام في الرابع والعشرين من شهر برمهات سنة 668 ش.


الموضوع الأصلي متاح من خلال موقع المؤلف هنا https://kingdomoftheearth.blogspot.com/

التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح
التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح