62 – البابا إبــــرآم – Abraham – الأستاذ أشرف صالح

الرئيسية » مقالات » قسم التاريخ » موضوعات تاريخية » بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية » 62 – البابا إبــــرآم – Abraham – الأستاذ أشرف صالح
الرئيسية » مقالات » قسم التاريخ » موضوعات تاريخية » بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية » 62 – البابا إبــــرآم – Abraham – الأستاذ أشرف صالح

كارت التعريف بالمقال

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب الأستاذ أشرف صالح
الشخصيات البابا إبرام - بابا الأسكندرية رقم 62
السلاسل التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح
التصنيفات بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية, قسم التاريخ, موضوعات تاريخية
آخر تحديث 3 فبراير 2020
تقييم الكتاب من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية


62 - البابا إبــــرآم - Abraham - الأستاذ أشرف صالح 4

62 - البابا إبــــرآم - Abraham

(إبرآم إبن زرعة)

975 م - 979 م

مقدمة عن قصة جلوسه العجيبة

على الرغم من أنه رجلاً علمانياً، وغير مصرياً، كما أنه لم يكن راهباً من رهبان الأديرة في البرية المصرية - إلا أنه صار قديساً من القديسين، الذين جلسوا على الكرسي الباباوي المرقسي.

هو البابا "إبرآم بن زرعة" - السوري الأصل، والذي كان يعمل في مهنة التجارة، وكان من أثرياء التجار، وقد جاءت بداية رحلة الوصول إلى الكرسي الباباوي المرقسي بعد أن قام بتوزيع كل أمواله وما يملك على الفقراء والمحتاجين، وكأن الله كان يُعدٌه من أجل الجلوس على الكرسي المرقسي، ولكي يقود الكنيسة القبطية في فترة حرجة من تاريخها.

الجلوس على الكرسي الباباوي المرقسي

عندما خلا الكرسي الباباوي بنياحة البابا "مينا الثاني"، أجمع رأي الأساقفة والشيوخ العلماء علي إختياره بطريركًا، وكان جلوسه على الكاتدراء المرقسي في عام 975م.

أحداث هامة مع بداية الجلوس على الكاتدراء المرقسي

حفظ البابا إبرآم للأمانة وتوزيع الأموال على الفقراء

مع بداية جلوس البابا "إبرآم" على الكاتدراء المرقسي، حدث أن تم تعيين قزمان الوزير القبطي إبن مينا، والياً علي فلسطين، فأودع عند الأب البطريرك - "البابا إبرآم" - مئة آلف دينار إلى أن يعود، وأوصاه بتوزيعها علي الفقراء والمساكين والكنائس والأديرة إن مات هناك، فلما بلغ البطريرك خبر إستيلاء هفكتين علي بلاد الشام وفلسطين، ظن إن قزمان قد مات، فوزع ذلك المال حسب الوصية، ولكن قزمان كان قد نجا من الموت، وعاد إلى مصر، فأخبره الأب بما فعله بوديعته، فسر بذلك وفرح فرحًا جزيلًا.

أعمال البابا إبرآم من أجل إصلاح مجتمع الكنيسة القبطية

من مآثر البابا "إبرآم" أنه أبطل العادات الرديئة، ومنع وحرم كل من يأخذ رشوة من أحد لينال درجة بالكنيسة، كما حرم علي الشعب إتخاذ السراري، وشدد في ذلك كثيرًا، فلما علم بذلك الذين إتخذوا لأنفسهم سراري، إستيقظ فيهم خوف الله، كما خافوا أيضًا من حرمه فأطلقوا سبيل سراريهم، وذهبوا إليه تائبين.

قصة القبطي الذي خالف قرارات البابا وقصاص الله منه

كان الجميع من الأقباط - قد إنصاع إلى قرارات البابا إبرآم الصارمة التي أصدرها فيما يخص الأقباط الذين إتخذوا لأنفسهم "سراري" في خلال تلك الفترة، ما عدا رجلاً من سراة الدولة، فإنه لم يخف الله تعالي ولا حرم هذا الأب الذي وعظه كثيراً، وأطال أناته عليه، حيث لم يرتدع ولم يخش إن يهلكه الله، ومع هذا لم يتوان الأب عن تعليمه وإصلاحه، بل إتضع كالمسيح معلمه، وذهب إلى داره، فلما سمع الرجل بقدوم الأب إليه أغلق بابه دونه، فلبث الأب زهاء ساعتين أمام الباب، وهو يقرع فلم يفتح له، ولا كلمة، ولما تحقق إن هذا المسكين قد فصل نفسه بنفسه من رعية المسيح، وأصبح بجملته عضوًا فاسدًا، رأي انه من الصواب قطعه من جسم الكنيسة حتى لا يفسد بقية الأعضاء، فحرمه قائلاً: "إن دمه علي رأسه، ثم نفض غبار نعله علي عتبة بابه" فاظهر الله آيته في تلك الساعة أمام أعين الحاضرين إذ إنشقت عتبة الدار، وكانت من الصوان، إلى نصفين، وبعد ذلك اظهر الله قدرته، حيث إفتقر حتى لم يبق معه درهماً واحداً، كما طرد من خدمته مهانًا، وأصابته بعض الأمراض التي أدت إلى موته أشر ميتة، وصار عبرة لغيره، إذ إتعظ به خطاة كثيرون وخافوا مما أصابه.

أهم الأحداث المعاصرة

معجزة نقل جبل المقطم

وفي زمان هذا الأب كان للمعز وزيراً اسمه يعقوب بن يوسف، كان يهوديًا وأسْلَم، وكان له صديق يهودي، كان يدخل به إلى المعز أكثر الأوقات ويتحدث معه، فإتخذ ذلك اليهودي دالة الوزير علي المعز وسيلة ليطلب حضور الأب البطريرك ليجادله، فكان له ذلك، وحضر الأب أبرام ومعه الأب الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الاشمونين، وأمرهما المعز بالجلوس فجلسا صامتين، فقال لهما: "لماذا لا تتجادلان؟"، فأجابه الأنبا "ساويرس" قائلاً: "كيف نجادل في مجلس أمير المؤمنين من كان الثور أعقل منه"، فاستوضحه المعز عن ذلك، فقال إن الله يقول علي لسان النبي: "أن الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف - إش 1: 2".

ثم جادلًا اليهودي وأخجلاه بما قدما من الحجج الدامغة المؤيدة لصحة دين النصارى، وخرجا من عند المعز مكرمين، فلم يحتمل اليهودي ولا الوزير ذلك، وصارا يتحينان الفرص للإيقاع بالنصارى، وبعد أيام دخل الوزير علي المعز وقال له إن مولانا يعلم إن النصارى ليسوا علي شيء، وهذا إنجيلهم يقول: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل"، ولا يخفي علي أمير المؤمنين ما في هذه الأقوال من الإدعاء الباطل، وللتحقق من ذلك يستدعي البطريرك، لكي يقيم الدليل علي صدق دعوى مسيحهم، ففكر الخليفة في ذاته قائلاً: "إذا كان قول المسيح هذا صحيحا، فلنا فيه فائدة عظمي، فان جبل المقطم المكتنف القاهرة، إذا إبتعد عنها يصير مركز المدينة أعظم مما هو عليه الآن، وإذا لم يكن صحيحًا، تكون لنا الحُجة علي النصارى ونتبرز من إضطهادهم"، ثم دعا المعز الأب البطريرك وعرض عليه هذا القول، فطلب منه مهلة ثلاثة أيام فأمهله، ولما خرج من لدنه جمع الرهبان والأساقفة القريبين، ومكثوا بكنيسة المعلقة بمصر القديمة ثلاثة أيام صائمين مصلين إلى الله، وفي سحر الليلة الثالثة ظهرت له السيدة والدة الإله، وأخبرته عن إنسان دباغ قديس، سيجري الله علي يديه هذه الآية.

القديس سمعان الخراز

القديس سمعان الخراز.

فإستحضره الأب البطريرك وأخذه معه وجماعة من الكهنة والرهبان والشعب، ومثلوا بين يدي المُعز الذي خرج ورجال الدولة ووجوه المدينة إلى قرب جبل المقطم، فوقف الآب البطريرك ومن معه في جانب، والمعز ومن معه في جانب آخر، ثم صلي الأب البطريرك والمؤمنون، وسجدوا ثلاث سجدات، وفي كل سجدة كانوا يقولون كيرياليسون يا رب ارحم، وكان عندما يرفع الأب البطريرك والشعب رؤوسهم في كل سجدة يرتفع الجبل، وكلما سجدوا ينزل إلى الأرض، وإذا ما ساروا سار أمامهم، فوقع الرعب في قلب الخليفة وقلوب أصحابه، وسقط كثيرون منهم علي الأرض.

معجزة نقل جبل المقطم كما جاءت في التقليد الكنسي

معجزة نقل جبل المقطم كما جاءت في التقليد الكنسي.

حيث كان البابا إبرآم والقديس سمعان الخراز يقيمان صلاة القداس الإلهي يشاركهما الشعب القبطي وفي حضرة الخليفة.

المعز بأمر الله الفاطمي.

تقدم الخليفة علي ظهر جواده نحو الأب البطريرك وقال له، أيها الأمام، لقد علمت الآن أنك ولي، فاطلب ما تشاء وأنا أعطى، فلم يرض إن يطلب منه شيئاً، ولما ألح عليه قال له "أريد عمارة الكنائس وخاصة كنيسة القديس مرقوريوس (أبو سيفين) التي بمصر القديمة، فكتب له منشورا بعمارة الكنائس، وقدم له من بيت المال مبلغًا كبيرًا، فشكره ودعا له وامتنع عن قبول المال، فإزداد عند المعز محبة نظراً لورعه وتقواه، ولما شرعوا في بناء كنيسة القديس مرقوريوس، تعرض لهم بعض الأشخاص، فذهب المعز إلى هناك ومنع المعارضين، أستمر واقفا حتى وضعوا الأساس.

كما جدد هذا الأب كنائس كثيرة في أنحاء الكرسي المرقسي.

الخلفاء والولاة المسلمون المعاصرون للخدمة

(بداية عصر الدولة الفاطمية)

[دولة خلافة إسلامية سُنية]

مقدمة

لقد كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة، فالأزمة الإقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر، عاجزة عن فرض حمايتها لها، بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر، وجــاءت وفاة كافور الأخشيدى في ســـنة (357 هـ = 968م)، لتزيل آخـــر عقبة في طريــــق الفاطميين إلى غايتهم، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر، ويقف حجر عثرة أمــام طموح الفاطميين للإستيلاء عليها.

وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات، ولم تسلس له قيادة مصر، وعجز عن مكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل، واضطربت الأحوال، وضاق الناس بالحكم، كتب بعضهم إلى المعز يزينون له فتح مصر، ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثٌب، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر فاتحاً، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه.

بداية الوجود للفاطميين

ولقد كان أمل الفاطميين - التوسع شرقاً ومجابهة الخلافة العباسية للقضاء عليها - وإذا كانت دعوتهم قد أقاموها في أطراف العالم الإسلامي، حتى تكون بعيدة عن العباسيين، فإن ذلك لم يعد مقبولا عندهم بعد أن قويت شوكتهم، وعَظِمَ نفوذهم، وإتسع نفوذهم، وأصبحت الفرصة مواتية لتحقيق الحلم المنشود، والتواجد في قلب العالم الإسلامي.

وقد بدأ الفاطميون إستعدادهم للإنتقال إلى مصر منذ سنة (355هـ = 966م)، وبدأوا فى إتخاذ كافة الإجراءات التي تعينهم على تنفيذ ذلك، فأمر المعز لدين الله الفاطمى بحفر الآبار في طريق مصر، وبناء الإستراحات على طوال الطريق، وعهد إلى إبنه "تميم" بالإشراف على هذه الأعمال.

بداية الخلافة الفاطمية

لقد أجمع المؤرخون على أن بداية الخلافة الفاطمية، كانت بداية مختلفه عن جميع الخلافات الاسلامية التى بدأت قبلها، أو ظهرت بعدها - حيث جمع الفاطميين فى بداية حكمهم بإستخدام رجال ذو خبره ومهاره فى إدارة شئون البلاد، بغض النظر عن دينهم أو عروبتهم، فمثلاً لم يكن (جوهر الصقلى) عربياً، ولكنه كان أسيراً (عبداً يونانياً) - قُدم هدية إلى الخليفة المعز، وكان يطلق عليه فى بعض الأحيان "جوهر الرومى" , ومن الرجال الذين عاونوا المعز يعقوب إبن كلس - وهو يهودى الأصل - كان يعيش فى بغداد ولما كان اليهود يعشقون المال، فقد إعتنق الإسلام بـــهدف الحصول على أكبر قدر منه , فرحل إلى مصر فى عهد كافور الإخشيدى.

ويذكر المؤرخ إبن قلانس قصة إسلامه فيقول: "أن يعقوب إبن كلس، كان واسع الحيلة والدهاء".

ويروى أن كافور قال عنه يوماً: "لو كان مسلماً لإستوزرته"، فلما سمع يعقوب ذلك دخل مسجداً فى يوم الجمعة، ونطق بالشهادتين، ومالبث أن هرب إلى المغرب، وعاون الفاطميين على فتح مصر، وقد جعله المعز اكبر مستشارية وعينه أميناً على بيت المال، وقد بدأ نظام الحكم الإسلامى يتغير، وبما أن عماد قوة الحكم الإسلامى هو الجيش لتحقيق السيطرة على الشعوب، فقد بدأ تكوينه من عناصر غير عربية، حيث أعتمد المعز على المماليك أو العبيد ليتكون منهم جيشه، وكانوا أكثر ولاءاً من بنى جنسه، ولم يوليهم إقطاعات، بل كانوا يعتمدون فى دخلهم على عطاءه لهم، وقال المؤرخون أن عدد جيشه كان أكثر من 100 ألف، ولأول مرة نجد قائداً غير عربى لجيش أسلامى هو جوهر الصقلى بعد أن كان المسلمون يعطون الوظائف الصغبرة فى الجيش للموالى المسلمون - أى غير العرب - مثل المشاة لأن الفارس يأخذ ثلاثة أضعاف أو أكثر من أغنام الحرب.

وقد ذكر المؤرخ "المقريزى" فى كتابه يقول: "ومنهم معد ولم تكن جيوشه تعدّ ولا لما أوتيه كان حد من كل ما يسعد فيه جدّ وحتى قيل‏: ‏ إنه لم يطأ الأرض بعد جيش الإسكندر بن فليبس المقدوني أكثر عددًا من جيوش المعز، فلما قام في الخلافة بمصر من بعده إبنه العزيز بالله أبو منصور نزار، كان قد إستخدم الديلم والأتراك، وإختص بهم‏".

‏ "أن خزانة الخاص حملها لما خرج العزيز إلى الشـــام عشرون ألف جملاً خارجًــا عن خزائن القواد وأكابر الدولة".

{بداية عصر الخلافة الفاطمية}.

المعز لدين الله الفاطمي

972م - 975م

دينار ذهبي للخليفة الفاطمي المعز لدين الله

دينار ذهبي للخليفة الفاطمي المعز لدين الله.

مقدمة

لقد تطلع الفاطميون إلى فتح مصر، فتكررت محاولتهم لتحقيق هذا الحلم غير أنها لم تكلل بالنجاح، وقد بدأت هذه المحاولات منذ عام 301هـ = 913م أي بعد قيام الدولة بأربع سنوات، الأمر الذي يؤكد عزم الخلفاء الفاطميين على بسط نفوذهم على مصر، وكان فشل كل محاولة يقومون بها تزيدهم إصرارا على تكرارها ومعاودتها مرة بعد مرة، ونبهت هذه المحاولات الخلافة العباسية إلى ضرورة درء هذا الخطر، فدعمت وجودها العسكري في مصر، وأسندت ولايتها إلى محمد بن طغج الإخشيد، فأوقفت تلك المحاولات إلى حين.

ولقد كانت مصر خلال هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة، فالأزمة الاقتصادية تعصف بها والخلافة العباسية التي تتبعها مصر عاجزة عن فرض حمايتها لها بعد أن أصبحت أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة، ودعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر، وجاءت وفاة كافور الأخشيد سنة (357هـ = 968م)، لتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم، وكان كافور بيده مقاليد أمور مصر، ويقف حجر عثرة أمام طموح الفاطميين للاستيلاء عليها.

وحين تولى زمام الأمور أبو الفضل جعفر بن الفرات ولم تسلس له قيادة مصر، وعجز عن مكافحة الغلاء الذي سببه نقص ماء النيل، وإضطربت الأحوال، وضاق الناس بالحكم، كتب بعضهم إلى المعز يزينون له فتح مصر ولم يكن هو في حاجة إلى من يزين له الأمر؛ إذ كان يراقب الأوضاع عن كثب، ويمني نفسه باللحظة التي يدخل فيها مصر فاتحا، فيحقق لنفسه ما عجز أجداده عن تحقيقه.

بداية دخول الفاطميين أرض مصر

لقد بدأ الفاطميون منذ سنة (355هـ = 966م)، إستعدادهم للانتقال إلى مصر، وإتخاذ الإجراءات التي تعينهم على ذلك، فأمر المعز بحفر الآبار في طريق مصر، وبناء الاستراحات على طوال الطريق، وعهد إلى إبنه "تميم"، بالإشراف على هذه الأعمال، وقد أرسل المعز لدين الله إلى مصر واحدًا من أكفأ قادته ألا وهو "جوهر الصقلي" ـ الذي نجح من قبل في بسط نفوذ الفاطميين في الشمال الأفريقي كله وخرج المعز في وداعهم في 14 من ربيع الأول 358هـ = 4 من فبراير 969م، ولم يجد الجيش مشقة في مهمته، ودخل عاصمة البلاد في 17 من شعبان 358هـ = 6 يوليو 969م دون مقاومة تذكر، وبعد أن أعطى الأمان للمصريين.

جوهر الصقلي وبناء القاهرة

لقد رأى جوهر الصقلي أن الوقت قد حان لحضور الخليفة المعز بنفسه إلى مصر، وأن الظروف مهيأة لإستقباله في القاهرة عاصمته الجديدة فكتب إليه يدعوه إلى الحضور وتسلم زمام الحكم، فخرج المعز من المنصورية عاصمته في المغرب، وكانت تتصل بالقيروان في 21 من شوال 361 هـ = 5 من أغسطس 972م، وحمل معه كل ذخائره وأمواله حتى توابيت آبائه حملها معه وهو في طريقه إليها، وإستخلف على المغرب أسرة بربرية محلية هي أسرة بني زيري، وكان هذا يعني أن الفاطميين قد عزموا على الإستقرار في القاهرة، وأن فتحهم لها لم يكن لكسب أراضٍ جديدة لدولتهم، وإنما لتكون مستقراً لهم، ومركزاً يهددون به الخلافة العباسية.

وصول المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة

لقد وصل المعز إلى القاهرة في 7 رمضان 362هـ = 11 يونيو 972م، وأقام في القصر الذي بناه جوهر، وفي اليوم الثاني خرج لاستقبال مهنئيه، وأصبحت القاهرة منذ ذلك الحين مقرا للخلافة الفاطمية، وإنقطعت تبعيتها للخلافة العباسية السنية.

ولقد قضى المعز لدين الله القسم الأكبر من خلافته في المغرب، ولم يبق في مصر إلا نحو 3 سنوات، ولكنها كانت ذات تأثير في حياة دولته، فقد نجح في نقل مركز دولته إلى القاهرة، وأقام حكومة قوية أحدثت انقلابا في المظاهر الدينية والثقافية والاجتماعية في مصر، ولا تزال بعض آثاره تطل علينا حتى الآن، وجعل من مصر قلبا للعالم الإسلامي ومركزاً لنشر دعوته الإسماعيلية والتطلع إلى التوسع وبسط النفوذ.

وقد قامت القاهرة بعد ذلك بدورها القيادي حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية في الوقوف أمام المد الصليبي وهجمات المغول، وهو ما يثبت أن العالم الإسلامي كان بحاجة إلى مركز متوسط للقيام بمثل هذه الأدوار، وهذا ما تنبه إليه الفاطميون، وأثبتته أحداث التاريخ من قديم الزمان؛ حيث كانت الإسكندرية تشغله في العصر الروماني البيزنطي.

ولم تطل الحياة بالمعز في القاهرة ليشهد ثمار ما أنجزته يداه، لكن حسبه أنه نجح في الانتقال بدولته من المغرب التي كانت تنهكها ثورات البربر المتتالية، ولم تدع له فرصة لالتقاط أنفاسها حتى تكون مُسٌتَقَراً جديداً للتوسع والاستمرار، وأنه أول خليفة فاطمي يحكم دولته من القاهرة، عاصمته الجديدة.

فترة الصراع مع القرامطة

لقد حارب المعز القرامطة، وجرّد لهم الجيوش إلى أن إستطاع إبعادهم إلى شرق الجزيرة العربية بعيداً عن مكة وجوارها، ويذكر التاريخ أن عدة مراسلات نشأت بين الطرفين، ولكن أشهرها هي رسالة المعز التي نورد مقتطفاً منها أدناه:

{من عبد الله ووليه وخيرته وصفيه معد أبي تميم المعز لدين الله أمير المؤمنين وسلالة خير النبيين ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد: بسم الله الرحمن الرحيم رسوم النطقاء ومذاهب الأئمة والأنبياء ومسالك الرسل والأوصياء السالف والآنف منا صلوات الله علينا وعلى آبائنا أولى الأيدي والأبصار في متقدم الدهور والأكوار وسالف الأزمان والأعصار عند قيامهم بأحكام الله وانتصابهم لأمر الله الابتداء بالإعذار والانتهاء بالإنذار قبل إنفاذ الأقدار في أهل الشقاق والأصار لتكون الحجة على من خالف وعصى والعقوبة على من باين وغوى حسب ما قال الله جل وعز: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً، فإستشعروا النظر قد نقر في الناقور، وفار التنور وأتى النذير بين يدي عذاب شديد فمن شاء فلينظر ومن شاء فليتدبر وما على الرسول إلا البلاغ المبين وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور ووقت مذكور فلا نرفع قدماً ولا نضع قدماً إلا بعلم موضوع وحكم مجموع وأجل معلوم وأمر قد سبق وقضاء قد تحقق، فما أنت وقومك، إلا كمناخ نعم أو كمراح غنم فإما نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون وأنت في القفص مصفودا ونتوفينك فإلينا مرجعهم فعندها تخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين" فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَولَّى "،" كَأََنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ". فليتدبر من كان ذا تدبر وليتفكر من كان ذا تفكر وليحذر يوم القيامة من الحسرة والندامة" أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يحَسْرَتَي عَلَى مَا فَرَّطتُ في جَنبِ اللهِ "ويا حسرتنا على ما فرطنا ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل، هيهات غلبت عليكم شقاوتكم وكنتم قوماً بوراً، والسلام على من اتبع الهدى وسلم من عواقب الردى وانتمى إلى الملأ الأعلى وحسبنا الله الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا النبي الأمى والطيبين من عترته وسلم تسليماً}.

الخليفة المعز لدين الله الفاطمي يعتنق المسيحية

مما قيل عن المعز لدين الله الفاطمي فيما يخص إيمانه بالمسيحية، وإعتناقه إياها قبل وفاته بفترة وجيزة، أنه لما رأي بعينه معجزة نقل جبل المقطم على يد الأقباط، بقيادة بطريركهم البابا "إبرآم"، آمن بالمسيحية، وإعتنقها، وأن جثمانه، لم يزل إلى يومنا هذا موارى الثرى في دير القديس العظيم في الشهداء أبي سيفين بمصر القديمة.

الوفاة

لم تستمر فترة حكم الخليفة المعز لدين الله الفاطمي كثيراً، إذ توفاه الله وهو بعمر الخمسة وستون عاماً.

62 - البابا إبــــرآم - Abraham

أيقونة أثرية للقديس البابا إبرآم.

صورة للقديس البابا إبرآم والقديس سمعان الخراز

صورة للقديس البابا إبرآم والقديس سمعان الخراز من داخل كنيسة القديس سمعان الخراز بالمقطم بالقاهرة.

كنيسة القديس سمعان الخراز بجبل المقطم بالقاهرة

كنيسة القديس سمعان الخراز بجبل المقطم بالقاهرة والتي تم تأسيسها في ذات الموضع الذي شهد معجزة نقل جبل المقطم في عهد باباوية قداسة البابا الأنبا إبرآم.

النياحة

بعد أن قضى على الكاتدراء المرقسي ثلاثة أعوام وستة أشهر، أكمل خلالها السعي، قائماً على خدمة رعية الرب في أرض مصر خير قيام، تنيَّح البابا الأنبا "إبرآم" بسلام في سنة 979 م.


الموضوع الأصلي متاح من خلال موقع المؤلف هنا https://kingdomoftheearth.blogspot.com/

التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح
التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح