55 – البابا سانوتيوس الأول – Shenouda I – الأستاذ أشرف صالح

الرئيسية » مقالات » قسم التاريخ » موضوعات تاريخية » بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية » 55 – البابا سانوتيوس الأول – Shenouda I – الأستاذ أشرف صالح.


[تابع بطاركة القرن التاسع الميلادي].

55 - البابا سانوتيوس الأول - Shenouda I

859 م – 880 م

مقدمة

كان البابا "سنوتيو الأول" - أو "شنودة الأول" - هو أحد رهبان دير القديس الأنبا مقار الكبير ببرية شيهيت.

وإذ تزايد في الفضيلة والعبادة والتقوى، تم تعيينه قمصاً علي كنيسة الدير، ثم إختير بعد قليل للبطريركية بتزكية الشعب والأساقفة، وإعتلي الكرسي في 13 طوبة 575 ش. (8 يناير سنة 859 م.)، وقد حلت به شدائد كثيرة وإضطهادات قاسية، وكان الله يجري علي يديه آيات كثيرة وشفي أمراضاً مستعصية.

الجلوس على الكاتدراء المرقسي

بعد نياحة الأنبا قزمان حدث اختلاف بين الأساقفة عن من يخلفه واتفقوا على تقديم الأب شنودة الذي من البتانون قرية الثلاثين ربوه، وتخرج من دير أبو مقار، وقد كان هذا البابا عالما تقيًا، ورسم بطريركاً في 13 طوبة سنة 575 ش. الموافق 8 يناير سنة 859 م.

وعقب إستلامه عصا الرعاية، جاهد للرد على البدع والهرطقات التي كانت تحدث بين المؤمنين، وكان أهالى قرية مريوط متمسكين ببدعتي أبوليناريوس وأوطاخي.

وأرشدهم للإعتقاد الصحيح، واتجه للوجه القبلي فوجد أن نصارى البلينا قد خرجوا على أسقفهما، واعتنقوا بدعتيّ سابيليوس وفوتيوس الذين كانا يعتقدان بآلام لاهوت السيد المسيح وقت الصلب وأقنعهم حتى عادوا إلى الصواب.

فضائل ومواهب البابا شنودة الأول

معجزة سقوط الأمطار بعد إنقطاعها ثلاث سنوات

قد حدث في خلال فترة جلوس البابا "شنودة الأول" على الكرسي الباباوي المرقسي، أن إمتنع المطر عن مدينة مريوط لمدة ثلاث سنوات، حتى جفت الآبار، وأجدبت الأراضي، فجاء هذا الأب إلى كنيسة القديس أبا مينا بمريوط، وقام بخدمة القداس، وطلب من الله أن يرحم خليقته، فلما كان غروب ذلك اليوم بدأت الأمطار تنزل رذاذا ثم إنقطعت، فدخل هذا الأب إلى مخدعه، ووقف يصلي قائلاً: "يا ربي يسوع أرحم شعبك"، حتى حصلت بروق ورعود، ونزل غيث كالسيل المنهمر، حتى إمتلأت البقاع والكروم والآبار، فإرتوت الأرض، وإبتهج الناس ممجدين الله صانع العجائب.

هروب عُربان الصعيد من أمام صليب البابا شنودة الأول

من الأحداث التي تُظهر مدى قداسة البابا "شنودة الأول"، أنه كان ذات مرة بالبرية لزيارة الأديرة أن أغار عليها عربان الصعيد، وتعرض سكانها للقتل والنهب، فخرج إليهم وبيده صليبه، فحين أبصروا الصليب تقهقروا من أمامه، وولوا هاربين ( وقد ورد ذكر هذه الأعجوبة تحت اليوم التاسع من شهر برمودة).

وقد وردت هذه الرواية في مرجع تاريخي آخر على التفصيل التالي:

{إعتاد الأنبا شنودة أن يذهب لدير أبو مقار ببرية شيهيت يوم الخميس الكبير، ولما هاجم العرب الدير لينهبوا الرهبان والشعب الزائر، خاف الجميع، ورفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب، وتقدم البابا شنودة الشجاع إلى الأشرار وطلب منهم أن يأتوا إليه ليقتلوه، فلما أبصروه وقورًا شجاعًا رجعوا إلى الوراء، فأمر البابا شنودة الأول بأن يُبنى في كل دير حِصنًا للحماية}.

البدع والهرطقات المعاصرة

منذ أن جلس البابا "شنودة الأول" على كاتدراء مرقس الرسول، وهو لم يدخر جهداً في سبيل الدفاع عن إستقامة إيمان البيعة المقدسة في مصر، فجاهد للرد على البدع والهرطقات التي كانت منتشرة بين المؤمنين في ذلك الزمن، وكان أهالى قرية مريوط متمسكين ببدعتي أبوليناريوس وأوطاخي.

وفيما يلي جانباً من الضلالات التي ظهرت في عصره:

1 - بدعة الإدعاء بموت الناسوت ورد البابا شنودة الأول عليها

لقد حدث أن ظهر قوم آخرون قالوا أن طبيعة الناسوت ماتت وكان هؤلاء من البلينا مع أساقفتهم فلما بلغ هذا الأب خبرهم كتب لهم يقول: "أن طبيعة الله الكلمة غير المدركة ولا ملموسة ولا متألمة، لا يمكن أن يقع الألم علي جوهرها ولكن اشتراك اللاهوت مع الناسوت في الألم كان إشتراكاً أدبياً، ليعطي قيمة لهذه الآلام، فتسدد دين البشرية لله غير المحدود، ولا يمكن أن يكون هذا إلا إذا كان اللاهوت مشتركاً فيها أدبيا بدون أن يتأثر جوهره ولهذا يقال: قدوس الله يا من صلبت عنا إرحمنا".

ولما وصلت رسالته إليهم رجعوا عن ضلالهم، وإعترف الأساقفة بذلك أمام البابا وطلبوا المغفرة.

2 - بدعة الإدعاء بمفارقة اللاهوت للسيد المسيح

كان بقرية تسمي بوخنسا من قري مريوط، قوم يقولون أن المتألم عنا علي عود الصليب هو إنسان فارقه اللاهوت، فكتب هذا البابا رسالة أيام الصوم المقدس وأمر بقراءتها في الكنائس قال فيها: "أن المتألم عنا هو الله الكلمة بجسده من غير أن يفترق عنه، ولكن الألم لم يقع علي جوهر اللاهوت، كما تضرب الحديد المشتعل نارا ًفلا تتأثر النار ولكن الأثر يأتي علي الحديد كذلك لكي تكون لآلام الناسوت قيمة كان لابد للاهوت أن يكون حالاً فيه وبهذه الآلام كفر المسيح عن البشرية كلها".

أعمال البابا شنودة الأول خلال فترة الخدمة

في مجال بناء وتعمير الكنائس ودور العبادة

لقد كان البابا "شنودة الأول" كثير الإهتمام بأمور الكنائس، ومواضع سُكنى الغرباء وكان كل ما يفضل عنه يتصدق به.

وإنتهز البابا عهد الراحة فوصَّل المياه للإسكندرية في قناة بنى لها صهريجًا مرتفعًا في المدينة، ومد منه المواسير والمجارى إلى المنازل والمساكن، وسقيت الأراضي. وحدثت معجزة هي عدم أمطار السماء، وشكى الشعب للبابا قلة المطر، فصلى البابا، وعقب تقديم الأسرار الإلهية أمطرت السماء بغزارة وشكروا جميعًا الرب. ولما ملك أحمد إبن طولون مصر كره البطريرك لتوهمه بأنه في إمكانه أن يقاومه، وقد راعى على بث الفتنة بين الوالي والبطريرك، ولكن البطريرك قد أثبت براءته، وغَرٌم الراهب غرامة كبيرة.

فترة إضطهاد ولاة مصر المسلمون للكنيسة

في عهد الخليفة المنتصر، تولى مصر يزيد بن عبد الله، وكان هذا الوالي قاسياً فأمر البابا شنودة أن يدفع له خمسة آلاف دينار، وأن يدفع هذا المبلغ سنوياً، فهرب البابا إلى أحد الأديرة البعيدة، وصار الوالي ينهب الكنائس ويسلب الكهنة، وسمع البطريرك بعذاب الكهنة والشعب، فسلَّم نفسه للوالي، وطلب منه أن يدفع سبعة آلاف دينار منها أربعة آلاف خراج الكنائس مدة سنتين وثلاثة آلاف خرج للرهبان سنة واحدة!.

وصار الأساقفة والقسوس يجمعون المبلغ. فجمعوا أربعة آلاف دينار قدمها البطريرك للوالي وتعهد بدفع مثلها كل عام، فعفا عنه الوالي وأطلقه. ثم إستولى على كرسي الخلافة المعتز بالله، فإنتخب البطريرك رجلين من كبار الأقباط الأرخن ساويرس والأرخن إبراهيم، وأرسلهما للخليفة ليبلغاه ظلم حكام مصر، وأحسن الخليفة إستقبالهما، وأمر بإرجاع ما سلب من الأقباط، وأرسل البابا صورة من القرار لكل أسقف.

الخلفاء المعاصرون للخدمة

[تابع - خلفاء الدولة العباسية الإسلامية الشيعيٌة]

الخليفة المتوكل على الله

809 م - 833 م

دينار الخليفة المتوكل على الله

دينار الخليفة المتوكل على الله.

الخليفة المنتصر بالله

809 م - 833 م

درهم الخليفة المُنتصر بالله

درهم الخليفة المُنتصر بالله.

[مُختصر تاريخ الخليفة المُنتصر بالله].

هو محمد المنتصر بالله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد - الخليفة العباسي الحادي عشر، وقد جلس على كرسي الخلافة في الفترة من 247 - 248 هــ.

وكانت أمه تسمى أم ولد رومية اسمها حبشية ولد سنة 222 هـ.

وقد عقد له أبوه ولاية العهد سنة 235 هـ، ويُعَدُّ عهد الخليفة المنتصر هو بداية عصر ضعف الدولة العباسية.

وقد بويع بالخلافة بعد مقتل أبوه المتوكل في 4 شوال سنة 247هـ.

وقد أظهر العدل والإنصاف في الرعية، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له، وكان كريماً حليماً.

الخليفة المُستعين بالله

809 م - 833 م

درهم الخليفة المستعين بالله

درهم الخليفة المستعين بالله.

[مُختصر تاريخ الخليفة المُستعين بالله].

هو أبو العباس أحمد المستعين بالله، هو أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد - الخليفة الثاني عشر في خلفاء الدولة العباسية، وكانت أمه هي: أم ولد صقلية، وكان إسمها مخارق، وقد ولد سنة 220هـ.

فيي بداية حكمه، بدأت الدولة العباسية في التداعي والإشراف على السقوط والإنهيار، فتعرض للخلع من كرسي الخلافة، وللقتل، وذلك بعدما تمكر له الأتراك خاف وانحدر من سامرا إلي بغداد، فأرسلوا إليه يعتذروا ويخضعون له ويسألونه الرجوع فامتنع فقصدوا الحبس وأخرجوا المعتز بالله وبايعوه وخلعوا المستعين، ثم جهز المعتز جيشاً كثيفاً لمحاربة المستعين، فوقعت بينهما وقعات ودام القتال أشهراً وكثر القتل، وعم الغلاء، وعظم البلاء، وقد إنحل أمر المستعين، فسعوا في الصلح فخلع المستعين نفسه وأشهد عليه القضاة. وقد أرسل المعتز إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله فقال والله لا أقتل أولاد الخلفاء، فندب له سعيد الحاجب، فذبحه في ثالث شوال من السنة وله إحدى وثلاثون سنة.

الخليفة المعتز بالله

809 م - 833 م

[مُختصر تاريخ الخليفة المُعتز بالله].

هو أبو عبد الله المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد في - الخليفة الثالث عشـــر خلفاء الدولة العباسية، وكانت أمه هي: أم ولد - واسمها قبيحة، وقد ولد سنة 231هـ.

بويع بالخلافة بعد خلع المُستعين بالله في 4 محرم سنة 252 للهجرة، ولم يزل والياً إلى أن خلع نفسه في 27 من رجب سنة 255هـ.

وقد كان عمره يوم ولي الخلافه تسعة عشر عاماً، كان بديع الحسن.

قال على بن حرب: ما رأيت خلفة أحسن منه، وهو أول من أحدث اي أوجد الركوب بحلية الذهب، وكان الخلفاء يركبون بالحلية الخفيفة الفضة.

وفي أول سنة من خلافته توفي أشناس التركي الذي إستخلفه الواثق على السلطنة، فإستخلف المعتز محمد بن عبد الله بن طاهر ثم عزله، فإستخلف اخاه أبا أحمد وتوجه بتاج من الذهب ثم عزله بعد حين، وسلطن بغا الشرابي فخرج على المعتز وقتل لذلك.

وحصل أن جلد أخيه المؤيد وخلعه من ولاية العهد، فمات من الجلد، فأتى بالشهود أنه لم يقتل أخاه.

وبعد حين في رجب سنة 255 للهجرة، تمرد الاتراك على قائدهم بن وصيف وطلبوا الأموال من المعتز وقد سأل أمه قبيحة، فلم تعطه بخلاً منها، فإتفق التُرك على قتله وصلبوه، وخلعوه، وبايعوا محمد بن الواثق، وقتلوه في شهر رجب من عام 255 للهجرة.

[تابع الخلافة العباسية - بداية الدولة الطولونية]

أحمد بن طولون لمصر

(مقدمة عن تاريخ الدولة الطولونية)

لقد إعتمد العبَّاسيُّون في سبيل تأسيس دولتهم، على الفُرس النَّاقمين على الأُمويين، بعد أن كان الأُمويّون، يعتمدون على العُنصر العربي في إدارة دولتهم وقيادة جُيوشهم، وقد كافأ الخُلفاء العبَّاسيُّون الأولون أنصارهم من الفُرس، فجعلوهم وُزراء وقادة. ولكن هؤلاء الخُلفاء لم يلبثوا أن أدركوا أنَّ نُفوذ الوُزراء الفُرس، كان قد فاق نُفوذهم، فتخلَّصوا منهم: هكذا فعل أبو جعفر المنصور عندما قتل وزيره أبا مُسلم الخُراساني، وهكذا فعل هٰارون الرشيد، عندما فتك بِوزيره جعفر بن يحيى البرمكي، ونكَّل بِأُسرته. وقد غذَّى هذا الصراع السياسي بين الفُرس والعرب، في مطلع العهد العبَّاسي نزعةٌ «شُعوبيَّة»، ترمي إلى تفضيل الشُعوب غير العربيَّة على العرب، وتقول إنَّ هذه الشُعوب، تتفوَّق على العرب في الحضارة، وفي الأدب، والشعر.

وقام جدالٌ طويلٌ بين طرفيّ النزاع، وإنتصر لِكُلِّ فريقٍ أبناؤه من الشُعراء والمُؤلفين والساسة، وهذا الإنشقاق بين رعايا الدولة أدَّى إلى ولادة أولى الحركات الإنفصاليَّة عن الدولة العبَّاسيَّة، بِقيادة القائد العسكري طاهر بن الحُسين، الذي أنشأ الدولة الطاهريَّة في خُراسان سنة 821م.

ولعل من العوامل الدَّاخليَّة التي شجَّعت على انتشار الحركات الإنفصاليَّة، اتساع رقعة الدولة العبَّاسيَّة، حتَّى غدت إمبراطوريَّة تبسطُ جناحيها على كافَّة أنحاء المنطقة المُمتدَّة من حُدود الصين وُصولًا إلى المغرب الأوسط في شمال أفريقيا.

ولكن هذا الإتساع في المساحة، بدلًا من أن يكون عامل قُوَّةٍ في كيان الدولة، انقلب إلى عامل ضعفٍ، فساعد على تفسُّخها وتفكُّكها، ذلك أنَّ بُعد المسافة بين أجزاء الدولة وبين عاصمتها، وصُعوبة المُواصلات في ذلك الزمن، جعلا الوُلاة في البلاد النائية يتجاوزون سُلطاتهم، ويستقلُّون بِشُؤون ولاياتهم، دون أن يخشوا الجُيوش القادمة من عاصمة الخِلافة لِإخماد حركاتهم الإنفصاليَّة، والتي لم تكن تصل إلَّا بعد فوات الأوان.

وساعد ضُعف الخُلفاء العوامل السَّابقة على أن تبرز وتقوى وتعمل عملها في إضعاف الدولة، فاستغلَّ الوُلاة هذا الضعف، وقد بلغ الأمر ببعضهم أن أقاموا في بغداد وأوفدوا نُوَّابًا عنهم لِإدارة ولاياتهم، ولم يلبث هؤلاء النُوَّاب أن تطلَّعوا إلى الإستقلال بِهذه الولايات، وجعلوا مناصبهم وراثيَّة في أبنائهم، وهكذا نشأت دُويلات، لا يربطها بالخِلافة العبَّاسيَّة إلَّا تبعيَّة اسميَّة.

ولقد كان الأُمويّون أوَّل من إستقدم (التُرك) من بلادهم، بعد إعتناقهم الإسلام، وإستخدموهم في الجُيوش وأجهزة الدولة.

وبعد سُقوط الدولة الأُمويَّة، وقيام الدولة العبَّاسيَّة على أنقاضها، وإستقرار دعائمها في عهد أبي جعفر المنصور، برز عددٌ من الشخصيَّات التُركيَّة الذين كان عددهم يزدادُ شيءًا فشيءًا بِتوافُدهم على دار الخِلافة، فاستخدمهم الخُلفاء العبَّاسيّون في العصر العبَّاسي الأوَّل في قُصورهم وإئتمنوهم على أسرارهم، وأسندوا إليهم أمر سلامتهم الشخصيَّة.

وكان أبو جعفر المنصور أوَّل خليفةٍ عبَّاسيّ إتخذ التُرك بطانة ومُوظفين، فقرَّب حمَّادًا التُركي ووثق به، وجعلهُ من خاصَّته وأُمناء سرِّه، وبلغت ثقته به حدًا أنَّهُ كان لا يأمن أحدًا على أسرار سجلَّات الدولة غيره، وكان يُصرُّ المفتاح في كُمِّ قميصه.

ونفر أبو جعفر المنصور من إستخدام العرب في قُصوره، ولم يرضَ بأن يعمل في خدمة قصره أو حرمه، أحدٌ من العرب، وفضَّل عليهم عناصر أُخرى كالتُرك، وهو أوَّل من ولَّاهم الحجابة، فإختار حمَّادًا التُركي حاجبًا له، بعد أن توطدت دعائم الدولة، كما ولَّاهُ السَّواد.

كما إستخدم أبو عبد الله مُحمَّد المهدي عددًا من التُرك في قُصوره مثل شاكر التُركي، وهو أحد قادة الجيش في فارس، وفرج الخادم الذي برز في عهد هٰارون الرشيد فيما بعد، ويحيى بن داود الخرسي الذي ولَّاه مصر في سنة 162هـ - المُوافقة لِسنة 778م.

لوحة تخيلية توضح جيوش الأتراك في إحدى حملاتهم التوسعية الإستقلالية عن الدولة العباسية

لوحة تخيلية توضح جيوش الأتراك في إحدى حملاتهم التوسعية الإستقلالية عن الدولة العباسية.

وقد أدَّى الجُند التُرك في عهده، دورًا بارزًا في مُحاربة الخوارج، عندما ثاروا بِقيادة عبد السلام اليشكري، في سنة 160هـ - والمُوافقة لِسنة 776م، في باجرما، وتوسَّع هٰارون الرشيد، في إستخدام التُرك في قُصوره ودوائره وجيشه، فكان أبو سليم فرج الخادم التُركي أحد قادة جيشه، وقد طلب منه الخليفة تعمير مدينة طرسوس وإكمال بنائها وذلك في سنة 170هـ المُوافقة لِسنة 786م، ومسرور الخادم الذي يُعدُّ بِحق من أقرب الناس إلى هٰرون الرشيد الذي وثق به ثقة تفوق الوصف، وقد أسند إليه مُهمَّة التخلُّص من أبرز شخصيَّة برمكيَّة في دار الخِلافة العبَّاسيَّة، وأقربها إلى نفس الخليفة، وهو جعفر بن يحيى البرمكي، فنفَّذ مسرور المُهمَّة بِدقَّة.

وضمَّت حاشية الرشيد بعض التُرك، واستخدم الجواري من فرغانة وإشروسنة وغيرهما، وأضحى بعضهُنَّ مُحظيات، مثل ماردة بنت شبيب، أُم المُعتصم، التي تُعد من أحظى النساء لدى الرشيد، وهي تُركيَّة.

وتوسَّع أبو جعفر عبدُ الله المأمون، بعد ذلك، في إستخدام التُرك في قُصوره وجُيوشه، وإستقدمهم من بلاد ما وراء النهر، بعد أن دخلوا في الإسلام، فإزدحمت وُفودهم على بابه، وكان يُبالغ في إكرام من يردُ بابه من مُلوك التُرك، ووصل بعض هؤلاء التُرك إلى مناصب قياديَّة - منهم طولون - والد أحمد مُؤسس الدولة الطولونيَّة، وكاوس، وقد عيَّنهُ المأمون واليًا على أشروسنة، وإبنه الأفشين حيدر الذي يُعدُّ من كبار قادة المأمون وأحد الذين قدَّموا خدمات جليلة للدولة بما قاموا به من قمع العديد من الثورات. ولمَّا بُويع للمُعتصم بالخِلافة، كان الصراع بين العرب والفُرس، الذين حظوا بِعطف المأمون خِلال السنوات الأولى من خِلافته، قد بلغ مبلغًا مُرتفعًا، واختلَّت التوازُنات بين العناصر التي تكوَّنت منها الدولة العبَّاسيَّة، وقامت حركاتٌ مُناهضة للدولة ذات خلفيَّات فارسيَّة، فبدأت ثقة المُعتصم بالفُرس تضعُف. ومن جهةٍ أُخرى، لم يركن المُعتصم إلى العُنصر العربي، ولم يثق بالعرب نظرًا لِكثرة تقلُّبهم واضطرابهم وقيامهم ضدَّ الخُلفاء، بالإضافة إلى أنَّهم فقدوا كثيرًا من مُقومات قُوَّتهم السياسيَّة والعسكريَّة، فأصبحوا أقل خُطورة وأضعف شأنًا.

وقد حمٌلت هذه المُعطيات - الخليفة المُعتصم - على أن يُوكِّل أمر سلامته الشخصيَّة إلى فرقةٍ من العُنصر التُركي، لا سيَّما أنَّ طباع هؤلاء النفسيَّة والجسديَّة تتوافق مع مُهتمهم، وأضحى لِهذا العُنصر أثرٌ كبيرٌ في الحياة السياسيَّة والاجتماعيَّة، وأصبح الحرسُ التُركيّ دعامةً من دعائم الخلافة أيَّام حُكمه، من واقع الحِفاظ على دولته والإبقاء على خِلافته في ظل الصراع العربي - الفارسي، فإستخدم التُرك في الجيش على نطاقٍ واسعٍ وجعلهم تحت إمرة قادة منهم، مُسددًا بِذلك ضربة عنيفة لِلقادة والجُند العرب، ولِسياسة أبي جعفر المنصور التقليديَّة، والتي كانت تستهدف حفظ التوازن في الجيش بين الفرق العربيَّة والفرق الأعجميَّة، وأسكن المُعتصم التُرك مدينة سامرَّاء التي بناها خصيصًا لهم.

وقد إنتقلت عاصمة الخِلافة إلى سامرَّاء، والتي ظلَّت ما يقرب من خمسين سنة حاضرة دولة الخِلافة العبَّاسيَّة، وأضحت مقرًّا للعصبيَّة التُركيَّة الجديدة.

ومُنذُ عهد المُعتصم أخذت تظهر على مسرح الحياة السياسيَّة شخصيَّاتٌ تُركيَّة أدَّت دورًا كبيرًا في الحياة العامَّة، أبرزها الأفشين وأشناس وإيتاخ، ووصيف وسيما الدمشقي، وقد خدموا الدولة، وساندوها في حُروبها الداخليَّة ضدَّ الحركات المُناهضة التي نشبت في أجزائها المُختلفة، وفي حُروبها الخارجيَّة ضدَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.

ومع مُرور الزمن أخذ هؤلاء التُرك يتجهون إلى تكوين كيانٍ خاصٍ بهم سواء في كنف الخِلافة أو مُنفصلًا عنها، كما طمع بعضهم في الاستئثار بِشُؤون الحُكم في العاصمة حين أدركوا أنَّ الخِلافة لا يُمكنها الاستغناء عن خدماتهم. وتُعدُّ خِلافة أبو جعفر هٰرون الواثق بالله مرحلة انتقالٍ بين عهدين: الأوَّل هو عهد سيطرة التُرك على مُقدرات الدولة مع بقاء هيبة الخِلافة، والثاني هو عهد سيطرة التُرك مع زوال هيبة الخِلافة وهُبوط مكانة الخُلفاء.

وقد ثبَّت التُرك في عهد الواثق أقدامهم في الحُكم، وحصل رُؤساؤهم على نُفوذٍ كبيرٍ حتَّى اضطرَّ الخليفة أن يخلع على أشناس لقب «السُلطان»، مُعترفًا لهُ بِحُقوقٍ تتجاوز نطاق المهام العسكريَّة، فكان بِذلك أوَّل خليفةٍ استخلف سُلطانًا، وأسند إليه أعمال الجزيرة الفُراتيَّة والشَّام ومصر، كما عهد إلى إيتاخ بِولاية خُراسان والسند وكُور دجلة. نتيجةً لِهذا التوسُّع في الصلاحيَّات إزداد نُفوذ التُرك داخل العراق وخارجه، فهيمنوا على دار الخِلافة، وأحكموا سيطرتهم الفعليَّة على كافَّة أقاليمها، ثُمَّ خطوا خُطوة أُخرى حين اعتقدوا أنَّهُ لا بُدَّ من السيطرة على شخص الخليفة حتَّى يستمر سُلطانهم بوصفه مصدر هذا السُلطان، فأحاطوا به يُراقبون تحرُّكاته، ويُشاركون في المُناقشات السياسيَّة، ومن أجل ذلك، لم يذهبوا إلى ولاياتهم، وأنابوا فيها عُمَّالًا عنهم. وقد شكَّل هذا التدبير خُطوةً سياسيَّةً على طريق انفصال الولايات عن الإدارة المركزيَّة، إذ طمع الوكلاء بِولاياتهم، واستقلَّوا بها مُنتهزين فُرصة ضعف السُلطة المركزيَّة، وعدم معرفة الخليفة بما يجري في الولايات لاطمئنانه إلى من ولَّاهم من التُرك.

وقد خطا التُرك خُطوةً إضافيَّةً من أجل تشديد قبضتهم على الخِلافة، فأخذوا يتدخلون في إختيار الخُلفاء وتوليتهم، وكان الواثق هو آخر الخُلفاء الذين تمَّت توليتهم على التقليد الذي كان مُتبعًا من قبل، وعندما مات الواثق لم يعهد لِابنه مُحمَّد بِفعل صغر سنِّه، فنشب الصراع بين فئتين رئيسيَّتين بِشأن إختيار الخليفة. هذا - وقد تألَّفت الفئة الأولى، من كِبار رجال الدولة، والذين يُشكلون على الإجمال من أبناء البيت العبَّاسي والوزير مُحمَّد بن عبد الملك الزيَّات، وقاضي القُضاة أحمد بن أبي دؤاد، وهُم أهل الحل والعقد في بيعة الخليفة، وقد رشَّحوا مُحمَّد بن الواثق. وتمثَّلت الفئة الثانية بِقُوَّة التُرك النامية، وقد رشَّحت هذه الفئة جعفر بن المُعتصم، ونجحت في فرضه، وتلقَّب «بالمُتوكِّل على الله». شكَّلت هذه الحادثة سابقة خطيرة في تولية الخُلفاء بعد ذلك، إذ أضحى القادة التُرك أهل الحل والعقد، لا تتم الخِلافة إلَّا بِمُوافقتهم ورضاهم، يرفعون الرجل الذي يرتضونه، والعكس صحيح، فأحكموا بذلك قبضتهم على شُؤون الخِلافة، يُصرِّفون الأُمور بِإرادتهم، وكان أن أدرك المُتوكِّل ومن بعده إبنه المُنتصر حقيقة موقف التُرك الضاغط على الخِلافة، وشعرا بإستبدادهم بِشؤونها، وقلَّة إحترامهم لِشخص الخليفة، فحاول كُلًا منهما التخلُّص منهم وتحجيمهم، فتنبَّه هؤلاء إلى الخطر المُحدق بهم، فتخلَّصوا من الخليفتين وقتلوهما. وهكذا أصبح التُرك سادة الموقف بِحق في عاصمة الخِلافة، ولا يقوى على مُنازعتهم أحد.

هذا - وقد نَشِطَت الدعوة العلويَّة في مصر مُنذُ أيَّام أبي جعفر المنصور (136 - 158هـ 753 - 775م) واستمرَّت طيلة العصر العبَّاسي الأوَّل، وما حدث من اضطهاد العبَّاسيين للعلويين في المشرق الإسلامي، أجبرهم على الفرار إلى الجهات البعيدة عن مقر الخلافة العبَّاسيَّة، ومنها مصر. ولقد كان سببُ الخلاف الشديد بين العلويين والعبَّاسيين هو بطبيعة الحال أنَّ العلويين إعتقدوا بأنَّ العبَّاسيين مُغتصبين للسُلطة مثل الأُمويين، على الرُغم من أنَّ بني العبَّاس من آل البيت، الذين اعتقد العلويين بِأحقيتهم بالخِلافة. ويبدو أنَّ الخُلفاء العبَّاسيين بعد أبي جعفر لم يتعرَّضوا للعلويين في مصر، ولعلَّ مردُ ذلك يعود إلى إخلادهم إلى الهُدوء من جهة ومُحاولة هؤلاء إستقطابهم من جهةٍ أُخرى، وبقي الوضع على ذلك حتَّى اعتلاء المُتوكِّل سُدَّة الخِلافة، وهو الذي أبغض العلويين؛ فأرسل كتابًا إلى والي مصر إسحٰق بن يحيى يأمُره بِإخراج آل عليّ بن أبي طالب منها، فأُخرجوا من الفسطاط في شهر رجب سنة 236هـ المُوافق فيه شهر كانون الثاني (يناير) سنة 851م، إلى العراق ومن هُناك أُبعدوا إلى المدينة المُنوَّرة، واضطرَّ الذين بقوا في مصر إلى الاختفاء بِفعل أنهم أصبحوا غير آمنين على أنفُسهم، واستأصل خلفه يزيد بن عبد الله شأفة هؤلاء وحمل منهم جماعة إلى العراق على أقبح وجه. وأقرَّ الخليفة المُنتصر يزيد بن عبد الله على ولايته بِمصر، وأمرهُ بألَّا يُقبِّل - يلتزم - علويّ ضيعة، ولا يركب فرسًا، ولا يُسافر من الفسطاط إلى طرفٍ من أطرافها، وأن يُمنعوا من إتخاذ العبيد إلَّا العبد الواحد، وإن كانت بينه وبين أحدٍ من الطالبيين خُصومةٌ من سائر الناس، قُبل قول خصمه فيه ولم يُطالب بِبيِّنة.

هذا - ولقد عُرفت الدولة الطولونية بأنها الدَّولةُ التي أسسها "أحمد إبن طولون"، وقد سُميت أيضاً بإسم: (الإِمَارَةُ الطُّولُونِيَّة) - كما عُرفت أيضاً بإسم (دَوْلَةُ بَنِي طُولُون)، وفقاً لأقدم المصادر.

وهذا المُصطلح (الدولة الطولونية)، هو مُصطلح يتم بواسطته - إختصار الخِطاب الشعبي بإسم: (الطولونيُّون)، وهي في واقع الأصل إمارة إسلاميَّة، كان قد أسَّسها أحمد بن طولون التغزغزي التُركي في مصر، وتمدَّدت لاحقًا باتجاه الشَّام، لِتكون بِذلك هي أول دُويلة تنفصل سياسيًّا عن الدولة العبَّاسيَّة، وتتفرَّد سُلالتها بِحُكم الديار المصريَّة والشَّاميَّة.

هذا - وقد قامت الدولة الطُولونيَّة، في خِلال زمن تعاظم قُوَّة التُرك في الدولة العبَّاسيَّة وسيطرة الحرس التُركي على مقاليد الأُمور، وهو ذاته العصر الذي كان يشهد نُموًا في النزعة الشُعوبيَّة، وتغلُّب نزعة الإنفصال على شُعوب، ووُلاة الدولة مُترامية الأطراف، فكان قيام الدولة الطولونيَّة إحدى النتائج الحتميَّة لِتنامي هذا الفكر.

حدود الدولة الطولونية

ولقد نشأ مُؤسس هذه السُلالة، أحمد بن طولون، نشأةً عسكريَّةً في سامرَّاء التي كانت حاضرة الخِلافة الإسلاميَّة حينها، ولمَّا عيَّن الخليفة أبو عبد الله المُعتز بالله الأمير بايكباك التُركيواليًا على مصر في سنة 254هـ المُوافقة لِسنة 868 م، وقع إختيار بايكباك على إبن زوجته أحمد بن طولون لِيكون نائبًا عنهُ في حُكم الولاية. ومُنذُ أن قَدُمَ أحمد إبن طولون مصر، عمل على ترسيخ حُكمه فيها.

وكان يتخلَّص من سُلطة الوالي الأصيل بِإغرائه بالمال والهدايا التي كان يُرسلها إليه. وعندما طلب إليه الخليفة أبو إسحٰق مُحمَّد المُهتدي بالله أن يتولَّى إخضاع عامل فلسطين المُتمرِّد على الدولة، سنحت لهُ الفُرصة التي كان ينتظرُها، فقد أنشأ ابن طولون جيشًا كبيرًا من المماليك التُرك والرُّوم والزُنوج ودعم حُكمه به.

وقد أخذ من الجُند والنَّاس البيعة لِنفسه على أن يُعادوا من عاداه ويُوالوا من والاه. وبِفضل هذا الجيش إستطاع أن يقضي على الفتن الداخليَّة التي قامت ضدَّه، واستطاع أن يرفض طلب وليُ عهد الخليفة أبا أحمدٍ طلحة بن جعفر المُوفَّق بالله الذي كان يستعجله إرسال المال لِيستعين به على القضاء على ثورة الزُنج بالبصرة.

ومُنذُ ذلك الوقت أصبحت دولة إبن طولون مُستقلَّة سياسيًّا عن الخِلافة العبَّاسيَّة. وعندما طلب الخليفة إلى إبن طولون أن يتخلَّى عن منصبه إلى « أماجور » - والي الشَّام - رفض إبن طولون ذلك، وتوجَّه إلى الشَّام وضمَّها إلى مصر.

لم يُفكِّر أحمد إبن طولون بعد إستقلاله السياسي عن الخِلافة، في الإنفصال الديني عنها لأنَّ الخِلافة مثَّلت في نظره، وفي نظر جمهور المُسلمين ضرورة دينيَّة لإستمرار الوحدة الإسلاميَّة، ولِأنَّها تُشكِّلُ رمزًا يربط أجزاء العالم الإسلامي المُختلفة، فحرص على أن يستمرَّ الدُعاء للخليفة العبَّاسي، على منابر المساجد في مصر والشَّام، وإعترف بسُلطته الروحيَّة والدينيَّة.

ثم شرع أحمد بن طولون بعد ذلك في القيام بِأعمالٍ عُمرانيَّة، تُعبِّرُ عن مدى اهتمامه الشديد بِمصر، وتعكس تطلُّعاته إلى إقامة إمارته الخاصَّة، فأسس ضاحيةً لِلفسطاط هي القطائع إتخذها عاصمةً لِإمارته، وبنى فيها مسجده المشهور، وقوَّى الجبهة الدَّاخليَّة من خِلال تنمية موارد الثروة، ومُضاعفة الدخل في ميادين الإنتاج، وأصلح أقنية الري، والسُدود الخرِبة. وبعد وفاة إبن طولون جاء إبنه خُمارويه الذي لم تُفلح دولة الخِلافة في أن تُزيح حُكمه عن الشَّام، فإضطرَّت إلى أن تعقد معهُ مُعاهدة صُلح ضمنت للدولة الطولونيَّة حُكم مصر والشَّام مُقابل جزية تؤديها. وبعد خُمارويه الذي مات إغتيالًا في دمشق، تولَّى الحُكم ولداه أبو العساكر جيش، ثُمَّ هٰرون. ولم يكن هٰرون قادرًا على مُقاومة هجمات القرامطة الذين أخذوا يُغيرون على المُدن الشَّاميَّة، فاضطرَّ الخليفة أبو أحمد علي المُكتفي بِالله إلى أن يُنقذ دمشق من القرامطة بِجُيوشٍ يُرسلها من العراق. وكان انتصار المُكتفي على القرامطة تجربةً ناجحةً دفعتهُ إلى أن يتخلَّص من الحُكم الطولوني العاجز، فوجَّه قُوَّاته البحريَّة والبريَّة إلى مصر، فدخلت الفسطاط، وأزالت الحُكم الطولوني الذي دام 37 سنة، وأعادت مصر إلى كَنَف الدولة العبَّاسيَّة.

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة

مسجد أحمد بن طولون في القاهرة.

أصول الدولة الطولونية

لقد ظهرت الدولة الطولونية في عصر الخلافة العباسية، وقد دُعيت هذه الدولة، بإسم: "الشعوبية"، وهي نزعةٌ ترمي إلى تفضيل « الشُعوب » الأعجميَّة على «القبائل» العربيَّة.

ولعلَّ أصل هذه التسمية، يعود في الأصل إلى ما فهمه بعض المُفسرين من الآية القُرآنيَّة: ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾، فقالوا أنَّ «شُعوبًا» تُعني «الشُعوب المُتحضرة ».

وقد ظهرت هذه النزعة في الدولة العبَّاسيَّة لِأسبابٍ كثيرة أبرزها التنوع العرقي في الدولة العبَّاسيَّة مُتناثرة الأطراف، وإستخدام الخُلفاء العبَّاسيين للعجم في قُصورهم وفي أجهزة الدولة.

بداية سقوط الدولة العباسية وإزدهار الدولة الطولونية

لقد حدث بعد ذلك، أن إضطربت أوضاعُ مصر على أثر خلع الخليفة أبو العبَّاس أحمد المُستعين بالله في شهر مُحرَّم سنة 252هـ المُوافق فيه شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) سنة 856م، ومُبايعة الخليفة المُعتز وذلك بِفعل إضطراب الوضع في بغداد، وكانت فُرصةً للطامحين لِلقيام ضدَّ الحُكم العبَّاسي، فقد ثار جابر بن الوليد المدلجي في الإسكندريَّة في ربيع الآخر 252هـ المُوافق فيه آذار (مارس) 866م، فإشتدَّ أمره وقويت شوكته، وبسط نُفوذه على منطقة واسعة في الدلتا، وجبىٌ خراجها، ولم يستطع والي مصر يزيد بن عبد الله أن يقضي على حركته، فأرسل الخليفة المُعتز قُوَّةً عسكريَّةً بِقيادة مزاحم بن خاقان تمكَّنت من هزيمته، وقبض مزاحم عليه، فكافأهُ الخليفة بأن عيَّنهُ واليًا على مصر بدلًا من يزيد بن عبد الله، وذلك في ربيع الأوَّل سنة 253هـ المُوافق فيه آذار (مارس) 867م. وعلى هذا الشكل تتابعت الحركات العلويَّة في مصر مُنذُ عهد الخليفة العبَّاسي المُتوكِّل بِهدف القضاء على الحُكم العبَّاسي فيها وتأسيس دولة علويَّة في رُبوعها، وكان الذي شجَّعهم على الخُروج الأوضاع المُضطربة في المشرق الإسلامي بِعامَّة، حيثُ قامت الإمارات الإنفصاليَّة، وفي بغداد بِخاصَّة، حيثُ الصراع على النُفوذ بين الخِلافة والتُرك، وظلَّ الوضع على هذا الحال إلى أن جاء أحمد بن طولون إلى مصر، وأسس إمارته فيها.

النياحة

لقد إستمر البابا "شنودة الأول" سالكاً في الجهاد لأجل حفظ الإيمان المستقيم، أميناً في تحمل مسئوليات خدمة البيعة المقدسة. وأقام ش على الكرسي البطريركي مدة 21 سنة و3 أشهر و11 يومًا وعاش مدة رياسته في المرقسية والمحلة الكبرى. ويُعد البابا "شنودة الأول" - هو آخِر من سكن الإسكندرية من باباوات الكنيسة القبطية الذين إرتقوا كاتدراء مارمرقس الرسول، وتنيَّح بسلام في 24 برمودة سنة 596 ش. الموافق 19 أبريل سنة 880 م. ودفن بالمرقسية.

المحتويات


الموضوع الأصلي متاح من خلال موقع المؤلف هنا https://kingdomoftheearth.blogspot.com/

التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح
التاريخ القبطي عبر العصور - الأستاذ أشرف صالح