القديس يوحنا الإنجيلي

سيرة القديس يوحنا الإنجيلي

السيرة كما وردت في كتاب قاموس القديسين

يوحنا الرسول

✥ نشأته:

شقيق يعقوب بن زبدي المعروف بيعقوب الكبير. كان أبوه يحترف مهنة الصيد، ويبدو أنه كان في سعةٍ من العيش، لأنه كان له أُجَراء (مر20: 1)، وكانت أمه سالومي بين النساء اللاتي كُنَّ يخدمن الرب يسوع من أموالهن (مت55: 27، 56؛ مر40: 10 - 41). ويغلب على الظن أن أسرة يوحنا كانت تقيم في بيت صيدا القريبة من بحر الجليل.

✞ أحد التلاميذ الأخصاء:

يبدو أنه قد تتلمذ بعض الوقت للقديس يوحنا المعمدان وكان يتردد عليه (يو35: 1 - 41). دعاه السيد المسيح للتلمذة مع أخيه يعقوب فتبعه، وبناءً على رواية القديس جيروم فإن يوحنا في ذلك الوقت كان في الخامسة والعشرين من عمره.

✞ وهو التلميذ الذي كان يسوع يحبه (يو26: 19)، اتكأ على صدره في العشاء الأخير. وهو التلميذ والرسول واللاهوتي والرائي، جمع في شخصه بين حب البتولية والعظمة الحقيقية، والبساطة القلبية مع المحبة الفائقة العجيبة.

✞ كان يوحنا واحدًا من التلاميذ المقربين إلى الرب يسوع مع يعقوب أخيه وبطرس، الذين صحبوا السيد المسيح في معجزة إقامة ابنة يايرس من الموت (مر37: 5)، وفي حادث التجلي (مت1: 17)، وفي جثسيماني ليلة آلامه (مت37: 26)، وبَكَّر مع بطرس وذهب إلى قبر المخلص فجر أحد القيامة (يو2: 20 - 5)، وكان حماسه وحبه ظاهرين، حتى أنه سبق بطرس ووصل أولاً إلى القبر. وهو الوحيد بين التلاميذ الذي استطاع أن يتعرف على الرب يسوع حينما أظهر ذاته على بحر طبرية عقب قيامته المجيدة، وقال لبطرس: "هو الرب" (يو7: 21). ويذكر القديس أغسطينوس أن عفة يوحنا وبتوليته دون بقية التلاميذ كانت هي سرّ محبة المسيح له.

✞ وكان هو، مع أندراوس، أول من تبعه في بشارته (يو40: 1)، وآخِر من تركه عشية آلامه من بعد موته. انفرد من بين التلاميذ في سيْره بدون خوف وراء المُخَلِّص في الوقت العصيب الذي تركه الجميع وانفضوا من حوله.

وكان واسطة لإدخال بطرس حيث كان الرب يسوع يُحَاكَم، نظرًا لأنه كان معروفًا عند رئيس الكهنة (يو15: 18، 16). رافق الرب إلى الصليب، فسلَّمه أمه العذراء مريم، ومن تلك الساعة عاشت معه (يو25: 19 - 27).

انفرد بين الإنجيليين بتسجيل حديث الرب يسوع الرائع عن الأفخارستيا (يو 6)، ولقاءه مع السامرية (يو4)، وموقفه من المرأة الزانية التي أُمسِكَت في ذات الفعل (يو8)، وشفاء المولود أعمى (يو9)، وإقامة لعازر من الموت (يو11)، وصلاة الرب يسوع الوداعية (يو17). وكان يوحنا أحد الأربعة الذين سمعوا نبوة المُخلِّص عن خراب أورشليم والهيكل وانقضاء العالم (مر13: 3)، وأحد الاثنين اللذين أعدا له الفصح الأخير.

✞ خدمته الكرازية:

كان للقديس يوحنا وضع بارز في الكنيسة الأولى. نقرأ عنه في الإصحاحات الأولى من سفر الأعمال، ونراه جنبًا إلى جنب مع بطرس أكبر الرسل سنًا. نراهما متلازمين في معجزة شفاء المقعد عند باب الهيكل (أع3)، وأمام محكمة اليهود العليا (السنهدرين) يشهدان للمسيح (أع4)، وفي السامرة يضعان أياديهما على أهلها ليقبلوا الروح القدس (أع8).

✞ يبدو أن خدمته الكرازية في الفترة الأولى من تأسيس الكنيسة كانت في أورشليم والمناطق القريبة منها، فالتقاليد القديمة كلها تجمع على بقائه في أورشليم حتى نياحة العذراء مريم التي تسلمها من الرب كأمٍ له ليرعاها. ومهما يكن من أمر، فإن يوحنا الرسول، بعد نياحة العذراء مريم، انطلق إلى آسيا الصغرى ومدنها الشهيرة، وجعل إقامته في مدينة أفسس العظيمة مكملاً عمل بولس الرسول الكرازي في آسيا الصغرى (أع24: 18 - 28، 1: 19 - 12).

✞ أخذ يشرف من تلك العاصمة القديمة الشهيرة على بلاد آسيا الصغرى ومدنها المعروفة وقتذاك من أمثال ساردس وفيلادلفيا واللاذقية وأزمير وبرغامس وثياتيرا وغيرها، وهي البلاد التي وردت إشارات عنها في سفر الرؤيا.

✞ نفيه إلى جزيرة بطمس:

بسبب نشاطه الكرازي قُبِض عليه في حكم الإمبراطور دومتيان (81 - 96م) وأُرسل مقيدًا إلى روما، وهناك أُلقي في خلقين (مرجل) زيت مغلي، فلم يؤثر عليه بل خرج منه أكثر نضرة، مما أثار ثائرة الإمبراطور فأمر بنفيه إلى جزيرة بطمس، وهي إحدى جزر بحر إيجه وتقع إلى الجنوب الغربي من مدينة أفسس وتعرف الآن باسم باتوما Patoma أو بالموسا Palmosa، ومازال بالجزيرة بعض معالم أثرية عن سكنى القديس يوحنا بها. وقد مكث بالجزيرة حوالي سنة ونصف كتب أثناءها رؤياه حوالي سنة 95م. ثم أُفرِج عنه في زمن الإمبراطور نرفا (96 - 98م) الذي خلف دومتيان، فقد أصدر مجلس الشيوخ الروماني قرارًا بعودة جميع المنفيين إلى أوطانهم. وبالإفراج عنه عاد إلى أفسس ليمارس نشاطه التبشيري.

رسول الحب:

من الألقاب اللاصقة بيوحنا لقب "الحبيب"، فقد ذكر نفسه أنه "التلميذ الذي يحبه يسوع"، وقد ظل يوحنا رسول المحبة في كرازته ووعظه ورسائله وإنجيله، وكتاباته كلها مفعمة بهذه الروح.

روى عنه القديس جيروم هذه القصة أنه لما شاخ ولم يعد قادرًا على الوعظ، كان يُحمَل إلى الكنيسة ويقف بين المؤمنين مرددًا العبارة: "يا أولادي حبوا بعضكم بعضًا"، فلما سأم البعض تكرار هذه العبارة وتساءلوا لماذا يعيد هذه الكلمات ويكررها، كان جوابه لأنها هي وحدها كافية لخلاصنا لو أتممناها.

✞ حبه الشديد لخلاص الخطاة:

قاد إلى الإيمان شابًا، وسلَّمه إلى أسقف المكان كوديعة وأوصاه به كثيرًا. لكن ذلك الشاب ما لبث أن عاد إلى حياته الأولى قبل إيمانه، بل تمادى في طريق الشر حتى صار رئيسًا لعصابة قطاع طرق.

عاد يوحنا بعد مدة إلى الأسقف وسأله عن الوديعة واستخبره عن ذلك الشاب. تنهد الأسقف وقال: "لقد مات!" ولما استفسر عن كيفية موته، روى له خبر ارتداده. حزن يوحنا حزنًا شديدًا واستحضر دابة ركبها رغم كبر سنه، وأخذ يجوب الجبل الذي قيل إن هذا الشاب كان يتخذه مسرحًا لسرقاته. أمسكه اللصوص وقادوه إلى زعيمهم الذي لم يكن سوى ذلك الشاب!

تعرَّف عليه الشاب وللحال فرَّ من أمامه، وأسرع يوحنا خلفه وهو يناشده الوقوف رحمة بشيخوخته، فوقف الشاب وجاء وسجد بين يديه، فأقامه ووعظه فتاب عن إثمه ورجع إلى الله.

✞ حرصه على استقامة الإيمان:

كان يمقت الهرطقة جدًا، ويظهر هذا الأمر واضحًا في كتاباته المليئة بالتحذير من الهراطقة. ذُكِر عنه أنه دخل يومًا حمامًا فلما وجد فيه كيرنثوس الهرطوقي الغنوسي الذي أنكر تجسد الرب، صاح في المؤمنين: "لا تدخلوا حيث عدو المسيح لئلا يهبط عليكم الحمام!" قال ذلك وخرج يعدو أمامهم فخرجوا وراءه مذعورين! وقد روى هذه القصة إيريناوس على أنه سمعها من بوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول نفسه.

✞ يشير بولس الرسول إلى وضع يوحنا المتميز في الكنيسة الأولى، فيذكره على أنه أحد أعمدة الكنيسة وأنه من رسل الختان (غل9: 2).

✞ يذكر بوليكاربوس Polycarp أسقف أفسس أواخر القرن الثاني أن يوحنا كان يضع على جبهته صفيحة من الذهب كالتي كان يحملها رئيس أحبار اليهود، ليدل بذلك على أن الكهنوت قد انتقل من الهيكل القديم إلى الكنيسة.

✞ بعد أن دوَّن لنا هذا الرسول إنجيلاً ورؤيا وثلاث رسائل تحمل اسمه، رقد في الرب في شيخوخة وقورة حوالي سنة 100م، ودفن في مدينة أفسس.

باقات عطرة من سير الأبرار والقديسين، صفحة 60.

السيرة كما وردت في كتاب قاموس الكتاب المقدس

إنجيل يوحنا

أننا نجد في أقدم الكتابات التي وصلت إلينا من آباء الكنيسة الأولين أن الاعتقاد السائد كان أن يوحنا الرسول، ابن زبدي، هو كاتب هذا الإنجيل. وأيرانيوس الذي كان أسقف ليون حوالي 185 م. كان تلميذا لبوليكاربوس الذي كان تلميذا ليوحنا الرسول، وأيرانيوس هذا يقول أن يوحنا الرسول هو الذي كتب أنجيل يوحنا، وكتبه في أفسس بعد انتشار الأناجيل الأخرى.

أما بعض الأدلة الداخلية أو المأخوذة من الأنجيل نفسه والتي تؤيد هذا الرأي فهي:

1 - كان كاتب الأنجيل يهوديا فلسطينيا، ويظهر هذا من معرفته الدقيقة التفصيلية لجغرافية فلسطين والأماكن المتعددة في أورشليم وتاريخ وعادات اليهود،) يو1: 21 و28 و44، 2: 6، 3: 23، 4: 5 و27، 5: 2 و3، 7: 41 - 52، 9: 7، 10: 22 و23، 11: 18، 18: 28، 19: 31). ويظهر من الأسلوب اليوناني للإنجيل بعض التأثيرات السامية فيه.

2 - كان الكاتب واحدا من تلاميذ المسيح ويظهر هذا من استخدامه ضمير المتكلم الجمع) يو1: 14). وفي ذكر كثير من التفاصيل الخاصة بعمل المسيح ومشاعر تلاميذه (يو1: 37، 2: 11 و17، 4: 27 و54، 9: 2، 11: 8 - 16، 12: 4 - 6، 21: 22، 13: 23 - 26، 18: 15، 19: 26 و27 و35، 20: 8). ويتضح من يو21: 24 أن كاتب هذا الأنجيل كان واحدا من تلاميذ المسيح.

3 - كان كاتب الإنجيل هو ((التلميذ الذي كان يسوع يحبه) (يو13: 23، 19: 26، 20: 2، 21: 7 و20 و21 وقارن هذه بما جاء في 21: 24). وكان هذا التلميذ هو يوحنا نفسه.

ويستطيع القارئ المتعمق أن يميز نفس كاتب هذا الأنجيل من الوهلة الأولى. وكذلك الأمور التي يتضمنها والتي هي من المختصات به، لأنه قلما ذكر فيه من الأمور التي ذكرها البشيرون الثلاثة الأولون. فقد تكلم أولئك أكثر منه عن أعمال المسيح في الجليل وهو تكلم أكثر منهم عما فعل في أورشليم.

ومن الأمور التي تركها، مما ذكره غيره من البشيرين خبر ميلاد المسيح، ومعموديته، وتجربته، وكثيرا من أمثاله، وأحاديثه، ودعوة الاثني عشر رسولا، وجميع عجائبه، ما عدا أشباع الخمسة الآلاف ص6 الذي قصد به أن يوجه أنظار الناس إلى خبز الحياة الباقي.

وكان الداعي الآخر إلى كتابة الأنجيل الرابع تثبيت الكنيسة الأولى في الإيمان بحقيقة لاهوت المسيح وناسوته ودحض البدع المضلة التي كان فسادها آنذاك قد تسرب إلى الكنيسة كبدع الدوكينيين والغنوسيين والكيرنثيين، والأبيونيين. فقد زعم

الدوكينيون والغنوسيون أن جسد المسيح لم يكن جسدا حقيقيا. وأنكر الكيرنثيون لاهوته. وادعى الأبيونيون أنه لم يكن كائنا قبل مريم أمه. ولهذا كانت غايته أثبات لاهوت المسيح (أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع المسيح هو ابن الله، ولكي

تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه) (يو20: 31). وأعلان مجده (ورأينا مجده مجدا، كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا) (يو1: 14).

والاستعارات التي تستهل بلفظة (أنا) أو (أنا هو) تلقي نورا ساطعا على سر المسيح الإلهي الذي كان منذ البدء: (قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن) (يو1: 1، 8: 58 وقابل 13: 19). وليست لفظة أنا سوى تعبير للذات الإلهية (خر3: 14). وهذه الكينونة تحمل في ذاتها زمانا وتاريخا.

وأما المسيح فهو وحيد الآب (يو1: 14 و18، 3: 16 و18). (منذ البدء عند الله). بادئ الكون (إله من إله. نور من نور. إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق) كما جاء في غرة الأنجيل، وفي قانون الأيمان النيقوي فيما بعد. ومجده هو مجد (النعمة والحق) هما من خواص الذات الإلهية (خر34: 6). والرباط الإلهي بين الآب والابن هو المحبة (يو15: 9). وقد أعلن يسوع محبة الآب، لأن الآب دفع كل ما له للابن) يو3: 35، 13: 3، 17: 2).

وقد عبر عن مجده الإلهي الذي ظهر بأجلى بيان في صليبه بهذه الكلمات: أنا هو (الخبز) (يو6: 48 (، (النور) (8: 12 (، (الراعي) (10: 11 و14 (، (الباب) (10: 9 (، (القيامة) (11: 25 (، (الطريق) (14: 6 (، (الكرمة) (15: 1 و5) فالخبز يكسر. والنور يصارع الظلمة. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف. والباب يعبر منه. والقيامة تتبعها الحياة لأنه (أن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت فإنها تأتي بثمر كثير) (12: 24). والطريق يداس. والكرمة تعصر.

ومن الأمور التي اختص أنجيل يوحنا بذكرها أرشاد يوحنا المعمدان تلاميذه إلى اتباع يسوع ص1. وتحويل المسيح الماء خمرا ص2. وشفاؤه ابن خادم الملك ص4 وشفاءه المريض في بركة بيت حسدا ص5. والأعمى في بركة سلوام ص9. وأقامته لعازر من الموت ص11. وحديثه مع نيقوديموس ص3. ومع المرأة السامرية ص4. ومع الفريسيين عن لاهوته ص5. وخطابه الوداعي لتلاميذه ص14 - 16 وصلاته الشفاعية ص17. وظهوره بعد قيامته لتلاميذه على بحر الجليل ص21.

ويمكن تقسيم الإنجيل على هذا النحو:

1 - 1: 1 - 18 الديباجة - وهي تعمق في سر التجسد.

2 - 1: 19 - 51 شهادة يوحنا ليسوع وشهادة التلاميذ له وشهادة يسوع لنفسه.

3 - 2 - 12 المسيح

عظات وكتب عنه