فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

المساواة بالسيد المسيح وبالاب

هل نحن – ككنيسة – طبيعة إنسانية متحدة بطبيعة إلهيَة؟!

هل وُلدَنا – ككنيسة – من بطن العذراء متحدين باللاهوت؟!

هل السّيد المسيح يَحل فينا بملء لاهوته؟!

هل نحيا فيه بذات الملء الإلهى مع الآب والابن والروح القدس؟!

هل لنا ملء اللاهوت الذى للآب؟!

هل نمتلئ بكل معرفة المسيح وكل معرفة الآب؟!

هل الروح القدس يُعطينا كل ما للمسيح وكل مَا للآب؟!

هل ميلاد المسيح رفع البشريّة إلى درجة بنوته؟!

مقدمة:

كل هذه الأسئلة الخطيرة نذكرها نابعة من كتب المؤلف، وتشكل مفاهيم لاهوتية فى غاية من الخطورة نخشى منها على أبنائنا... وإن كانت لا تحمل عبارة تأليه الإنسان، ولكنها تحمل نفس المعنى بتفاصيل تساوى البشر مع المسيح، أو تساوى الكنيسة – التى هى جماعة المؤمنين – مع المسيح، ومع الآب أيضاً...

ومن هنا كانت الخطورة. لأنه إن تساوى البشر مع المسيح، فبماذا يمتاز هو عنهم فى لاهوته. ثم إن المساواة مع الآب يتجرأ عليها الكاتب بأسلوب لم يتعوده المؤمنون إطلاقاً..

ولنتناول هذه النقاط كلها واحدة فواحدة:

(1) هل نحن طبيعة إنسانية متحدة بطبيعة لاهوتية؟!

السيد المسيح فى تجسده هو طبيعة إلهية متحدة بطبيعة بشرية. فإن صار المؤمنون مثله [نفس اتحاد الطبيعتين]. فما الفرق بينهم وبين المسيح؟!

ولكن المؤلف يصر على ذلك منذ أصدر كتابه (العنصرة) سنة 1960. وذكر أن ذلك حدث للتلاميذ – ممثلين للكنيسة كلها – حينما حل عليهم الروح القدس فى علية صهيون يوم الخمسين كألسنة من نار. فقال:

"إذن فنحن أمام" عليقة مشتعلة بالنار "حسب الرمز أو طبيعة إلهية متحدة بطبيعة بشرية حسب شرح الرمز. أو صورة النبوة بميلاد المسيح من العذراء كما تسلمنا من التقليد الشريف".

ولم يكتف بأن ذلك حدث فقط للآباء الرسل، بل ذكر أنه شمل الكنيسة كلها.

فقال: "لقد اتحد المسيح بالكنيسة، فاكتسبت الكنيسة كل ما للمسيح.. لقد صار وكمل فى العلية ما بدئ به فى بيت لحم".

إن ما بدئ به فى بيت لحم هو التجسد الإلهى، هو اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية فى شخص المسيح. ولكن مؤلف كتاب العنصرة يريد أن يجعل الأمر يشمل الكنيسة كلها، وليس الرسل فقط ممثلين لها. لذلك قال: تم وكمل ما بدئ به فى بيت لحم، وقال:

"إن غاية التجسد الإلهى قد بلغت ذروتها فى يوم الخمسين".

وقد كرر هذا الكلام فى كل طبعات كتاب العنصرة. وكرره أيضاً بنفس الألفاظ فى كتابه (التجسد الإلهى) ص 44، 45 الذى صدر سنة 1978 وأعيد طبعه سنة سنة 1988، أى استمر معه الفكر والنشر طول تلك السنوات، وللأسف إلى الآن!

واعتبر اننا بهذا "صرنا شركاء الطبيعة الإلهية واتحدنا بالله" (ص 35).

(2) هل ولدنا – ككنيسة – من العذراء متحدين باللاهوت؟!

نعم، هذا ما يذكره المؤلف فى كتابه (العريس) ص 5، حيث يقول إن الكنيسة ولدت من بطن العذراء متحدة باللاهوت. وهكذا صارت بيت لحم هى مسقط البشرية المفتداه "!!

ومن خطورة هذا الفهم أنه انتقل إلى تلاميذه، فأصدروا كتابهم "الأصول الآبائية..." ج2 بعنوان على الغلاف ومن داخل هو:

"الكنيسة عروس المسيح هى طبيعة إنسانية متحدة بطبيعة لاهوتية".

أى أن كل جماعة المؤمنين عبارة عن طبيعة إنسانية متحدة بطبيعة لاهوتية بحسب مفهومهم! وفى هذا الكتاب فصل طويل يحاول أن يؤكد على أن بيت لحم هى مسقط رأس البشرية المفتداه!!

ما تأثير هذا الكلام على شبابنا وأولادنا؟! هل يصدقونه ويعتبرون أنفسهم كالسيد المسيح تماماً ولا فرق! وهنا يرتبكون: إن كان الكل متحدين بالطبيعة الإلهية، فكيف إذن يخطئون؟! وما معنى اتحادهم بطبيعة الله؟! "وإن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو 1: 8). أم تنال تعزية من كتاب آخر للمؤلف يقول إنه حتى لو أخطأنا بالجسد، فنحن أعظم من منتصرين!!

سؤال آخر فى المساواة بالسيد المسيح وهو:

(3) هل السّيد المسيح يَحل فينا بملء لاهوته؟!

إن هذا ما يؤكده المؤلف فى كتابه (ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم) ص 5، 6 إذ يقول "صحيح إن مكان ميلاد المسيح تاريخياً كان فى مذود طين. أما روحياً، فالمسيح يستحيل أن يحل بملء لاهوته إلا فى الإنسان"!!

كلا، إن المسيح يحل بملء لاهوته فى كل مكان، فى السماء وعلى الأرض، ولا يخلو منه مكان. ولكنه لا يحل بملء لاهوته فى الإنسان. وإلا كان هذا حلولاً أقنومياً، وأصبح هرطقة..

ويكرر المؤلف نفس المعنى بأسلوب أوسع. فيقول فى نفس هذا الكتاب ص 27 عن قيامة المسيح بالجسد "وبعد ثلاثة أيام قام به هيكلاً روحانياً تم خلاصه ليحيا فيه. ونحن أيضاً نحيا فيه بذات الملء الإلهى مع الآب والابن والروح القدس. لأنه حيث يحل المسيح يحل الملء الإلهى".

من يجرؤ لاهوتياً أن يقول إنه يحيا بذات الملء الإلهى مع الثالوث القدوس؟! بذات الملء الإلهى!! صدقونى ولا حتى فى السماء نحيا بذات الملء الإلهى مع الثالوث. سيرتفع قدرنا ولكن نكون بشراً لا آلهة.

أما قول المؤلف "لأنه حيث يحل المسيح يحل الملء الإلهى". فإن هذا يخصه هو كإله؟ ولكن حلوله فى الإنسان لا يكون بالملء الإلهى إنما حيث يحل المسيح – بالنسبة إلى البشر – تحل البركة وتحل النعمة وتحل المعونة وليس الملء الإلهى..

وحتى نفس الآية التى أخذ منها المؤلف عنوان كتابهن تقول "ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم" (أف 3: 17) تقول "يحل بالإيمان" وليس بملء الله ". إن عبارة" ملء الله "تعنى ما يسمح به الله لكم فى الامتلاء.. الملء الذى يسمح به الله.

(4) هل لنا ملء اللاهوت الذى للآب؟!

يقول المؤلف فى كتابه (يوم الخمسين ويملاد الكنيسة) ص 8:

"إن ملء اللاهوت حلّ فى المسيح جسدياً" "وأنتم مملؤون فيه" (كو 2: 10) إن كان لنا ملء المسيح لاهوتياً، يكون لنا فى الحال ملء المسيح لاهوتياً. ويكون لنا فى الحال ملء اللاهوت الذى للآب "!!

كلا مستحيل أن يكون لنا ملء المسيح لاهوتياً!!

ومستحيل أن يكون لنا ملء اللاهوت الذى للآب!!

إن كان لنا ملء اللاهوت الذى للمسيح، وملء اللاهوت الذى للآب، نستطيع إذن أن تكون لنا قوة الخلق، وقوة القداسة التى للآب والتى للمسيح. وعبارة "مملؤون فيه" لا تعنى مطلقاً مملؤين من لاهوته حاشا. بل تعنى الامتلاء من نعمته ومن قوته العاملة فينا بلاهوته.

أما عبارة نمتلئ بكل لاهوت الآب وكل لاهوت الابن، فلم يجرؤ أحد من قبل أن يقولها. ولكن الكاتب يصر عليها فى نفس الكتاب ونفس الصفحة.

إنه يقول "وفى الحقيقة الآب أعطى ملئه للمسيح لكى يعطيه لنا. والمسيح نفسه اعترف بذلك:" المجد الذى أعطيتنى قد أعطيتهم، ليكونوا واحداً كما أننا نحن (الآب والابن) واحد "(يو 17: 22).

من جهة عبارة "الآب أعطى ملئه للمسيح"، نقول إن كل ملء اللاهوت كان للمسيح ليس كمجرد عطية من الآب، إنما كان ذلك بحكم أنه هو والآب طبيعة واحدة وجوهر واحد.

أما عبارة "الآب أعطى ملئه للمسيح لكى يعطيه لنا"، فهذا معناه أن يكون لنا ملء الآب وملء الابن!! وهذا لا يمكن ان يقبل لاهوتياً. لأن معناه أن نصير آلهة بكل ملء اللاهوت!!

ومن قال إن ملء اللاهوت الذى للمسيح، كان هدفه ان يعطيه لنا؟! علماً بأنه كان له هذا الملء منذ الأزل قبل أن يتجسد، وقبل أن نوجد نحن...

أما قول المؤلف إن المسيح اعترف بذلك فى قول "المجد الذى أعطتينى قد أعطيتهم". فهذا استخدام للآية فى غير موضعها.

السيد المسيح لم يعط تلاميذه مجد اللاهوت، وإلا ما كان بطرس قد أدركه الخوف فى نفس الليلة وأنكر، وسب ولعن وقال لا أعرف الرجل (مت 26: 70 - 73). وما كان التلاميذ الباقون خافوا وهربوا واختفوا فى العلية! كيف يحدث هذا وقد أخذوا ملء الآب؟! المسيح لم يعط تلاميذه مجد اللاهوت، لأن الرب يقول فى سفر اشعياء عن مجد اللاهوت "مجدى لا أعطيه لآخر" (أش 42: 8).

إنما السيد المسيح أعطاهم أمجاداً أخرى تليق ببشريتهم.

أعطاهم مجد رئاسة الكهنوت، ومجد الرعاية التى له. وأعطاهم مجد الكلمة وتأثيرها، وأعطاهم مواهب الروح القدس، وأعطاهم مجد الشهادة وأعطاهم أن يجلسوا معه فى ملكوته.. ولا يمكن أن يقصد مجد اللاهوت أبداً...

يستطرد المؤلف فى حديثه حتى يصل إلى ملء المعرفة. وهنا نسأل:

(5) هل نمتلئ بكل معرفة المسيح وكل معرفة الآب؟!

إن هذا هو ما يذكره فى نفس كتاب (يوم الخمسين وميلاد الكنيسة) ص 8 إذ يقول: "فإذا ما بلغ الروح القدس فينا إلى ملء معرفة المسيح، نمتلئ فى الحال بملء معرفة الآب". يا للهول!!

الله يعرف الخفيات والظاهرات. ويعرف ما فى القلوب وما فى الأفكار والنيات. فهل نصل نحن إلى ملء المعرفة هذه؟!

إن الآباء الرسل عندما سألوا الرب قبل صعوده عن مجيئه الثانى، قال لهم "ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه" (أع 1: 7). فهل هؤلاء الذين يمتلئون بكل معرفة الآب، سيكونون أكثر معرفة من الآباء الرسل، وسيعرفون الأمور التى جعلها الآب فى سلطانه؟!

ثم ماذا عن معرفة ذلك اليوم وتلك الساعة التى قال عنها الرب إنه لا يعلم بها أحد ولا الملائكة الذين فى السماء "(مر 13: 32). هل يعرفها هؤلاء الذين سيصلون إلى ملء معرفة الآب، فيعرفون ما لا يعرفه الملائكة فى السماء!

إنها جرأة عجيبة أن يقول أحد "نمتلئ فى الحال بملء معرفة الآب" إن معرفتنا للآب تحتاج إلى الحياة الأبدية كلها، حيث قال الرب فى حديثه مع الآب قبل الذهاب إلى جثسيمانى "هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك.." (يو 17: 3). أما الامتلاء بكل معرفة الآب فلن يصل إليها إنسان يحتاج أولاً أن يعرف نفسه..

ونتدرج إلى سؤال آخر وهو:

(6) هل الروح القدس يُعطينا كل ما للمسيح وكل ما للآب؟!

إن هذا هو ما يذكره المؤلف فى كتابه (يوم الخمسين وميلاد الكنيسة) ص8، ص9 إذ يقول: "إن الروح القدس هو الوسيط بين الآب والمسيح، ليجعل كل ما للآب للابن فى الروح. وإن الروح القدس هو الوسيط الذى وقف بيننا وبين المسيح، ليعطينا كل ما للمسيح وكل ما للآب".

أولاً أحب أن أقول إن الروح القدس هو روح الآب، وفى نفس الوقت هو روح الابن..

أما عبارة أن الروح القدس يعطينا كل ما للمسيح وكل ما للآب ". فهى عبارة لا يقبلها علم اللاهوت إطلاقاً. لأن" كل ما للمسيح وكل ما للآب "لا يمكن أن يسعه كتاب، ولا يسعه الكون كله أيضاً ولا تقدر أن تحتمله طبيعة إنسان..

وكثيراً ما قلت إن استعمال كلمة (كل) فى مثل هذه الأمور اللاهوتية، لها خطورتها، وتؤدى إلى أخطاء لا تُحصى.

من بين ما للآب: الأزلية. فهل أعطينا الأزلية؟!. وله أيضاً الوجود فى كل مكان، والمعرفة الكلية، والقدرة الكلية، ومنها القدرة على الخلق.. فهل أعطينا كل هذا؟!. ماذا أيضاً عن الدينونة فى المجئ الثانى؟ وماذا عن إلقاء الأشرار فى الظلمة الخارجية، وإلقاء إبليس والوحش فى البحيرة المتقدة بالنار والكبريت. هل أعطينا كل هذا؟! من له أذنان للسمع فليسمع.

وماذا عن هيبة الله وجلاله ومجده؟. عندما ظهر المسيح ليوحنا الرائى فى شئ من هذا الجلال، لم يحتمل وقال "فوقفت عند قدميه كميت" (رؤ 1: 17). فكيف يكون لنا كل ما للآب وكل ما للمسيح؟!

صدقونى، هذه الكلمات تحتاج إلى طلب المغفرة، حتى عن مجرد الفكر بأن يكون لنا كل ما للآب وكل ما للمسيح.

النقطة الأخيرة فى هذا المقال هى:

(7) هل ميلاد المسيح رفع البشرية إلى درجة بنوته؟!

يقول المؤلف فى كتابه (ميلاد المسيح وميلاد الإنسان) ص 7:

"بل هى عطية الله للإنسان بميلاد المسيح، إذ رفع البشرية فيه إلى درجة بنوته. فصار الكل أبناء الله يدعون. والبنون متساوون فى كل شئ".

صار الناس أبناء لله. ولكن ليس كل البشرية. فالإنجيل يقول: "أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أى المؤمنون باسمه" (يو 1: 12). إذن ليس كل البشر، بل كل الذين قبلوه وآمنوا.

لكن الخطير فى هذه العبارة هى رفع البشرية إلى درجة بنوته ".

إن درجة بنوة المسيح لم يرتفع إليها أحد. لذلك دعى الابن الوحيد (يو 1: 18) (يو 3: 16، 18) (1يو 4: 9). فهو الوحيد الذى من جوهر الآب. ومن لاهوته ومن طبيعته.

وعبارة رفع البشرية إلى درجة بنوته معناها مساواتهم بالمسيح!! لقد صار المؤمنون ابناء. ولكن ليس فى درجة بنوة المسيح، فهذا خطأ لاهوتى..

ختاماً يا أبنائى. تواضعوا، ولا تتألهوا، ولا تدّعوا أن لكم كل ما للآب وكل ما للمسيح، ولا تقولوا أنكم طبيعة إنسانية متحدة بطبيعة لاهوتية. وتذكروا باستمرار قول الكتاب:

قبل الكسْر الكبْرياء وقبل السّقوط تشامخ الرُوح (أم 16: 18).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب

المحتويات
المحتويات