هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .
جدول المحتويات
- (1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى
- (2) حَوْل العقوبَة
- (3) مبدأ الدينونة والعقوبة
- (4) اللعنَة كعقوبَة إلهيَّة
- (5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!
- (6) معنى “أشتريتم بثمن”
- (7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه
- فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟
- فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟
- فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
- فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
- فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟
- شركاء الطبيعة الإلهيّة؟
- إتحاد اللاهوت بالناسُوت
- فى اللاهوت المقارن: (6)النقد الكتابى Biblical Criticism
- حَول كتاب: الإنسَان والخطية رسالة سلام للنفس المتعبة
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب
فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
مقدمة
إن جسد المسيح – فى كتابات المؤلف – وكذلك عبارة "جسد المسيح السرى".. إنما يمثلان تعقيدات كثيرة ومتناقضات أيضاً، كما يظهر لك من الصفحات المقبلة.
وبخاصة ما ورد من أفكار فى كتابه (العريس)، وكتابه (العنصرة)، وكتابه (بولس الرسول)، وكتابه (الكنيسة الخالدة)، وكتابه (التجسد الإلهى)..
ويهمنا المعانى اللاهوتى التى اشتملت عليها هذه الكتب وأمثالها.. مما حدا بنا إلى مناقشة كل تلك النقاط، وعرضها على القراء، لتوضيح الفهم اللاهوتى..
نضع كل هذا أمام القارئ العزيز، دفاعاً عن الإيمان السليم..
ومن له أذنان للسمع فليسمع (مت 13: 43).
(1) ماذا تعنى عبارة (جسد المسيح)؟
عبارة (جسد المسيح) لها ثلاثة استخدامات:
1 - تعنى أولاً جسد المسيح الذى وُلد من القديسة العذراء مريم، والذى صُلب عنا، والذى دُفن وقام، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الآب.
2 - وتعنى جسد المسيح بمعنى الكنيسة. كما ورد فى (أف 5). فهى جسده، وهو الرأس (كو 1: 18، 24).
3 - والمعنى الثالث يستخدم فى سر الإفخارستيا. كما قال الرب "خذوا كلوا، هذا هو جسدى" (مت 26: 26).
وكما ذكر القديس بولس الرسول فى (1كو 11: 27، 29).
غير أن البعض يجمع بين هذه الاستخدامات الثلاثة فى معنى واحد!
وقد شرحت خطا هذا الجمع أو الخلط، وأجبت عليه فى سلسلة "سنوات مع أسئلة الناس" وأنا مضطر أن أرجع إلى نفس الموضوع، وقد أخذ صورة أخرى.
(2) الكنيسَة جسد المسيح بمعنى الكنيسة عَروس المسيح.
الكنيسة هى جماعة المؤمنين، وقد لُقبت بجسد المسيح كما ذكرنا. كما دُعيت عروساً له، كما قال يوحنا المعمدان عن المسيح والكنيسة "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 19). وكما قال القديس بولس الرسول "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً. هذا السر عظيم. ولكن أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أف 5: 31، 32).
ومن هنا جاء التعبير أن المسيح هو العريس، والكنيسة هى العروس..
وهكذا نجد أن مؤلف كتاب (العريس) يتكلم عن زيجة مقدسة بين المسيح والكنيسة. ولكن متى حدث الاتحاد بينه وبينها؟
(3) مَتى وُلدَت الكنيسة متحدَة بالمسيح؟
يقول المؤلف فى كتابه العريس (ص 5):
"وبهذا ينكشف لنا أصل الزيجة التى تمت بإتحاده أولاً بجسدنا فى العذراء التى أخذ منها عروسه الذى هو الجسد. فوُلد متحداً بها بلاهوته، أى وُلدت الكنيسة متحدة بالمسيح يوم وُلد المسيح. وبالتالى وُلد كل فرد منا فى بيت لحم، فصارت مسقط رأس البشرية المفتداة"!!
وهنا نسأل عن جسد المسيح ما هو؟ وكيف تكون؟
المعروف أن السيد المسيح أخذ جسده من العذراء مريم، بعمل الروح القدس. لذلك نقول فى قانون الإيمان عن أقنوم الابن أنه "نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس".
فما معنى قول المؤلف عن المسيح "بإتحاده أولاً بجسدنا فى العذراء التى اخذ منها عروسه الذى هو الجسد"؟!
(4) هل ناسوت المسيح هو الكنيسة؟ وهل اتحد بجسدنا؟!
إنه يذكرنا بنفس فكره: صلب بجسدنا، تألم بجسدنا، قام بجسدنا، دفن بجسدنا!! كما ورد فى كتابه (بولس الرسول) ص 451، وهنا ولد من العذراء باتحاده بجسدنا!
فهل أخذ المسيح عروسه (أى الكنيسة) من العذراء مريم؟!
أليس فى خلط بين جسد المسيح المولود من العذراء، وبين جسده بمعنى الكنيسة أى جماعة المؤمنين؟!
وهل اتحد جسده بلاهوته؟ أم اتحدت الكنيسة بلاهوته؟!
إنه يقول عن الكنيسة فى نفس كتابه (العريس) ص 5:
"باعتبارها جسده الذى أخذه منا وقدسه وفداه ومنحه لنا بكامل مخصصاته الإلهية.. ليضم مخصصاته الإلهية لحسابها"!! ويضيف فى (ص11): "لذلك لا نندهش نسمع أن الآب اختزن فى الكنيسة كل مخصصات الابن وميراثه"!!
فما هى كامل مخصصات الابن الإلهية الأزلية التى منحت للكنيسة؟! هل هذا تدرج إلى تأليه الكنيسة؟!
(5) وَهل اتحدَت الكنيسة بلاهوت المسيح؟!
وهل كانت الكنيسة فى بطن العذراء قبل البشارة بالإنجيل؟ وقبل أن يبدأ المسيح رسالته التعليمية والخلاصية؟ وقبل حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين؟!
السيد المسيح اتحد لاهوته بناسوته.
فإن كان ناسوته هو الكنيسة أى جماعة المؤمنين، يكون لاهوته فى اتحاده بالكنيسة قد اتحد بكل جماعة المؤمنين. وصار كل فرد من المؤمنين هو ناسوت متحد بلاهوت!! مثل المسيح تماماً!
ونحن الذين لم نكن موجودين أثناء ميلاد السيد المسيح، هل اتحد بنا اللاهوت – كأعضاء فى الكنيسة - ؟! وكيف؟! ومتى؟!
وإن كان هناك أشخاص سينضمون إلى جسد الكنيسة فيما بعد، ولم يولدوا حتى الآن.. فهل هؤلاء اتحد بهم اللاهوت فى بطن العذراء قبل أن يولدوا؟! أم عندما يولدون فى المستقبل سيتحد بهم اللاهوت كأعضاء فى الكنيسة.
إن اتحاد اللاهوت بالكنيسة كلها هو ضد انفراد السيد المسيح بهذه الطبيعة، طبيعة الإله المتجسد. وبهذا الفكر، يكون اعتباره كواحد من هؤلاء المؤمنين...
وهذا يذكرنا أيضاً بما ورد فى كتاب (العنصرة) لنفس المؤلف، مما سنتعرض له فيما بعد إن شاء الله، فى هذه النقطة بالذات.
ننتقل إلى نقطة أخرى فى هذا المجال، وهى:
(6) هل وُلدت الكنيسة يوم ميلاد المسيح؟
يوم ميلاد المسيح لم تكن هناك كنيسة. لم تكن هناك جماعة مؤمنين. بل ظل الأمر هكذا طوال الثلاثين سنة التى عاشها السيد المسيح فى تجسده، قبل أن يبدأ رسالته وبشارته.
فكيف ولدت الكنيسة إذن يوم ميلاده؟! هل ولدت بغير إيمان، وبغير فداء، وبغير أسرار، وبغير إنجيل؟!
وإن كانت العذراء هى المؤمنة وقت ميلاد المسيح (لو 1: 45) وتمثل الكنيسة، فهل ولدت العذراء من بطن العذراء؟!
وإن كانت الكنيسة وقتذاك هى جماعة المؤمنين القلائل الذين ورد ذكرهم فى قصة الميلاد مثل اليصابات والمجوس والرعاة، ويوسف النجار وإنهم كانوا يمثلون الكنيسة الصغيرة، فكيف وُلدت هذه الكنيسة الصغيرة من بطن العذراء مريم؟!
وهل كل أعضاء الكنيسة قد وُلدوا بغير أب مثل المسيح، بعمل الروح القدس؟! وهل صار للمسيح أخوة أشقاء بالملايين؟!
أمر يعجز العقل البشرى عن فهمه، ولا يقبله علم اللاهوت.. ولم يقل به أحد الآباء القديسين من معلمى البيعة!!
(7) متى؟ وكيف؟ وكيف صَارت بيت لحم مَسقط البشريّة المفتداة؟
علماً بأن مبدأ الإيمان بالمسيحية كان فى أورشليم (أع 2)، وليس فى بيت لحم.. كما لم تكن هناك بشرية مفتداة يوم ميلاد المسيح، لأن الفداء لم يكن قد تم وقتذاك.
يقولك المؤلف بعد ذلك (عن الجسد أى الكنيسة):
"وقد دشنه رسمياً للكنيسة على الصليب، لما مسحه بمسحة الفداء، بدم الله الذى انسكب عليه، فتقدست الكنيسة إلى الأبد لحساب الله، باعتبارها جسده الذى أخذه منا وقدسه وفداه ومنحه لنا بكامل مخصصاته الإلهية كجسد ابن الله".
(8) هل تقدّست الكنيسة لما تدشنت بالدم على الصليب؟
أم تقدست يوم وُلدت فى المعمودية بالميلاد الثانى (تى 3: 5)؟ أم تقدست بالميرون المقدس فى سر المسحة المقدسة؟
أم أنها كانت مقدسة من البطن باتحادها باللاهوت حسب رأى المؤلف؟! وهل الكنيسة التى وُلدت متحدة باللاهوت (حسب رأيه) كانت تحتاج إلى تدشين وإلى تقديس؟
أما قوله أن الكنيسة تقدست إلى الأبد باعتبارها جسده الذى أ خذه منا، وقدسه وفداه، ومنحه لنا بكل مخصصاته الإلهية كجسد ابن الله.
فهل هى جسده الذى أخذه منا، أم أخذه من السيدة العذراء، إن كان هو جسد كل البشرية المفتداة؟!
وما معنى "منحه لنا بكل مخصصاته الإلهية كجسد ابن الله، إذ وهبه لها بعد أن أكمل به ارتفاعه إلى أعلى السموات ليضم مخصصاته الأزلية لحسابها".
ما هى هذه المخصصات الإلهية والمخصصات الأزلية كلها التى وهبها المسيح للكنيسة؟ أهذا يعنى تأليه الكنيسة؟!
وكيف يهب لها جسده – هنا - وهى جسده؟
(9) ما معنى «صرنا من لحمه وعظامه»؟
يقول المؤلف "هكذا المسيح أطعمنا جسده ودمه الخارج من جنبه، فصرنا من لحمه وعظامه".
وعبارة "من لحمه وعظامه" كررها فى كتاب العنصرة، وفى كتاب القديس بولس الرسول.. والقارئ يقف فى حيرة: هل صرنا من لحمه وعظامه لما صرنا كنيسة أحبها المسيح كما أحب آدم إمرأته لأنها لحمه وعظامه؟ أم صرنا من لحمه وعظامه لما فدانا؟ أم صرنا من لحمه وعظامه لما وُلدت فى بيت لحم كما يقول؟
أم صرنا من لحمه وعظامه، لما اشترك معنا فى الطبيعة البشرية فى تجسده؟ (عب 2: 14).
إنها بلبلة تحوّل الفكر اللاهوتى إلى تعقيد!
(10) ما معنى اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرّية؟
اتحدت الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية فى بطن العذراء أى اتحدت بناسوت المسيح، وليس بالكنيسة التى هى العروس.
ولكن المؤلف يقول "صورة العريس والعروس والجسد الواحد، هذه كلها مردها إلى مصدرها الأول السرى للغاية، حينما صار الكلمة جسداً. فقد اتحدت الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية فى زيجة أبدية غير منفصلة".
هل هذه الزيجة الأبدية كانت مع الكنيسة أم مع ناسوته؟! أم يرى المؤلف أن ناسوت المسيح والكنيسة كيان واحد؟!
يوم صار الكلمة جسداً لم تكن هناك كنيسة. فما معنى الزيجة هنا إذن؟ وما دخل صورة العريس والكنيسة كعروس فى التجسد الإلهى؟
إنه من غير الممكن أو المنطقى أن نقول إن عروس المسيح هى ناسوته الذى وُلد من العذراء مريم! أو أن المسيح اتحد لاهوته بناسوته فى زيجة أبدية! وليس هذا هو قصد المؤلف فى حديثه عن الكنيسة كعروس..
(11) الخلط بَين معنيين لجَسد المسيح.
يستمر المؤلف فى خلطه بين الكنيسة، وجسد المسيح المولود من العذراء. فيقول "كان المسيح طفل المذود هو هو كنيسة المهد. وعلى الصليب صار كنيسة الفداء المخضبة بالدما، وفى اليوم الثالث هو كنيسة القيامة". وكأنه لا يقول إن المسيح وُلد وصلب وقام، بل هى الكنيسة وُلدت فى المهد، وهى على الصليب مخضبة بالدماء. وهى فى القيامة!!
ملاحظات ضدّ هذا الخَلط:
أ - جسد المسيح المولود من العذراء هو جسد حقيقى، بالمعنى الحرفى للكلمة. ولكن الكنيسة تعتبر جسد المسيح بمعنى روحى وليس حرفياً. وبين هذين الاستعمالين لعبارة (جسد المسيح) خلافات كثيرة سوف نذكرها. فلا يجوز الخلط بينهما.
ب – جسد المسيح قد وُلد من القديسة العذراء مريم – بينما جسد المسيح بمعنى الكنيسة يعنى جماعة المؤمنين. فهل يُعقل أن يُقال عن ملايين المؤمنين الذين عاشوا فى أجيال عديدة متوالية، أنهم قد وُلدوا هم أيضاً من العذراء مريم.
ج – جسد المسيح الذى هو من العذراء، هو الذى نتناوله من على المذبح حسب قول الرب هذا هو جسدى (مت 26: 26). وهذا لا ينطبق على جسد المسيح بمعنى الكنيسة، لأننا لا نتناول الكنيسة!
د – جسد المسيح المولود من العذراء نسجد له فى سر الإفخارستيا قائلين "نسجد لجسدك المقدس يا رب". ولكننا لا نسجد للكنيسة، فنحن الكنيسة..
ﻫ - جسد المسيح على الصليب هو الذى فدانا. فإن كانت الكنيسة هى أيضاً جسد المسيح بنفس المعنى، فهل ننسب إليها فداء البشرية؟!
و– جسد المسيح متحد باللاهوت اتحاداً دائماً لم يفارقه لحظة واحدة ولا طرفة عين. فهل الكنيسة متحدة هكذا باللاهوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير، لا تنفصل عنه لحظة واحدة؟!
ز – جسد المسيح المولود من العذراء هو جسد كامل. بينما جسده بمعنى الكنيسة لم يتكامل حتى الآن، بل سينضم إليه أعضاء آخرون لم يولدوا بعد، وآخرون من غير المؤمنين سوف ينضمون إلى الإيمان، وبالتالى إلى جسد الكنيسة.
ح – جسد المسيح بمعنى الكنيسة يعنى مؤمنين على درجات وأنواع. بعضهم يحيا حياة البر، وبعضهم مازال يجاهد ليصل، ويسقط ويقوم، ولم يتكلل بعد. بينما جسد المسيح المولود من العذراء هو جسد قدوس وممجد، ويساعدنا فى جهادنا.
ط – ولو كانت الكنيسة هى جسد المسيح الذى على المذبح، والذى عن يمين الآب فى السماء، لقادنا هذا الفكر إلى بدعة (وحدة الوجود) التى وقع فيها كثيرون من الفلاسفة المبتدعين..
ى – لم يقل أحد من الآباء أن المسيح هو الكنيسة. بل قال الكتاب إنه هو رأس الكنيسة (أف 5: 23). أما الكنيسة فهى الجسد شاملة لأعضاء كثيرين هم جماعة المؤمنين.
ك – إن الخلط بين جسد المسيح المولود من العذراء، وجسد المسيح الذى هو الكنيسة يقود إلى اعتبار أن الكنيسة هى امتداد للتجسد الإلهى، كما ورد فى كتاب المؤلف عن (التجسد الإلهى)..! لذلك لا يجوز الخلط بين هذين الاستخدامين لعبارة (جسد المسيح) تحاشياً لما ذكرناه من أسباب..
(12) ما معنى جَسد المسيح السرّى الذى يملأ السماء والأرض؟
المعروف أن الله وحده هو الذى يملأ السماء والأرض. لأن الله غير محدود، فهو موجود فى كل مكان. ولا يوجد غير محدود سواه. فكلنا محدودون.
فإن كانت الكنيسة هى المقصودة بجسد المسيح السرى، حسب رأى الكاتب فى كل مؤلفاته، فهى لا يمكن أن تملأ السماء والأرض. هى حقاً موجودة فى الأرض، ولكنها لا تملأ كل الأرض..
وبعض من أبنائها موجودون فى السماء، ولكنهم لا يملأون السماء. وإن كان المقصود بجسد المسيح السرى، جسد المسيح الذى وُلد من العذراء، فكيف يُقال إنه جسد سرى؟
(13) هل فى المعمودية نُصنع من (جسد المسيح السرّى)؟
وما معنى قول المؤلف فى كتابه العنصرة تحت عنوان (الروح القدس صانع هياكلنا الجديدة وموجدها).
"فى المعمودية ممن نولد، وعلى أى شكل يكون إنساننا الجديد؟ الروح القدس هو الذى يصنع هيكل إنساننا الجديد. يصنعه من جسد المسيح السرى الذى يملأ السماء والأرض".
ثم يتحدث عن جسد المسيح الذى دخل به العلية والأبواب مغلقة. ويقول "نحن نُولد من هذا اللحم ومن هذه العظام عينها". "ونحن من لحمه وعظامه".
فهل يعقل إننا فى المعمودية نولد من لحم المسيح وعظامه، التى دخل بها العلية والأبواب مغلقة؟! أى من جسده المولود من العذراء مريم؟! أم كما ورد فى كتابه العريس: نحن نولد مع المسيح من بطن العذراء مريم!
ثم يقول "الروح القدس يخلق هذا الهيكل الجديد من الجسد غير المنظور. وبعد أن يخلقه يملأه" أنتم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم "..
فهل المعمودية عملية ميلاد جديد أم عملية خلق؟! وما معنى أن الروح القدس يخلقه من الجسد غير المنظور؟! هل هذا الجسد غير المنظور هو جسد المسيح؟ وكيف هو غير منظور؟! أم هذا الجسد غير المنظور هو جسد الكنيسة؟! وإن كان كذلك، فكيف تنطبق عليه عبارة "من هذا اللحم وهذه العظام عينها"؟!
إنه يقول أيضاً فى كتابه (الافخارستيا) ص 142:
"المسيح من لحمه وعظامه، يخلق كل يوم الإنسان الجديد الروحانى الذى يعضده ببركة العهد الجديد".
كل ما تعلمناه من الكنيسة، إننا فى المعمودية نُولد من الماء والروح، دون ذكر لحم وعظام..! ودون ذكر جسد سرى ولا جسد غير منظور نولد منه!!
ومادمنا نولد فى المعمودية، فمعنى ذلك إننا لم نولد فى بيت لحم، كما يقول المؤلف فى كتاب (العريس). وبالتالى لم نولد من بطن العذراء ضمن أعضاء الكنيسة أو البشرية المفتداة!!
(14) هل جسد المسيح السرّى هو فى الإفخارستيا؟!
غير أن المؤلف يعطى معنى آخر لجسد المسيح السرى، فيقول فى كتاب العنصرة عما حدث فى يوم الخمسين:
"إذن حلول الروح القدس يوم الخمسين لا يشير إلى منح قوة روحية مجردة، أو منح عطايا ومواهب جزافاً. بل الأمر جد خطير، فهنا إشارة سرية إلى أنه حدث اتحاد غير منظور بين طبيعة إلهية وطبيعة بشرية. وماذا تكون الطبيعة الإلهية إلا جسد المسيح السرى بالذات الذى سبق المسيح وأشار إلى أخذه وأكله والاتحاد به والثبوت فيه!!".
إن كانت الطبيعة الإلهية هى جسد المسيح؟ فأين إذن اللاهوت وأين الناسوت؟! وكأنه يقول إن اللاهوت هو نفسه الناسوت؟!
وهل جسد المسيح السرى هو الذى نتناوله فى سر الافخارستيا؟! هذا معنى آخر لجسد المسيح السرى يقدمه المؤلف.
وبجمع هذه الفكرة والفكرة السابقة، فكيف نولد نحن من هذا الجسد فى المعمودية حسب قول "الروح القدس هو الذى يصنع هيكل إنساننا الجديد من جسد المسيح السرى الذى يملأ السماء والأرض"؟!
إنه أمر مربك بلا شك! هذا الجسد السرى حسب شرح المؤلف! هل هو جسد المسيح المولود من العذراء بلحمه وعظامه؟! أم هو الكنيسة جسد المسيح؟! أم هو جسده فى سر الإفخارستيا؟!
على أنه فى كتاب (الكنيسة الخالدة) يطرح هذا السؤال (ص 120)، ويجيب عليه فيقول: "ولكن ما صلة جسد المسيح السرى فى الكنيسة، وجسده الذى فى السماء الجالس عن يمين الله؟ هو جسد واحد بلا تفرق فى السماء وعلى الأرض..".
ويبقى تعريف (جسد المسيح السرى) لا يتفق مع بعضه البعض لأن الجسد الجالس عن يمين الله هو الجسد المولود من العذراء المتحد باللاهوت، وليس هو الكنيسة بحال من الأحوال. فالكنيسة هى جسد المسيح ليس بالمعنى الحرفى، وليست هى الجسد المولود من العذراء..
(15) هل فى العنصرة إتحدت طبيعة إلهية بطبيعة بشرية؟!
أما قوله إنه فى يوم العنصرة حدث اتحاد بين طبيعة إلهية وطبيعة بشرية، (فيها التلاميذ يمثلون الكنيسة كلها) فأمر لا يمكن أبداً قبوله لاهوتياً.
الوحيد الذى اتحدت فيه الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية، هو السيد المسيح الإله المتجسد. وليس الرسل أيضاً. محال..
وهنا أحب أن أقول إن هناك طريقتين لمهاجة لاهوت المسيح:
أ – إما التعليم الأريوسى الذى ينزل بالمسح إلى مستوى البشر.
ب – وإما تأليه البشر، إذ يرفع البشر إلى مستوى المسيح. وهذا ما نرى له مثالاً الآن، إذ يُقال إنه فى يوم الخمسين، حدث للتلاميذ اتحاد طبيعة إلهية بطبيعة بشرية!!
ماذا يكون إذن الفرق بينهم وبين السيد المسيح؟!
لا فرق، وهذا ما يذكره مؤلف كتاب العنصرة..
(16) هل كمل فى العُلية ما بدئ به فى بيت لحم؟!
فهو يقول عن حلول الروح القدس يوم الخمسين:
"لم يحل الروح القدس بهيئة حمامة فى وسط مياه الأردن ليعطى قوة العماد بالماء والروح، بل حلّ بألسنة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم. إذن فنحن أمام" عليقة مشتعلة بالنار "حسب الرمز، أو طبيعة إلهية متحدة بطبيعة بشرية حسب شرح الرمز، أو صورة النبوة بميلاد المسيح كما تسلمنا من التقليد الشريف!".
ويرى أن ما حدث للرسل يمثل الكنيسة كلها فيقول:
"إن غاية التجسد الإلهى بلغت ذروتها فى يوم الخمسين".
التجسد الإلهى هو طبيعة إلهية اتحدت بطبيعة بشرية. فهل بلغ هذا ذروته فى يوم الخمسين، حينما حدث نفس الشئ بالنسبة إلى الرسل حسب قوله؟! أو للكنيسة كلها؟
نعم، إنه يقول: "لقد صار وكمل فى العلية، ما بدئ به فى بيت لحم".
الذى بدئ به فى بيت لحم هو التجسد الإلهى الذى فيه اتحدت الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية فى شخص المسيح. فهل هذا هو الذى صار وكمل فى العلية فى يوم الخمسين؟! مع الرسل ممثلين للكنيسة؟! الكل صاروا كالمسيح تماماً!!
(17) هل إكتسبت الكنيسة كل ما للمسيح؟!
إنه يقول: قبل ذلك مباشرة فى (الهيئة التى حل بها الروح القدس يوم الخمسين):
"لقد اتحد المسيح بالكنيسة، فاكتسبت الكنيسة كل ما للمسيح". ويقول بعد ذلك تحت عنوان (الروح القدس هو صانع هياكلنا الجديدة): "إن فعل الروح القدس الأساسى فى إنساننا الجديد هو إعطاؤنا كل ما للمسيح لنصير مناسبين للاتحاد الدائم به".
ما أخطر كلمة (كل) حينما يُقال فى التعبير اللاهوتى..
الكنيسة لم تكتسب كل ما للمسيح، لأن للمسيح لاهوتاً لم تكتسبه الكنيسة.
وللمسيح صفات لاهوتية كالأزلية، وعدم المحدودية، والقدرة على الخلق، والسلطان المطلق. والكنيسة لم تكتسب شيئاً من كل هذا. والمسيح له علاقة بالآب يقول فيها "أنا والآب واحد" (يو 10: 30). ويقول "من رآنى فقد رأى الآب" (يو 14: 9). وهذا أيضاً لم تكتسبه الكنيسة. وكذلك كل مجد اللاهوت الذى للمسيح..
يمكن أن نقول إن المسيح أعطانا مما له، من صفاته الناسوتية مما يمكننا الوصول إليه. أما عبارة "كل ما للمسيح" فهى ما لا يمكن أن نصل إليه إطلاقاً. إنها عبارة غير مقبولة لاهوتياً. كذلك فى المعمودية، لم يعطنا الروح القدس كل ما للمسيح!
ويؤسفنا أن المؤلف يكرر نفس عباراته التى ذكرها فى كتاب العنصرة. وذلك فى صفحة واحدة من كتابه (التجسد الإلهى ص 45):
فيقول إن الذى حدث فى يوم الخمسين هو اتحاد طبيعة إلهية بطبيعة بشرية ". ويقول" وماذا تكون الطبيعة الإلهية إلا جسد المسيح السرى بالذات الذى سبق المسيح فأشار إلى أخذه وأكله والاتحاد به ". كما تحدث عن تقبل الروح القدس كأقنوم..
وقال أيضاً "إن غاية التجسد الإلهى قد بلغت ذروتها فى يوم الخمسين". وقال "لقد اتحد المسيح بالكنيسة: فاكتسبت الكنيسة كل ما للمسيح.. لقد صار وكمل فى العلية ما بدئ به فى بيت لحم". وقال أيضاً الجسد الإلهى المعبر عنه بملء اللاهوت جسدياً.. ".
نعم، ما كتبه سنة 1960 قد كرره بالحرف سنة 1988.. إنه إصرار على فكر يلزم مواجهته.
(18) هل الروح القدس يشكلنا بطبيعة ابن الله؟!
ولكن المؤلف يكمل مفهومه بعبارة أخرى مشابهة وهى:
"لذلك بعد أن يلدنا الروح القدس فى المعمودية، ويشكلنا بطبيعة ابن الله، لا يسعه إلا أن يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله".
وهنا نقف أمام عبارة "يشكلنا بطبيعة ابن الله".
طبيعة ابن الله، هى لاهوت كامل متحد بناسوت كامل. هذه هى طبيعة "الكلمة المتجسد". فكيف يشكلنا الروح القدس بهذه الطبيعة؟! كل ما يمكن أن يُقال إنه يقربنا من صورة ناسوته، يجعلنا مشابهين لكمال الناسوت فى ما تستطيع طبيعتنا البشرية أن تصل إليه بمعونة النعمة.. يجعلنا "مشابهين صورة ابنه" (رو 8: 29).
أما أن يشكلنا بطبيعة ابن الله، فهذا غير ممكن لاهوتياً. ستظل طبيعتنا البشرية هى هى، لكن مع نقاوة وتجديد. وتظل طبيعة ابن الله هى هى: لاهوت كامل متحد بناسوت كامل مقدس...
(19) بنوّتنا لله وبنوّة السيّد المسيح لله.
حقاً إننا نصير أبناء الله، ولكن ليس بطبيعة ابن الله. فهو ابن الله بمعنى، ونحن أبناء الله بمعنى. لذلك فقد كُتب عنه إنه "إبن الله الوحيد" (يو 3: 16، 18) (1يو 4: 9) (يو 1: 18).
أما بنوتنا فهى لون من التبنى (غل 4: 5) (رو 8: 23). وقد قال يوحنا الرسول عن السيد المسيح "أما الذين قبلوه، فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه" (يو 1: 12) وقال "أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله" (1يو 3: 1).
إذن بنوتنا لله هى نوع من المحبة أو التبنى أو الإيمان، وليست مطلقاً لأننا تشكلنا بطبيعة ابن الله!
(20) ما معنى إننا صرنا مسيحاً؟!
يستخدم المؤلف اقتباساً فى غير موضعه للقديس أوغسطينوس إذ يقول: "إننا لم نصر فقط مسيحيين، بل صرنا مسيحاً".
القديس أوغسطينوس كان يتكلم عن أن السيد المسيح اعتبرنا كشخصه. فيما قال لشاول الطرسوسى "لماذا تضطهدنى؟" (أع 9). ولم يقل "لماذا تضطهد أعضا الكنيسة". فكأننا كشخصه. وكذلك فى العناية بالفقراء إذ قال "كنت جوعاناً فأطعمتمونى. كنت عطشاناً فسقيتمونى.." (مت 25). وقال بعدها "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتى هؤلاء الأصاغرن فبى قد فعلتم" (مت 25: 40).
هذا ما قصده القديس أوغسطينوس، ولم يكن يتكلم عن معنى لاهوتى، أو عن أنه قد صار لنا طبيعة المسيح، حاشا.
وبهذه المناسبة نعود فنكرر أن استخدام أقوال الآباء بغير مفهومها وفى غير مناسبتها، أمر معثر وله خطورته..
فلا يجوز إذن استخدام ما قاله الآباء فى غير القصد الذى قصدوه، وتحويله إلى معنى آخر..!
(21) هل الجسد الإلهى هو كلَ ملء اللاهوت جسدياً؟!
يتابع المؤلف المعنى الذى يقصده من يوم الخمسين فيقول:
"فالجسد الإلهى المعبر عنه" بملء اللاهوت جسدياً "(كو 2: 9)، صرنا منذ يوم الخمسين" مملوئين فيه ".
ومن المحال أن الجسد الإلهى يعبر عنه بأنه ملء اللاهوت!! فإن كان الجسد هو ملء اللاهوت، إذن أين الناسوت؟! وأين اللاهوت؟! أما الآية (كو 2: 8، 9) فتقول "... وليس حسب المسيح فإنه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً".
وفرق كبير جداً بين تعبير "يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً" وبين أن الجسد الإلهى هو كل ملء اللاهوت جسدياً!!
هذا الخلط بين اللاهوت والناسوت، كما لو أن طبيعة كل منهما قد فقدت أو ذابت فى الطبيعة الأخرى، يذكرنا أيضاً بقوله فى نفس المجال "وماذا تكون الطبيعة الإلهية إلا جسد المسيح السرى بالذات..".
فهو يقول: الطبيعة الإلهية هى جسد المسيح السرى!
كما يقول: الجسد الإلهى هو ملء اللاهوت جسدياً!
فهل الطبيعة الإلهية هى الطبيعة الناسوتية فى تعبيره؟!
إننا نرى عجباً فى كل هذه الشروحات، التى هى ضد تعليم الكنيسة اللاهوتى.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- (1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى
- (2) حَوْل العقوبَة
- (3) مبدأ الدينونة والعقوبة
- (4) اللعنَة كعقوبَة إلهيَّة
- (5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!
- (6) معنى “أشتريتم بثمن”
- (7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه
- فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟
- فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟
- فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
- فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
- فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟
- شركاء الطبيعة الإلهيّة؟
- إتحاد اللاهوت بالناسُوت
- فى اللاهوت المقارن: (6)النقد الكتابى Biblical Criticism
- حَول كتاب: الإنسَان والخطية رسالة سلام للنفس المتعبة
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب