(6) معنى “أشتريتم بثمن”

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

(6) معنى "أشتريتم بثمن"

(1كو 6: 20).

مقدمَة:

واضح أن السيد المسيح قد اشترانا بدمه، كما ورد فى الآيات الآتية:

(1كو 6: 20) "لأنكم قد اشتريتم بثمن، فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله". أى انكم لم تعودوا ملكاً لأنفسكم بل للذى اشتراكم.

(1كو 7: 23) "قد اشتريتم بثمن، فلا تصيروا عبيداً للناس" ز.

(رؤ 5: 9) "مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه، لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك، من كل قبيلة ولسان وشعب".

(رؤ 14: 3، 4) "ولم يستطع أحد أن يتعلم الترنيمة إلا 144 ألفاً الذين أشتروا من الأرض.. هؤلاء اشتروا من بين الناس".

(2بط 2: 1) "وهم ينكرون الرب الذى اشتراهم" [عن المرتدين].

القديس بطرس الرسول – فى موضع آخر – يستخدم كلمة "أفتديتم" بدلاً من كلمة (اشتريتم).

فيقول – والمعنى واحد – "أفتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب... بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 1: 19).

ولكن المعارض يحاول أن يدخل فى تفاصل لتعقيد الموضوع فيسأل:

من المشترى؟ ومن البائع؟

وطبيعى أن المشترى هو ربنا يسوع المسيح الذى اشترانا بدمه.

وهذا واضح من عبارة "لأنك ذُبحت وأشتريتنا لله بدمك" (رؤ 5: 9). وعن هذا يقول القديس بطرس الرسول "أفتديتم، لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب.. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 18: 19).

وممن اشترانا المسيح؟ اشترانا من الموت، أو من حكم الموت.

وهذا نفس ما نقوله فى القداس الباسيلى "وسلّم ذاته فداء عنا، إلى الموت الذى تملك علينا، هذا الذى كنا ممسكين بهن مبيعين من قبل خطايانا".

وفى هذا يقول القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل رومية ".. كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت. وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس" ويضيف "ولكن قد ملك الموت من آدم.." (رو 5: 12، 14).

هذا الموت الذى ملك علينا بسبب خطايانان اشترانا الرب منه.

هنا ويأتى السؤال: ومن الذى باعنا؟ حتى اشترينا.

ويذكر (القارئ) نقلاً عن احد مراجعه "إن كان الله باعهم، فلم يبعهم بثمن. وإن كان قد استردهم، فلم يستردهم أو يفكهم أيضاً بثمن". ونحن لا نقول إن الله باعنا، كما فعل ببنى إسرائيل حين أسلمهم إلى أيدى أعدائهم بسبب خطاياهم. إنما نقول:

إن الإنسان هو الذى باع نفسه للموت، بسبب خطاياه.

لأن "أجرة الخطية هى موت" (رو 6: 23) حسب قول الكتاب. وكما قال الرب "النفس التى تخطئ هى تموت" (حز 18: 4، 20). وهكذا "كنا أمواتاً بالخطايا" (أف 2: 1، 5).

والسيد المسيح بدمه اشترانا من حكم الموت، ومنحنا الحياة.

ولكن هذا المعارض يسخر من هذا الشراء، وكانه يسخر من آيات الكتاب الدالة على شرائنا بالدم. فيقول إن عبارات الشراء "لا تنسجم مع كلمات التسبحة: جعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة، وسنملك على الأرض. لأن الإنسان يستطيع أن يشترى العبيد والمواش.. إلخ. لكنه لا يستطيع أن يشترى ملكاً وكاهناً!! هنا يجب ان نفهم أن الشراء هنا هو إقتناء".

وكنا نود أن هذا القارئ يرتفع فى البحث اللاهوتى عن المقارنة مع شراء العبيد والمواشى. ولكننا نقول فى الرد الموضوعى:

عندما اشترانا الرب، لم نكن ملوكاً وكهنة، بل كنا "أمواتاً بالذنوب والخطايا". إنما صرنا ملوكاً وكهنة (روحياً) بعد أن اشترانا بدمه، وبهذا الدم طهرنا من كل خطية "(1يو 1: 7). وبررنا ومجّدنا (رو 8: 3). ثم دعانا لنكون ملوكاً وكهنة..

إذن الملك والكهنوت الروحى، كانا بعد شرائه لنا بدمه، وليس قبل ذلك. بل كانا نتيجة لهذا الشراء. وهذا هو الذى ورد عنه فى سفر الرؤيا: "الذى احبنا، وقد غسّلنا من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه.." (رؤ 1: 5).

وبنفس المنطق المعكوس الذى يستخدم فيه (ما بعد) وكأنه (ما قبل)، يقول "والإنسان لا يشترى هيكلاً للروح القدس".

والواقع إن الرب حينما اشترانا، لم نكن هياكل للروح القدس. بل صرنا كذلك بعد أن اشترانا، وطهرنا بدمه من كل خطية.

أما عن عبارة "إقتناء" بدلاً من الشراء. فما أسهل فى استخدام هذه العبارة أن نقول إن هذا الإقتناء تم نتيجة الشراء.

فالذى يشترى شيئاً، إنما يقتنيه بشرائه له. وعبارة الرسول "كنيسة الله التى اقتناها بدمه" (أع 20: 28). لا تختلف إطلاقاً عن عبارة "اشتراها بدمه". وتندمج معها عبارة "قد أشتريتم بثمن" (1كو 7: 23) ومعها عبارة "لا بفضة ولا ذهب، بل بدم كريم بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 18: 19).

لماذا تجاهل الآيات الصريحة الخاصة بشرائنا بدم المسيح، ومحاولة استبدالها بعبارة أخرىن وتدل على نفس المعنى، إن كان الغرض سليماً؟!

تأتى بعد هذا نقطة أخرى وهى:

إن كان الله قد اشترانا بدمه، فلمن قد دُفع الثمن؟

ويجيب – نقلاً عن أحد مراجعه: إن الثمن قد دُفع لنا!!

"الدم الذى قدمه المسيح ثمناً وفدية، لم يدفعه لأحد غيرنا"!! ويقول نفس مرجعه "الوضع الصحيح للفدية: الثمن مدفوع لنا" ويبرر قوله بأن الثمن الذى اشترانا به الرب (أى دمه) "نحن نشربه، ولكن بلا ثمن"!!

طبعاً هناك فرق كبير بين "دُفع لنا" و "دفع لأجلنا"!!

وفى الأمور اللاهوتية، تلزم الدقة فى التعبير...

لقد دفع المسيح دمه لأجلنا، لأجل خلاصنا وفدائنا، لأجل تبريرنا وتقديسنا، لأجل وفاء الدين الذى علينا.

ومن غير المنطقى أن يُدفع الثمن لنا، ونحن مديونون!!

وقد عبّر الرب عن ديوننا، فى قصة المرأة التى بللت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها. فقال للفريسى الذى أدانه فى فكره "إنسان كان له مدينان: على الواحد خمسمائة دينار، وعلى الاخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعاً" (لو 7: 41، 42). وعبارة "سامحهما جميعاً" هنا، معناها أنه حوّل ديونهما إلى حساب الفادى المصلوب ليوفى عنهما...

فكيف يُقال أن الثمن قد دُفع إلى المديون العاجز عن الوفاء بدينه؟! بل نقول إن الثمن قد دفع لأجله لتخليصه من دينه...

أما عن كوننا نشرب دم المسيح فى سرّ التناول المقدس، فليس معنى هذا أننا نأخذ حقاً من حقوقنا، أو أن التناول هو من استحقاقنا بحكم الفداء. إنما التناول هو مجرد نعمة تمنح لنا. هو منحة وليس حقاً.. وأعود مرة أخرى فأقول إن التدقيق فى استخدام الألفاظ، هو لازم جداً فى التعبيرات اللاهوتية.

وكون هذا الدم قد أعطى لنا بلا ثمن (من جهتنا) فهذا لا يعنى أنه قد منح لنا بغير شروط!! وشرط الاستحقاق لازم كما شرحه القديس بولس الرسول فى (1كو 11). وقال إن من يتناول بغير استحقاق، "يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه" ويتناول "دينونة لنفسه" (1كو 11: 27، 29).

إننا باستمرار نتناول من الدم الكريم، عن احتياج، وعن علاج، وليس لكوننا أصحاب حق، دُفع إلينا الثمن.. لنشربه بلا ثمن!!

إن التناول يحتاج بأقصى حد إلى تواضع قلب، فيه يقول الأب الكاهن خادم السرّ (فى صلاة الاستعداد) "أنت يا رب تعلم أننى غير مستحق، ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التى لك. وليس وجه أن أقترب وأفتح فاى أمام مجدك المقدس. بل ككثرة رأفاتك اغفر لى أنا الخاطئن وامنحنى أن اجد نعمة ورحمة فى هذه الساعة". ويقول "اعط يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا، عن خطاياى وجهالات شعبك".

بدع حديثة.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

(7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه

(5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!

المحتويات
المحتويات