(2) حَوْل العقوبَة

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

(2) حَوْل العقوبَة

هؤلاء الذين يحاربون عدل الله، إنما ينكرون صفة جوهرية فيه كدّيان عادل. ويركزون فقط على رحمته ومحبته.

وإن حاربوا عدل الله باسم الرحمة، فليعرفوا أن صفات الله لا تنفصل عن بعضها البعض، فعدل الله عدل رحيم، ورحمة الله رحمة عادلة.

وهم فى التركيز على محبة الله، إنما يتجاهلون الآيات العديدة التى تتحدث عن عدله، أو يحاولون تفسيرها لتتمشى حسب لون تفكيرهم الخاص! وإن أوردوا بعض أقوال الآباء أحياناً. إنما يقتبسون بطريقة مقتضبه، كأن ينتزعوا عبارة دون إشارة إلى الجو الذى قيلت فيه. وهكذا يفعلون أيضاً بالنسبة إلى أقتباساتهم من القداس الإلهى.

فمثلاً اقتباسهم عبارة "حوّلت لى العقوبة خلاصاً؟!".

يركزون على كلمة (خلاصاً). ويتجاهلون أنه خلاص من عقوبة! ومع ذلك فبكل جرأة يقولون إن الله لا يعاقب أحداً..!

وحينما يستخدمون عبارة "أزلت لعنة الناموس عنى".

يركزون على عمل السيد المسيح الفدائى فى إزالته لعنة الناموس عنا. وينسون أن الله هو الذى وضع تلك اللعنات على كل من يخالف وصاياه "(تث 27، 28).

وعندما يقتبسون عبارة "أرسلت لى الناموس عوناً":

إنما يركزون على عبارة (عوناً). وينسون أن الناموس كان عوناً من جهة الإرشاد، ولكنه كان أيضاً ميزاناً للعدل والدينونة. حتى أن الناس يدانون حسبما ورد فى كلمات ذلك الناموس.

ويعوزنى الوقت إن أوردت كل أمثلة اقتباساتهم. ولكنى أقول إنهم:

فى سبيل التركيز على محبة الله، وينكرون كل كلمات العقوبة، فينكرون عقوبة الموت، وعقوبة اللعنة، وكل ما يتعلق بالعذاب الأبدى!

ويعتبرون أن الله ليس له شأن ولا تدبير فى كل ذلك!

ويقولون إن الإنسان هو الذى سبب لنفسه كل ذلك بحرية إرادته.. ونحن لا ننكر أن الإنسان هو الذى كان السبب فى تعرضه للعقوبة. ولكن فى نفس الوقت هو الذى عرّض نفسه لحكم الله. وما كان الموت ولا الهلاك إلا عقوبة أصدرها الله نفسه. وما كانت اللعنة ولا العذاب الأبدى إلا عقوبة أصدرها الله نفسه. فكيف يُقال إنها ليست من تدبير الله؟

عقوبَة الموت:

أول مرة وردت فيها كلمة الموت، كانت من فم الله، وبحكم الله.

فهو الذى قال للإنسان الأول عن الشجرة المحرمة "يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2: 17). فكيف يتجرأ شخص ويقول "وحتى عندما نقول إن الموت هو حكم الله على الخاطئن فهذا لا يعنى أن الموت من تدبير وصنع الله أبداً" بل كلمة حكم Judgement تعنى تقييم أو تشخيص "!!

وكيف يقول أيضاً "إن الله خلقنا للحياة، ولم يخلق أو يدبر عقوبة الموت أبداً"!! حقاً إنه خلقنا للحياة. ولكنه حكم بالموت على المخالفة. وهوذا الله يقول فى أواخر سفر التثنية:

"قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر" (تث 30: 15).

إذن الله هو الذى جعل الحياة (الحياة الأبدية) مكافأة لعمل الخير. كما جعل الموت جزاء على عمل الشر. ويكرر نفس الكلام فى نفس الإصحاح فيقول "قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة. فاختر الحياة لكى تحيا" (تث 30: 19). فكيف يُقال إن هذا ليس من تدبير الله؟!

وكيف فى تأمله عما ورد فى القداس الإلهى عن الموت "كنا ممسكين به، مبيعين من قبل خطايانا، يقول" مبيعين (بإرادتنا) من قبل خطايانا. وليس الموت بنا من إرادة الله كعقوبة!

حقاً كما نقول فى القداس الإلهى "أنا اجتذبت لى قضية الموت". ولكننا اجتذبنا قضية الموت التى حكم بها علينا إن أخطأنا.

فإرادتنا الخاطئة عرضتنا للحكم الصادر من الله، عقوبة للخطية.

وليس هذا فى العهد القديم فقط، إنما فى العهد الجديد أيضاً. فهوذا بولس الرسول يقول فى رسالته إلى العبرانيين "فإنه إن أخطأنا باختيارنا بعدما أخذنا معرفة الحق، لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطايا، بل قبول دينونة مخيف، وغيرة نار عتيدة أن تأكل المضادين.." إلى أن يقول "مخيف هو الوقوع فى يدىّ الله الحىّ" (عب 10: 26 - 31).

فهل ننكر إذن الدينونة – وأولها الموت – فى حديثنا عن محبة الله؟!

أما عبارة "الموت الذى دخل إلى العالم بحسد أبليس".

فليس معناها أن ابليس هو الذى أصدر حكم الموت، إنما هو الذى أغوى الإنسان لكى يخالف وصية الله، فيقع فى حكم الموت الذى أصدره الله. وهكذا نقول لله فى القداس الإلهى عن الإنسان "ولما سقط بغواية العدو، ومخالفة وصيتك المقدسة..".

سقوطنا إذن كان بإرادتنا، وبتدخل ابليس الذى حسدنا وأغوانا لنخالف وصية الله المقدسة. فوقعنا فى حكم الله بالموت.

الله هو الذى يصدر حكم الموت، وهو الذى يرفعه بتوبتنا.

لذلك عندما تاب داود وندم على خطيئته، سمع الحكم الإلهى على فم ناثان النبى "الرب أيضاً قد نقل عنك خطيتك. لا تموت" (2صم 12: 13).

وفى نفس الإصحاح فرض الله الديان العادل عقوبات على داود، وحكم بالموت على ابنه المولود من الخطية قائلاً "من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الله يشمتون. فالابن المولود لك يموت" (2صم 12: 14).

ومع ذلك فإن محارب عدل الله يقول "الله لم يخلق الموت"!

إن الله حينما ينزع نعمة الحياة من إنسان، يكون قد حكم عليه بالموت. وهو كما قال عن نفسه فى سفر الرؤيا "ولى مفاتيح الهاوية والموت" (رؤ 1: 18). وهو الذى يمت ويحيى. وهو الذى أصدر حكمه قائلاً "النفس التى تخطئ هى تموت" (حز 18: 4). وهو الذى قال عن توبة الخاطئ "فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التى فعلها، وحفظ كل فرائضى، وفعل حقاً وعدلاً. فحياة يحيا. لا يموت" (حز 18: 21).

ألست ترى إذن أن الحياة والموت هما فى يدى الله.

هذا لا يمنع أن الإنسان إذا سار فى طريق البرن يستحق الحياة الأبدية التى يمنحها الله. وإن سار فى طريق الخطية يستحق الموت بحكم من الله.

وما أكثر الأحكام التى أصدرها الله بالموت:

منها حكم الطوفان الذى قال فيه الرب "أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلقته.. نهاية كل بشر قد أتت أمامى.. فها أنا أت بطوفان الماء على الأرض، لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما فى الأرض يموت" (تك 6: 7، 13، 17).

نعم، هذا الطوفان الذى يتهكم عليه ذلك المؤلف، الذى من أجل دفاعه عن محبة الله، لا يحترم الكتب المقدسة!

هناك أيضاً الحكم الذى أصدره الله على قورح وداثان وأبيرام.

حيث "فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وبيوتهم.. فنزلوا وكل ما كان لهم أحياء إلى الهاوية، وأنطبقت عليهم الأرض. فبادوا من بين الجماعة" (عد 16: 31 - 33). أليس هذا حكماً إلهياً بالموت، أختطفه قورح وزملاؤه. ولكنه حكم من الله تم تنفيذه بطريقة إلهية معجزية.

كذلك الحكم الذى أصدره بطرس الرسول على حنانيا وسفيرا.

وبطرس أصدره بحكم السلطان المعطى له من الله، لأنه لا يستطيع ذلك بمجرد قوته البشرية. وحقاً أنهما استحقا ذلك لأنهما قد كذبا على الروح القدس (أع 5: 3، 4). ولكنه حكم إلهى بالموت.

وبالمثل حكم الرب على القاتل، بقتله.

وفى هذا قال الرب بعد رسو فلك نوح ".. وأطلب أنا دمكم لأنفسكم.. من يد الإنسان أطلب نفس الإنسان. سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان" (تك 9: 5، 6).

وهكذا طالب الله بدم هابيل من يد قايين أخيه. وقال له "أين هابيل أخوك؟.. صوت دم أخيك صارخ إلىّ من الأرض.." (تك 4: 9، 10).

ولكن مهاجم العدل الإلهى، يدافع عن الجانى وليس عن المجنى عليه. ويقول "تدمير الجانى مثل المجنى عليه، لإشباع غليل المجنى عليه، الغليل والعطش إلى إرسالة الدماء!!

أليس من العدل حماية الضعيف من بطش القوى، بمعاقبة ذلك الجانى؟!

وإلا فسوف يسود قانون الغابة، والذى يستطيع أن يأكل غيره، لا رادع له من أكله!! إن الله كضابط للكل "يحكم للمظلومين" (مز 146: 7). وهو الذى قال فى سفر حزقيال النبى "أنا أرعى غنمى وأربضها.. وأجبر الكسير، وأعصب الجريح، وأبيد السمين والقوى، وأرعاها بعدل" (حز 34: 16).

الرب أيضاً عاقب داود على قتل أوريا الحثى.

وقال له فى معاقبته "قد قتلت أوريا الحثى بالسيف، وأخذت أمرأتك لك أمرأة، وإياه قتلت بسيف بنى عمون. والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد. لأنك أحتقرتنى.." (2صم 12: 9، 10).

وقد قال الرب على لسان بولس الرسول: "لا تنتقموا لأنفسكم.. لأنه مكتوب: لى النقمة أنا أجازى، يقول الرب" (رو 12: 19).

وقد منع الرب داود النبى والملك من بناء الهيكل عقوبة له على سفك الدماء.

وقال داود عن ذلك لسليمان ابنه "قد كان فى قلبى أن أبنى بيتاً لإسم الرب إلهى. فكان إلىّ كلام الرب قائلاً: قد سفكت دماً كثيراً، وعملت حروباً عظيمة. فلا تبن بيتاً لاسمى، لأنك سفكت دماً كثيرة على الأرض أمامى" (1 أى 22: 7، 8).

إن عدم العقوبة يقود إلى الإستهتار. وهناك من يخلصون بالمخافة.

كما قال الرسول "خلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار" (يه 23). وكما قيل أيضاً "سيروا زمان غربتكم بخوف" (1بط 1: 17) وأيضاً "تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فى 2: 12). وليس الجميع تقودهم المحبة. هناك من تصلح لهم المخافة...

وعلى الأقل فى معاقبة الجانى، نخلص العالم منه، ويرتدع الباقون.

كما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف "الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع، لكى يكون عند الباقين خوف" (1تى 5: 20).

وبعد فإن محاربى العدل الإلهى، ينفون عن الله كل عقوبة صدرت منه. ويقولون إنه لم يلعن أحداً من خليقته. وأنه [ "لم يلعن الأرض، كما يظن من يقرأ الكلمات" ملعونة الأرض بسببك "(تك3: 17)]. وإنه لا يجازى ولا يدين...

والعجيب أنهم يقفون أمام آيات واضحة، ويغيرون تفسيرها. لذلك فسوف نكمل هذا الرد فى الأعداد المقبلة، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.

بدع حديثة.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

(3) مبدأ الدينونة والعقوبة

(1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى

المحتويات
المحتويات