فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟

هَل أسرار الكنيسَة ليسَت سَبَعة أسرار؟

هَل تناول يَهُوذا ثم دَخله الشيطان؟

هَل كانوا يتناولون بَعد وَليمَة عَشَاء (أغابى

هَل كانت تمر سَاعة بَين مُبَاركة الخبز والكأس؟

هَل غَسْل أرجُل التلاميذ كان شركة فى مَوته وقيامته؟

هَل الربّ كانَ يَذبح نفسَهُ بالنيّة والنبوة؟

هَل فى الإفخارستيا نأكُل الطبيعَة الإلَهيَّة؟

هَل الكهنوُت والإفخارسْتيا ينحَدِران أصلاً من الأبديّة؟

هَل كانوا يَتناولوُو الجَسَد فى أيديهم؟

وَهَل كانوا يَأخذونه أحيَاناً إلىَ بيُوتهتم؟

هَل جَسَد الرَبّ هُنَا هُوَ الربّ وَهُوَ الَكنيسَة؟

هَل الله ليسَ آخر بالنسبَة إلى الإنسَان؟

هَل كانَ طقس تقديم الحَمل قداسَاً كاملاً؟

هَل الشمَامِسَة كَانوا يُوزعُون الجَسَد وَ الدّم؟

(1) كل هذه الأسئلة تجعلنا نقف أمام عدة أمور خطيرة وهى:

أ – خطورة التأثر بقراءة الكتب الأجنبية الغريبة عن عقيدتنا، وبخاصة ما يتعلق منها بالنقد الكتابى Biblical Criticism ثم تحويل هذه القراءة إلى عقيدة، ونشرها..!

ب – خطورة أن بعض خدام مدارس الأحد وخدام الشباب، يدرّسون ما يقرأونه، دون فحص، حتى لو كان مخالفاً لعقيدة الكنيسة وتقاليدها!

ج – خطورة الإعجاب بأى فكر جديد واعتناقه، مع عدم احترام المسلّمات لنا من الآباء عبر أجيال طويلة..!

د – خطورة تشكيك الناس فى المسلّمات من تعاليم مألوفة وموروثة.

لكل هذا رأيت أن أتعرض لهذه المسائل وأمثالها، وأشرحها لأبنائنا، من واقع مسئوليتى فى الحفاظ على التعليم الكنسى نقياً من كل شائبة، لكى يسلمه جيلنا إلى الأجيال المقبلة سليماً كما تسلمناه..

وكمثال ففى كتاب [الافخارستيا: عشاء الرب] كان لابد أن نتعرض لعدة نقاط ذكرها الكاتب، ونشرحها للقراء:

(2) مهاجَمة عبارة (أسرار الكنيسَة السَبعة).

فقد ورد فى (ص 35) "أول من حدد هذه الأسرار الكنسية بالرقم 7 (سبعة) هى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بواسطة أسقف باريس (بطرس لمبارد) مع غيره. وقد قبلها توما الأكوين، وقنّنها مجمع فلورنسا سنة 1439. وقد أخذت الكنيسة البيزنطية هذا التقليد عن الكنيسة الكاثوليكية.".

"ثم دخل هذا التقليد إلى الكنيسة القبطية. وأول ذكر لها تحت أيدينا هو ما ورد فى المخطوطة المعروفة باسم (نزهة النفوس). وهى لكاهن مجهول.. ويظن أنه ليس قبطياً أرثوذكسياً".

"وعلى أى حال لم نجد ذكراً لتحديد أسرار الكنيسة بالعدد سبعة فى مخطوطة العالم ابن كبر المعروفة باسم (مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة) وهو أهم وأدق من كتب فى الأسرار فى القرون الأخيرة. وحتى لم يذكرها مجموعة معاً، بل جاءت فى كتابه ناقصه عن العدد 7، ومتفرقة على مدى الكتاب..".

ثم ذكر الكاتب سر الثالوث، وسر اللاهوت، وسر التجسد والفداء، وسر الإنجيل (أف 6: 19)، وسر ملكوت الله (مر 4: 11)، وسرّ الإيمان (1تى 3: 9)، وسر التقوى (1تى 3: 16).. وأسرار أخرى.

(3) ونفس الأمر يكرّره فى كتاب الباركليت ص 44 (416).

فيقول "توجد فى الكنيسة أسرار أخرى كثيرة غير محسوبة ضمن الأسرار السبعة.. فمثلاً فى حالة تكريس الرهبان يحل الروح القدس بالصلاة، ويعمل بنعمته فى الشخص المتكرس لحفظ البتولية والموت عن شهوات الدنيا. وفى تكريس الكنائس يحل الروح القدس بصلاة الأسقف، لتقديس المكان وتخصيصه للصلاة.. وفى الصلاة على الموتى يحل الروح القدس ليستلم هيكله الخصوصى [ويعلق على هذه النقطة بقوله: حينما يصلى الكاهن يطلب ويقول:" عن هذه النفس "إشارة إلى وجود النفس أثناء الصلاة].

(4) ونحن هنا نريد أن نذكر تنوع مَعنى كلمة (سرّ).

وتمييز أسرار الكنيسة عن استخدام كلمة (سرّ) فى مواضع أخرى.

كلمة (سرّ) بمعنى Secret أو بمعنى Sacrament، أو بمعنى Mystery..

كلمة (سرّ) فى الدلالة على المفهوم العقلى أو اللاهوتى أو التاريخى. كما يقول الرسول "عظيم هو سر التقوى: الله ظهر فى الجسد" (1تى 3: 16). هنا سرّ التجسد لاهوتياً.. أو قوله "لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا هذا السر، لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء: إن القساوة قد حدثت جزئياً لإسرائيل، إلى أن يدخل ملؤ الأمم.." (رو 11: 25).. أو قوله "هوذا سرّ أقوله لكم: لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغير. فى لحظة فى طرفة عين، عند البوق الأخير. فإنه سيبّوق، فيقام الأموات عديمى الفساد، ونحن نتغير" (1كو 15: 51، 52). هنا إعلان عما سيحدث فى المستقبل، كشف أو نبوءة..

أما أسرار الكنيسة السبعة، فهى شئ غير هذه الأمور كلها المتعلقة بالمعرفة. فما هى؟

(5) السرّ الكنسى عبارة عن نعمة غير منظورة يمنحها الله

عَن طريق طقس منظور (صلاة أو مادة أحياناً).

فمثلاً فى سر المعمودية: نعمة غير منظور هى الولادة الجديدة من الماء والروح، والتجديد، وموت الإنسان العتيق (يو 3: 5) (رو 6). كل ذلك عن طريق عمل منظور هو التغطيس فى ماء المعمودية..

وسرّ الميرون (المسحة المقدسة) عبارة عن نعمة غير منظورة وهى سكنى الروح فى الإنسان (1كو 3: 16) أو تقديس الأشياء، عن طريق عمل ظاهر أو الرشم بالميرون المقدس. وقديماً كانت تتم فى بداية العصر الرسولى بوضع أيدى الآباء الرسل (أع 8، أع 19).

وسر التوبة عبارة عن نعمة غير منظورة بالاعتراف وتحليل الأب الكاهن.

وسرّ الكهنوت عبارة عن نعمة غير منظورة وهى سلطان ممارسة الأسرار وسلطان مغفرة الخطايا وإمساكها (يو 20: 22، 23). وهذا السرّ يتم عن طريق وضع اليد، والنفخة المقدسة.

وهكذا باقى الأسرار الكنسية كلها نعم غير منظورة.

(6) فلا يجوز بلبلة أذهان الناس وتشكيكهم فيما تسلموه،

عن طريق الحَديث عن كلمة (أسرار) المقصود بها المعرفة.

مثل ما قيل عن "السر المكتوم منذ الدهور" (أف 3: 9) أو سرّ الإنجيل "حسب إعلان السرّ الذى كان مكتوماً فى الأزمنة الأزلية" (رو 16: 25) أو سر التقوى "الله ظهر فى الجسد" (1تى 3: 16) أى سر التجسد.

إن الأمور الخاصة بإيمان الناس أمانة فى أعناقنا..

ولا يجوز لنا أن نبلبل أذهانهم داخل الكنيسة. يكفيهم ما يلاقونه من تشكيك عن طريق طوائف أخرى خارج الكنيسة.

تدشين الكنائس ليس سراً جديداً يضاف إلى أسرار الكنيسة السبعة حسبما ورد فى كتاب البارقليط، فهو جزء من سرّ الميرون المقدس.

وتكريس الرهبان ليس سراً كنسياً، إنما هو صلاة الراقدين تُصلى عليهم باعتبارهم ماتوا عن العالم، مع نصائح وقراءات.

والصلاة على الموتى ليست سراً، فهى مجرد صلاة شفاعية فيهم، ولا يأتى فيها الروح القدس ليستلم هيكله. ولا تكون النفس موجودة أثناء الصلاة، فبمجرد خروج النفس تذهب إلى مكان الانتظار، كما قال الرب للص اليمين "اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو 23: 43). ونحن نذكر نفوس الموتى فى كل ترحيم دون أن تكون حاضرة معنا..

(7) نقطة أخرى فى كتاب الافخارستيا وهى: غسَل أرجُل التلاميذ (يو 13) قبل التناول:

المعروف أن غسل أرجلهم، كان يرمز إلى الطهارة اللازمة لهم قبل التناول. ولذلك بعد غسله لأرجلهم قال الرب "الذى قد اغتسل، ليس له حاجة إلا إلى غسل رجليه، بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون ولكن ليس كلكم لأنه عرف مسلّمه" (يو 13: 10، 11).

كذلك كان غسل أرجل التلاميذ درساً فى التواضع، ولهذا قال لهم الرب "فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض" (يو 13: 14).

ولكن المؤلف يعتبر أن غسل الرب لأرجل تلاميذه كان شركة سرية فى الموت معه!!

ويشير إلى قارورة الطيب التى سكبتها مريم ودهنت بها قدمى المسيح، فقال الرب "إنها فعلت هذا ليوم تكفينى" (يو 12: 3، 7).

فيقول المؤلف إنه بغسل أرجل التلاميذ كان يعدهم للموت معه، وأن غسل الأرجل كان مساوياً لتكفين الجسد كله. وأن "المسيح رأى فى ذلك عملاً يساوى تكفين الجسد كله" "وهكذا كان غسل أرجل التلاميذ باليدين الإلهيتين عملاً تطهيرياً يساوى تكفين الجسد كله. وكأنه قد سبق فكفنهم بغسل أرجلهم بيديه" "أى أن المسيح أراد أن يصنع من غسل أرجل التلاميذ شركة سرية فى الموت معه، موت يؤول إلى قيامة ومجد ونصيب واحد فى ملكوت معدّ" [ص 243]!!

(8) وكل مَا قاله المؤلف فى هذا، لا يتفق مع المفهوم الإنجيلى فى وجوب الطهارة قبل التناول، وفى إعطائهم دَرساً فى التواضع.

أما شركتهم فى الموت معه، فقد أتت فيما بعد، إذ أن غالبية الرسل قد ماتوا شهداء من أجل اسمه.

أما الموت مع الرب بالنسبة إلى سائر المؤمنين فيكون فى المعمودية حسب قول الرسول "أم تجهلون إننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت" (رو 6: 3، 4) وقوله أيضاً "مدفونين معه فى المعمودية" (كو 2: 12).

أما بالنسبة لسر الإفخارستيا، فإنه بدلاً من غسل الأرجل، فإن الأب الكاهن يغسل يديه قبل القداس وهو يقول "أغسل يدىّ بالنقاوة وأطوف بمذبحك يا رب" ويقول للرب أيضاً "انضح علىّ بزوفك فاطهر، واغسلنى فأبيض أكثر من الثلج".

إنها كلها أمور ترمز إلى الطهارة قبل التناول. ولا علاقة لها بالتكفين، وتكفين الجسد كله!!

السيد المسيح قال عن مريم "فعلت ذلك ليوم تكفينى"، لأن ذلك كان فى بداية أسبوع الآلام "قبل الفصح بستة أيام" (يو 12: 1). ومن غير المعقول أن يقصد تكفين التلاميذ قبل استشهادهم بعشرات السنوات. إن الربط بين غسل أرجل التلاميذ، وسكب مريم لطيب ناردين، هو أمر غير مقبول، ويبعد القارئ عن الاستعداد بالطهارة لسرّ الافخارستيا.

(9) يقول المؤلف أن يهوذا تناول ثم دخله الشيطان.

فهو فى (ص 239) يقول "يهوذا عاش بسلام متخفياً وراء ظلام أعماله وريائه وخياناته كل الأيام. وأكل وشرب مع التلاميذ ومع الرب بلا أى مانع أو ضرر، إلا ساعة استعلان سر المحبة المذبوحة فى عشاء الافخارستيا. فحينما دخل اللقمة جوفه، خرجت النعمة والقوة والستر. وانتزع منه الروح الذى كان قد قبله من الرب. فدخله الشيطان وعميت بصيرته، وأظلمت الدنيا كلها أمامه، حتى شنق نفسه".

ونحن نقول إن اللقمة التى أخذها يهوذا لم تكن سر الافخارستيا.

ولم سُئل الرب يسوع عن الشخص الذى يسلمه، "فأجاب: الذى يغمس يده معى فى الصحفة هو يسلمنى" (مت 26: 23). هذه هى رواية متى الإنجيلى. ورواية مرقس الإنجيلى تشبهها: "قال لهم: واحد من الإثنى عشر الذى يغمس معى فى الصحفة" (مر 14: 20).

وعبارة "يغمس فى الصحفة" لا تدل إطلاقاً على التناول الذى يقول فيه الرب: خذوا كلوا، هذا جسدى.. خذوا اشربوا، هذا دمى.

أما عبارة (اللقمة) فقد وردت فى إنجيل يوحنا، حيث فى الرد على سؤالهم "من يسلّمه": "أجاب يسوع: هو ذاك الذى أغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطى. فبعد اللقمة دخله الشيطان" ".. فلما أخذ اللقمة خرج للوقت، وكان ليلاً" (يو 13: 26 - 30).

وعبارة "أغمس" تكررت مرتين. وهى لا تدل على مناولته. فالمناولة عبر عنها الإنجيل بعبارة "كسر وأعطى" (مت 26: 26) (مر 14: 22) (لو 22: 19). ونفس التعبير تقريباً فى الرسالة الأولى إلى كورنثوس "أخذ خبزاً، فشكر وكسرّ، وقال: خذوا كلوا، هذا هو جسدى المكسور.." (1كو 11، 13، 14).

كذلك فى مناولة الكأس "خذوا أشربوا" وليس غمس لقمة.

اما عبارة "يغمس اللقمة" "وأغمس اللقمة" فتدل على الأكل من خروف الفصح، وليس من سر الافخارستيا.

(أنظر مقدمة قطمارس يوم خميس العهد).

فى مساء خميس العهد، كان هناك عشاء الفصح، والعشاء الربانى (سر الإفخارستيا) وتسابيح بين العشاءين. وقد حضر يهوذا عشاء الفصح وأخذ اللقمة ودخله الشيطان. وللوقت مضى – وكان ليلاً – ولم يحضر الإفخارستيا.

وعشاء الفصح لم يكن عشاءً عادياً، وإنما كان رمزاً لذبيحة المسيح (1كو 5: 7). فلما أخذ يهوذا من الرمز بدون استحقاق، لم يسمح له بالتناول من المرموز إليه (الجسد والدم).

فخرج. ثم قدّم الرب هذا السر العظيم للأحد عشر.

ومن له أذنان للسمع فليسمع (مت 13: 43).

ولم يكن معقولاً أن يقدم السيد جسده ودمه ليهوذا.

مع إعلانه أنه "كان خيراً لهذا الإنسان لو لم يولد" (مت 26: 24). فكيف يعطيه المواعيد التى سبق وقال فيها "من يأكل جسدى ويشرب دمى، يثبت فىّ وأنا فيه" (يو 6: 56). من يأكل جسدى ويشرب دمى، فله حياة أبدية، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير "(يو 6: 54)!!

كيف يناوله ويعطيه الفرصة أن يكون "مجرماً فى جسد الرب ودمه" "غير مميز جسد الرب" حسب تعبير الرسول (1كو 11: 27، 29)!! كيف يناوله، بينما أعلن عنه عند غسل الأرجل أنه غير طاهر؟! فقال للتلاميذ "أنتم طاهرون، ولكن ليس كلكم، لأنه عرف مسلّمه" (يو 13: 10، 11).

وإن كان يهوذا قد دخله الشيطان لمجرد أنه أخذ لقمة من عشاء الفصح، فكيف يأخذ جسد الرب فى سر الإفخارستيا، بعد أن دخله الشيطان؟! يكفى أنه اشترك فى حفل الفصح.

(10) عَلى أن المؤلف ينكر كذلك أن السَيد المسيح قد أكل الفصح مع تلاميذه يوم خميس العَهد!!

فهو فى كتابه (من ص 161 إلى ص 165) يحاول أن يثبت أن السيد لم يأكل الفصح مع تلاميذه، إنما العشاء الربانى كان قبل الفصح بيوم كامل! مخالفاً بذلك كتبنا الطقسية وقراءات اسبوع البصخة المقدسة، ومخالفاً ما روته الأناجيل! فماذا ورد فى الأناجيل؟

ورد فى إنجيل متى "وفى أول أيام الفطير، تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين: أين تريد أن نعدّ لك لتأكل الفصح؟ فقال: اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له إن المعلم يقول إن وقتى قريب. عندك أصنع الفصح مع تلاميذى. ففعل التلاميذ كما أمرهم وأعدوا الفصح" (مت 26: 17 - 19).

فهل من المعقول أن يقول الرب "أصنع الفصح مع تلاميذى" ثم يرسل تلاميذه الذين أعدوا الفصح.. وبعد ذلك لا يصنع الفصح مع تلاميذه؟!

وفى إنجيل مارمرقس نفس الكلام تقريباً (مر 14: 12 - 18): إذ يقول: "وفى اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح، قال له تلاميذه: أين أن نمضى ونعدّ لتأكل الفصح؟......... وقولاً لرب البيت: أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذى.......... فأعدا الفصح" (مر 14: 12 - 16).

وفى إنجيل لوقا نفس الكلام (لو 22: 7، 8).

والمؤلف يعترف برواية الأناجيل هذه فيقول:

"قد يفهم القارئ من هذه القراءات أن المسيح أكل الفصح مع تلاميذه، وكان هذا هو عشاء الرب الذى أسس فيه سر الافخارستيا بحسب المنطوق اللفظى أو الحرفى لرواية الأناجيل الثلاثة، ولكن..".

ولكن تدخل هنا مدرسة النقد الكتابى Biblical Criticism.

(11) هل ذبح المسيح نفسه بالنية يوم خميس العَهد؟

يقول الكاتب فى كتابه [الافخارستيا – عشاء الرب] ص 77:

"وحينما ذبح المسيح ذاته بالنية وسلّم جسده لتلاميذه ليأكلوه فى سر الافخارستيا، أعلن نفسه أنه هو الفصح الحقيقى الجديد".

وقال فى (ص 202): "الرب فى هذه اللحظات كان يذبح نفسه بالنية والنبوة".

ونحب أن نقف هنا أمام عبارة (ذبح نفسه) ونفحص معناها لاهوتياً وتاريخياً وكتابياً.. هل السيد المسيح ذبح نفسه، أم ذبحه اليهود؟! هذا الذى قال عنه القديس بطرس لليهود "رئيس الحياة قتلتموه" (أع 3: 15). وقال عن شفاء الأعرج عند باب الجميل "فليكن معلوماً عند جميعكم.. إنه باسم يسوع المسيح الناصرى الذى صلبتموه أنتم.. بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً" (أع 4).

تعبير "ذبح نفسه" غير مقبول لاهوتياً ولا كتابياً. يمكن أن يُقال عن السيد المسيح أنه قدّم نفسه للذبح، أو قدّم نفسه للموت. ولكن لا نستطيع أن نقول إنه ذبح نفسه أو أمات نفسه. بل قبل الموت من غيره..

12 - على أن الكاتب عاد فكتب عكس عبارة ان المسيح ذبح نفسه بالنية والنبوءة.. وذلك فى كتابه (خميس العهد)، وفى كتابه (القيامة والفداء فى المفهوم الأرثوذكسى).

فقال فى كتابه (القيامة والفداء..) ص 4: "إن المسيح فى عشاء الخميس لم يكن يشرح نظرياً كيف سيُذبح يوم الجمعة، بل استبق الحوادث. إذ قبل الصليب بيوم كامل قدّم نفسه لتلاميذه مذبوحاً ليس كمجرد عمل من أعمال النية والتوضيح، ولكن كفعل كَسْر وذبح وسفك فعلى أكثر وأعمق وأوضح مما حدث يوم الجمعة على الصليب"..!

وفى كتابه (خميس العهد) ص 11:

يقول: "لم يكن هنا يتنبأ عما سيحدث له على الصليب من حادثة سفك دمه.. بل الآن قد استحضر لهم الحادثة بكل دقائقها من عمق الأبدية – وليس الزمن – متخطياً حتى المستقبل. وأعطاهم الدم عينه المزمع أن يسكبه على الصليب لكى يشربوا منه".

ويضيف فى ص 12:

".. فقد أعطاهم سرّ موته وسرّ دمه وسرّ قيامته وسرّ حياته معاً فى الخبز المكسور والخمر الممزوج، ليسكن أعماقهم وكيانهم ووجدانهم كموت حقيقى وقيامة حقيقية لحياة أبدية"..

ويضيف فى ص 13، ص 14:

"كفعل فداء فعّال بقوته. وذلك فوق الزمن وقبل الزمن وبعد الزمن. يغفر خطايا الماضى والحاضر المستقبل" ويسفك لمغفرة الخطايا "(مت 26: 28) وحياة أبدية".

فهل تم الفداء يوم الخميس؟! وهل غُفرت خطايا الماضى والحاضر والمستقبل فى يوم الخميس؟!

وعما حدث يوم الخميس أيضاً، يقول فى كتابه "القيامة والفداء.." ص4، ص5:

".. لا كخبز مكسور أو خمر ممزوج بعد، بل" جسداً مذبوحاً "فعلاً، أمامهم كفصح إلهى حقيقى. فموت الصليب يوم الجمعة لن يكون مجرد تقدمة للآب عن خطايا العالم وحسب، بل ذبيحة حب وعشاء دائم يأكل منها العالم كله"..!!

فهل تمم الفداء يوم الخميس، وفى يوم الجمعة أضاف ذبيحة حب؟!

على أنه فى نفس الكتاب ص 5 يرتبط إتمام الكفارة بشرط الاشتراك الفعلى فيها فيقول: ".. ذبيحة حب شخصى لا تتم الكفارة فيها إلا بالاشتراك الفعلى فيها..".

ويقول أيضاً "كذبيحة للخلاص وغفران الخطايا، لابد أن يحققها الأكل الفعلى من الجسد والشرب من الدم بحسب السر الذى تممه فى عشاء الخميس. وبذلك فقط تتم الكفارة ويتم الغفران، ويتم الاتحاد بالمسيح للامتداد فى الحياة الأبدية"..!

(13) وهنا يرتبك القارئ: هل حدث الفدا وسفك دم المسيح يوم الخميس أم يوم الجمعة

هل تم سفك دم المسيح يوم الخميس، بدون آلام، وبدون صلب، وبدون شوك؟! وهل سفك دمه مرتين: يوم الخميس ويوم الجمعة.

ويزيدهم الكاتب ارتباكاً فيقول عن يوم الخميس:

"أمرهم أن يأكلوا منه ويشربوا، لا كخبر مكسور أو خمر ممزوج بعد، بل" جسداً مذبوحاً فعلاً، موضحاً بهذا أن سرّ يوم الجمعة حاضر أمامهم كفصح إلهى حقيقى. فموت الصليب يوم الجمعة لن يكون مجرد تقدمة للآب عن خطايا العالم وحسب، بل ذبيحة حب وعشا دائم يأكل منها العالم كله ".

ثم يقول إنها "ذبيحة حب شخصى لا تتم الكفارة فيها إلا بالاشتراك الفعلى فيها.. وبذلك فقط تتم الكفارة ويتم الغفران"!!

ماذا إذن عن صلواتنا فى الأجبية فى الساعة السادسة، إذ نقول "يا من فى اليوم السادس وفى الساعة السادسة، سمرت على الصليب من أجل الخطية التى تجرأ عليها أبونا آدم فى الفردوس" ونقول له أيضاً يا من "سُمرت على الصليب فى الساعة السادسة، وقتلت الخطية بالخشبة، وأحييت الميت بموتك الذى هو الإنسان الذى خلقته بيديك الذى مات بالخطية..".

هل نقول بعد كل هذا، أن الكفارة لم تتم على الصليب، وإنما تتم بالتناول؟! وما معنى قولنا له "صنعت خلاصاً فى وسط الأرض كلها، أيها المسيح إلهنا، عندما بسطت يديك الطاهرتين على عود الصليب".. فهل ما تم فى عشاء خميس العهد كان لغفران الخطايا، وما تم يوم الجمعة كان ذبيحة حب وعشاء دائم.

إن عمق حب الرب لنا، كان فى موته على الصليب، الذى به حمل خطايانا وغفرها لنا ومحاها بدمه. لماذا إذن بلبلة أفكار الناس؟!

(14) ثم ما هو موقف الآب من ذبيحة الابن على الصليب هل الآب لم يطلب ولا سَأل أن يَسفك المسيح دمهُ؟

يقول الكاتب فى مقاله [سر الفداء 4 - الفداء وذبيحة الصليب] الذى نشرته له مجلة (مرقس) فى عدد أكتوبر 2003:

"لقد سُفك دم المسيح. ويؤكد الآباء القديسون أن الآب لم يطلب ولا سأل أن يسفك المسيح دمه. وهذا ينفى الزعم أن موت المسيح كان مطلباً إلهياً من الآب استيفاء للعدل الإلهى".

وطبعاً هذا الكلام لا يوافق الكتاب المقدس إطلاقاً الذى يُقال فيه "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16) فكيف يُقال إن الآب لا سأل ولا طلب أن يسفك المسيح دمه، بينما الآب هو الذى بذل ابنه ليخلص العالم؟! كما قيل أيضاً "بهذا أظهرت محبة الله فينا، أن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكى نحيا به. فى هذا هى المحبة. ليس أننا نحن أحببنا الله، بل أنه هو الذى أحبنا وأرسل ابنه كفارة لخطايانا" (1يو 4: 9، 10).

فكيف يتفق أن الآب أرسل ابنه كفارة عن خطايانا، لكى نحيا به، وبين القول إن الآب لا طلب ولا سأل أن يسفك المسيح دمه؟!

وكيف أن الآب لا طلب ولا سأل، بينما كُتب عن السيد المسيح إنه "أطاع حتى الموت موت الصليب" (فى 2: 8)؟! أطاع من؟! أليس الآب الذى بذله؟!

كذلك كيف يُقال "إن سفك دم المسيح، لم يدخل السرور على قلب الآب"؟! بينما يقول عنه الكتاب فى سفر اشعياء النبى "أما الرب فسُرّ أن يسحقه بالحزن" (أش 53: 10).

هل ننكر الكتاب المقدس، لكى نصدق أفكاراً ضده؟!

ومن له أذنان للسمع فليسمع.

(15) هل كانوا يتناولون بعد وليمة عشاء أغابى؟

يقول الكاتب فى كتابه [الافخارستيا..] ص 301:

"نحن لا ننسى النص الذى أورده بولس الرسول" كذلك الكأس أيضاً بعدموا تعشوا "(1كو 11: 25) الذى يوضح أن تكميل سر الافخارستيا (أى الشكر على الكاس) يجئ فى ختام وليمة الأغابى".

ويقول فى ص 366 من نفس الكتاب:

"وهذا العشاء تم فيه ومن خلاله" سر الشكر الإلهى "أى بجوار العشاء العادى ومن خلاله، قدّس الرب بيديه وكلماته خبزة واحدة من الخبز الموضوع وكأساً من الخمر فى أول العشاء، والخمر فى آخر العشاء حيث صيّر الخبز جسداً له بالسر، وأكل منه التلاميذ جميعاً. ثم استكملوا عشاءهم من كل أنواع الأطعمة. وبعد العشاء من هذه الأطعمة، قام الرب وغسل أرجل التلاميذ. وجلس مرة أخرى على المائدة، وأخذ الكأس وتُسمى" كأس البركة "أو" كأس الشكر "وصلى عليها صلاة الشكر أى صلاة الافخارستيا، وذاق وأعطاها لتلاميذه. فشربوا منها جميعاً.. ثم سبحوا كثيراً وخرجوا".

كلام عجيب، لم ينتشر إلا من خلال المراجع الغربية التى اعتمد عليها المؤلف. وفيها أيضاً التناول بعد عشاء عادى، وفصل بين تناول الخبز والخمر!!

(16) هل كان بين تقديس الخبز والخمر حَوالى ساعة؟

وهذه الساعة يتخللها عشاء؟!

يقول المؤلف فى كتابه [الافخارستيا..] ص 299:

"لقد استلمت الكنيسة من الرسل طقس عشاء الرب كاملاً كوليمة محبة (أغابى) تبدأ وتنتهى بالسر المقدس (الافخارستيا) أى تبدأ بسر كسر الخبز، وتنتهى بسرّ كأس البركة. ويتخللها غذاء عادى من جميع الأطعمة والأشربة يشترك فيه جميع الحاضرين".

ويقول أيضاً "كل الكنائس كانت قد جعلت للأغابى طقس صلاة خاصاً وللافخارستيا طقس صلاة آخر. ما عدا فى مصر فظلت وليمة الأغابى متصلة بالافخارستيا حتى القرن الخامس.. وكانت الافخارستيا تقدم فى المساء".

هذا الكلام ضد كل قداساتنا الثلاثة، وضد طقس الكنيسة فى الصوم استعداداً للقداس والتناول. وفيه بلبلة لأذهان الناس كما لو أن الصوم قبل التناول لا يرجع إلى تسليم رسولى.

(17) نحَاول أن نحَلل مَا سَبق ذكرَه فنقول:

ما ذكره القديس بولس الرسول "بعد ما تعشوا" لا يقصد به مطلقاً ما قال عنه الكاتب أنه "عشاء عادى" أو "عشاء من جميع أنواع الأطعمة"!! إنما ذكر بعد تناول الجسد المقدس.

ونلاحظ فى كل قداساتنا تقديس الخبز والخمر فى نفس الوقت، لا فاصل بينهما، ولا عشاء بينهما. وما نُشر فى كتاب الافخارستيا إنما هو بلبلة لأفكار الناس، وتقليلاً من شأن ما تسلموه من طقوس خاصة بهذا السرّ ومن غير المعقول أن يتناول الناس السر المقدس بعد عشاء عادى، وبعد كل أنواع الأطعمة.

أما الأغابى التى تحدث عنها المؤلف، فهى طعام يأكلونه معاً بعد التناول، على اعتبار أنهم كانوا صائمين لمدة طويلة. ولا يمكن أن هذه الأغابى "من كل أنواع الأطعمة" يتخللها سر الافخارستيا المقدس. هذه محصلة قراءة الكتب الغربية التى تبرر تناول الناس فى بلاد الغرب بدون صوم واستعداد روحى.

(18) هَل كانوا يتناولون الجسد فى أيديهم؟!

(19) وهل كانوا يأخذونه أحياناً إلىَ بيُوتهم؟!

ورد فى كتاب [الافخارستيا – عشاء الرب] ص 315:

"وفى شرح قانونية خروج لقمة البركة من الكنيسة لتوصلها إلى منازل المرضى والمتغيبين الذين تغيبوا عن ضرورة، نجد بعض القوانين تحرمها وبعض القوانين لا تمنعها. ولكن هذا الخلط ناشئ من أن الإفخارستيا نفسها كان يأخذها المؤمنون إلى بيوتهم. وذلك عندما كان الطقس فى توزيع الإفخارستيا يسهل ذلك. لأنه كان يعطى لكل متناول جزء الجسد فى يده. وهو بحريته يضعه فى فمه. من هنا كان المؤمنون يحتفظون بجزء من الجسد فى أيديهم ويأخذونه معهم إلى بيوتهم. فلما حرّمت الكنيسة هذا الوضع بقوانين مشددة (سوف نعرض لها فى موضوع الإفخارستيا). جاء فى سياق هذه القوانين أنه ممنوع أخذ الأولوجية خارج الكنيسة. حيث يقصد بالأولوجية الإفخارستيا نفسها، لأنه كان لا يوجد أى فارق فى الكلمة ومضمونها آنئذ".

إننا لا نريد الآن التعرض لموضوع (لقمة البركة). ولكننا نقف عند عبارة "الإفخارستيا نفسها كان يأخذها المؤمنون إلى بيوتهم" وكذلك عبارة "كان يعطى لكل متناول جزء الجسد فى يده، وهو بحريته يضعه فى فمه".

إن هذا الأمر ينطبق على الغربيين الذين لا يعطون المتناول الجسد فى فمه، بل فى يده. ولكن أن يُذكر هذا كجزء من تاريخ أرثوذكسى، فإنه يدعو إلى العجب وإلى الشك وإلى البلبلة – كما يبدو تبريراً للغربيين فى طريقتهم فى التناول..!

إن الأب الكاهن يغسل يديه تماماً، لئلا تكون عالقة بها بعض جواهر الجسد، ويشرب ذلك فى حرص شديد. ولكن ماذا عن المتناول أن يأخذ الجسد فى يده، ويضعه بحريته فى فمه؟! كم جوهرة من الجسد تعلق بيده أو أصابعه ويهملها؟!

أما أخذ جزء من الجسد إلى بيوت المتناولين، فهذا أمر أعجب!! ولا نصدق وروده فى أى مرجع تاريخى موثوق بأرثوذكسته..

أما ما كتب عن أن قوانين مشددة قد منعت ذلك. فإن ما ذكره الكاتب هو "ممنوع أخذ الأولوجية خارج الكنيسة" ومفهوم القارئ عن الأولوجية هى لقمة البركة.

كذلك فإن الإفخارستيا ليست هى مجرد الجسد، بل هذا السرّ يشمل الدم أيضاً. فكيف تؤخذ الإفخارستيا إلى البيوت كاملة؟! أم يأخذ الجسد فى يده، وقد يحمله إلى بيته!! وماذا عن الدم فى هذه الرواية كلها؟! إنها بلبلة بلا شك.

وهذه البلبلة إما تشكك فى التسليم الرسولى القديم! أو أن الطقس الذى يحدص الآن ليست له أصول آبائية قديمة. وكل من الأمرين له خطورته...

(20) هل الشمامسة كانوا يوزعُون الجسَد والدّم؟!

"من افخارستية يوستين الشهيد يتضح أن الشمامسة كان منوطاً بهم تقديم الإفخارستيا، أجزاء من الإفخارستيا الجسد والكأس لكل من المؤمنين فى مكانه، بل ويحتفظون بأجزاء من الافخارستيا للغائبين أيضاً".

مشكلة اختصاصات الشمامسة ينبغى بحثها جيداً فى التاريخ. على أنه قديماً كانت تطلق كلمة شماس على الدياكون الكامل المتفرغ تماماً للخدمة، والذى يطلق لحيته، ويلبس ملابس تشبه ملابس الكهنة..

وإن كان الشمامسة يوزعون الافخارستيا قديماً، فماذا كان عمل الكهنة إذن فى التوزيع؟ أم كان الكهنة يصلون القداس، والشمامسة هم الذين يوزعون الجسد والدم؟!

ثم ما معنى أن تُعطى السرائر المقدسة لكل واحد فى مكانه؟ هل الناس يتقدمون للتناول، أم الجسد والدم يذهبان إليهم؟

وما معنى الاحتفاظ بأجزاء من الافخارستيا للغائبين أيضاً؟! إن الاستثناء الوحيد الذى تقوم به الكنيسة، هو مناولة المرضى الملازمين للفراش، ويقوم بهذا العمل الأب الكاهن بإجراءات دقيقة جداً...

أما عبارة "توزيع الأسرار" فلا تعنى الذهاب بها إلى المؤمنين فى أماكنهم. إنما يعنى أن الافخارستيا تُعطى للشعب أيضاً. ولكن ليست من هيبة السر المقدس أن الشماس يمر به على المؤمنين.

(21) هل كان طقس تقديم الحمَل قدّاساً كاملاً؟

يقول الكاتب فى كتاب [الإفخارستيا..] ص 579 وما يلى ذلك:

"إن عبادة مواد الإفخارستيا، وهى لا تزال خبزاً وخمراً قبل أن يتقدسا أحدث عثرة كبيرة لدى علماء اللاتين واليونان.. حتى قال بعض النقاد إنها عبادة أوثان"..

ثم قال "أما حلّ هذه المعضلة التى حيرّت العلماء، فهو يكمن فى حقيقة غاية فى الأهمية والخطورة. وهى أنه يوجد طقس افخارستى ليتورجى كامل أهملته كل كنائس الشرق، ولم يتبق منه إلا إشارات عابرة. أما كنائس الرب فقد أسقطته كليةً. ولم يبق هذا الطقس فى صورته الكاملة الدقيقة إلا فى مصر، وهو الطقس المسمى" تقديم الحمل ". وهو فى حقيقته وبمقتضى المعنى الذى يحمل اسمه هو أقدم طقس تقديسى بالكامل، حيث يقدم فيه الخبز والخمر ليتم تقديسها. فيصيران حملاً مهيأ للمحرقة، أو مهيأ فى بداة القداس للتقديم للآب كذبيحة ناطقة، والخدمة غير الدموية!!".

ويقول فى نفس الكتاب ص 421:

"وقد تبين لنا أن طقس تقديم الحمل هو نفسه طقس عشاء الرب، وهو قداس كامل بذاته، وُضع ضمن قداس القديس باسيليوس، حفظاً له من الضياع".

ويقول فى ص 580 من نفس الكتاب:

"من هذا يتبين أن الخبز والخمر ليسا هما بعد – ونحن هنا فى المقدمة – خبزاً وخمراً، بل هما ملك الملوك ورب الأرباب قد وافى ليُذبح ويُعطى مأكلاً للمؤمنين. وهو الجسد الطاهر المنحدر من على الصليب..".

(22) المعروف أن تقديس الإفخارستيا يتم فى حلول الروح القدس.

حيث يصلى الأب الكاهن قائلاً "... ليحل روحك القدوس علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة، ويطهرها وينقلها ويظهرها قدساً لقديسيك" "وهذا الخبز يجعله جسداً مقدساً له" "وهذه الكأس أيضاً دماً كريماً للعهد الجديد الذى له" ويقول الشعب: آمين... ثم بعد الأواشى يقول "الجسد المقدس"، "الدم الكريم" ويسجد الشعب.

بعد هذا لا يحوّل الكاهن نظره عن الذبيحة. وإذا بارك الشعب بعبارة "السلام لجميعكم" لا يلتفت إليهم. وعندما يرشم الجسد والدم، لا يرشمهما بيده، إنما يرشم الجسد بالدم، ويرشم الدم بالجسد.

أين هذا، من نزول الكاهن إلى صحن الكنيسة بعد تقديم الحمل، فى رفع بخور البولس والكاثوليكون، وفى أوشية الإنجيل، وفى قراءة الإنجيل وفى العظة؟

وإن كان تقديم الحمل قداساً كاملاً، فلماذا كل الصلوات بعده، وما لزوم القداس؟ ولماذا لا يتناول المؤمنون بعد تقديم الحمل مباشرة؟!

ولو كان التقديس يتم أثناء تقديم الحمل، إذن سيحضره الموعوظون، وحسب طقس الكنيسة الأول لم يكن يسمح لهم بذلك.. بل المؤمنون فقط كانوا يحضرون "قداس القديسين" بعد العظة وانصراف الموعوظين.

إن ما يحدث فى تقديم الحمل، هو مجرد مباركته، وليس تقديسه ولا تحويله إلى الجسد والدم..

(23) هل جسد الربّ هنا هو المسيح وهو الكنيسة؟

يتحدث الكاتب فى ص 211 من كتابه، ويستشهد بقول القديس بولس الرسول عن الذى يتناول من الجسد والدم بغير استحقاق، وأنه "يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب" (1كو 11: 28، 29). ثم يقول بعدها مباشرة:

"جسد الرب هنا هو المسيح نفسه أولاً، ثم الكنيسة أيضاً باعتبارها جسده السرى". فهل المؤمنون يتناولون الكنيسة أيضاً؟!

وما هذا الخلط بين جسد المسيح فى سرّ الإفخارستيا، وبين الكنيسة باعتبارها – روحياً – جسد المسيح؟! وقد ورد ذلك أيضاً فى بعض كتبه الأخرى.

إن الجسد فى سر الإفخارستيا، هو الجسد الذى وُلد من القديسة العذراء مريم. والكنيسة – باعتبارها جماعة المؤمنين – لم تولد من القديسة مريم، إلا فى كتاب (العريس) لنفس المؤلف.

ثم إن جسد المسيح فى سر الإفخارستيا هو جسد كامل، بينما الكنيسة لم يكمل أعضاؤها بعد، بل تنتظر أعضاء جدداً سوف يولدون ويُعمدون. وأشخاصاً سوف ينضمون إلى الإيمان من غير المؤمنين.

فروق أخرى كثيرة نذكرها فى كتاب مقبل عن [جسد المسيح]. سنصدره إن شاء الله لتوضيح أمثال هذه الأمور..

(24) هل فى الإفخارستيا نأكل الطبيعة الإلهية؟!

يقول المؤلف هذا الكلام فى تسجيل صوتى له عن الإفخارستيا.

ونفس هذا الكلام ورد فى كتابهم عن (الأصول الأرثوذكسية الآبائية..) ج2 ص34 "نحن نشرب الاهوت. طبعاً سرائرياً، ونحن نشرب الدم المحيى، حسب النعمة وليس حسب مقياس جسدى".

طبعاً اللاهوت لا يؤكل ولا يُشرب.. وتعبيراً "نأكل الطبيعة الإلهية"، "ونشرب اللاهوت"، أمر غير مقبول على الإطلاق. وهو غريب على الأذن وعلى الذهن.

الله روح (يو 4: 24)، ومن غير المعقول أن نقول: نأكل الروح، أو نشرب الروح!! والسيد المسيح قال "من يأكل جسدى ويشرب دمى" (يو 6: 54) ولم يقل من يأكل لاهوت ويشرب لاهوتى!!

(25) ما معنى قوله "المصدر الذى استقى منه مرقس"!

فهو يقول فى كتاب الإفخارستيا ص 289:

"لقد وجدنا مما سبق أن المصدر الذى يستقى منه مرقس الرسول، بالرغم من أنه ليس هو المصدر الذى يستقى منه كل من بولس الرسول ولوقا الإنجيلى..".

ويقول فى ص 290 "إن مرقس الرسول يذهب إلى أبعد من لوقا الإنجيلى بسبب حصوله على نص يحمل الألفاظ التى قيلت وقت العشاء".

وفى الواقع إن هذه التعبيرات تبعدنا عن الإيمان بالوحى الإلهى فى كتابة الأناجيل، وعمل الروح القدس فى هذا الأمر.

ومن جهة القديس بولس الرسول، فإن مصدره واضح فى سر الإفخارستيا، وهو السيد المسيح نفسه. فهو يقول فى (1كو 11: 23 - 26): "لأننى تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً إن الرب يسوع فى الليلة التى أسلم فيها، أخذ خبزاً..".

أما عن القديس مارمرقس، فمعروف أن الفصح والعشاء الربانى أقيما فى بيته فى علية صهيون، وكل الرسل كانوا حاضرين وقد عرفوا وسمعوا كل ما حدث فى تلك الليلة. لا معنى إذن للتحدث عن مصدر قد استقى منه مارمرقس معلوماته.

كذلك ما أعجب قوله فى ص 161 من كتاب الإفخارستيا:

"إن مرقس الرسول كان يرجع فى رواية بعض الحوادث التى لم يشترك فيها إلى مصدر يترجم من العبرانية والآرامية إلى اليونانية".

بينما المعروف أن القديس مارمرقس كان يعرف العبرانية كما يعرف اليونانية، وما كان محتاجاً إطلاقاً إلى مترجم، بل أن الكاثوليك (فى كتاب شينو: قديسو مصر Les Saints Egypt) يقولون إن مرقس الرسول كان يترجم لبطرس الرسول!!

(26) هل الكهنوت والإفخارستيا ينحدران من الأبدية؟

يقول الكتب فى كتابه الإفخارستيا ص 54:

"يتقدم أمبروسيوس فى استقصائه لهذا السر حتى يثبت أن سر الإفخارستيا الذى نقيمه الآن هو من حيث زمانه التاريخى أقدم من عصر الذبائح عند موسى!! وهذه حقيقة جديرة بالاعتبار.

فالكهنوت والإفخارستيا ينحدران أصلاً من الأبدية من الله من وراء الزمن والتاريخ. فملكيصادق هو أصلاً بلا بداية أيام ولا نهاية أيام ".

ونحن نوافق طبعاً على أن ملكيصادق الذى كان كاهناً لله العلى وأخرج خبزاً وخمراً فى مقابلته لإبراهيم أبى الآباء، كان هذا قبل زمن موسى وشرائع ذبائحه...

ولكن ليس معنى ذلك أن الكهنوت والإفخارستيا ينحدران أصلاً من وراء الأبدية والتاريخ!! (طبعاً المؤلف يقصد الأزلية وليس الأبدية). لأن الأزلية تعنى ما لا بداية له، والأبدية تعنى ما لا نهاية له).

فما قبل التاريخ، أو ما هو الأزلية، لم يكن محتاجاً إلى كهنوت.. فالكهنوت يخدم من – بالرعاية والتعليم والأسرار – قبل التاريخ؟! والإفخارستيا (التى تُعطى خلاصاً وغفراناً للخطايا) تعطى لمن قبل التاريخ؟!

اما ما قيل عن مليكصادق أنه "بلا أب بلا أم بلا نسب. لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة، بل هو مشبه بابن الله" (عب 7: 3). فلا يعنى هذا مطلقاً أنه أزلى، لأنه لا أزلى إلا الله وحده. ولا يعنى هذا أنه كان احد ظهورات المسيح فى العهد القديم!! بل "هو مشبه بابن الله" فى الكهنوت، أى كهنوت ليس بالوراثة عن أب أو أم. فقد كان ملكى صادق بلا أب بلا أم فى الكهنوت. ولم يكن تاريخه معروفاً تماماً. فقد ظهر فجأة فى (تك 14) بلا بداية أيام تروى عنه، واختفى أيضاً دون معرفة نهاية ايام له..

هكذا ذكر القديس يوحنا ذهبى الفم فى شرحه للإصحاح السابع من الرسالة إلى العبرانيين..

أما الكهنوت، فبلا شك له تاريخ، مرتبط بخطية البشر ومغفرتها، ومرتبط بهداية الناس.. وخطية البشر لها تاريخ. وليست هى فى الأبدية ووراء التاريخ!

(27) هَل الله ليسَ آخر بالنسَبة إلى الإنسان؟!

يقول المؤلف فى كتابه الإفخارستيا ص 128:

"الإنسان.. بعد أن يكلمنا يظل" كأخر "بالنسبة لنا. ولكن الله لما تكلم، فإنه تكلم لكى بالكلمة يدخل حياتنا، ويصير كذات فى ذات..".

ويقول أيضاً فى نفس الصفحة:

"الله هنا بعد ما تكلم للإنسان، لم يصر آخر بالنسبة للإنسان. فكونه قد صار إلهاً للإنسان يعنى أنه صار الصق للإنسان من كل شئ، بل صار كنفس الإنسان وكذاته! وعلى هذا القانون نفسه، فالله فى كل الكتاب المقدس لم يتكلم قط، إلا لكى يثبت هذه الحقيقة ويعمقها ويضمن نفاذها".

ما معنى أن الله لا يصير آخر؟! هل يصير هو نفسه ذات الإنسان؟! أو يصير الإنسان إلهاً؟

هذه المناسبة تجعلنى أعدكم بكتاب آخر عن (تألية الإنسان)! من واقع هذه الأفكار وما يشابهها فى نفس كتب المؤلف.

(28) هل المسيح يخلق من لحمه وعظامه الإنسان الجديد؟

يقول المؤلف فى كتاب الإفخارستيا ص 142:

"فالمسيح، من لحمه وعظامه، يخلق كل يوم الإنسان الجديد الروحانى" ويكرر نفس الكلام فى كتابه (العنصرة).

وعبارة (من لحمه وعظامه) تجعلنا نفتح باباً جديداً، غالباً سيحتاج الى كتاب آخر يصدر قريباً عن (جسد المسيح – والجسد السرى).

29 - هناك أشياء كثيرة فى كتاب: (الافخارستيا عشاء الرب) لم يتسع لها هذا الكتيبن ربما سنعرضها فيما بعد. على أننا نكتفى بهذا الآن...

جسد المسيح.

ما هو؟

وهل هو جسَدنا؟

وَهل ولدت الكنيسة فى بيت لحم؟

هل الكنيسة اتحدت باللاهوت فى بطن العذراء؟

متى اتحدت الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية؟

ما معنى: صرنا من لحمه وعظامه؟

هل طفل المذود هو كنيسة المهد؟

وهل صار على الصليب كنيسة الفداء ثم كنيسة القيامة؟

جسد المسيح السرّى.

ما هو؟

وما معنى أنه يَملأ السَماءَ والأرض؟

هل هو الكنيسة أم جسد المسيح فى السماء؟

وهل نحن نولد من هذا الجسد السرّى؟

وماذا حدث فى يوم العنصَرة؟

هل كمُل فى العُلية ما بُدئ به فى بيت لحم؟

هل إكتسَبت الكنيسَة كل ما للمسيح؟!

هَل الروح القدس يشكلنا بطبيعة ابن الله؟!

هل الجسد الإلهى هو كلّ مِلء اللاهوت جَسدياً؟!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى

فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟

المحتويات
المحتويات