فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟

هل مَات السَيد المسيح وحدَهُ عَنّا وَفدَانَا؟

أم نحن متنا مَعه وَصُلبنا مَعه ودُفِنّا مَعه؟

وهَل عَملية الصَلب كانت حباً لا علاقة له بالعقوبَة؟

السَيد المسيح هُوَ الفَادى

الفرق بَين كلمة (نظريَة) وكلمة (عَقيدة)؟ ض

مَوضوع إسترضاء الآبّ فى قصّة الفدَاء

لمَن دُفِعَ ثمَن الفداء؟

لما كان هذا الموضوع فى غاية الدقة، فسوف نتكلم عنه بكل وضوح. فى نقاط عقيدية محددة، من أجل سلامة التعليم فى الكنيسة. وسوف نعتمد فى ذلك على الكتاب المقدس، وأقوال الآباء، والتقليد الكنسى، وطقوس الكنيسة، لخطورة هذا الموضوع بالنسبة إلى الإيمان المسيحى.

(1) كان الإنسَان محكوماً عليه بالموت. كما يقول الكتاب المقدس.

"كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت. وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو 5: 12).

ويقول أيضاً "قد ملك الموت" "بخطية الواحد قد ملك الموت" (رو 5: 14، 17). وكان لابد أن يموت الإنسان، لأن حكم الله منذ البدء كان واضحاً. وهو "موتاً تموت" (تك 2: 17). وكانت أمنا حواء تعرف هذا الحكم تماماً قبل أن تخطئ (تك 3: 3).

إذن كان لابد أن يموت الإنسان.

ويقول القديس أثناسيوس الرسولى عن ذلك فى كتابه (تجسد الكلمة): إن لم يمت الإنسان لا يكون الله صادقاً.. (ف 6).

وعن حكم الموت يقول القديس غريغوريوس فى القداس الإلهى (عن الإنسان): "أنا اختطفت لى قضية الموت".

ويقول القديس بولس الرسول فى رسالته إلى روميه: "أجرة الخطية موت" (رو 6: 23).

إذن فماذا يُفعل لإنقاذ الإنسان من الموت؟

(2) كان الحل الوحيد لإنقاذ الإنسَان هو التجسّد والفداء.

وفى هذا يقول القديس أثناسيوس فى الفصل التاسع من كتابه (تجسد الكلمة): "أخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت. وإذ اتحد الكلمة بالجسد أصبح نائباً عن الكل". ويكرر عبارة "الموت نيابة عن الجميع" ز.

ثم يقول "ومن غير الممكن أن يموت الكلمة، لأنه غير مائت بسبب أنه ابن الآب غير المائت. ولهذا أتخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت. حتى أنه حينما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذى هو فوق الجميع، يصبح جديراً ليس فقط ان يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى فى عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به".

ويقول أيضاً "لذلك قدم للموت ذلك الجسد الذى أتخذه لنفسه كتقدمة مقدسة وذبيحة خالية من كل عيب.

وقال أيضاً عن (الكلمة): "كان لائقاً أن يقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع، موفياً دين الجميع بموته".

هذا هو التعليم الآبائى السليم فى موت الرب فداءً عنا، ونيابة عن الجميع، لكى يوفى دين الجميع.

(3) هَذا الفدَاء بموته، قام به السَيد المسيح وحده.

وفى هذا يقول السيد الرب فى سفر اشعياء النبى "قد دست المعصرة وحدى. ومن الشعوب لم يكن معى أحد" (أش 63: 3).

ويقول القديس بطرس الرسول عن السيد المسيح "ليس بأحد غيره الخلاص. لأنه ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص" (أع 4: 12).

لم يمت أحد عنا غير المسيح.

ولا نحن متنا عن أنفسنا، لأن البشرية عاجزة عن تخليص نفسها. وإذا مات البشر لا يكون هذا فداء، وإنما هو استحقاق. ولكنه لا يكفى. وهكذا قول القديس غريغوريوس فى قداسه (للرب): "لا ملاك ولا رئيس ملائكة، ولا رئيس آباء، ولا نبياً، أئتمنته على خلاصنا. بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست، وشابهتنا فى كل شئ، ما خلا الخطية وحدها. وصرت لنا وسيطاً لدى الآب.. وصالحت الأرضيين مع السمائيين..".

ويقول أيضاً "أنت يا سيدى حوّلت لى العقوبة خلاصاً"..

إن التركيز فى الفداء هو على المسيح وحده.

(4) لذلك من الخطأ أن يقال إننا نشترك فى آلامه الفادية!!

اما عبارة "شركة آلامه" (فى 4: 10) فمعناها أننا نشترك معه فى آلام الخدمة والكرازة، فى احتمال الضيقات والاضطهادات والإهانات، مثل الذى قاله القديس بولس الرسول "مكتئبين فى كل شئ، لكن غير متضايقين، متحيرين لكن غير يائسين، مضطهدين لكل غير متروكين.." (2كو 4: 8، 9).

وأيضاً "فى كل شئ نظهر أنفسنا كخدام لله: فى صبر كثير، فى شدائد فى ضرورات فى ضيقات فى ضربات" فى أتعاب فى أسهار فى أصوام "" بمجد وهوان، بصيت حسن وصيت ردئ "" كمضلين ونحن صادقون. كمجهولين ونحن معروفون، كمائتين وها نحن نحيا "" كحزانى ونحن دائماً فرحون، كفقراء ونحن نغنى كثيرين، كأن لا شئ لنا، ونحن نملك كل شئ "(2كو 6: 3 - 10).

فى هذا وأمثاله (2كو 11) ندخل فى شركة آلامه. أما الآلام الفادية فلا يمكن أن نشترك فيها، لأننا لا نشترك فى الفداء، حاشا..

نحن لا نأخذ صفة المسيح كفاد، وننسبها لأنفسنا!!

وإذا كنا نشترك فى آلام الفداء، فالسؤال هو: نفدى من؟!

(5) وللأسف الشديد، فى موضوع شركة الآلام الفادية:

ينكر البعض أن المسيح صُلب عنا، ومات عنا، وتألم عنا!!

ويقول فى ذلك بالحرف الواحد:

إذن المسيح صُلب، ليس وحده. بل "نحن صلبنا معه".

فكيف نقول صُلب عنا؟

والمسيح لما مات لم يمت وحده، بل "نحن متنا معه".

فكيف نقول مات عنا؟

وقد سبق أن قلنا إننا تألمنا معه. فكيف نقول تألم عنا؟

وحجة صاحب هذا الفكر هى قوله: ذبيحة المسيح هى موت الخاطئ بالفعل!! المسيح أخذ جسداً هو فى حقيقته جسد الإنسان ككل، جسد جميع الخطاة.. هو هو بعينه جسد كل خاطئ.. حتى أن كل خاطئ يعتبر نفسه فى المسيح أنه مات بالفعل "" جسد بشريتنا أى جسد كل واحد من البشر "" هو مات بجسدنا بدمنا ولحمنا ".

ونود هنا أن نناقش كل هذه العبارات:

(6) هَل مات المسيح بجَسد كل البشريةن بجسَد

كل الخطاة، بجسَد كل خَاطئ؟

والحقيقة اللاهوتية التى أريد أن أقولها لكى لا يلتبس الأمر على القارئ هى هذه:

المسيح صُلب وتألم ومات بجسد بشرى، وليس بجسد كل البشية، ولا بجسد كل الخطاة. بل بجسد واحد طاهر بلا عيب. ولذلك عندما سفك دمه عنا ليفدينا، كان – كما قال القديس بطرس الرسول: "عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى.. بل بدم كريم، كما من حَمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح" (1بط 1: 18).

مستحل أن يتحد المسيح بجسد كل الخطاة.

لأنه حسب قول الكتال "لا شركة للنور مع الظلمة، واى اتفاق للمسيح مع بليعال" (2كو 6: 14، 15).

ومستحيل أن جسد الخطاة يصعد على الصليبن متحداً بالمسيح.

لأن التقدمة التى تقدم ذبيحة لله ينبغى أن تكون بلا عيب، فهذا هو تعليم الكتاب بعهديه القديم والجديد. بينما البشرية قد قيل عنها:

"الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله. ليس من يعمل صلاحا، ليس ولا واحد" (مز 14: 3) (رو 3: 23). وقال القديس يوحنا الرسول "إن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1 و1: 8).

فكيف تقدم على الصليب أجساد خاطئة ويتحد بها السيد المسيح الذى بلا خطية وحده الذى لما تجسد قيل لأمه العذراء "القدوس المولود منك يدعى ابن الله" (لو 1: 35)؟!

نقطة أخرى تضاف إلى ما سبق وهى:

(7) جسَد كل الخطاة لم يتم فداؤهم عَلىَ الصَليب.

فالذن تم فداؤهم، هم الذين آمنوان والذين تابوا. وليس الكل على الرغم من ان ذبيحة المسيح تكفى لحمل خطايا العالم كله.

ولكن لا يستفيد منه الا الذين آمنوا وتابوا، واعتمدوا أيضاً..

فمن جهة الذين آمنوا، يقول الكتاب "هكذا أحب الله العالم، حتى بذل ابنه الوحيد، لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (و3: 16). ويقول أيضاً "الذى يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذى لا يؤمن بالابن، لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يو 3: 36) وأيضاً (يو 3: 18).

إذن الذين لا يؤمنون ليسوا من المفديين. وكذلك الذين لم يتوبوا حسب قول الرب "إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون" (لو 13: 3، 5). ومن جهة المعمودية "من آمن واعتمد خلص" (مر 16: 16).

فكيف يقال فى عملية الفداء، إن المسيح اتحد بجسد كل الخطاة، بينما بعضهم غير مفديين؟!! فهل من بين كل الخطاة، اتحد بجسد هوذا الذى وصفه بأنه ابن الهلاك؟! وهل اتحد بأجساد حنان وقيافا، وبيلاطس ونيرون وديوقلديانوس. وكلهم تشملهم عبارة كل الخطاة.

(8) هناك عبارة أخر تحتاج إلى تحليل، وهى:

عبَارة (عَنّا) أم (لأجلنَا).

عجباً أن يصوّر الأمر كأنه "أمر خطير" أو "خطأ لاهوتى"! بينما الكتاب المقدس يستخدم التعبيرين، وكذلك القداس الإلهى، بل وقانون الإيمان أيضاً. فهل يُقال للناس أن الخطأ يشمل كل هذا؟!

يقول الكاتب: من الخطأ أن نقول صلب عنا، بل صُلب لأجلنا. ومن الخطأ ان نقول مات عنا، بل مات لأجلنا. ومن الخطأ أن يُقال تألم عنا، بل تألم لأجلنا، وهكذا..

وواضح استخدامنا كلنا لهذه التعبيرات التى يصفها بالخطأ اللاهوتى: ففى قانون الإيمان:

نقول "وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى" وليس لأجلنا.. فهل هناك خطأ يقع فيه كل المؤمنين فى تلاوة قانون الإيمان؟!

وفى الإنجيل المقدس:

ورد فى إنجيل لوقا قول الرب "هذه الكأس هى للعهد الجديد بدمى، الذى يسفك عنكم" (لو 22: 19، 20). فيقول الكاتب "هنا الترجمة فى العربية خاطئة" ويستشهد بما ورد فى إنجيل متى 26، وفى إنجيل مرقس 14 إنه "يسفك من أجل كثيرين".

فماذا نقول إذن عن قول الرب فى كل من إنجيل متى وإنجيل مرقس "إن ابن الإنسان لم يأت ليخُدم بل ليخِدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20: 28) (مر 10: 45). هل يوجد أيضاً خطأ فى ترجمة هذين الإنجيلين أيضاً كما ذكر عن إنجيل لوقا (20: 19، 20).

وما الداعى إلى بلبلة الأذهان من جهة الأناجيل الثلاثة.

وفى القداس الإلهى:

وردت عبارة "هذا الذى أحب خاصته الذين فى العالم، وأسلم ذاته عنا إلى الموت".. فهل يوجد خطأ أيضاً فى القداس؟!

وأيضاً فى القداس الإلهى "لأنه فيما هو راسم أن يسلم نفسه للموت عن حياة العالم، أخذ خبزاً..". فهل هذا أيضاً خطأ؟!

وأيضاً قول الرب "لأن هذا هو جسدى الذى يقسم عنكم وعن كثيرين، يعطى لمغفرة الخطايا". فهل هذا خطأ كذلك؟!

وأيضاً قوله "هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يسفك عنكم وعن كثيرين، يعط لمغفرة الخطايا" أهذا أيضاً خطأ؟!

وأيضاً فى القداس الإلهى فى الاعتراف الأخير، نقول عن جسد الرب: "وأسلمه عنا على خشبة الصليب المقدسة بإرادته وحده عنا كلنا". فهل كل ذلك خطأ علماً بأنه ورد فى كل من القداسات الثلاثة الباسيلى والغريغورى والكيرلسى!!

القديس أثناسيوس استخدم عبارة "يموت نيابة عن الجميع"، "فدية عن حياة الجميع"، "نائباً عن الكل" [تجسد الكلمة: ف 9].

لماذا كل هذه الضجة حول عبارة (عنا)؟

يقول المؤلف "لأن كلمة (عنا) هنا خطيرة للغاية، إذ تجعل الموت واللعنة كاستحقاق شخصى. وهذا يلغى الفدية إلغاء".

كلا. ليست هناك خطورة. فالاستحقاق الشخصى هو لنا نحن. ولكن الفادى حمله عنا..

(9) يقول الكاتب: نحن صلبنا معه، ومتنا معَه (رو 6: 8).

ويتابع "فهو لم يمت بعيداً عنا، بل مات بجسدنا ودمنا ولحمنا. فنحن شركاء فى هذا الجسد والدم..".

ويقول إن موت الفداء الذى مات المسيح هو موتنا "" ذبيحة المسيح هى موت الخاطئ بالفعل "." هو لم يمت وحده على الصليب، فنحن كنا فيه على الصليب "مع المسح صلبت" "ولما دفن، دفنا معه" وقيامته هى قيامتنا ".

نلاحظ فى عبارة (متنا معه) خلطاً بين الصليب والمعمودية.

وكذلك فى عبارة "دفنا معه".

فنحن لم نمت مع المسيح على صليب الجلجثة. ولم ندفن معه فى القبر الذى أعده يوسف الرامى! بل يقول الرسول "أم تجهلون أننا كل من اعتمد للمسيح، اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية" (رو 6: 3، 4). ويؤكد نفس المعنى فى الرسالة إلى كولوسى (2: 12) إذ يقول: "مدفونين معه فى المعمودية التى فيها أقمتم أيضاً معه".

إذن نحن فى المعمودية نموت مع المسيح ونقوم معه. ولسنا نموت معه على صليب الجلجثة، أو نقوم من القبر الذى دفن فيه..

ولهذا نجد أن الرسول يقول فى نفس الإصحاح السادس من رسالته إلى روميه "متحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته" (رو 6: 5). ويتابع الرسول فيقول "عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صلب معه.." كل هذا عن المعمودية، وليس عن صليب الجلجثة.

وعندما يقول بولس الرسول "مع المسح صلبت" (غل 2: 20) لا يقصد أنه صلب معه على جبل الجلجثة. ففى ذلك الوقت لم يكن مؤمناً، بل كما قال عن نفسه "أنا الذى كنت قبلاً مجدفاً ومضطهداً ومفترياً. ولكننى رُحمت لأنى فعلت بجهل فىعدم الإيمان" (1تى 1: 13).

فلا يجوز أن تؤخذ الآيات، وتُستخدم فى غير موضعها..!

فبولس الرسول كان يتكلم وقتذاك عن أنه تبرر بالإيمان وليس بالناموس. ولذلك قال بعدها "المسيح يحيا فىّ.. إنما أحياه فى الإيمان" (غل 2: 20).

وهنا أسأل سؤالاً حول الخلط بين الصليب والمعمودية:

إن كنا قد متنا مع المسيح على الصليب، إذ صلبنا معه.. فما هو لزوم المعمودية إذن؟ هل هى إعادة للموت والصلب؟

وإن كنا قد متنا معه فى المعمودية، وصُلب إنساننا العتيق فى المعمودية، إذن لم نكن قد متنا قبلاً على الصليب معه أو فيه.. وإلا نكون قد متنا مرتين وصلبنا مرتين. ولهذا فإن الرسول مع عبارة (متنا معه) رو 6 يستخدم عبارة (بشبه موته).

كذلك عبارة "من أجلك نمات كل النهار" (رو 8: 36)، وعبارة "حاملين فى الجسد كل حين إماتة الرب يسوع" (2كو 6: 10)، وعبارة "نحن الأحياء نسلّم دائماً للموت" (2كو 6: 11) لا تعنى مطلقاً الموت معه على الصليب. لأن عبارات: كل النهار، وكل حين، ودائماً، لا تنطبق على موت الصليب.. إنما تؤخذ كلها بالمعنى الروحى من جهة التعرض للألم بسبب الإيمان المسيحى، أو الإماتات فى الجهاد الروحى، أو صلب الجسد مع الأهواء (غل 5: 24) ومثلها "إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم، فلماذا كأنكم عائشون فى العالم؟!" (كو 2: 20).

مرة أخرى: ما أخطر استخدام الآيات فى غير موضعها!

(10) تعليق على عبارة "مات بجسدنا، بدمنا، ولحمنا":

هل تم الفداء بدم المسح وحده؟ أم بدمنا كلنا!!

هوذا الكتاب يركز على دم المسيح وحده، فيقول:

(رو 5: 9) ونحن متبررون بدمه – (رو 3: 25) الإيمان بدمه.

(أف 1: 7) الذى فيه لنا الفداء، بدمه غفران الخطايا.

(1بط 1: 18) بل بدم كريم، كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح.

(1يو 1: 7) ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية.

(أع 20: 28) كنيسة الله التى اقتناها بدمه.

أمام عبارة "دمنا، ولحمنا، وجسدنا" فلا وجود لها. كما أنها تقلل من قيمة فدية المسيح، الذى مات وحده لأجلنا، وداس المعصرة وحده، ومع الشعوب لم يكن معه أحد (أش 63: 3).

كما أن البشرية – بعبارة دمنا ولحمنا – إنما ترتئى فوق ما ينبغى.. (رو 12: 3).

نقطة أخرى نضيفها إلى المقال السابق وهى:

(11) هل كانت ذبيحة المسيح ذبيحة حب أم عقوبة؟

إنه سؤال لبلبة الأذهان مثل مناقشة عبارة (عن) أو (لأجل)! فالأمر واضح جداً وهو أن:

ذبيحة السيد المسيح كانت حباً لنا، وإستيفاء للعقوبة التى علينا، وهى حكم الموت. فجمعت الأمرين معاً..

ولكن كاتباً يقول "الله بذل ابنه بدافع محبته للعالم، حتى لا يهلك العالم.. لا يوجد هنا أقل شبهة فى وجود عقوبة"! "لا يوجد أدنى إحساس بالعقوبة"! ثم يعود الكاتب فيقول عن السيد المسيح "لكن موته فى جسدنا حُسب لنا نحن أنه استيفاء عقوبة. فلما أكمل الموت أكمل حبه. فكان لنا نحن تكميل عقوبة. أما هو فبالموت أكمل حبه!!".

إذن هناك عقوبة، ولكن المسيح حملها عنا، بسبب حبه لنا. وإلا فما معنى عبارة (استيفاء عقوبة) وعبارة (تكميل عقوبة). من الذى استوفى العقوبة إلا السيد المسيح؟ ومن أكمل العقوبة إلا السيد المسيح؟ كل ذلك نيابة عنا. لأنه كما يقول الكتاب "كلنا كغنم ضللنا، مَلنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 6). وبسبب "إثم جميعنا" تألم السيد المسيح ومات ودُفن..

وإلا: لماذا مات؟ لولا العقوبة الموقعة علينا نحن؟!

ولكن الكاتب يقول "لو كان الموت هو عقوبة الخطية، وهو كذلك حقاً فى العهد القديم:" النفس التى تخطئ هى تموت "(حز 18: 20)، لكان الابن قد تحمل عقوبة الموت من يد الآب عوضاً عنا لإستيفاء عدل الله. وهذا غريب عن روح العهد الجديد وغير جائز".

(12) وهنا نسأل: هَل يوجد خلاف بَين

العَهد القديم والعَهد الجَديد؟

الله – كما يقول الكتاب – "هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8) "ليس عنده تغيير ولا ظل دوران" (يع 1: 17).

إن كان فى العهد القديم "النفس التى تخطئ هى تموت"، فنفس الحكم هو فى العهد الجديد أيضاً. نرى ذلك فى قصة حنانيا وسفيره (أع 5). ونرى ذلك فى نهاية يهوذا "ابن الهلاك" (يو 17: 11). ونرى ذلك فى ضربات سفر الرؤيا. ونراه فى رسالة يوحنا الأولى "توجد خطية للموت. ليس لأجل هذا أقول أن يُطلب" (1يو 5: 16).

أما تعبير الابن قد تحمل عقوبة الموت من يد الآب عوضاً عنا لاستيفاء عدل الله "، فليس هو غريباً عن روح العهد الجديد كما يقول الكاتب. بل هذا هو إيمان الكنيسة كلها، وإيمان آبائها وقديسيها.

ويستمر الكاتب فى رأيه قائلاً "يستحيل أن يجمع الآب فى قلبه نقمة العقوبة ليصبها فى ابنه ليموت عنا وبدلاً منا"!!

فهل يتفق هذا الكلام مع قول الكتاب "والرب وضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 6)؟! وهل يتفق مع قول الكتاب أيضاً "أما الرب فُسر أن يسحقه بالحزن" (أش 53: 10)، وأنه "أحصى مع أثمة" (أش 53: 12)؟!

(13) هنا ونسأل: هَل الموت عقوبة بتعليم الكتاب؟ أم لا؟

منذ بدء البشرة، وقد أنذر الله آدم بعقوبة الموت هذه، فقال له عن الأكل من الشجرة "موتاً تموت" (تك 2: 17). وقد أكدت حواء معرفتها بهذه العقوبة فى (تك 3: 3). والكاتب يعترف بأن عقوبة الخطية هى الموت فى العهد القديم حسب (حز 18: 20).

والعهد الجديد أيضاً أكد أن عقوبة الخطية هى الموت.

إذ ورد فى (رو 6: 23): "أجرة الخطية هى موت".

وورد فى (رو 5: 12) "وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع". وفى (أف 2: 1) "كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا" والسيد الرب فى رسالته إلى كنيسة ثياترا فى سفر الرؤيا يقول عن إيزابل الخاطئة "وأولادها أقتلهم بالموت" (رؤ 2: 23).

فإن كان الموت هو عقوبة الخطية، والسيد المسيح قدوس بلا خطية، إذن لماذا مات؟ لا جواب إلا أنه مات عنا، وتحمل عقوبة الخطية بدلاً منا. وهذا هو الفداء..

(14) إن آلام المسيح عنا، وموته الفدائى عنا، هَما عُمق طقوس الكنيسَة فى أسبُوع الآلام:

ألام المسيح عنا، هى سرّ الحاننا الحزينة فى أسبوع البصخة المقدسة. هى سر الستائر السوداء التى تلتحف به الكنيسة، وهى سرّ كل القراءات والنبوات التى نقرأها، وهى سرّ صومنا العميق فى ذلك الأسبوع..

ونحن فى كل ذلك، نتذكر تلك الكأس التى شربها الرب، وكنا نحن المستحقين أن نشربها. فنحن المستحقون للآلام وللصلب والموت وليس هو. ولكنه من فرط محبته لنا، تحمل كل ذلك نيابة عنا. حمل خطايانا وهو القدوس، وحمل عقوبتنا وهو البرئ. وحجب الآب وجهه عنه، وكان المفروض أن يحجب وجهه عنا نحن..!

ولو كان الأمر مجرد حب، لا شبهة للعقوبة فيه (كما يقول الكاتب).. نعم لو كان الأمر مجرد حب، لتحوّل أسبوع الآلام فى الكنيسة إلى أسبوع فرح، بألحان الفرح..!!

ولكن حب المسيح لنا، تجلى فى تحمله العقوبة نيابة عنا.

حبه لنا لا ينفصل عن الشوك والمسامير والصليب..

وحبه لنا كان سبب تحمله العار والاستهزاء اللائق بنا، مستهيناً بالخزى (عب 12: 2)، هذا الذى نذكره فى قداساتنا فنقول له: "احتملت ظلم الأشرار. بذلت ظهرك للسياط. وخديك اهملتهما للطّم. لأجلى يا سيدى لم ترد وجهك عن خزى البصاق"..

هل ننسى كل هذا، ونقول إن الصلب كله مجرد حب؟!

وفى تمتعنا بالحب، ننسى عقوبتنا، وهذا المحب الذى حملها عنا!!

(15) هَل خلَت قصّة الصَليب إذن مِن العقوبة؟!

يقول الكاتب "وهذا هو السرّ الأساسى فى تجسد ابن الله، إنه عمل حب بالدرجة الأولى، بعيداً كل البعد عن إحساس ومفهوم العقوبة. فلا الآب عاقب ابنه، بل عن حب بذله. ولا الابن عاقب نفسه، بل أحبنا وأسلم ذاته من أجلنا. ولا نحن وقع علينا عقاب فى الحقيقة، بل فزنا بالبراءة والمحبة والتبنى"..

يا فرحتنا بهذه البراءة المزعومة، التى ننسى فيها كل خطايانا وآثامنا ونجاساتنا، وننسى كل ما سببناه لفادينا من ألم وخزى!

يا فرحتنا بهذه البراءة المزعومة، التى ننسى فيها كل خطايانا وآثامنا ونجاساتنا، وننسى كل ما سببناه لفادينا من ألم وخزى!

كما أننا لم نفز مطلقاً بالبراءة، وإنما بعدم الحكم علينا.

فلولا أننا مدانون إلى أبعد الحدود، ولولا أننا أموات بالذنوب والخطايا (أف 2: 1)، ولولا أننا مستحقون للعقوبة.. لولا ذلك كله، ما كان صلب المسيح وما كانت آلامه.. هل لأن المسيح الفادى "وُضع عليه إثم جميعنا" (أش 53: 6). نكون نحن بلا إثم ونفوز بالبراءة؟! هل إلى هذا الحد ينسى الخطاة خطاياهم، التى حملها الفادى المحب عنهم، ويقولون فزنا بالبراءة؟! أهو تركيز على الذات (ذاتنا التى خلصّها الفادى بموته) مع نسيان للآلام التى تحملها المخلص، والثمن الذى دفعه غالياً عنا!!؟

إن سر تجسد ابن الله، ليس بعيداً عن إحساس ومفهوم العقوبة فلولا العقوبة علينا، ما كان التجسد. إن التجسد سببه الأساسى هو الفداء. والفداء سببه هو تخلصينا من عقوبتنا.

وهكذا فى تبشر يوسف النجار بالحبل بالمسيح، قيل له "تدعو اسمه يسوع، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21) هو إذن وُلد ليكون مخلصاً، يخلص المؤمنين من عقوبة خطاياهم. ونفس هذا المعنى هو ما قاله الملاك فى تبشيره للرعاة "ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: إنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" (لو 2: 10، 11).

إذن الخلاص هو سبب التجسد. والخلاص هو أن يخلصنا المسيح الرب من عقوبة خطايانا، من الموت الذى تملك علينا، الذى كنا ممسكين به من قبل خطايانا، كما نقول فى القداس الإلهى..

فلولا عقوبة الموت، الذى ملك على الجميع بسبب الخطية (رو 5: 12، 14). لولا الفداء من هذا الموت، ما كان التجسد ولا الصلب. فكيف يُقال إذن إن التجسد بعيد كل البعد عن مفهوم العقوبة؟! إن هذا الكلام بعيد كل البعد عن تعليم الكتاب وعن تعليم الآباء...

نعود إلى مناقشة عبارة "لا الأب عاقب ابنه، بل عن حب بذله".. فنبحث معاً موضوعاً هاماً هو:

(16) عَلاقة الآب بالإبن فى مَوضوع الصَلب:

عبارة "الآب عاقب ابنه" عبارة مثيرة، لأن الابن لم يكن خاطئاً حتى يعاقبه الآب!! إنما الأصح هو أن الآب قبل أن يتحمل ابنه العقوبة الواقعة على البشرية. وهكذا أرسله كفارة لخطايانا (1يو 4: 10). وعبارة "بذله عن حب"، لا نعبر عليها بسهولة ويسر. بل نتوقف عند عبارة "بذل" أى بذله للموت وللصلب، وبذله "ذبيحة إثم" (أش 53: 10) ليحصى بين أثمة (أش 53: 12). وبذله مجروحاً لأجل معاصينا، ومسحوقاً لأجل آثامنا "ونحن حسبناه مضروباً من الله ومذلولاً" (أش 53: 5، 4) "وضع علينا إثم جميعنا. ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاه تُساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها" (أش 53: 6، 7).

هل كل هذا نمرّ عليه بسهولة ونقول "بذله عن حب"؟! نعم إن الآب أحبنا، وأرسل ابنه كفارة عن خطايانا. ولكن ماذا يعنى كل هذا؟ ماذا وراء الألفاظ من المعانى.

يكفى أن نضع أمامنا الآيات الآتية التى تعبر بوضوح عن موقف الآب من الابن فى موضوع الصليب:

(رو 8: 32) "الذى لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين".

هذه العبارة تعطى شيئاً من المعنى لكلمة (بذله).

(أش 53: 10) "أما الرب فسُرّ أن يسحقه بالحزن". وليتنا نتأمل عبارة "يسحقه" هنا، ومعها عبارة "الحزن" يضاف إليهما "مسحوق لأجل معاصينا" (أش 53: 5).

(مر 15: 34) قول السيد المسيح على الصليب "إلهى إلهى، لماذا تركتنى".

(مت 26: 42) قوله أيضاً فى بستان جثسيمانى "يا أبتاه، إن لم يمكن أن تعبر عنى هذه الكأس، إلا أن أشربها، فلتكن مشيئتك".

(يو 18: 11) وقوله قبل ذلك "الكأس التى أعطانى الآب، ألا أشربها؟".

كلها عبارات تحتاج إلى تأمل عميق، نفهم منه أن ترك الآب له، ليس هو ترك انفصال، حاشا، بل تركه للألم، ليشرب الكأس كلها بما فيها من ألم وعار. وسرّ الآب بهذا أن ثمن الخطية قد دُفع بالتمام جسداً ونفساً: ألم الجسد ومرارة النفس.

ننتقل إلى عبارة "ولا الابن عاقب نفسه، بل أحبنا وأسلم ذاته من أجلنا". وتعبير "الابن عاقب ذاته" غير مستساغ لاهوتياً! لأنه يحمل معنى الأنتحار! وبلا سبب. والأوفق أن نقول:

(17) آلام الإبن فى عَمليّة الفدَاء:

توضحها النبوءات عنها فى (مزمور 22) الخاص بآلام المسيح، والذى أوله "إلهى إلهى لماذا تركتنى". ومن تأملات البعض أن السيد المسيح عندما قال هذه العبارة على الصليب، كان من ضمن ما قصده أن يوجه الأنظار إلى ما ورد عنه فى هذا المزمور. ومن ذلك:

"ثقبوا يدىّ ورجلى، وأحصوا كل عظامى" و "ويقتسمون ثيابى بينهم، وعلى قميصى يقترعون". ومن هذا المزمور أيضاً:

"كل الذين يروننى يستهزئون بى. يفغرون الشفاه، وينغضون الرأس قائلين: اتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سرّ به".

"كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامى. صار قلبى كالشمع قد ذاب فى وسط أحشائى. يبست مثل شقفة قوتى، ولصق لسانى بحنكى" "أحاطت بى ثيران كثيرة. أقوياء باشان اكتنفتنى".

كل هذه آلام، يُضاف إليها الجلد والمسامير والشوك والاستهزاءات، والبصاق والتعيير. والنبوة عنه فى المزمور "وفى عطشى يسقوننى خلاً" (مز 69: 21) التى تحققت فى (مت 27: 34) "أعطوه خلاً ممزوجاً بمرارة ليشرب". ومن شدة تعبه قال على الصليب "أنا عطشان" (يو 19: 28).

هل كل ذلك وغيره، يمكن التعبير عنه فى سهولة أو فى تجاهل، بعبارة "بل أحبنا وأسلم ذاته لأجلنا".. ما الذى تحمله عبارة "أسلم ذاته"؟ أسلم ذاته إلى ماذا؟ إلى الرداء الأرجوانى، واللطعم مع عبارة السلام لك يا ملك اليهود "" تنبأ من لطمك؟! "(لو 22: 64). أو قول النبوءة عنه" بذلت ظهرى للضاربين، وخدئ للناتفين. وجهى لم أستر عن العار والبصق "(أش 50: 6).. كل ذلك ننساه، ونتذكر فقط عبارة" أحبنا، وأسلم ذاته ".. وماذا دفع من أجل ذلك الحب؟

هل بعد كل ذلك نقول إن كل ما حدث كان بعيداً كل البعد عن إحساس ومفهوم العقوبة؟! أما كنا نحن نستحق كل ما بذله المسيح لأجلنا؟ أن نفكر فى ذاتنا فقط، ونقول "أحبنا" و "فزنا بالبراءة! ولا نفكر فى ذلك المحب المصلوب، والعقوبة التى تحملها بدلاً منا!!

نقطة أخرى تبدو بديهية، ولكننا مضطرون لعرضها وهى:

(18) هل المسيح إحتمل العقوبَة أم ألغى العقوبة؟

يقول الكاتب "العقاب لا ينشئ حباً. ولكن الحب يلغى العقاب". وكأنه بهذا يرى أن كل العقوبات التى عاقب بها الله العالم فى العهد القديم والعهد الجديد كانت خالية من الحب!! بينما يقول الكتاب "الذى يحبه الرب يؤدبه، ويجلد كل ابن يقبله.." (عب 12: 6 - 8).

ثم يتعرض الكاتب إلى العقوبة التى تحملها المسيح بدلاً منا، فيقول: "فكيف نقول بعد ذلك أن المسيح بموته تحمل العقوبة عنا؟! الصحيح أنه بموته ألغى العقوبة. لأن موته كان بدافع الحب من الله، وليس عقاباً"!!

إن لم يكن المسيح قد تحمل العقوبة عنا، فما معنى الفداء إذن؟! وإن لم تكن هناك عقوبة على الإطلاق (بإلغاء العقوبة!!) إذن أين استيفاء العدل الإلهى؟! وهل تألم المسيح ومات بلا سبب؟!

إن رفع العقوبة عنا، كان سببه أن المسيح احتملها بدلاً منا. وهذا هو تعليم الكنيسة طوال العصور وهو تعليم الكتاب.

وهذا يجرنا إلى نقطة عجيبة يثيرها الكاتب وهى:

(19) مَن تمَم العَدل الإلهى: نحن أم المسيح؟!

سؤال عجيب يثيره قول الكاتب "فالمسيح مات بالجسد الذى هو جسدنا وخطيتنا عليه. فتمّ فينا نحن – وليس فى المسيح – عدل الله"!

عبارة تدعو إلى الذهول، وتؤدى إلى هدم عقيدة الفداء كلها!!

إن كان قد تم فينا نحن عدل الله، فما الذى فعله المسيح إذن؟ ولماذا تجسد؟ ولماذا تألم ومات ودُفن؟ وما معنى لقبه (المخلص) الذى يخلص شعبه من خطاياهم، وما لزوم اسمه (يسوع)؟!

أما كونه (مات فى جسدنا)، فجسدنا خاطئ لا يصلح أن يقدّم ذبيحة. إنما المسيح مات بجسد طاهر – كحمل بلا عيب (1بط 1: 19). وإذ لم تكن له خطية، فقد مات عن خطية غيره.. عن خطايا العالم كله.

إن أساس الفداء، هو أن الإنسان كان عاجزاً تماماً عن تخليص نفسه، عاجزاً عن الوفاء بديونه أمام العدل الإلهى، كما قال السيد الرب عن المديون بخمسين والمديون بخمسمائة "وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعاً" (لو 7: 42). وكيف سامحهما؟ يقول الكتاب "الذى لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا" (كو 1: 14).

(20) هَل المسيح مَات بإرادته أم مجَرد طاعة للآب؟

وهل هو الفَادى أم فديَة؟

يريد البعض أن يقضى على عمل المسيح فى الفداء، إما بإشراكنا نحن البشر فى عمل الفداء، وأننا الذين أتممنا ما يطلبه عدل الله! أو بالتركيز على عمل الله الآب بأنه الفادى، وأن المسيح مجرد فدية قدمها الآب. أما الابن فأطاع حتى الموت موت الصليب (فى 2: 8). وما أكثر الآيات على أن المسيح هو الذى افتدانا. وسنذكر هنا بضع آيات عن أنه هو قدّم نفسه وبذل نفسه ووضع نفسه.

(يو 10: 17، 18) "أضع نفسى لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منى، بل أنا أضعها من ذاتى. لى سلطان أن أضعها، ولى سلطان أن آخذها أيضاً".

(1تى 2: 6) "يسوع المسيح الذى بذل نفسه فدة لأجل الجميع".

(تى 2: 14) "الذى بذل نفسه لأجلنا ليفدينا من كل إثم".

(غل 1: 4) "الذى بذل نفسه لأجلنا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير".

من جهة الدور الذى قام به السيد المسح فى فداء البشر نود أن نعرض بعض الآيات التى تدل على الحقيقة الآتية:

(21) السَيد المسيح وضع ذاته، وبذل ذاته

وسلمّ ذاته للموت... لكى يفدينا ويخلصنا:

ذلك لأن الكاتب يقول "الآب هو الفادى، والابن هو الفدية. لذلك لم يأت لقب الفادى بالنسبة للمسيح فى جميع أسفار العهد الجديد، وذلك عن وعى لاهوتى دقيق وملفت للنظر. لأن الآب هو صاحب المشورة الأزلية والتدبير فى تقديم ابنه فدية" أه..

ومع أننا لا نريد حالياً أن ندخل فى العلاقة اللاهوتية بين الآب والابن فى مثل هذه الأمور.. ومع أن الكاتب نفسه يقول فى نفس كتابه بعد صفحات قليلة "الفادى يناديكم: أنظروا إلى جروحى، والخطية التى حملت، واللعنة التى تقبلت.." وهو يقصد المسيح طبعاً..

إلا أننى أريد هنا أن أثبت أن السيد المسيح قد قام بفدائنا، بإرادته ومشيئته، وليس لمجرد الطاعة للآب "أطاع حتى الموت موت المصليب.." (فى 2: 8) فهذه قيلت عن الناسوت، لأن اللاهوت لا يدركه الموت، والمسيح مات بالجسد.. وعبارة (الطاعة) هنا تعنى اتفاق المشيئة.

(22) والسَيّد المسيح نفسَه أوضح هذه الحقيقة:

وذلك بقوله عن نفسه "أضع لآخذها.. لى سلطان أن أضعها، ولى سلطان أن آخذها أيضاً" (يو 10: 17، 18).

وقال فى نفس الإصحاح "أنا هو الراعى الصالح. والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف" (يو 10: 11). وقال بعدها "أنا أضع نفسى عن الخراف" (يو 10: 15).

وقال أيضاً "هذا هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم" (يو 6: 51). إذن هو يبذل نفسه، وليس مجرد يُبذل.

وهكذا نقول فى القداس الإلهى "وفيما هو راسم أن يسلّم نفسه للموت عن حياة العالم".. أى أن ذلك فى مشيئته وفى خطته أن يسلّم نفسه عن حياة العالم.

إنه يعرف تماماً أنه لهذا أتى إلى العالم.

(23) والآبَاء الرسُل أيضاً يؤكدون هَذه الحقيقة:

(غل 1: 14) "الذى بذل نفسه لأجل خطايانا، لينقذنا من العالم الحاضر الشرير". قال بذل نفسه ولم يقل بُذل.

وفى (غل 2: 20) "ابن الله الذى أحبنى، وأسلم نفسه لأجلى".

وفى (أف 5: 2) "كما أحبنا المسيح أيضاً، وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة".. هو سلّم نفسه.

وفى (عب 9: 13، 14) ".. الذى بروح أزلى قدّم نفسه لله بلا عيب".

وفى (أف 5: 23 - 26) يقول الرسول عن الكنيسة وعلاقتها بالمسيح. "كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة، وأسلم نفسه لأجلها، لكى يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة".

وفى (1يو 3: 16) يقول عن المسيح إنه "وضع نفسه لأجلنا".

(24) السَيد المسيح هو الذى إفتدانا:

يقول الرسول فى (غل 3: 13) "المسيح افتدانا من لعنة الناموس" ولم يقل الآب هو الذى افتدانا.

وفى (أف 1: 7) يقول عن المسيح "الذى فيه لنا الفداء، بدمه غفران خطايانا بغنى نعمته".

وفى (رو 3: 24) "متبررين مجاناً بنعمته، بالفداء الذى بيسوع المسيح".

وفى (1تى 2: 6) "الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع".

وفى (أف 2: 6) الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع ".

المسيح إذن افتدانا، وبذل نفسه، وبررنا مجاناً بفدائه لنا، وبدمه نلنا غفران خطايانا، وهو قدم نفسه للموت.

(25) إن إغفال مشيئة المسيح فى الفداء،

فيه إنقاص لمحبته لنا!

بحيث إن من يقول إن المسيح ليس هو الفادى، بل مجرد فدية قدمها الآب، وهو قد قبل ذلك لأجل الطاعة!!.. الذى يقول هذا إنما ينقص من محبة المسيح لنا، ومن بذل ذاته لأجل غفران خطايانا.

وهذا أمر لا يمكن أن تقبله الكنيسة التى قال عنها الرسول "كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة، وأسلم نفسه لأجلها" (أف 5: 25). بل هذا أمر لا يقبله أى فرد منا، يقول مع الرسول عن السيد المسح "أحبنى وأسلم نفسه لأجلى" (غل 2: 20).

إن المسيح المحب لم يكن مجرد منفذ لمشيئة الآب فى الفداء، من أجل الطاعة. بل كانت مشيئته هى مشيئة الآب من جهة الفداء.

(26) هنا فرق كبير بَين كلمة (نظريّة) وكلمة (عقيدة)!

كلنا نؤمن أن الفداء هو أن نفساً تفدى غيرها، بأن تحل محلها وتموت عنها، وتدفع الثمن بدلاً منها. ولكن يقوم رأى ويقول: هناك ثلاث نظريات فى الفداء: نظرية التكفير بالإحلال، ونظرية استرضاء الله، ونظرية الفدية بدفع الثمن.

ويتحول الأمر فى شرحه من العقيدة إلى نظريات يناقشها! كما لو كان الآباء لم يتركوا لنا عقيدة ثابتة فى موضوع الفداء!!

ويتطور الأمر إلى الاعتراف بأن نفساً تحل محل نفس كانت سائدة فى العهد القديم، ولكن الأمر تغير فى العهد الجديد، وأصبح الاتحاد يحل محل الإحلال!!

لماذا تنقل التخم القديمة بهذه السرعة؟! ولماذا مهاجمة الآباء الأول القديسين فى ما قدموه من عقيدة؟! ولماذا تقديم معتقد جديد يضطرنا أن نحمى الناس منه؟! ألم يقل الكتاب: "لا تنقل التخم القدم الذى وضعه آباؤك" (أم 22: 28).

ولماذا كل هذه البلبلة، ومحاولة زحزحة ما تسلمته الكنيسة عن أجيال طويلة مضت، بتقاليد ثابتة؟!

(27) مَوضوع "إسترضاء قلب الله":

المعروف أن الخطية كانت لها نتيجتان:

أ – إغضاب قلب الله بعصيانه والتمرد عليه، وإطاعة الشيطان أكثر منه. وكانت ذبيحة المحرقة تشير إلى إرضاء الله وإيفاء عدله.

ب – كان من نتائج الخطية أيضاً هلاك الإنسان والحكم عليه بالموت. وكانت ذبيحة الخطية تنوب عنه فى الموت بدلاً منه.

وكانت المحرقة رمزاً إلى السيد المسيح فى إرضاء الآب وتقديم طاعة مطلقة له. كما كانت ذبيحة الخطية رمزاً للسيد المسيح فى موته نيابة عنا، وإيفاء العدل الإلهى الذى يقضى بموت الخاطئ.

هذا ما تعلمناه منذ القديم، ومازلنا نعلّم غيرنا به.

(28) ذبيحة المحرقة فى رَمزها إلىَ إرضاء الله:

كانت المحرقة هى أقدم الذبائح التى يتقرب بها الناس إلى الله. لذلك دُعيت قرباناً (تك 4: 5). ونقرأ – بعد رسو الفلك – أن ابانا نوح "بنى مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح. فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب فى قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً بسبب الإنسان" (تك 8: 20، 21).

ونلاحظ هنا أن ذبيحة المحرقة كانت سبباً فى رضا الله ورفع غضبه. كما أنها كانت من حيوانات وطيور طاهرة.

واستمرت المحرقات هى ما قدمه الآباء قبل شريعة موسى.

وفى الذبائح التى أمر الله بها موسى النبى فى سفر اللاويين، كانت المحرقة هى الأولى فى الترتيب. لأن إرضاء الله ينبغى أن يكون الأول. ودُعيت المحرقة قرباناً (لا 1: 2) لأن بها يتقربون إلى الله.

(29) كانت المحرقة للرضا، ورائحة سور للربّ

وكانت كلها لله، لنار العَدل الإلهى:

يقول الكتاب عن مقدمها "للرضا عنه أمام الرب" (لا 1: 3). ويُقال عن هذه المحرقة إنها "محرقة وقود رائحة سرور للرب". ويتكرر هذا الوصف ثلاث مرات فى كل أنواعها (لا 1: 9، 13، 17).

وكانت المحرقة كلها لنار العدل الإلهى، تظل تشتعل فيه النار حتى تحولها إلى رماد. دون أن يأكل منها أحد. لا الكاهن يأكل منها، ولا مقدمها ولا أصدقاءه. كلها للنار.

وفى هذا يقول سفر اللاويين فى "شريعة المحرقة":

"هى المحرقة تكون على الموقدة فوق المذبح كل الليل حتى الصباح، ونار المذبح تتقد عليه.. والنار على المذبح تتقد عليه. لا تطفأ. ويشعل عليها الكاهن حطباً كل صباح.. نار دائمة تتقد على المذبح، لا تطفأ" (لا 6: 8 - 13) حتى تتحول إلى رماد (لا 6: 10).

(30) إن المحرقة رمز للسَيد المسيح فى إرضاء العَدل الإلهى:

هى رمز لإرضاء الآب فى عمل الفداء. كما كانت (تقدمة الدقيق) رمزاً لإرضائه الآب بحياته البارة فى تجسده قبل الصلب (لا 2).

وهكذا قيل أيضاً عن تقدمة الدقيق إنها "وقود رائحة سرور للرب" (لا 2: 2، 9، 12)، وأنها "قدس أقداس" (لا 2: 3، 10).

وكانت المحرقة وتقدمة الدقيق رمزاً للسيد المسيح، فى تجسده، وفى قيامه بعمل الفداء. كل منهما كانت "رائحة سرور للرب".

وكل منهما لم تكن رمزاً لمغفرة خطايا الإنسان. فذلك كانت ترمز إليه ذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم. كما كانت ذبيحة الفصح ترمز أيضاً لخلاص الإنسان من الهلاك.

وعبارة "رائحة سرور للرب" تذكر بنبوءة اشعياء عن صلب المسيح، إذ قيل فيها عن الآب "سرّ أن يسحقه بالحزن" (أش 53: 10).

(31) وإرضاء الله فضيلة كبرى فى الكتاب:

يبدأ بها المزمور الذى يقول "رضيت يا رب عن أرضك" (مز 85: 1). وفى الذبائح يقول ".. من جميع نذورهم، وجميع نوفلهم التى يقربونها للرب محرقة، فللرضا عنكم.." (لا 22: 18، 19).

وفى حياة البتولية يقول الرسول "غير المتزوج يهتم فى ما للرب كيف يرضى الرب" (1كو 7: 32). وفى القداس والعبادة يقول ".. تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة، مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو 12: 1).

وعن رضى الرب يقول المزمور "يرضى الرب باتقيائه" (مز 147: 11) ويقول الكتاب "إذا أرضت الرب طرق إنسان، جعل أعداءه أيضاً يسالمونه" (أم 16: 7).

ولإرضاء الرب نجد فى الوصايا العشر أن الوصايا الأربع الأولى خاصة بالرب، قبل الوصايا الخاصة بالتعامل مع البشر. وكذلك فى الصلاة الربية نطلب ما يخص الله أولاً، قبل أن نطلب ما يخصنا نحن.

ومن الأشياء الجميلة فى إرضاء الله نجد أن المرتل يخاطب الملائكة فى المزمور فيقول "باركوا الرب يا جميع جنوده وخدامه العاملين مرضاته" (مز 103: 21).

بل ما أروع ما قيل فى إرضاء الآب، هو قول السيد المسيح:

"والذى أرسلنى هو معى. ولم يتركنى الآب وحدى، لأنى فى كل حين أفعل ما يرضيه" (يو 8: 29).

ولعل البعض يسأل: لماذا ذكرنا كل تلك الشواهد عن إرضاء الله. والجواب هو:

(32) لأن الكاتب – للأسف – يتهكم علىَ إسترضاء الله:

فيقول "نجد فى نظرية الفداء كإسترضاء الله أن عملية الفداء تنتهى باسترضاء الابن للآب. وحينئذ ينتهى الحوار، وتنتهى الرواية المأسوية باسترداد الله لكرامته"!!

إنها ليست استرداد لكرامة، إنما هى استيفاء للعدل الإلهى.

ويقول "وفكرة استرضاء الله، وإن كانت مستمدة من العهد القديم، ف." يهوه "– النار الآكلة – فى العهد القديم، قد صار بميلاد ابن الله واستعلان بنوته، أباً يسكب روحه – بدل اللعنة – على كل بشر. لذلك فصورة الله فى هذه النظرية (وهو طالب من يسترضى عدله وكرامته) لا تتناسب الآن مع" هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد.. ".

ونحن نقول إنه لا يوجد خلاف بين العهد القديم والجديد..

لا يوجد خلاف بين يهوه، والآب!!

وعبارة "نار آكلة – موجودة فى العهد الجديد، حيث يقول القديس بولس الرسول" إلهنا نار آكلة "(عب 12: 29).

وإلهنا الذى يقول عنه إنه "أب يسكب روحه بدل اللعنة، هو الذى سمح أن يكون المسيح خطية ولعنة لأجلنا. كما يقول القديس بولس الرسول فى (غل 3: 13)" المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا لأنه مكتوب: ملعون كل من علّق على خشبة ". ويقول فى (2كو 5: 21) عن الله" لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه "..

وإله العهد الجديد الذى قيل عنه "هكذا أحب الله العالم.." والذى "سكب روحه على كل بشر"، هو الذى سمح بأن يموت حنانيا وسفيرا، وأن يموتا للتو لأنهما كذبا على روح الله (أع 5: 3 - 9).

إن الله هو هو فى العهد الجديد والعهد القديم، ليس عنده تغيير ولا ظل دوران (يع 1: 17). ولا داعى مطلقاً للتهكم عليه بأنه "يطلب من يسترضى عدله وكرامته"!

أو قول الكاتب "إن الله الآب هنا هو الذى يطلب استرضاء الإنسان المظلوم المخذول المهان والمطرود، ساعياً أن يرده إلى كرامته الأولى".. فإن هذه العبارة تجعلنا نسأل:

إن كان الإنسان مظلوماً، فمن الذى ظلمه؟!

الإنسان هو الذى ظلم نفسه بخطيئته، وفقد كرامته بكبريائه...

بقى سؤال فى موضوع الفداء، وهو:

(33) لم دفُع ثمَن الفداء؟

الثمن الذى دفعه السيد المسيح هو موته على الصليب.

ذلك لأن الكتاب يقول "أجرة الخطية هى موت" (رو 6: 23). وهكذا سُفك دمه الطاهر الكريم لأجلنا.

وواضح أن الثمن قد دُفع إلى صاحب الحق، وهو العدل الإلهى.

فالعدل الإلهى هو الذى كان يطالب بموت الإنسان الخاطئ، الذى تعرض لحكم الله "موتاً تموت" (تك 2: 17). وأيضاً حسب قول الرب على فم حزقيال النبى "النفس التى تخطئ هى تموت" (حز 18: 20).

فلما مات المسيح بدلاً منا، قدّم حياته للعدل الإلهى عوضاً عن حياة الإنسان، فاستوفى العدل الإلهى حقه..

ولكن الكاتب يقول "إن الدم الذى قدمه المسيح ثمناً وفدية، لم يسلّمه لأحد غيرنا.. فنحن نملك دم المسيح. نحن نشربه ولكن بلا ثمن.. وهو كثمن لفديتنا أضيف لحسابنا". ويقول إن المسيح "إعطانا موته ليكون موتنا. وأعطانا دمه المسفوك ليكون دمنا.. فهو لم يمت بعيداً عنا، بل مات بجسدنا ودمنا ولحمنا. فنحن شركاء فى هذا الجسد والدم، ولازلنا نشترك فيه" أه..

ونود هنا أن نناقش هذا الرأى:

(34) هَل دُفع ثمَن الفداء لنَا؟

نحن لسنا أصحاب حق، بل على العكس نحن مديونون، سواء منا المديون بالقليل أو المديون بالكثير. وقد قال السيد المسيح عن هذين النوعين "وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعاً" (لو 7: 42). بل نحن كما قال الرسول "كنا أمواتاً بالذنوب والخطايا" (أف 2: 1).

إن ثمن الفداء قدّم للعدل الإلهى. أما سر الإفخارستيا فليس ثمناً نستحقه، وإنما هو هبة مجانية أعطيت لنا وليست ثمناً.

وإن كان دم المسيح قد أصبح دمنا – كما يقول الكاتب – فهل نحن نشرب دمنا؟! وإن كان المسيح قد مات بلحمنا ودمنا – كما يقول – فهل نحن اشتركنا فى دفع الثمن؟! أم الثمن دُفع لنا؟!

أمر غريب، لم يقل به أحد من الآباء!!

بعد هذا كله لعلنا نسأل: ما هى نقطة البدء فى كل المشاكل اللاهوتية التى وقع فيها الكاتب؟

إنها فكرته عن خطية العمد.

(35) يَرى الكتب أن خطية العَمد والقصد

لم تكن تُقدم عَنها ذبيحة لمغفرتها!

إنه يقول: "لا توجد للخطيئة العمد التى تستحق الموت فى ناموس العهد القديم كله أية ذبيحة تعويضية بأى حال. فكل الذبائح هى عن خطايا السهو فقط".

"جميع ذبائح الخطية التى نصل عليها العهد القديم هى كما سبق ونبهنا مراراً تصح فقط فى حالة خطية السهو.. أى بدون قصد. أما خطايا العمد التى عن قصد وبالإرادة، فلا ذبيحة لها على الإطلاق فى كل ناموس موسى. وبمعنى آخر أوضح أنه يستحيل إحلال أو استبدال نفس بنفس فى حالة الخطية العمد".

"فهنا يستحيل أن تحسب ذبيحة المسيح أنها عوض الخاطئ، أو عن الخاطئ، أو بدلاً من الخاطئ. لأن الخطية هى خطية عمد، والخاطئ يتحتم أن يموت موتاً، ولا يمكن أن تُقدم عنه ذبيحة من أى نوع!".

"إذن فما هى ذبيحة المسيح؟ ذبيحة المسيح هى موت الخاطئ بالفعل!! المسيح أخذ جسداً هو فى حقيقته جسد الإنسان ككل، جسد جميع الخطاة.. هو هو بعينه جسد كل خاطئ..".

وهذا الفكر جرّ إلى كل ما سبق أن ناقشناه فى النقاط السابقة.. فعلينا إذن أن نناقش فكرته عن خطية العمد.

(36) هذا الفكر يُحدث بلبَلة ويَأسَاً

فقد كانت مغفرة الخطية فى العهد القديم مرتبطة بتقديم الذبيحة "وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب 9: 22).

فإن كانت لا توجد ذبيحة تقدم عن خطايا العمد – بينما غالبية خطايا الناس هى خطايا عمد – فماذا يكون شعور الناس لو رأوا أن خطاياهم هى بدون مغفرة، وأنهم يعيشون ويموتون دون أن تُغفر لهم خطاياهم! ألا يتسبب هذا الفكر فى يأس الناس وفى بلبلة أفكارهم؟!

وماذا يقولون عن الله وعن كل الآيات المتعلقة بمغفرته للخطايا؟ وماذا عن قول المزمور "طوبى للذى غُفر له إثمه، وسترت خطيته. طوبى لإنسان لا يحسب له الرب خطية" (مز 32: 1، 2).

وماذا عما قاله الرب فى سفر حزقيال النبى عن الشخص التائب "حياة يحيا. لا يموت. كل معاصيه التى فعلها لا تذكر عليه" (حز 18: 21، 22). أو ما قاله الرب فى سفر ارميا النبى "لأنى أصفح عن إثمهم، ولا أذكر خطيتهم بعد" (ألا 31: 34).

كيف يكون الصفح؟ وكيف تكون المغفرة. وليست هناك ذبائح ولا سفك دم؟!

نذكر مثالاً واضحاً لذبائح عن خطايا العمد:

(37) مثال الذبَائح فى يوم الكفارة العظيم

سواء التى يقدمها رئيس الكهنة عن نفسه وعن خطايا الشعب. ففى ذلك اليوم كان رئيس الكهنة يقدم ذبيحة خطية ثوراً "ويكفر عن نفسه وعن بيته" (لا 16: 11). ثم يقدم ذبيحة خطية أخرى "ويكفر عن القدس من نجاسات بنى إسرائيل ومن سيآتهم مع كل خطاياهم" (لا 16: 15، 16).

فهل كل تلك الخطايا والسيئات والنجاسات، التى لهرون وكل بيته وكل بنى إسرائيل، لم تكن فيها خطايا عمد؟! أكانت كل تلك الذنوب كلها خطايا سهو.

مستحيل: من يصدق أن يوم الكفارة العظيم كان فقط عن خطايا السهو!!

عجباً هى تلك الجرأة التى يُقال بها "لا توجد للخطية العمد التى تستحق الموت فى ناموس موسى كله أية ذبيحة تعويضية"؟!

(38) أمثلة أخرى عَن ذبَائح للمغفرة

هوذا نحميا فى تصحيح الأوضاع بعد الرجوع من السبى، تكلم عن "ذبائح الخطية للتكفير عن إسرائيل" (نح 10: 33). والمعروف أنهم كانوا بعمد وقصد، قد تزوجوا بنساء غريبات مما جعل عزرا الكاهن يبكى وينتف شعر رأسه ويمزق ثيابه (عز 9: 3).

والقديس بولس الرسول يقول فى رسالته إلى العبرانيين: "كل رئيس كهنة يُقام لأجل الناس فى ما لله، لكى يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا، يلتزم أنه كما يقدم عن الخطايا لأجل الشعب، هكذا أيضاً لأجل نفسه" (عب 5: 1، 3). فهل رئيس الكهنة يُقام لكى يقدم قرابين وذبائح فقط عن خطايا السهو التى يرتكبها الشعب؟!

(39) ومَاذا عَن خَطية العَمد لدَاود الملك؟

لا شك أن خطية الزنا مع بثشبع امرأة أوريا الحثى كانت خطية عمد. وكذلك محاولته تغطية هذه الخطية بالخداع، ثم العمل على مقتل أوريا، والزواج بامرأته (2صم 11).

فهل مات داود النبى دون أن تُغفر خطاياه، إذ لا توجد أية ذبيحة عن الخطايا العمد، حسب رأى الكاتب؟

كلا، فإن داود النبى يسبح الرب على مغفرته ويقول:

"باركى يا نفسى الرب وكل ما فى باطنى ليبارك اسمه القدوس... الذى يغفر جميع ذنوبك..." (مز 103: 1، 3). وكيف عرف داود بمغفرة جميع ذنوبه (العمد)؟ من قول ناثان النبى له "الرب أيضاً نقل عنك خطيئتك. لا تموت" (2صم 12: 13).

أخيراً فلنعرف تماماً ما معنى الفداء:

(40) الفدَاء، ليس مًعناه موت الخاطئ بالفعل!!

إنما هَو مَوت المسيح نيابَة عنه.

فموت الخاطئ هو عقوبة وليس فداء.

أما الفداء فهو أن يموت الفادى بدلاً منه أو عوضاً عنه. وقد فعل السيد المسيح هذا على الصليب من فرط محبته لنا. ولم يأخذ جسد الخطاة ويموت به – كما يقول الكاتب – إنما مات بجسده الطاهر الذى بلا خطية وحده.

ولكن الكاتب يسمى هذه العقيدة الكنسية الراسخة "نظرية التكفير بالإحلال". مجرد نظرية تحتاج منه إلى مناقشة، وليست كعقيدة يؤمن الكل بها!! ويرى أنها كانت تستخدم فى العهد القديم، لخطايا السهو فقط!!

أما فى العهد الجديد فلا يمكن تطبيقها، بل يجب أن يموت الخاطئ بالفعل!!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟

(7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه

المحتويات
المحتويات