شركاء الطبيعة الإلهيّة؟

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

شركاء الطبيعة الإلهيّة؟

تعبير "شركاء فى الطبيعة الإلهية"!!

هل الله أراد تأليهنا منذ خلقه لنا؟!

هل السيد المسيح ألَّهَ ناسُوت!

هل نشترك فى الطبيعة الإلهية عن طريق التبنى؟!

هل القيامة من الأموات هى شركة فى الطبيعة الإلهية؟!

هل نشترك فى الطبيعة الإلهية بالإفخارستيا؟!

هل الله صار إنساناً لكى يصير الإنسان إلهاً؟!

هل الشركة فى اللاهوت تظهر فى السلطان على الشياطين؟!

هل القداسة هى شركة فى الثالوث القدوس؟!

هل حلول الروح القدس أقنومياً هو تألّه؟!

هل النعمة هى شركة فى الطبيعة الإلهيّة؟!

مقدمة

إلحاقاً بما نشرناه عن (تأليه الإنسان!!) نصدر هذه التكملة عن (مشاركة الطبيعة الإلهية)!!

وسنرد فى هذا الكتيب عن هذا الفكر ممثلاً فى مدرسة واحدة كما يظهر فى كتاب (القديس أثناسيوس الرسولى..) للدكتور جورج حبيب بباوى، وكتاب (الأصول الأرثوذكسية الآبائية ج2) لبعض رهبان دير أنبا مقار.

وكل من فرعى المدرسة الواحدة يترجم قول القديس بطرس الرسول "شركاء الطبيعة الإلهية" (2بط 1: 4) بعبارة "شركاء فى الطبيعة الإلهية"! بمعنى شركاء فى نفس الطبيعة الإلهية، وليس شركاء مع الطبيعة الإلهية، فى العمل وفى الإرادة مثلاً..

(1) تعبير "شركاء فى الطبيعة الإلهية"!!

فالدكتور جورج حبيب بباوى فى كتابه عن القديس أثناسيوس، يذكر هذا التعبير "شركاء فى الطبيعة الإلهية" فى عناوين كل من الفصل الثامن، والفصل 11، والفصل 12، والفصل 13، والفصل 14، والتناول من الأفخارستيا (ص 214).. مع التفاصيل التى تحويها هذه العناوين..

ويقول فى ص 214 "حقيقة اشتراكنا فى اللاهوت (!!) بسبب حصولنا على السر السمائى واهب الحياة الأبدية".

وقال فى ص 138 ".. حتى نستطيع أن نشترك فى لاهوت الكلمة"!! ما أعجب الجرأة فى هذا التعبير!!

وقال فى ص 159 "صلة الكلمة المتجسد بالذين اشترك هو فى طبيعتهم، حتى يشتركوا هم فى ألوهيته!!

وكتاب (الأصول الأرثوذكسية الآبائية.. ج2) يذكر عبارة الشركة فى الطبيعة الإلهية فى ص 11، ص 12، ص 35، ص 45. ويذكر فى ص 10 "شركتنا فى الله"، "شركتنا فى طبيعة الثالوث. وفى ص 11 نعمة التأليه فى المسيح. وفى ص 12 الشركة فى طبيعة اللاهوت.

ونحن لا يمكن أن نقبل الاشتراك مع الله فى طبيعته ولاهوته، مهما حاولوا تبرير هذا الأمر بمعان واقتباسات.

فماذا تراهم يقولون فى هذا الأمر؟

(2) هل الله أر اد تأليهنا منذ خلقه لنا؟!

يقولون إن تأليه الإنسان هو غرض إلهى منذ البدء! فقد كان قصد الله منذ البدء هو تأليه الإنسان! فلما أخطأ الإنسان، زال هذا القصد!

وطبعاً هذا الكلام غير مقبول للأسباب الآتية:

1 - لو كان قصد الله أن يؤله الإنسان منذ البدء، ما كان قد خلقه قابلاً للموت فى قوله له عن شجرة معرفة الخير والشر "يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2: 17). أى أنه بطبيعة قابلة للموت. وقد مات فعلاً.

2 - ولو كان قصد الله تأليه الإنسان منذ البدء، لخلقه معصوماً، أى غير قابل للخطية لكنه كان معرضاً للخطأ. وبالفعل قد أخطأ..

3 - ولو كان قصد الله تأليه الإنسان، ما كان قد خلقه من تراب ومتحداً بالمادة، أى بالجسد، بينما الله روح (يو 4: 24). إذن كان يمكن أن يخلقه كالملائكة وهم أرواح (مز 104: 4). وحتى هؤلاء الذين خلقهم الله أرواحاً، قد أخطأ البعض منهم..

وليست حجة، استخدام عبارة "باركت طبيعى فيك" كما ورد فى القداس الغريغورى. فمباركة الطبيعة شئ، وتأليه الطبيعة شئ آخر.. فالله بارك طبيعتنا ولم يؤلهها..

(3) هل السَيّد المسيح ألّهَ ناسوته؟!

فما أكثر عبارات تأليه الناسوت، وتأليه الجسد، فى كتاب د. جورج بباوى إذ يقول "قيامة الجسد هى تأليه الناسوت" (ص 137)، "المسيح أله جسده بعد الموت"، "إلّه الجسد، وجعل هذا الجسد عديم الموت" (ص 133)، "وتأله جسد المسيح هو أن يصبح هذا الجسد عديم الموت" (ص 134)، و "الناسوت الذى تأله بالاتحاد" ص 214. ينادى كذلك بأن ارتفاع المسيح أى صعوده هو تأله طبيعته الإنسانية (ص 134).

وواضح أن السيد المسيح اتخذ جسداص قابلاً للموت، وقد مات.

أما كتاب (الأصول الأرثوذكسية الآبائية ج2) فيردد نفس الفكر عن تأله ناسوت المسيح (من ص 59 إلى ص 70) بعناوين كثيرة تقول "تأله ناسوت الرب يسوع المسيح"...

ونحن نؤمن أن لاهوت المسيح اتحد بناسوته، بلا تغيير.. فلم يصر اللاهوت ناسوتاً، ولا صار الناسوت لاهوتاً. وإلا تكون قد زالت إحدى الطبيعتين. فالناسوت ظل ناسوتاً، لم يتحول إلى لاهوت. ولكنه تمجد. والسيد المسيح قام بقوة لاهوته، وصعد إلى السموات بقوة لاهوته. وليس لأن الناسوت صار لاهوتاً..!! إنما الناسوت تمجد وتجلى فى القيامة والصعود..

والخطير أنهم فى المناداة بتأله جسد المسيح، يقولون إن "الجسد الذى أخذه الرب من والدة الإله هو جسدنا" (ص 22).

(4) هل نشترك فى الطبيعة الإلهية عن طريق التبنى؟!

ورد فى (الأصول الأرثوذكسية الآبائية ج2) ص 25:

"كان المسيح هو الذى قال للآب أبّاً (مر 14: 36). فكيف تكون علاقتنا به على مستوى المجاز أو الرمز، ثم نصرخ بذات الكلمات؟ كيف ننطق بما لا نملك، وبما لم يُعط لنا؟ ولكن لأن الابن الحقيقى ربنا يسوع هو ابن الآب، فقد" أخذ الذى لنا، وأعطانا الذى له "وهى تسبحة وذكصولوجية الكنيسة، فقد أعطانا شركة فى بنوته".

ونحن نقول إن هناك فرقاً جوهرياً بين بنوة المسيح للآب، وبنوتنا نحن للآب.

ولذلك فهو يُسمى الابن الوحيد (يو 1: 18) (يو 3: 16، 18) (1يو 4: 9). لأنه الابن الوحيد من جوهر الآب ومن طبيعة. أما نحن فإننا أبناء بالتبنى، بالنعمة. وما أعظم الفرق بين التبنى والبنوة. نحن أبناء بالإيمان، كما يقول الكتاب "أما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه" (يو 1: 12). كذلك نحن أبناء بالمحبة، كما يقول الرسول أيضاً أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله "(1يو 3: 1). نحن أخذنا روح التبنى الذى به نصرخ يا أبّا الآب" (رو 8: 15).

ليس لأننا مثله، ومحال أن نكون مثله. لقد اعطانا بنوة للآب غير بنوته هو. لذلك هو ابن لله بالطبيعة، ونحن أبناء بالتبنى. والتبنى محال أن يرقى بنا إلى التأله..

ولن نكون مساوين للابن فى بنوته. فأقصى ما نصل إليه، أن نكون "مشابهين صورة ابنه" (رو 8: 29). نحن مخلوقون، أما الابن فأزلى. والمخلوق لا يتأله. والبنوة التى أعطيت لنا هى من خارج طبيعتنا.

ورد أيضاً فى كتاب د. جورج بباوى (أثناسيوس الرسولى..):

"شركة الطبيعة الإلهية هى الحصول على عطية التبنى بواسطة الابن. ورفض ذلك هو عودة صريحة إلى اليهودية" (ص 134).

نحن لا نرفض التبنى بل نؤمن به. إنما نرفض أن يكون التبنى علامة على المشاركة فى الطبيعة الإلهية، بحيث ننال التأله بالتبنى.

كما أن اليهودية لم ترفض التبنى إطلاقاً. وقيل عن آدم أنه "ابن الله" (لو 3: 38) ونسل شيث وأنوش قيل إنهم أولاد الله. وورد عن هذا النسل فى بدء قصة الطوفان "رأى أولاد الله بنات الناس أنهن حسنات" (تك 6: 2).

ولم يمنع الله لقب البنوة عن الذين عصوه. فقال فى بدء نبوءة اشعياء "ربيت بنين ونشأتهم، أما هم فعصوا علىّ" (أش 1: 2). واشعياء يشهد قائلاً "الآن يا رب أنت أبونا.." (أش 64: 8).

البنوة لله موجودة إذن منذ العهد القديم، فلا نقل إن رفض التبنى عبارة عن عودة إلى اليهودية. فالقديس بولس الرسول يقول عن اليهود "الذين هم إسرائيليون، ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع.." (رو 9: 4)..

ولكن لا علاقة إطلاقاً بين التبنى والتأله. فنحن نقول لله "يا أبانا". وفى نفس الوقت نقول له نحن عبيدك وخليقتك. ولا نتأله!

والرب يقول فى اليوم الأخير لكل وكيل أمين حكيم من وكلائه: "نعما أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً فى القليل، فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك" (مت 25: 21)... فمهما كان صالحاً وأميناً، هو لا يزال عبداً، ومكافأته أن يدخل إلى فرح سيده.. دون أن يتأله..

لذلك تواضعوا أيها الأبناء. ومن أجل خلاص نفوسكم، أقول لكم لا تتألهوا. لا ترتأوا فوق ما ينبغى.. (رؤ 12: 3).

(5) هل القيامة من الأموات هى شركة فى الطبيعة الإلهية؟!

قيامة السيد المسيح تدل على لاهوته، لأنه الوحيد الذى قام بمشيئته وقدرته، ولم يقمه أحد. أما كل البشر الذين قاموا من بين الأموات، فقد قاموا بقوة خارجة عنهم. وهكذا القيامة أيضاً فى اليوم الأخير، ستكون بمعجزة من الله نفسه، ولا تدل مطلقاً على تأله من سوف يقيمهم الرب.

ولكن د. جورج بباوى يرى القيامة شركة فى اللاهوت!!

فيقول فى ص 216 من كتابه عن القديس أثناسيوس "معنى الشركة فى الطبيعة الإلهية.. شركة فى الحياة الأبدية وعدم الفساد.. وهذه هى الشركة فى الطبيعة الإلهية لأنها شركة فى المسيح القائم من بين الأموات" إلى أن يقول:

"شركة فى اللاهوت، لأن الحياة الأبدية هى حياة الله نفسه".

ونفس التعبيرات تقريباً فى (كتاب الأصول الأرثوذكسية الآبائية ج2).

إذ ورد فى ص 46 "الحياة الأبدية هى حياة الله نفسه. وشركتنا فى هذه الحياة هى شركة فى الله نفسه حسب كلمات الرسول يوحنا".

وورد أيضاً "الحياة الأبدية هى حياة الله نفسه. وإذا لم تكن هذه شركة فى طبيعة الله، أى حياة الله، فماذا تكون؟".

أى أن الاشتراك فى الحياة الأبدية هى شركة فى طبيعة الله، أى هو نوع من التأله!!

كما ورد أيضاص فى نفس الكتاب ص 58 "لكى يمنح الإنسان الثبات فى عدم الموت والخلود بواسطة الشركة فى اللاهوت"!!

ونرد على هؤلاء بأن الحياة عند الله هى من ذات طبيعته. أما عندنا فهى منحة من الله بنعمته. فلا نتخذ المنحة دليلاً على التأله..!!

ولذلك نقول فى القداس الإلهى "أنعم عليهم بالحياة الأبدية". كما أن البشر الذين ينعمون بالحياة الأبدية، كانوا قبل القيامة أمواتاً. وهذا الموت يتنافى مع التأله..

والأبرار الذين يقومون من الموت، سيسكنون مع الله فى أورشليم السمائية التى قيل عنها إنها "مسكن الله مع الناس" (رؤ 21: 3)، وليس مسكن الله مع الآلهة.. فهم بعد القيامة سيظلون بشراً كما كانوا على الأرض..

ويقولون إن قيامة المسيح هى تأليه للناسوت (ص 137).

وهذا كلام غير مقبول لاهوتياً. فالناسوت سيظل ناسوتاً بعد القيامة. والسيد المسيح بعد قيامته احتفظ بلقب ابن الانسان. كما أن تأليه الناسوت معناه تلاشى الناسوت.. وهذا ضد الإيمان.

(6) هل الشركة فى اللاهوت تظهر فى السلطان على الشياطين؟!

وهذا واضح فى كتاب د. جورج بباوى ص 137 إذ يقول:

"الشركة فى الطبيعة الإلهية تظهر بشكل واضح فى سلطان الإنسان على الشيطان، وفى السماء فى حياة عدم الفساد".

ونقول إن الانتصار على الشيطان هو هبة من الله (مت 10: 1)، وليس تألهاً للإنسان. وواضح فى سفر الرؤيا (رؤ 12: 7 - 9) أن الملاك ميخائيل انتصر على الشيطان وطرحه إلى الأرض. فهل هذا دليل على تأله الملاك ميخائيل أيضاً؟!

وما أكثر القديسين الذين انتصروا على الشياطين، والذين كانت لهم موهبة إخراج الشياطين، فهل تأله كل أولئك..؟!

إن الانتصار على الشيطان يأتى بالاتضاع وليس بالتأله.

(7) هل نشترك فى الطبيعة الإلهية بالإفخارستيا؟!

يقول د. جورج بباوى فى ص 214 من كتابه عن القديس أثناسيوس:

"التناول من الافخارستيا كشركة فى الطبيعة الإلهية" ويقول "حقيقة الاشتراك فى اللاهوت بسبب حصولنا على السر المائى واهب الحياة الأبدية".

ويقول فى ص 216 "هنا تصل الشركة فى الطبيعة الإلهية إلى غايتها وهى حصول الإنسان.. على الأسرار الإلهية غير المائتة السمائية.

وفى كتاب (الأصول الأرثوذكسية الآبائية.. ج2) ص 24:

يقولون "عجيب! ها نحن نشرب اللاهوت، طبعاً سرائرياً، ونحن نشرب الدم المحيى حسب النعمة".

وهذا جيب حقاً، فاللاهوت لا يؤكل ولا يُشرب. ولكن السرائر الإلهية فى سر الإفخارستيا، لا تعطى لنا للاشتراك فى اللاهوت، حاشا! وإنما تُعطى "خلاصاً، وغفراناً للخطايا، وحياة أبدية لمن يتناول منه" وكذلك "طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا" كما نقول فى القداس الإلهى.

وإن كان المتناول يشرب اللاهوت، فماذا عن الذين يتناولون بغير استحقاق؟! (1كو 11).

وإن كان المتناول يأكل ويشرب اللاهوت، فلا شك أنه يخرج من التناول وقد صار إلهاً. ولا يسجد للأسرار المقدسة، إنما يسجد الناس له!

وإن كانوا يحتجون بالاتحاد بين اللاهوت والناسوت، فهذا لا يعنى أن الإنسان يأكل اللاهوت! وأمامنا مثل الدم: يقول الكتاب: نفس الجسد هى فى الدم "(لا 17: 11، 14). فالذى يأكل أو يشرب الدم، لا يأكل النفس معه..

(8) هل الله صار إنساناً لكى يصير الإنسان إلهاً؟!

لو آخذت هذه العبارة على ظاهرها، لكان غرض التجسد هو تأليه الإنسان!! بينما المعروف أن الله صار إنساناً لفداء الإنسان وليس لتأليهه. وهذا واضح جداً فى كتاب تجسد الكلمة للقديس أثناسيوس. وواضح أيضاً من قول الرسول عن الآب أنه "أرسل ابنه كفارة لخطايانا" (1يو 4: 10).

لذلك أرى أن نقول إن الله صار ابناً للإنسان، لكى يصير الإنسان إبناً لله. مع بقاء الفداء السبب الأساسى للتجسد..

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

إتحاد اللاهوت بالناسُوت

فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟

المحتويات
المحتويات