هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .
جدول المحتويات
- (1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى
- (2) حَوْل العقوبَة
- (3) مبدأ الدينونة والعقوبة
- (4) اللعنَة كعقوبَة إلهيَّة
- (5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!
- (6) معنى “أشتريتم بثمن”
- (7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه
- فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟
- فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟
- فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
- فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
- فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟
- شركاء الطبيعة الإلهيّة؟
- إتحاد اللاهوت بالناسُوت
- فى اللاهوت المقارن: (6)النقد الكتابى Biblical Criticism
- حَول كتاب: الإنسَان والخطية رسالة سلام للنفس المتعبة
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب
إتحاد اللاهوت بالناسُوت
مقدمة
لما كان بعض من المنادين بتأليه الإنسان (!!) لا يدركون تماماً طبيعة الاتحاد بين اللاهوت والناسوت فى تجسد السيد المسيح له المجد، لذلك رأيت أن أكتب هذا المقال لأوضح الحقيقة لهم، وأيضاً لكى لا يكونوا حكماء فى أعين أنفسهم.
كلنا نؤمن باتحاد اللاهوت بالناسوت اتحاداً لم يفارقه لحظة واحدة ولا طرفة عين. ونؤمن أن هذا الاتحاد قد تم بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فما معنى عبارة (بلا تغيير)؟ معناها أن اللاهوت لم يتغير ليصير ناسوتاً، بل احتفظ بكل صفاته وخصائصه. وهكذا الناسوت أيضاً لم يتغير ليصير لاهوتاً.
وسنضرب أمثلة عديدة لتوضيح هذه النقطة:
على الرغم من اتحاد اللاهوت بالناسوت فى تجسد السيد المسيح، إلا أنا نلاحظ ما يأتى:
- اللاهوت لا ينمو ولا يتصوى.
- اللاهوت لا ينتقل من مكان إلى آخر.
- اللاهوت لا يصعد إلى السماء، ولا يرتفع عن الأرض.
- اللاهوت لا ينعس ولا ينام.
- اللاهوت لا يتعب ولا يتألم.
- اللاهوت لا يجوع ولا يعَطش.
- اللاهوت لا يموت.
- اللاهوت لا يُؤكل ولا يُشرب.
(1) قيل عَن الناسوت انه كان ينمو:
وهكذا قيل عن السيد المسيح فى طفولته "وأما يسوع فكان يتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52). وقيل عنه أيضاً "وكان الصبى ينمو ويتقوى بالروح ممتلئاً حكمة.." (لو 2: 40).
هو بالناسوت كان ينمو، أما اللاهوت فمن المستحيل أن ينمو، لأنه فى قمة الكمال على الدوام أو فى الكمال المطلق.
اللاهوت متحد بالناسوت لا ينفصل عنه لحظة واحدة. ومع ذلك يُقال عن الناسوت ينمو، واللاهوت لا ينمو. لأنه من خاصية اللاهوت عدم النمو. ف لايحسب أحد فى جهل أن اختلاف اللاهوت عن الناسوت فى موضوع النمو وهو انفصال بين اللاهوت والناسوت!!
(2) قيل عن السيد المسيح أنه جاء إلى العالم بالجسد وفارقه بالجسد:
وهو قال لتلاميذه "خرجت من عند الآب، وأتيت إلى العالم. وأيضاً أترك العالم واذهب إلى الآب" (يو 16: 28).
طبعاً عبارة "أتيت إلى العالم" تنطبق على الناسوت فقط. أما من جهة اللاهوت، فقيل عنه "فى العالم كان، والعالم به كوّن" (يو 1: 10). وبنفس الفهم اللاهوتى نتناول عبارة "أترك العالم" فالسيد المسيح قالها من جهة الجسد. أما من جهة اللاهوت، فقال "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20). وقال أيضاً "حيثما اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمى، فهناك أكون فى وسطهم" (مت 18: 20).
فليس هناك تناقض بين عبارة "أترك العالم" وعبارة "أنا معكم" "فى وسطكم". وإنما إحداهما قيلت فى الناسوت، والأخرى عن اللاهوت، دون أى انفصال بين اللاهوت والناسوت...
لذلك حذار أيها الأبناء، فالسيد المسيح يقول "تضلون إذ لا تعرفون الكتب" (مت 22: 29).
(3) السيد المسيح قيل أنه صَعد إلى السَماء بالجَسد:
وهكذا ورد عنه فى القداس الغريغورى "وعند صعودك إلى السماء جسدياً". وكذا أيضاً قيل عنه فى الاصحاح الأول من سفر الأعمال (1: 9 - 11) إنه ارتفع وأخذته سحابه عن أعينهم، وأنه ارتفع عنهم إلى السماء، منطلقاً إلى السماء..
أما اللاهوت، فإنه لا يرتفع إلى السماء ولا يصعد.
إنه موجود فى السماء، وفى الأرض، وما بينهما. ولا ينتقل من مكان إلى مكان، لأنه موجود فى كل مكان، فى نفس الوقت..
فإن قيل عن الناسوت إنه صعد جسدياً، وقيل عن اللاهوت إنه لا يصعد، فلا يعنى هذا إطلاقاً انفصال اللاهوت عن الناسوت! فلا شك أن السيد المسيح حينما صعد إلى السماء بالجسد، كان لاهوته متحداً بناسوته بغير انفصال. ولكن نُسب الصعود إلى الناسوت فقط، لأن الصعود ليس من خواص اللاهوت الموجود فى كل مكان...
ومن له أذنان للسمع فليسمع...
(4) قيل عن المسيح – فى أكثر من موضع – أنه نام:
حدث هذا عندما كان فى السفينة وحدث اضطراب عظيم فى البحر حتى غطت الأمواج السفينة "وكان هو نائماً. فتقدم إليه تلاميذه وأيقظوه قائلين: يا سيد نجنا، فإننا نهلك" (مر 4: 37، 38).
ووردت قصة نومه فى السفينة فى إنجيل لوقا أيضاً (لو 8: 23، 24).
ولا شك أن هذا النوم قيل عن الناسوت فقط، لأن اللاهوت "لا ينعس ولا ينام" (مز 121: 4).
ومع أن النوم كان خاصاً بناسوته فقط وليس بلاهوته، إلا أن لاهوته كان متحداً تماماً بناسوته، بدليل أنه قام وانتهر الريح، وبسلطان قال للبحر اسكت إبكمز فسكنت الريح وصار هدوء عظيم. وقال بعضهم لبعض: من هو هذا؟ فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه "(مر 4: 39 - 41).
هنا اللاهوت متحد بالناسوت بلا انفصال. ولكن نُسب النوم والاستيقاظ إلى الناسوت فقط. لأن النوم ليس من خاصية اللاهوت. ومن له أذنان للسمع فليسمع.
(5) قيل عن ناسوت السيد المسيح أنه جاع وأنه عطش:
فقد قيل فى صومه أربعين يوماً على جبل التجربة إنه "لم يأكل شيئاً فى تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيراً" (لو 4: 2). وورد ذلك أيضاً فى إنجيل متى إنه "بعدما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة، جاع أخيراً" (مت 4: 2).
هو جاع بناسوته، وجُرّب بناسوته، مع أن لاهوته متحد به، بدليل أنه لما انتهر الشيطان وقال له اذهب يا شيطان، ذهب "وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه" (مت 4: 10، 11).
ومع ذلك فالجوع يُنسب إلى الناسوت، لأن الجوع ليس من خواص اللاهوت. وكون اللاهوت لم يشترك فى الجوع، إلا أن هذا لا يعنى إطلاقاً انفصاله عن الناسوت..
ونفس الكلام يُقال عن عطش السيد المسيح. فهو على الصليب قال "أنا عطشان" (يو 19: 28).
إن اللاهوت لا يجوع ولا يعطش. وبالتالى لا يأكل ولا يشرب. وهذا لا يمنع أبداً إنه متحد بالناسوت لا ينفصل عنه لحظة واحدة ولا طرفة عين. ولكن له خواصه وصفاته التى لم يفقدها فى اتحاده بالناسوت...
(6) والسيد المسيح قيل عنه أيضاً أنه تعب:
وفى قصة لقائه مع المرأة السامرية قيل عنه "وإذ كان يسوع قد تعب من السفر، جلس هكذا على البئر" (يو 4: 6).
واللاهوت لا يتعب. ولا شك أن المسيح تعب بالجسد، مع اتحاده باللاهوت.
واللاهوت – فى اتحاده بالناسوت – لم يمنع عنه خواص الجسد، ولا ضعفاته من حيث التعب والألم، والجوع والعطش، والحاجة إلى الراحة وإلى النوم. ولم يمنع عنه الحاجة إلى الأكل والشرب.. ذلك لأنه شابه طبيعتنا فى كل شئ ما عدا الخطية.
(7) قيل عن السيد المسيح أنه تألمّ. وَهذه عقيدة:
هو نفسه قال لتلاميذه قبل الصليب "إنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم، ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل وفى اليوم الثالث يقوم" (مت 16: 21). وبعد القيامة لتلاميذه: "هكذا هو مكتوب، وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث" (لو 24: 46). وقيل عنه فى الرسالة إلى العبرانيين إنه تألم خارج الباب (عب 13: 12). وأنه "فيما هو قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين" (عب 2: 18). والآيات عن آلامه كثيرة جداً، وتشمل اللطم والجلد والصليب والمسامير والشوك، وأموراً أخرى كثيرة كما فى مزمور (22: 7 - 18).
ومع كل ذلك، فاللاهوت لا يتألم. ومن يقول بآلام للاهوت يقع فى هرطقة. وفى كل آلام المسيح كان لاهوته متحداً بناسوته لم ينفصل عنه لحظة واحدة ولا طرفة عين.
(8) والمسيح أيضاً مَات. مات بناسُوته أما اللاهوت فإنه لا يموت:
ومع كل ذلك ففى موته كان متحداُ باللاهوت لم ينفصل عنه.
ونحن نقول له فى قطع الساعة التاسعة "يا من ذاق الموت بالجسد فى وقت الساعة التاسعة..". ونقول فى القسمة السريانية عن موت المسيح "انفصلت نفسه عن جسده. ولاهوته لم ينفصل قط عن نفسه ولا عن جسده".
إن الموت من خواص الناسوت، وليس من خواص اللاهوت. وكونه ليس من خواص اللاهوت، فهذا لا يعنى إطلاقاً انفصاله عن الناسوت.
على الرغم من اتحاد اللاهوت بالناسوت، فإن اللاهوت احتفظ بخواصه فى أنه لا يتعب، ولا يتألم، ولا يموت، ولا ينمو، ولا يصعد، ولا يعطش، ولا يجوع، ولا ينام.. كما سبق وشرحنا.
(9) وبنفس المنطق نقول فى سفر الإفخارستيا أن اللاهوت لا يؤكل ولا يشرب عَلى الرغم من إتحاد اللاهوت بالناسوت:
وفى تقديم الرب هذا السر لتلاميذه، قال لهم: خذوا كلوا، هذا هو جسدى. خذوا اشربوا، هذا هو دمى (مت 26: 26 - 28) (مر 14: 22 - 24). ولم يذكر إطلاقاً عبارة "لاهوتى".
كذلك قال القديس بولس الرسول "كأس البركة التى نباركها، أليست هى شركة دم المسيح، والخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟" (1كو 10: 15، 16). وهكذا علّم عن شركة فى الجسد والدم، وليس شركة فى اللاهوت كما يقول المنادون بتأليه الإنسان!! حقاً إن للاهوت المسيح لم ينفصل عن ناسوته. ولكن أيضاً إن اللاهوت لا يؤكل ولا يشرب، فهذه إحدى خواصه.
وقد كرر القديس بولس الرسول فى (1كو 11) نفس كلمات الرب فى تسليم هذا السرّ لتلاميذه. ثم قال "إذن أىّ من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق، يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه.. لأن الذى يأكل ويشرب بدون استحقاق، يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب" (1كو 11: 27، 29). ولم يشر إطلاقاً إلى لاهوته وهو يتحدث عن خطورة التناول بدون استحقاق، بل قال "يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه".. واكتفى..
والسيد الرب يقول عن هذا السرّ فى إنجيل يوحنا.
"جسدى مأكل حق. ودمى مشرب حق. من يأكل جسدى ويشرب دمى، يثبت فىّ وأنا فيه" (يو 6: 55، 56). ولم يقل من يأكل ويشرب لاهوتى.
ذلك لأن اللاهوت لا يؤكل ولا يشرب على الرغم من اتحاده بالناسوت. فلا تنادوا بتعاليم غريبة لم ترد فى الكتاب المقدس ولا فى أقوال الآباء!
كما أن الآباء أعطونا مثالاً لاتحاد الناسوت واللاهوت، باتحاد الحديد المحمى بالنار، وباتحاد الروح والجسد.. ومن له أذنان للسمع فليسمع...
أما قول لارب "يثبت فىّ، وأنا فيه" فليس معناه الثبات فى لاهوته! فالذين تناولوا لأول مرة فى العشاء الربانى لم يثبتوا.. فمنهم من خاف وهرب، ومنهم من أنكره ثلاث مرات. وكلهم اختفوا فى العلية هرباً من اليهود..
عبارة "يثبت فىّ وأنا فيه" فسّرها الرب فى إنجيل يوحنا أيضاً حينما قال لرسله "اثبتوا فى محبتى" "إن حفظتم وصاياى تثبتون فى محبتى" (يو 15: 9، 10).. ولم يتكلم عن الثبات فى لاهوته..
نصيحتى لكم يا أبنائى: تواضعوا، ولا تتألهوا. ولا تظنوا فى أنفسكم أنكم قد صرتم أوصياء على الأرثوذكسية أو أوصياء على أقوال الآباء!!.. وتذكروا باستمرار قول الكتاب: قبل الكسر الكبْريَاء وقبل السّقوط تشامخ الروُح (أم 16: 18).
لأننى مازلت حتى الآن متمسكاً بقول الدسقولية "أمحُ الذنب بالتعليم"، ومازلت مشفقاً عليكم.. فليتكم أنتم تشفقون على أنفسكم مما أنتم فيه...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- (1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى
- (2) حَوْل العقوبَة
- (3) مبدأ الدينونة والعقوبة
- (4) اللعنَة كعقوبَة إلهيَّة
- (5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!
- (6) معنى “أشتريتم بثمن”
- (7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه
- فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟
- فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟
- فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
- فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
- فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟
- شركاء الطبيعة الإلهيّة؟
- إتحاد اللاهوت بالناسُوت
- فى اللاهوت المقارن: (6)النقد الكتابى Biblical Criticism
- حَول كتاب: الإنسَان والخطية رسالة سلام للنفس المتعبة
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب