(1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى

هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .

إضغط للذهاب لصفحة التحميل

إضغط هنا لعرض فهرس الكتاب

مقدمة

خطورة هذه البدع الحديثة، إنها تصدر من أشخاص داخل الكنيسة، أو كانوا كذلك. وأيضاً من خطورتها أنهم عبرون بها عن الإيمان الأرثوذكسى!

وأصعب من هذا كله أنهم ينسبون أخطاءهم إلى القديسين. إما بعدم فهم منهم لما يقوله القديسون، أو بسبب سوء ترجمتهم لأقوالهم، أو بلون من الإدعاء على القديسين. والخطورة أيضاً أنهم ينشرون أفكارهم...

وبعض من هؤلاء، فيما يوضح أفكاره، يهاجم الوحى الإلهى!!

بعضهم عاش فى بلاد الغرب، وتأثر بالإنحرافات الفكرية التى فيه. والبعض الآخر، لم يذهب إلى البلاد الغربية، ولكنه قرأ الكتب التى أصدرها كتاب غربيون، وتأثر بها، واعتنقها، وأراد نشر ما يعتنق!

والبعض يحب الرأى الجديد، الغريب، الشاذ. ويرى فى نشره مجداً ذاتياً. له أصبح يعرف ما لا يعرفه غيره!

أو صار يقدّم لقرائه مفهوماً جديداً فيه لون من الإبتكار، وربما لا يكون ابتكاراً إنما مجرد نقل لأفكار معروفة خارج بلادنا، ولا تجد من يرد عليها هناك.

لذلك كله أرى من الواجب أن نكشف هذه الأفكار الغريبة، ونرد عليها. حتى لا يصبح ناشروها حكماء فى أعين أنفسهم (أم 26: 5).

ولما كان هؤلاء – بأخطائهم – يخشون العقوبة، لذلك بدأوا يهاجمون مبدأ العقوبة بوجه عام، حتى لو صدرت من الله نفسه!!

وأصبحت عبارة (العدل الإلهى) ثقيلة على آذانهم. حتى أنهم لا يقبلون فى عمل الفداء، ان السيد المسيح رفع العقوبة عنا بصلبه، ليستوفى العدل الإلهى حقه!!

ولهذا أود ان أبدأ بهذه النقطة بالذات، لأنها سوف تتطور بنا إلى اكتشاف أخطاء كثيرة لهذه المجموعة من الكتاب.

البابا شنوده الثالث.

(1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى

يقول احدهم "الله لا يقتص من أحد، لا يقتل أحداً".

"إنما الإنسان يقتص من نفسه، يميت نفسه".

"نعم إن الله يخير الإنسان بين الحياة والموت. والإنسان بحريته قد اختار الموت. ولكنه دائماً يعكس انفعالاته ومعاناته، ناسباً إياها إلى الله نفسه كقاض مرعب..".

ولكن هذه العبارة تحمل العديد من المغالطات، على الرغم من أن الكاتب ينسبها إلى (لويس إفلى). صاحب الفكر مخطئ. وناشر الفكر الخطأ مخطئ بنشره للخطأ دون أن يرد عليه..

فالله قد عاقب كثيرين، منذ البداية فى سفر التكوين.

عاقب آدم وحواء والحية (تك3). وعاقب قايين (تك 4). وعاقب العالم القديم بالطوفان (تك 6، 7). وعاقب أهل سادوم بحرق المدينة (تك 19). وعاقب بناة برج بابل (تك 11) مع عقوبات كثيرة فى سفر التكوين، وفى أسفار أخرى.

ولكن مؤلف الكتاب الذى يقول إنه "أغنسطس فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية" يقول تعليقاً على هذه العقوبات الواردة فى سفر التكوين:

"كاتب سفر التكوين ينسب إلى الله عقوبة الإنسان ومعاناته، كما لو كانت انتقاماً من الله لكرامته، من هذا المخلوق الذى أهانه! ولكن حاشا.

عبارة "كاتب سفر التكوين" ومهاجمته بأنه ينسب إلى الله ما لم يفعل! يدل على عدم إيمان الكاتب بأن سفر التكوين موحى به من الله!! بينما يقول القديس بولس الرسول عن الكتاب المقدس: "كل الكتاب موحى به من الله، ونافع للتعليم.." (2تى 3: 16). ويقول القديس بطرس الرسول عن الكتب الإلهية "لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2بط 1: 21).

فإن كان مؤلف الكتاب لا يؤمن بأن سفر التكوين موحى به من الله، لا يكون مسيحياً، ولا حتى يهودياً. ولا يكون (قارئاً) فى الكنيسة.

وإن كان يؤمن بأن سفر التكوين موحى به من الله، إذن لا يستطيع أن يقول إن الله لم يعاقب أحداً..

فالذين ماتوا بالطوفان، لم يميتوا أنفسهم، بل أماتهم الله.

والذين احترقوا فى سادوم، لم يحرقوا أنفسهم، بل أحرقهم الله.

والذين تبلبلت ألسنتهم فى بابل، لم يبلبلوا هم ألسنتهم، إنما عاقبهم الله بذلك على كبريائهم.

أما إذا قال إن غرقى الطوفان وحرقى سادوم، تسببوا بتصرفاتهم فى موتهم. نقول إن موتهم هو حكم من الله الذى حكم بأن "أجرة الخطية هى موت" (رو 6: 23).

والله هو الذى قال للإنسان فى سفر التثنية "أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر.. فاختر الحياة لكى تحيا" (تث 30: 15، 19).

فإن كان الإنسان بحريته قد اختار الموت. فإنما أختار قصاص الله على الخطية بالموت.

فكيف يقال إذن إن الله لا يقتص من أحد، ولا يميت أحداً؟!

يعود المؤلف فيقول: "إن نتيجة الخطية – أى العودة إلى العدم إلى التراب بالموت – كانت نتيجة طبيعية بحسب الناموس الكونى الذى وضعه الله إن" أجرة الخطية موت ". ولكن ليس الله هو العشماوى منفذ الأحكام، بل الإنسان هو عشماوى نفسه، وهو يقتل نفسه بخطيئته".

وهذا التهكم فى استعمال كلمة (عشماوى) لا يليق بالحديث عن الله. لأن الله بلا شك هو المنفذ الحكم، وإن كانت خطيئة الإنسان هى السبب. فالإنسان هو المتسبب، ولكن الله هو المنفذ.

أما عبارة يعود الإنسان إلى العدم، فهى معتقد شهود يهوه.

فهل يؤمن المؤلف بمعتقد شهود يهوه هذا؟! أما قوله "يعود إلى التراب" فالتراب ليس عدماً من جهة. ومن جهة أخرى: بعد هذا التراب تكون القيامة وحياة الدهر الآتى. وليس فى هذا عدم!

ويعود المؤلف فيقول: إن الله – الذى هو حب وعطاء كله – لا ينتج شراً ولا موتاً "!!

إذن من بيده الموت؟

إن الحياة والموت بيد الله. هو يميت ويحيى.

"له مفاتيح الهاوية والموت" (رؤ 1: 18). وهو الذى قال فى سفر التثنية "أنا أميت واحيى" (تث 32: 39). وهو الذى يصدر الحكم بالموت، كما قال "النفس التى تخطئ هى تموت" (حز 18: 20). فهل حقاً إن الله لا يقتص من أحد؟! عندما أرسل ملاكه فضرب هيرودس فمات، لأنه لم يعط مجداً لله (أع 12: 23). هل لم يكن يقتص من أحد. وإن قلت إن هيرودس قد تسبب بكبريائه فى موت نفسه، فمعنى ذلك أنه عرّض نفسه لحكم الله بالموت...

إن الموت هو حكم الله منذ آذل، إذ قال الرب له: يوم تأكل من الشجرة موتاً تموت "(تك 2: 17).

إذن عقوبة الله وقصاصه كانا منذ البدء، منذ آدم.

يقول المؤلف "إن قصة الخطية الأصلية توضح أن آدم قد تعرى من النعمة بمجرد الأكل. وهذا هو الموت الروحى".

وتعريته من النعمة ألم تكن عقاباً؟ أى أن نعمة الله قد فارقته..

ويزداد المؤلف تطوراً أو تورطاً فى رفض العقوبة الإلهية فيقول:

إن الله برئ من هذا الظلم الذى ينسب العقوبة إليه!!

عجيب هذا الأمر!! ألم يعاقب الله داود على وقوعه فى الزنا والقتل (2صم12)؟! ألم يعاقب الله موسى بعدم دخول ارض الموعد (تث 3: 23 - 27)؟ ألم يعاقب شاول الملك، فقيل عنه "وفارق روح الرب شاول، وبغته روح ردئ من قبل الرب" (1صم 16: 14)؟ ألم يعاقب قورح وداثان وابيرام، ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم (عد 16: 32)؟ ألم يعاقب الرب بنى إسرائيل على ضلالهم، ودفعهم إلى سبى بابل؟ (2مل 21: 12 - 14).

ويعلّق المؤلف على عقوبات العهد القديم بقوله:

"هكذا فهم كتّاب العهد القديم العدالة، كما فهمها التلاميذ حينما طلبوا من الله أن يُنزل ناراً على من لم يقبلوه!!

وعبارة "كتاب العهد القديم" تعنى عدم إيمانه بوحى الكتب المقدسة التى للعهد القديم...

عجيب أن هؤلاء الناس يفرضون فكرهم على الكتب المقدسة وينتقدون أسفار الكتاب التى لا توافقهم، وكأنها من صنع البشر!!

ويحاول المؤلف أن يتحدث عن محبة الله فى إزالة العقوبة، فيتمسك بقولنا فى القداس الغريغورى:

حوّلت لى العقوبة خلاصاً...

ولكن هذه العبارة مع حديثها عن خلاص الله، إلا انها تثبت فى نفس الوقت أنه كانت هناك عقوبة. وطبعاً هذه العقوبة كانت صادرة من الله. وأنها احتاجت إلى عمل الفداء.

ومع أن هذا الفداء ترمز إليه ذبائح العهد القديم، إلا أن المؤلف لم يفهم هذه الذبائح فى معناها الرمزى فيقول فى تهكم:

"أية مسرة أسألكم فى رؤية الذبح وإسالة الدماء التى تصعب رؤيتها إلا من إله ساد قاس لا يسكت إلا إذا أنتقم من عدوه؟!".

والشخص السادى هو الذى يتلذذ بالعنف. وهنا يسأل المؤلف "هل هذا هو الآب السماوى؟! حاشا، إن القراءة السريعة لذبائح اللاويين قد يُفهم منها هذا الفهم الخاطئ...".

عجباً. هل المؤلف لا يعتبرها سادية وقسوة أن يأكل هو لحماً بإسالة دماء هذه الحيوانات. بينما يعتبر السادية والقسوة إن كانت تلك الدماء ترمز إلى دم المسيح فى فدائه للبشرية.

يعوزنى أن أشرح له هذا المعنى، حتى لا يعتبر الله سادياً يتلذذ بإسالة الدماء...

والعجيب أن المؤلف يعتمد على كتابات الملحدين الذين تأثر بهم! ويقدم تلك الكتابات لإثبات فكره ضد العقوبة.

فيقول إن الإلحاد المعاصر نادى بحرية الإنسان وكرامته فى مواجهة إله سادى صوره المسيحيون – ولو عن غير قصد – كما لو كان يريد القصاص لكرامته دائماً... أو إرغام الإنسان على حبه قسراً إن أراد الحياة. لذلك نادى نيتشه الفيلسوف الملحد بأن الله قد مات ليتحرر الإنسان.

ويكرر وصف الله بالسادية. ويتمثل "بما دعاه مونييه بالسادية اللاهوتية وقد وصفها بأنها إذلال الوضع البشرى"!

العَدل والتأديب:

إن عدل الله يقتضى بأنه لا يساوى بين البرئ والمذنب. ويقتضى أن يثاب البرئ ويعاقب المذنب. وقيل عنه فى المجئ الثانى:

"يجازى كل واحد حسب أعماله" (مت 16: 27).

وقيل "الذى يحبه الرب يؤدبه.. فأى ابن لا يؤدبه أبوه؟! ولكن إن كنتم بلا تأديب.. فأنتم نغول لا بنون" (عب 12: 6 - 8). وقد عاقب الرب عالى الكاهن لأنه لم يؤدب أبناءه (1صم 3).

وإن لم توجد العقوبة، يقاد الناس إلى الاستهتار.

وإن لم يتصف الله بالعدل، يكون هذا نقصاً فيه، حاشا!

والذى يحيا بالبر، لا يخاف من عدل الله، بل يسرّ به.

أخيراً: لم اذكر اسم من نشر الأخطاء السابقة وغيرها، لأعطيه فرصة للتوبة. ومن له أذنان للسمع فليسمع.

بدع حديثة.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

(2) حَوْل العقوبَة

المحتويات
المحتويات