هذا الفصل هو جزء من كتاب: بدع حديثة – البابا شنودة الثالث .
جدول المحتويات
- (1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى
- (2) حَوْل العقوبَة
- (3) مبدأ الدينونة والعقوبة
- (4) اللعنَة كعقوبَة إلهيَّة
- (5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!
- (6) معنى “أشتريتم بثمن”
- (7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه
- فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟
- فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟
- فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
- فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
- فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟
- شركاء الطبيعة الإلهيّة؟
- إتحاد اللاهوت بالناسُوت
- فى اللاهوت المقارن: (6)النقد الكتابى Biblical Criticism
- حَول كتاب: الإنسَان والخطية رسالة سلام للنفس المتعبة
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب
فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
هل ألغى الله الناموس والموت وقانون العقوبات؟
هل ألغى الشعار القديم بتميم الوصايا وكل من يخطئ يموت؟!
هل أنهىَ الله على الناموس وعلى الوصايا نهائياً؟!
هل لا يمكن للمسيحى أن يقول: أنا خاطئ؟!
هل غلب الإنسان الموت وكل علاقة بين الخطية والموت؟!
هل نحن نقف أمام الناموس بلا خطيّة؟!
ماذا عن الخلاص المجانى، والبرّ المجانى، والمغفرة المجّانية؟
هل لا أعمال لغفران الخطايا، فالغفران بالنعمة؟
هل النعمة تلغى الأعمال. والله لا يطلب من الإنسان إلا إيمانه؟!
هل كان إيمان أبينا ابراهيم بدون أعمال أياً كانت؟!
هل إن رفعنا وجهنا نحوه، فنحن واصلون واصلون؟!
هل الأعمال هى تجديف على الصليب أو تكميل لعمل المسيح؟!
هل سلك القديس بولس بدون أعمال؟! وهل علّم بذلك؟!
ما حدود (بنا، وفينا، ومعه)؟
هل متنا مع المسيح على الصليب، وقمنا معه؟!
هل حقاً أننا متنا معه الموت الأبدى؟!
وهل نزلنا إلى الهاوية؟ ووفينا العقوبة؟!
هل نحن أعظم من منتصرين، لا سلطان للخطية علينا؟!
وهل صعدنا إلى السموات، عن يمين العظمة؟!
ما معنى عبارة "جلس عن يمين الآب"؟
هل صرنا بلا خطية؟ وتبرأنا؟!
مقدمة
لقد هاجم المؤلف الناموس والأعمال هجوماً شديداً فى كتابه عن بولس الرسول، وشرحه للرسالة إلى روميه. ولكنى لم أجد فى أى كتبه هجوماً على الناموس، مثلما فى شرحه الرسالة إلى غلاطية:
حيث ذكر كيف أنه قد ألغى الناموس، وألغيت الخطية، وألغيت العقوبات، وألغى الموت، وألغيت الوصايا، وألغيت اللعنة. وتحدث عن الخلاص المجانى، والبر المجانى، والمغفرة المجانية، والقداسة المجانية، والخليقة الجديدة المجانية، والحياة الأبدية المجانية..
وتكلم ضد الأعمال وهاجمها. وقال إننا نقف أمام الناموس بلا خطية، فليست له أية قضية ضدنا. وأن الله قد غفر لنا جميع الخطايا السابقة، والخطايا الآتية التى نعملها فى المستقبل..
وقال إن الله لا يطلب من الإنسان إلا إيمانه فقط. وحتى هذا الإيمان هو هبة من الله، والنعمة تلغى الأعمال...
وسوف نوضح هذا الفكر بالتفصيل فى النقاط الآتية، ونناقشه..
لكن قبل أن نذكر مهاجمته للناموس، نود أولاً أن نشرح:
(1) ماذا يعنى الكتاب المقدس بكلمة (الناموس)؟
كلمة ناموس nomos تعنى قانون أو شريعة. وتشمل ضمناً كل أوامر الله ووصاياه وما ورد بهذا الخصوص فى أسفار موسى الخمسة التى يطلق عليها لقب الناموس أو الشريعة.. وكذلك ما ورد من أوامر إلهية فى كتب الأنبياء، وفى العهد الجديد أيضاً.
بعض من أوامر الناموس كان رمزاً حلّ محله المرموز إليه. ومن هذه الرموز الذبائح الحيوانية التى حلت محلها ذبيحة المسيح، ومنها الفصح الذى قيل عنه "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7).
هناك أيضاً أعمال الناموس، كالأعياد القديمة (لا 23) وكالأمور الخاصة بالنجاسات والتطهير. كلها كانت رموزاً. وعنها قال القديس بولس "لا يحكم أحد عليكم فى أكل أو شرب، أو من جهة عيد أو هلال أو سبت. التى هى ظل الأمور العتيدة. وأما الجسد فللمسيح" (كو 2: 16، 17).
أما باقى الناموس، فهو وصايا إلهية تغنى بها داود النبى، فقال "ناموس الرب كامل يرد النفس. شهادات الرب صادقة تصيّر الجاهل حكيماً. وصايا الرب مستقيمة تفرّح القلب.. أحكام الرب حق، عادلة كلها، أشهى من الذهب والأبريز الكثير، وأحلى من العسل وقطر الشهاد" (مز 19: 7 - 10).
وقال إن الرجل البار "فى ناموس الرب مسرته، وفى ناموسه يلهج نهاراً وليلاً" (مز1: 2). ونحن نرتل هذه الكلمات فى صلاة باكر فى كل يوم. كما نرتل فى صلاة نصف الليل، ما ذكره داود النبى أيضاً فى المزمور الكبير (119) عن شهادات الرب وأحكامه وشريعته.. كقوله "سراج لرجلى كلامك ونور لسبيلى" "شريعتك هى لذتى" "بكل قلبى احفظ وصاياك" "سبع مرات فى النهار سبحتك على أحكام عدلك".
بعد كل هذا نضع أمامنا هذا السؤال الخطير:
(2) هل ألغى الله الوصايا وكل أحكام الناموس؟
يقول لنا الرب فى العظة على الجبل: "لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإنى الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل.." (مت 5: 17، 18).
أما مؤلف شرح الرسالة إلى غلاطية فيقول (فى ص 240): "وهكذا بمجئ الإيمان، فتح المسيح سجن الخطايا، وأبطل الخطية بذبيحة نفسه، وأوقف الناموس عن سلطانه الذى كان يأمر بالموت، وألغى قانون العقوبات، وشطب الموت..". ويقول (فى ص 217) "معروف أن كل من يعمل الخطية يموت. فقوة الخطية التى جعلت لها رعبة وشأناً ووجوداً هى عقوبة الموت باعتباره عقوبة الخطية الحتمى. لماذا ألغى الله عقوبة الموت، ألغيت الخطية حتماً. وبالتالى ألغيت كل أحكام الناموس. وبالتالى يكون الناموس قد فقد ضرورته، وبالتالى فقد وجوده، دون أن تمس هيبة كلمة الله".
فكيف يفقد الناموس ضرورته ووجوده وأحكامه، دون أن تمس هيبة كلمة الله، بينما الناموس هو كلمة الله؟! أليس فى هذا تناقض؟!
ويقول المؤلف (فى ص 210) من تفسيره لروميه "صار منذ الآن لا ناموس بالمرة، بل فكاك وقطع ربط".
بعد كل هذا يمكننا أن نسأل:
(3) هل أُلغيت الخطية؟ وهل أُلغيت عقوبة الموت؟
الخطية لم تلغ. فالقديس بولس الرسول نفسه يقول "إنى أصادق الناموس إنه حسن. فالآن لست بعد أفعل ذلك، بل الخطية الساكنة فى" (رو 7: 16، 17) "فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة فى" (رو 7: 20). "فإننا نعلم أن الناموس روحى، وأما أنا فجسدى مبيع تحت الخطية" (رو 7: 14). فكيف يُقال "ألغيت الخطية"؟!
والقديس يوحنا يقول فى رسالته الأولى "إن قلنا إنه ليس لنا خطية، نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو 1: 8). والقديس بولس الرسول يقول أيضاً "إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا" (1تى 1: 15).
الخطية إذن موجودة. والموت أيضاً موجود. فكيف يقول المؤلف إن الله ألغى الخطية تماماً وألغى عقوبة الموت؟
عقوبة الموت موجودة، كما ورد فى سفر حزقيال النبى "النفس التى تخطئ هى تموت" (حز 18: 4، 20). فالله لم يلغ عقوبة الموت، لكنه تحمله نيابة عنا على الصليب. والموت الأبدى لا يزال موجوداً كعقوبة للخطاة. وليس هذا تعليم العهد القديم فقط. ولكن ذكر فى العهد الجديد "إن أجرة الخطية هى موت" (رو 6: 23).
ومع ذلك فإن مؤلف (شرح الرسالة إلى غلاطية) يقول:
"فأصبح شعار العهد الجديد هو مغفرة الخطايا، وإعطاء الحياة الأبدية بدم المسيح مجاناً، عوض الشعار القديم بتميم كل الوصايا وكل من يخطئ يموت".
فهل انتهى إذن هذا الشعار القديم، وأصبحنا غير مطالبين بتميم كل الوصايا؟! وهل الموت لم يعد عقوبة الخطية؟! (رو 6: 23).
وهل ألغى قانون العقوبات كما يقول؟!
أمامنا قائمة طويلة فى (1كو 6: 9، 10) عن عقوبة تمنع دخول ملكوت الله. وإشارة أخرى فى (رو 2: 3 - 6) عن عقوبة "من يذخر لنفسه غضباً فى يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة الذى يجازى كل واحد حسب أعماله"..
فهل بعد ذلك يُقال بكل جرأة أن الله ألغى قانون العقوبات، وشطب الموت، وألغى الموت، وأوقف الناموس (ص 240).
وهل إعطاء الحياة الأبدية مجاناً، معناه الإعفاء من التوبة والأعمال الصالحة؟!
فى كل كلام المؤلف عن الخلاص المجانى والبر المجانى، لم يذكر شيئاً عن ضرورة التوبة. وهوذا السيد المسيح يقول "إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون" (لو 13: 3، 5).
فهل أعطاؤنا الفداء مجاناً بدم المسيح، حسب عبارة "متبررين مجاناً بالنعمة"، هل هذا يعنى إغفال التوبة، والوصايا والناموس والأعمال الصالحة؟!
يقول المؤلف فى شرح غلاطية ص 216 "فلكى ينهى الله على الناموس وعلى الوصايا نهائياً، ألغى الخطايا كلها، بل وألغى طبيعة الخطية وقوتها التى هى قوة الناموس. ففقد الناموس. وفقدت الوصايا قوتها أى عملها نهائياً، وبالتالى وجودها".
وهل يعيش المسيحيون حالياً بدون وصايا؟! إذ أنهى الله على الوصايا – كما يقول المؤلف – وفقدت الوصايا قوتها ووجودها!!
وبالتالى هل ألغيت العظة على الجبل وكل تعاليم المسيح؟! وهل كل الوصايا فى (رو 12)، وفى (1كو 13) وفى كل تعليم الرسل القديسين. هوذا السيد المسيح يقول: من يحبنى يحفظ وصاياى. ويقول "من يسمع كلامى ولا يعمل به يشبه بيتاً بنى على الرمل.. فسقط وكان سقوطاً عظيماً" (مت 7: 26، 27). فكيف يُقال إذن أن الله أنهى الوصايا وألغاها؟!
(4) هل الناموس دفع القديس بولس لإرتكاب الجرائم بجنون؟
هكذا يقول المؤلف فى كتابه عن القديس بولس (ص 372) إن "الناموس دفعه إلى ارتكاب أبشع الجرائم". ويقول فى (ص 377) إنه "دفعة لقتل المؤمنين وتعذيبهم واضطهاد الكنيسة بجنون".
ولا شك أن عبارة "أبشع الجرائم" وعبارة "جنون" لا تليقان مطلقاً فى حديثنا عن قديس عظيم كبولس الرسول.
حقاً لإنه اضطهد الكنيسة، وفى ذلك يقول "ولكنى رُحمت لأنى فعلت ذلك بجهل فى عدم إيمان" (1تى 1: 13).
إذن ليس الناموس هو الذى دفع شاول الطرسوسى إلى اضطهاد الكنيسة، حتى يهاجم الناموس، إنما دفعه الجهل وعدم الإيمان.
أى الجهل بقضية الفداء والخلاص، وعدم الإيمان – وقتذاك – بأن يسوع الناصرى هو المسيا الذى يحمل خطايا العالم ويخلصه.
(5) هل الله لا يطلب من الإنسان إلا إيمانه وحده؟
فى شرح لمؤلف الرسالة إلى غلاطية كلام كثير جداً عن النعمة وعن الإيمان، مع تقليل شديد من شأن الأعمال، وكأنه يقول "كله بالنعمة" "كله بالإيمان"..! حسب قوله (فى ص 316) "المسيح لا يطلب الإنسان إلا إيمانه.. وحينئذ يكون فى مجال قوة المسيح الذى يتمم كل شئ. ولا يعود له عمل إلا استيعاب عمل المسيح والفرح به".
على أنه لكى يكون فهمنا لتعليم الكتاب شاملاً، ينبغى أن نضع إلى جوار الإيمان قول القديس يعقوب الرسول "لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت، هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت" (يع 2: 26) "هكذا الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال، ميت فى ذاته" (يع 2: 17). ويقول أيضاً "ما المنفعة يا إخوتى إن قال أحد إن له إيماناً، ولكن ليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟!" (يع 2: 14).
ولكن المؤلف يلغى الأعمال فى حديثه عن النعمة!!
(6) هل النعمة تلغى الأعمال والأعمال تلغى النعمة؟!
إن المؤلف يقول (فى ص 90) من شرحه للرسالة إلى غلاطية:
"إن القديس بولس فى رسالته إلى غلاطية يضع الأساس الراسخ لعمل النعمة، ولعمل الأعمال والتفريق بينهما. حيث تلغى الواحدة منها الأخرى. فالنعمة تلغى الأعمال، وبالتالى الرجعة إلى الأعمال تلغى النعمة. وهذا الخطر الكبير ليس على إيمان أهل غلاطية فقط، بل على إيماننا بنعمة المسيح التى لا تقبل الاستزادة بأى عمل كان، حتى ولا إلى تقطيع الجسد! وقد بلورها القديس بولس فى رسالته إلى رومية هكذا:
"متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح" (رو 3: 24).
"لأنكم بالنعمة مخلّصون، بالإيمان. وذلك ليس منكم. هو عطية الله" (أف 2: 8).
لذلك فإن قول القديس بولس فى رسالته إلى غلاطية "قد تبطلتم عن المسيح أيها الذين تتبررون بالناموس. سقطتم عن النعمة" (غل 5: 4) يعتبر أساس إنجيل القديس بولس الذى بشر بين اليهود والأمم سواء بسواء، وبالتالى أساس كل الرسائل ".
(7) ما هو الشرح السليم لتعليم القديس بولس؟
إن القديس بولس فى قوله "متبررين مجاناً بنعمته" وقوله "لأنكم بالنعمة مخلّصون" يقصد الفداء، الذى لا يحل العمل البشرى محله. ولذلك قال "متبررين مجاناً بنعمته، بالفداء الذى بيسوع المسيح".
وقوله "لأنكم بالنعمة مخلّصون، بالإيمان.." يقصد بالإيمان بالفداء بعمل المسيح على الصليب. وهذا الفداء ليس منكم، بل هو عطية الله.
ولكن مجرد الإيمان بالفداء، لابد ان تتبعه أعمال أخرى كالتوبة والمعمودية والأعمال الصالحة والسلوك بالروح.
فاليهود عندما عملت فيهم النعمة يوم الخمسين، ونخسوا فى قلوبهم وآمنوا، لم يكتفوا بالإيمان والنعمة، وإنما قالوا للرسل "ماذا نصنع أيها الرجال الأخوة؟" فأجابهم القديس بطرس الرسول "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 2: 37، 38). ولم يقل لهم "المسيح لا يريد من الإنسان إلا إيمانه" كما يقول المؤلف (فى ص 316).
بل إن السيد المسيح نفسه يقول فى آخر إنجيل مرقس "من آمن واعتمد، خلص" (مر 16: 16). كما يقول عن التوبة "إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون".
إن الإيمان هو الخطوة الأولى، التى يجب أن تتبعها خطوات أخرى.
ولكن المؤلف يتحدث حتى عن خلاص الفاجر والمستبيح.
(8) هل يمكن أن يتبّرر الفاجر أمام الله؟
يقول المؤلف (فى ص 89) من شرح نفس الرسالة:
"ولكن دعوة الله بنعمة المسيح تعنى مباشرة وبقوة إلى فعل خلاصى يتم أو قد تم بموت المسيح الفدائى. لكى يسرى هذا الفعل الفدائى فى الفاجر وغير المستحق والمستبيح، بالإيمان ليبرره ببر الله. فيتبرر الفاجر فى عين الله ويتصالح ويقبل التبنى! فإن كان الله قد دعاهم بنعمة المسيح فقد دخلوا فى بر الله الكامل حيث لا يمكن أن يزاد بر الله بالأعمال، وإلا فالاتكال على الأعمال يلغى بر الله".
وواضح أن الله لا يبرر الفاجر إلا إذا تاب.
وكما قال معلمنا القديس بطرس الرسول "إن كان البار بالجهد يخلص، فالفاجر والخاطئ أين يظهران؟!" (1بط 4: 18). والقديس بولس الرسول نفسه يقول فى رسالته إلى روميه "لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم" (رو 1: 18) ويقول فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس إن أمثال هؤلاء لا يرثون ملكوت الله (1كو 6: 9، 10).
ولكن المؤلف – للأسف الشديد – فى كل ذلك الموضوع، لا يأتى بأى ذكر للتوبة كشرط لقبول الفاجر، بل يزيد بتبرير المستبيح وغير المستحق. وعبارة (غير المستحق) خطيرة. لأنه بدون التوبة يكون كل خاطئ غير مستحق للتبرير، فكم بالأكثر المستبيح!
(9) ما حدود كلمة (مجاناً) فى كتابات المؤلف؟
إنه يركز على كلمة (مجاناً) فى عبارة "متبررين مجاناً بنعمته" (رو 3: 24) وذلك (فى ص 30). ويضيف إليها ما رود فى (أف: 8، 9) "لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان.. ليس من أعمال كى لا يفتخر أحد". ومع أن بعدها "لأن نحن عمله مخلوقين فى المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكى نسلك فيها" (أف 2: 10). إلا أن المؤلف يركز على كلمة (مجاناً) ويقول:
"حيث كلمة (مجاناً) قادرة فى حد ذاتها أن ترد كل يائس من خلاصه ليقوم ويكرز بالخلاص المجانى..".
ويقول (فى ص 26) "نعمة المسيح وهبت لك الحياة الأبدية مجاناً، فامسك بالنعمة وتمسك بها، وراهن عليها. إنها قادرة بحد ذاتها أن تورثك الحياة الأبدية. النعمة تسجلت فى السماء لحسابك يوم آمنت بالمسيح. فلا تن أنك تحتاج لشئ أو لأحد ليحدرها لك من السماء.. هكذا تعلن رسالة غلاطية عن صراخ النعمة فى وجه الإنسان المسيحى: اقبل الحرية التى حررك بها المسيح لتحيا لله".
نبحث الآن المقصود بكلمة (مجاناً):
المسيح قدّم الفداء بدمه (مجاناً). ولكن بشروط:
الشرط الأول هو الإيمان. كما يقول الإنجيل "لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). ويقول أيضاً "الذى يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذى لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله" (يو 3: 26).
فما معنى قول المؤلف (ص 26) إن نعمة المسيح وهبت لك الحياة الأبدية مجاناً. ومن جهة الإيمان يقول فى (ص 55):
"هكذا لا يوجد عمل فى الوجود يمكن أن يؤهلنا لعطية الإيمان، أو يجعلنا مستحقين لنعمة المسيح. فالإيمان عطية، والنعمة هى استحقاق لكل من يؤمن".
فإن كان الإيمان عطية، فما ميزة المؤمن على غير المؤمن، إن كان لا يوجد عمل فى الوجود يؤهله لعطية الإيمان؟
والشرطان الثانى والثالث هما التوبة والمعمودية، كما قال القديس بطرس الرسول يوم الخمسين "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا.." (أع 2: 38).
والشرط الرابع هو الأعمال الصالحة والسلوك بالروح. حسب قول القديس بولس الرسول "لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم فى المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو 8: 1). وحسب قول يعقوب الرسول "إن الإيمان بدون أعمال ميت" (يع 2: 17، 20).
ولا شك أن هذه الشروط الأربعة كلها أعمال..
ولكن المؤلف يقول (فى ص 47) فى شرحه لرسالة غلاطية:
"فهل يحتاج إنجيل المسيح إلى تكميل من أى نوع، سواء بأعمال الناموس أو غيرها؟ بكل الصدق واليقين فإن عمل المسيح هو إلهى فائق لا يزاد عليه، ولا يحتاج إلى تكميل بشرى من أى نوع. وإلا يحسب بأن عمل ابن الله ناقص يحتاج إلى التكميل بأعمال الإنسان، سواء بأمر الناموس القديم، أو بوازع الضمير الناقص المتشكك. وهذا يعتبر أنه خروج عن الإنجيل الحقيقى أو حق الإنجيل أو يعتبر كأنه إنجيل آخر!!".
"فإذا ارتد الإنسان المفدى والقابل للخلاص عن إنجيل خلاصه نحو أعمال الناموس أو أعمال الفكر أو الضمير أو الجسد كأنها ضرورة لتكميل خلاصه، فإنه يكون قد خرج عن حدود حق الإنجيل، وبالتالى قد سقط من نعمة الإيمان بالمسيح كما يقول القديس بولس فى نفس الرسالة".
"فإن تحول نحو أعمال الناموس أو أى أعمال أخرى كأنها ضرورية للخلاص، يعتبرها بولس الرسول سقوطاً من النعمة، وبالتالى من الإيمان بالمسيح وبأعمال المسيح الفدائية" (غل 5: 4).
"لا يوجد على الذين آمنوا بالمسيح وبأعماله الفدائية من آلام وموت، أن يعملوا أى عمل كبير أو صغير ليضيفوا على إيمانهم بالمسيح وبأعماله استحقاقاً لغفران خطايا أو لخلاص..".
(10) هناك فرق بين عمل الفداء وإستحقاق الفداء.
عمل الفداء قام به السيد المسيح وحده. هذا أمر لا مزايدة فيه.
ولكن هل كل الناس انتفعوا بهذا الفداء العظيم؟! هوذا القديس بولس الرسول يقول: "كيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره؟!" (عب 2: 3).
وماذا عن الذين آمنوا وسلكوا فى الخطية ولم يتوبوا! وماذا عن الذين آمنوا بالفداء وتناولوا جسدا الرب ودمه بغير استحقاق، فتناولوا بذلك دينونة لأنفسهم! (1كو 11: 29). وماذا عن الذين آمنوا، وكان يذكرهم القديس بولس فى رسائله، ثم عاد يقول "لأن كثيرين ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً، وهم أعداء صليب المسيح، الذين نهايتهم الهلاك، الذين إلههم بطنهم، ومجدهم فى خزيهم، الذين يفتكرون فى الأرضيات" (فى 3: 18، 19).
وماذا عن الذين آمنوا، وصاروا من رعاة الكنيسة وقادتها، وأخطأوا فى العقيدة، وحرمتهم المجامع المقدسة؟! هل استحق أولئك دم الفادى؟!.
كيف بعد كل ذلك لا نتكلم عن أهمية الأعمال، بينما الله سوف يأتى فى مجده، ليجازى كل واحد حسب عمله (مت 16: 27) خيراً كان أم شراً (2كو 5: 10).
ونلاحظ فيما ذكره المؤلف ص 47 إنه لم يهاجم أعمال الناموس فقط كالختان والسبت والفرائض اليهودية (كو 2: 16، 17)، إنما كل عمل صغيراً كان أم كبيراً، سواءً من أعمال الفكر أو الضمير أو الجسد!! وقال إنها إنجيل آخر، أو خروج عن حق الإنجيل. وكأنها تكميل لعمل المسيح الفدائى وليس استحقاقاً.
ليتنا نتذكر – إلى جوار الإيمان – ما قيل عن يوم الدينونة الرهيب إن الرب سيطرد أولئك الذين لم يطعموا الجائع، ولم يسقوا العطشان، ولم يزوروا المريض، مع أنهم قالوا له "يا رب" (مت 25: 37). ولكنهم ذهبوا إلى عذاب أبدى (مت 25: 46).
وليتنا نذكر العذارى الجاهلات اللائى أغلق أمامهن باب الرب فلم يدخلن مع إنهن كن مؤمنات، وكن ينتظرن العريس، وقلن له "يا ربنا يا ربنا، افتح لنا" (مت 25: 11). ومشكلتهن أنهن لم يأخذن معهن زيتاً.
أما الاتهام بأن الأعمال هى تكميل لعمل المسيح فى الخلاص. فمع أن الأعمال هى لمجرد الاستحقاق.. فإننا نضع إلى جوارها قول الرسول بولس نفسه:
"تمموا خلاصكم بخوف ورعدة" (فى 2: 12).
إن الخلاص الذى قدمه الرب على الصليب، نحتاج أن نتممه فى حياتنا العملية حسب تعليم هذا الرسول الذى نادى بالخلاص المجانى!
ليس بالشركة فى آلام المسيح الفادية!، كما ذكر المؤلف فى بعض كتاباته الأخرى، إنما بمداومة التوبة، والحرص، والاجتهاد، ومقاومة الخطية وعدو الخير، والاستمرار فى السهر الروحى.. وكلها أعمال.
(11) كيف نتمم خلاصنا حسب تعليم الكتابظ
نتممه بأعمال التوبة، حسب تحذير الرب فى قوله مرتين "إن لم تتوبوا، فجميعكم كذلك تهلكون" (لو 13: 3، 5). وحسب قول سفر الأعمال إن الله أعطى الأمم التوبة للحياة (أع 11: 18).
والتوبة تحتاج إلى جهاد وسهر روحى ومقاومة للشيطان. كما يقول القديس بطرس الرسول "فاصحوا واسهروا، لأن إبليس خصمكم كأسد يزأر، يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الإيمان، عالمين أن نفس هذه الآلام تجرى على أخوتكم الذين فى العالم" (1بط 5: 8، 9).
ومثلما وبخ القديس بولس الرسول العبرانيين قائلاً "لم تقاوموا بعد حتى الدم، مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4).
وعن السهر قال الرب "طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين" (لو 12: 37) "لتكن أحقاؤكم ممنطقة، وسرجكم موقدة" "كونوا مستعدين، لأنكم لا تعرفون فى أية ساعة يأتى ابن الإنسان" (لو 12: 35، 40).
ومع كل ذلك فإن المؤلف يقول فى (ص 179) من شرحه للرسالة إلى غلاطية:
"يتحتم على الإنسان أن يخلع ما ترسّب فى ذهنه هذه السنين بل هذه الأجيال من حاجته الملحة لإسترضاء الله بالأعمال". ويقول أيضاً: "أفلا يحسب الإنسان المسيحى، الذى آمن بالمسيح، ونال البر والغفران المجانى، ودخل مع الله فى مصالحة وشركة حياة أبدية، ألا يحسب أنه يجدف على الصليب والغفران المسيحى المجانى، بل ويستهزئ بالإيمان المسيحى، إن هو ظن أن بالأعمال التى يعملها مثل الصوم أو الصدقة، والسهر وقرع الصدر، والسجود والتواضع، والتذلل حتى التراب، يتبرر أمام الله أو يتزكى بها لدى الله ويتقرب؟! لأن الإنسان لا يتبرر بأعمال قط، بل يتبرر بالإيمان بالمسيح. والإيمان بالمسيح يتزكى فقط أمام الله" الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتمونى وآمنتم أنى من عند الله خرجت "(يو 16: 27).
عجيب أن كل هذا الجهاد رخيص أمام المؤلف!! ماذا إذن عن الجهاد الرهبانى، والمطانيات، وسهر الليالى، وما نقرأه فى قصص آباء البرية وجهادهم؟! وماذا عن صومنا ومطانياتنا فى هذا الصوم الكبير؟! وماذا عن نسك وجهاد أهل نينوى الذى أرضوا به الله، فرفع غضبه عنهم!!
لاحظوا أنه فى الفقرات السابقة لم يكن يتكلم عن أعمال الناموس والفرائض اليهودية، إنما حتى عن عبادتنا الحالية...
(12) هل ينطبق هذا الكلام على تعليم بولس الرسول وحياته؟
عجيب أن يقول المؤلف تلك العبارة فى شرحه رسالة للقديس بولس الرسول الذى قال "أقمع جسدى وأستعبده، حتى بعدما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" (1كو 9: 27). كيف أيها القديس العظيم المتواضع تقمع جسدك وتستعبده؟! ألم تنل الخلاص المجانى والبر المجانى بإيمانك بالمسيح؟! ما معنى عبارة حتى لا أصير أنا نفسى مرفوضاً.
وعن الجهاد يقول القديس بولس الرسول فى آخر أيامه "جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعى، حفظت الإيمان. وأخيراً قد وضع لى إكليل البر الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل.." (2تى 7، 8). لم يقل نلت بر الله وبر المسيح يوم آمنت، إنما قيل إن إكليل البر يوهب له فى ذلك اليوم، فى اليوم الأخير.
أما من خلال حياته وجهاده فيقول "أسعى لعلى أدرك الذى لأجله أدركنى المسيح" "أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت. ولكنى أفعل شيئاً واحداً، إذ أنا أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض" (فى 3: 12 - 14).
اقتبس كلماته هذه، لأذكّر بها الذين يقولون إنهم صعدوا إلى السماويات مع المسيح وجلسوا عن يمين العظمة فى الأعالى "!!
وأذكّر بها أيضاً الذين ينادون بتأليه الإنسان!!
فالقديس بولس بعد كلماته التى ذكرناها، يقول "فليفتكر هذا جميع الكاملين منا" (فى 3: 15). وليس فقط يدعو المؤمنين إلى السعى، بل يقول "أركضوا لكى تنالوا" "وكل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ" (1كو 9: 24، 25).
هل نقول له: عفواً أيها القديس العظيم، ما لزوم أن نركض وأن نجاهد، وأن نضبط أنفسنا؟! ألم ننل البر المجانى كعطية من الله حسب شرح رسالتك إلى غلاطية؟! ومن له أذنان للسمع فليسمع.
هنا ويواجهنا سؤال عن أبينا إبراهيم:
(13) هل كان إيمان أبينا إبراهيم بدون أعمال؟!
ربما تكون الدعوة قد أتته مجاناً (تك 12: 1 - 3)، هذا إذا لم نتكلم بالتفصيل عن استعداده القلبى السابق، الذى جعله يترك أهله وعشيرته وبيت أبيه وبمجرد أن دُعى أطاع فخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب (عب 11: 8).
ولكن المؤلف يقول (فى ص 223) "وهكذا كان إيمان إبراهيم بالله بدون أعمال أياً كانت" "لذلك بدأ الله العهد مع إبراهيم بدون س ابق وصايا أو شروط، وكأنها مع البشرية كلها فيه مجاناً". ويستنتج المؤلف من هذا فيقول:
"وهنا تكمن الخطية أن يثق الإنسان بنشاطه، وعمل يديه فى تكميل وصايا جسدية فوق هبة الله الممنوحة بالإيمان مجاناً بدون عمل أو نشاط جسدى من جهة الإنسان" ويستطرد المؤلف فيقول (فى ص 223، ص 224):
"كيف هذا؟! إن الكتاب يحدثنا كيف أن أبانا إبراهيم منذ بدء دعوته، لم يفارقه المذبح فى كل موضع ينتقل إليه (تك 12)، دليلاً لعبادته، ولم يفارقه الخيمة كدليل لحياة الغربة التى عاشها. ولم يفارقه النسك الذى به ترك للوط أكثر الأراضى عشباً وغنى، وأخذ هو ما فضل عن لوط (تك 13). كذلك لم تفارقه حياة الطاعة التى أخذ بها ابنه وحيده ليقدمه محرقة لله (تك 22).
هل ننكر كل هذه الفضائل، ونجرد إبراهيم أباً الآباء من كل أعماله؟! أما الدعوة التى أتته مجاناً، فنضع أمامها قول القديس بولس الرسول عن الرب والمدعوين حسب قصده: "لأن الذين سبق فعرفهم، سبق فعينهم.. والذين سبق فعينهم، فهؤلاء دعاهم أيضاً" (رو 8: 29، 30).
إن الله كان يعرف قلب إبراهيم قبل أن يختاره ويدعوه.. فلا داعى إذن لأن يقول عن العهد بين الله وإبراهيم "هذا هو العهد المجانى القائم على الإيمان بالله دون أعمال أو وصايا" (ص 224).
يقول المؤلف أيضاً (فى ص 216) من شرحه الرسالة إلى غلاطية:
"إبراهيم كان يحيا بالإيمان مع الله. فلما دخل الناموس على أولاده، توقف الإيمان وبركاته. وبدأت أعمال الناموس للتعليم مع لعناتته"..
إن الناموس أعطى بواسطة موسى النبى (وهو من أولاد إبراهيم). فهل توقف الإيمان أيام موسى، مع كل المعجزات التى أجراها الله على يديه؟! أم كان هناك عمق الايمان الذى شق البحر الأحمر، واجتاز الشعب فى داخله؟! وكذلك الإيمان الذى عاش به الشعب على المن والسلوى مدى أربعين سنة "لكى يعلمهم الرب أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل ما يخرج من فم الرب" (تث 8: 3). وخلال تلك الأربعين سنة ثيابهم لم تبلَ عليهم، وأرجلهم لم تتورم "(تث 8: 4). فهل توقف الإيمان أيام ناموس موسى؟! وهل توقف فى أيام يشوع والسلسلة الطويلة من الأنبياء؟! وهل حلّت اللعنات مع أعمال الناموس كما يقول المؤلف. أم مع اللعنات كانت تقال البركات أيضاً. هما معاً، من على جبل جرزيم للبركة، ومن على جبل عيبال للعنة (تث 27: 12، 13) وما أكثر البركات التى ذكرت فى (تث 28: 1 - 14).
ومعروف أن اللعنات بدأت قبل الناموس بآلاف السنين، كما فى لعنة قايين (تك 4: 11) ولعنة الطوفان التى أصابت الشعب بالإفناء (تك 6).
إن الناموس ليس مرتبطاً دائماً باللعنة كما يرى المؤلف. ولكن الخطية هى المرتبطة باللعنة. والخطية كانت معروفة – بعقوباتها – قبل ناموس موسى، حينما كان الضمير يحل محل الناموس، بأحكامه. ونسميه الشريعة الطبيعية أو الشريعة الأدبية غير المكتوبة.
بعد كل ما قلناه، نسأل سؤالاً هاماً من جهة الأعمال، وهو:
(14) ما لزوم الأعمال وضرورتها ودلالتها؟
أولاً هى ثمرة الإيمان التى تدل على أنه إيمان حى.
والكتاب يقول "كل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً، تقطع وتُلقى فى النار" (مت 3: 10) (مت 7: 19) والثمر هو الأعمال. ويقول الرب فى ذلك "من ثمارهم تعرفونهم" (مت 7: 20). وهكذا يقول معلمنا القديس يعقوب الرسول ".. وأنا أريك بأعمالى إيمانى" (يع 2: 18).
أيضاً الأعمال هى دليل الاستجابة لعمل النعمة، والشركة مع الروح القدس:
فالنعمة تعمل فى الإنسان، ولكن لا ترغمه على عمل الخير، بل لابد أن يعمل الخير بإرادته. فالأعمال إذن دليل على الاستجابة لعمل النعمة. ودليل على أن روح الله حينما عمل فينا، اشتركنا معه. لم نطفئ الروح، ولم نقاوم الروح، ولم نحزن الروح. إنما بأعمالنا دخلنا فى شركة الروح القدس حسب تعليم الكتاب (2كو 13: 14) وحسب بركة الكنيسة.
والأعمال برهان على طاعتنا لوصايا الله.
ويقول السيد الرب: من يسمع كلامى ويعمل به "أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر.." (مت 7: 24، 25). ويقول أيضاً "وأما من عمل وعلم، فهذا يدعى عظيماً فى ملكوت السموات" (مت 5: 19).
(15) ما حدود (بنا، وفينا، ومعه)؟
مشكلة المؤلف أنه بدلاً من أن يعتقد أن السيد المسيح قد تجسد فى جسد بشرى، فإنه يرى أنه تجسد فى جسد بشريتنا، أى بمعنى جسد كل البشر!!
لذلك يرى أنه عندما مات على الصليب، مات بنا، أو مات فينا، أو ماتت كل البشرية معه. وهكذا عندما قام من الأموات قام بنا، وقمنا نحن معه – وهكذا – فى رأيه – أننا موتنا بموت السيد المسيح، وقمنا بقيامته.. ويتطور إلى القول بأننا هبطنا معه إلى الهاوية، وأننا صعدنا معه إلى السموات، ودخلنا إلى الأقداس العليا، وجلسنا عن يمين العظيمة!!!
هذا الكلام واضح فى كتابه عن بولس الرسول، وفى تفسيره الرسالة إلى روميه، وفى تفسيره الرسالة إلى غلاطية، التى نتحدث عنها الآن..
(16) هل نزلنا معه إلى الهاوية، ووفيّنا حكم الموت؟!
إنه يقول (فى ص 59) من شرح الرسالة إلى علاطية:
"لأننا متنا مع المسيح، وقمنا معه. لأنه مات بنا، وقام بنا. بقوة الموت نزلنا إلى الهاوية، وأكملنا أقصى عقوبة وحكم فرض علينا كخطاة ومتعدين. وبقوة القيامة صعدنا وارتفعنا من الجحيم والهاوية، بل ومن الأرض نفسها إلى مجال الله لنحيا معه فى المسيح".
وهنا نذكر تعليقين على كلامه:
1 - هل متنا مع المسيح على الصليب، وقمنا معه من الهاوية؟! أم موتنا وقيامتنا معه كان فى المعمودية، حسب تعليم بولس الرسول نفسه: كما ورد فى الرسالة إلى رومية "أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح، اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت.. لأنه ان كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير ايضاً بقيامته" (رو 6: 3 - 5). كما ورد أيضاً فى الرسالة إلى كولوسى "مدفونين معه فى المعمودية، التى فيها أقمتم أيضاً معه" (كو 2: 12).
فهل متنا معه مرتين: مرة على الصليب، ومرة فى المعمودية؟!
وما لزوم الموت معه فى المعمودية، إن كنا قد متنا معه على الصليب؟!
أما النزول معه إلى الهاوية، فلم يقل به أحد من قبل، وليس له أى هدف لاهوتى! لقد نزل المسيح إلى الهاوية ليأخذ منها الراقدين على رجاء وينقلهم إلى الفردوس. فما لزوم أن ننزل معه نحن إلى الهاوية؟!
2 - أما عبارة "نزلنا إلى الهاوية، وأكملنا أقصى عقوبة وحكم فرض علينا كخطاة ومتعدين"، فهى ضد عقيدة الفداء تماماً.
نحن لم نوفِ حكم الموت المفروض، بل وفاه المسيح عنا.
نحن لم نمت عن خطايانا. وإلا لا يكون هناك فداء.
الفداء معناه أن المسيح قد مات عنا، بدلاً منا، وأنقذنا من الموت وفى ذلك يقول الكتاب "ولكن الله بين محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" "ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه" (رو 5: 8 - 10).
فإن كنا نحن الذين متنا، ونزلنا إلى الهاوية، وأكملنا أقصى عقوبة وحكم فرض علينا – كما يقول الكاتب – إذن فليس هناك فداء!!
وما دمنا قد متنا، وأكملنا أقصى عقوبة وحكم علينا كخطاة ومعتدين، إذن لماذا مات المسيح؟! وما معنى "مات لأجلنا"؟!
وما هو مفهوم الفداء إذن عند الكاتب؟ وما معنى قول الكتاب عن السيد المسيح "مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا" (أش 53: 5)..؟
(17) وهل نحن متنا الموت الأبَدى؟!
يقول الكاتب فى شرحه الرسالة إلى غلاطية (ص 60).
"الذى مات قد تبرأ من الخطية. لماذا؟ لأنه أوفى حكم الله على الخاطئ بالموت الأبدى. ونحن متنا لا بالموت الجسدى العادى بل بالموت الأبدى. وهذا يستحيل أن يحصل عليه إنسان إلا بموت المسيح. فالمسيح مات من أجل خطايانا. ونحن متنا معه من أجل خطايانا.. فموتنا مع المسيح أنشأ لنا تكميل حكم الموت الأبدى. وبذلك قد تبرأنا من الحكم، وبالتالى قد تبرأنا من خطايانا... وهكذا تبرأنا نهائياً من الخطية كفعل قاتل. فأصبح لا سلطان للخطية، ولا لمن له سلطان الإيقاع فى الخطية أى سلطان علينا".
الموت الأبدى ليس موعده فى هذا العالم، إنما موعده بعد الدينونة العامة. كما يقول الكتاب عن يوم الدينونة "فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى، والأبرار إلى حياة أبدية" (مت 25: 46).
التعبير السليم هو: نحن لم نمت الموت الأبدى، إنما نجونا من الموت الأبدى، بموت المسيح عنا..
وبالمثل نقول عن عبارة "تبرأنا من الخطية" وعبارة "نلنا البراءة" التى تكررت كثيراً فى كتابات المؤلف.
نحن لم نتبرأ من الخطية، إنما نلنا عفواً من عقوبة الخطية.
البرئ هو الذى لم يقترف خطية. ونلنا البراءة معناها صرنا أبرياء.. ونحن لسنا أبرياء، بل خطاة، ومحكوم علينا. ولكننا نلنا عفواً إو إعفاء من الحكم الصادر علينا، إذ حمله المسيح نيابة عنا..
ننتقل إلى النقطة التالية الخاصة بسلطان الخطية:
(18) هل نحن أعظم من منتصرين ولا سلطان للخطية علينا؟!
يقول المؤلف (فى ص 60) من شرحه الرسالة إلى غلاطية:
"لأن قوة موتنا، قد صارت فينا عاملة روحياً بصورة دائمة وأبدية. لذلك صرنا بها غالبين كل القوة الشريرة فى العالم. لأن قوة موت المسيح التى اشتركنا فيها أحلتنا من كل خطية وكل لوم. فلم يعد للشيطان أو أى قوة شريرة مدخلاً لها فينا. لأن قو قيامتنا قد صارت فينا عاملة روحياً بصورة دائمة وأبدية. لذلك جعلتنا أعظم من منتصرين. لأنها أخرجتنا نهائياً من مجال الصراع مع العدو. إذ وضعتنا فى مجال الله فى المسيح..".
هل هذا الكلام هو الواقع فى حياتنا العملية؟!
ألسنا نخطئ كل يوم؟! ويقول القديس يوحنا الرسول "إن قلنا إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يو 1: 8).
وفى الصلاة على المنتقلين نقول للرب "لأنه ليس أحد بلا خطية ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض".. ما معنى أن قوة القيامة "أخرجنا نهائياً من مجال الصراع مع العدو" – كما يقول المؤلف – بينما يقول القديس بطرس الرسول "أصحوا واسهروا، لأن أبليس خصمكم كأسد يزأر يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الإيمان.." (1بط 5: 8، 9). والقديس بولس الرسول يوبخ العبرانيين قائلاً "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عب 12: 4). فكيف يقول المؤلف إن قوة القيامة "أخرجتنا نهائياً من مجال الصراع مع العدو"؟!
(19) هل أصبحنا إذن بلا خطية أمام الناموس؟
هوذا المؤلف يقول (فى ص 133) من شرحه الرسالة إلى غلاطية:
"مات ابن الله حاملاً خطايا الإنسان. وهكذا انتهى سلطان الناموس إلى الأبد، ليحيا الإنسان بلا خطية، بإيمان المسيح".
ويقول (فى ص 324) من شرحه الرسالة إلى روميه:
"فالمسيحى يقف مقابل الناموس بدون خطية. إذ ليس عليه خطية. وهنا أيضاً ينتهى سلطان الناموس وإلى الأبد".
ويقول أيضاً "انقطعت صلة المسيحيين بالناموس. ولم تعد له قضايا مرفوعة على أى إنسان".
بل أصعب من هذا كله يقول (فى ص 189) من شرحه الرسالة إلى غلاطية:
"هل يمكن لإنسان مسيحى بعد ذلك أن يقول أنا خاطئ؟".
"أما أنا فأستعير مقولة القديس بولس وأقول: لست أبطل نعمة المسيح. فإن كانت الخطية أقوى من موت المسيح فاحكموا"!
"لقد متّ مع المسيح ثمناً لخطيتى. فما أحياه الآن أحياه فى بر المسيح!! كلا، فلا يوجد إنسان فى الوجود مات ثمناً لخطاياه. إنما قد مات المسيح عن خطايانا جميعاً.
أما عن سؤال المؤلف: هل يمكن لإنسان مسيحى أن يقول أنا خاطئ. فالإجابة عليه هى أن السيد المسيح علّمنا أن نقول كل يوم فى الصلاة الربية "اغفر لنا خطايانا، كما نغفر نحن أيضاً".
وتعلمنا الكنيسة المقدسة أن نقول فى قطع صلاة النوم "هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوب ومرتعد من كثرة ذنوبى.." والأب الكاهن قبل بداية القداس يعمل مطانية أمام الشعب ويقول "أخطأت سامحونى".. والرهبان فى اجتماعهم للصلاة يقول كل منهم للآخر "أخطأت سامحنى" أو "أخطأت حاللنى".. هنا ونعيد سؤال المؤلف "هل يمكن لإنسان مسيحى أن يقول أنا خاطئ؟!".
إن السيد المسيح برر العشار الذى قال "ارحمنى يا رب فإنى خاطئ" (لو 18: 13). ولم يبرر الفريسى الذى تحدث عن بره أمام الله.. (لو 18: 11، 12).
(20) ماذا إذن عن تمُّرد الجسد وشهواته؟
ومع قول المؤلف أنه لا سلطان للخطية على الإنسان المسيحى، يعود فيذكر تمرد الجسد وشهواته فيقول (فى ص 345) من شرحه الرسالة إلى غلاطية: "ولكن يظل الإنسان حتى بمعونة الروح القدس والنعمة، تحت ضغط وإلحاح وشهواته. ولكنه يحس بالرغم من تمرد الجسد إنه منتصر بالنعمة (!!). وعثرات الجسد لا تلغى عمل النعمة فى كل مجالات الروح".
ويقول فى (فى ص 60) "نعم قد يؤذى الجسد، ولكن الروح والنفس لا يمسان. فإننا بالجسد وفى الجسد قد نوجد مغلوبين، لأن الجسد واقع تحت قوى العالم والزمن. أما بالروح فنحن أعظم من منتصرين"!!
ونحن نقف متعجبين أمام هذا التناقض: كيف نكون مغلوبين بالجسد، أما بالروح فنحن أعظم من منتصرين!! وبين تمرد الجسد وانتصار الروح!
على أنه يقول (فى ص 342) من شرحه الرسالة إلى غلاطية:
"يا قارئى المتألم من الجسد وشهواته، لا خلاص إلا بالنعمة. واعلم تمام العلم أن خطاياك السابقة والآتية حملها المسيح فى جسده على الخشبة. فلا وجود لها عند الله، ولكن فى ضميرك أنت الذى يعذبه الشيطان بالأوهام ليضغط عليك باليأس. فأنت ليس عليك خطية عند المسيح، بل لك عند المسيح نعمة"!!
نلاحظ هنا أنه يقول "لا خلاص إلا بالنعمة" بينما يقول بولس الرسول "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية". ويقول بطرس "قاوموه راسخين فى الإيمان".
ويقول لهذا الإنسان المتألم بشهوات الجسد "ليس عليك خطية عند المسيح، بل لك نعمة"! على أن هذا الموضوع يحتاج إلى تكملة فى مناقشة كتابه [الإنسان والجسد].
(21) هل صعدنا مع المسيح ودخلنا إلى أقداس الله العليا؟!
يقول المؤلف فى كتابه عن (عيدى الصعود والعنصرة) ص 37:
"يكدّس القديس بولس المبررات التى تلزمنا أن يكون لنا الجرأة والثقة بصعودنا مع المسيح، ودخولنا مع المسيح إلى أقداس الله العليا نفسها. فهو يضع فى أيدينا نفس المؤهل الذى كان فى يدى المسيح والذى أهّله للدخول إلى الأقداس"!!
ويقول (فى ص 40) "هذا يعتبره القديس بولس مؤهلاً شخصياً يلزمنا لكى نشترك فى صعود الرب ودخوله، كحق من صميم حقوقنا"!!
ويقول (فى ص 45) "حيث المسيح يوجد الآن، يكون لنا حق الوجود".
حقاً إن هذه جرأة عجيبة، أن يتساوى البشر بالمسيح!!
ويقول "فى أيدينا نفس المؤهل الذى كان فى يد المسيح"!!
وحق من حقوقنا، أن نوجد حيث يوجد المسيح!!
لا أريد أن أعلّق الآن على هذا الكلام. أخشى أن أقول...........
مُبّرئ المذنب وَمذنّب البَرئ، كلاهما مُكرهة للربّ.
(أم 17: 15).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- (1) محَاربَة العقوبَة وَمتطلبَات العَدل الإلهى
- (2) حَوْل العقوبَة
- (3) مبدأ الدينونة والعقوبة
- (4) اللعنَة كعقوبَة إلهيَّة
- (5) ما المقصود بعبارة: المغفرة المجّانية!!
- (6) معنى “أشتريتم بثمن”
- (7) الخطيّة مُوَجَّهَة ضد اللَه
- فى اللاهوت المقارن: (1) كيفَ تمَّ فدَاء البَشر؟
- فى اللاهوت المقارن: (2) حَول سرّ الإفخارستيّا؟
- فى اللاهوت المقارن: (3) جسد المسيح والجسد السرّى
- فى اللاهوت المقارن: (4) محاربة الناموس والأعمال؟
- فى اللاهوت المقارن: (5) تأليه الإنسَان؟
- شركاء الطبيعة الإلهيّة؟
- إتحاد اللاهوت بالناسُوت
- فى اللاهوت المقارن: (6)النقد الكتابى Biblical Criticism
- حَول كتاب: الإنسَان والخطية رسالة سلام للنفس المتعبة
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب
- فى اللاهوت المقارن: (7) التجَسّد والمسَاواة مع المسيح والآب:المساواة بالسيد المسيح وبالاب