نماذج من التائبين والتائبات

نماذج من التائبين والتائبات

التوبة بمفاعيلها التى اشرنا إليها تجعل من الخطاة أبراراً، ومن الساقطين قديسين نقتدى بهم ونتشفع بهم أيضاً... ونأتى الآن على ذكر بعض التائبين والتائبات:

الأنبا موسى الأسود:

يكاد لا يُعرف شئ عن ماضى هذا الرجل قبل توبته غير أنه كان أسود اللون، ويبدو أنه كان من قبيلة من قبائل البربر... وكانت حياته سوداء كلون جسمه، حتى انه يقال انه لا توجد رذيلة لم يكملها... أما عن موعد ميلاده فهو بين سنة 330، 340م... ويبدو أنه كان عبداً لشيخ قبيلة تعبد الشمس. لكن سيده من فرط شروره طرده، فاشتغل بأعمال النهب والسطو والقتل. وكان ذا جسم ضخم جبار يساعده على ذلك. وقيل انه بسبب هذه المؤهلات صار رئيساً لعصابة قطاع طرق... وكمثال على قوته البدنية أنه فى أحد الأيام عبر النهر وسرق خروفين من راعى غنم وذبحهما وعبر بهما ثانية إلى الشاطئ الآخر للنهر...

لكن الله مخلّص الجميع لا سيما الخطاة حرّك قلبه للتوبة وترك حياة الشر... كان يرفع وجهه ويخاطب الشمس كالإله الحقيقى أن يُعرفه ذاته... وكانت شهرة رهبان برية شيهيت فى ذلك الوقت ذائعة جداً، فحركه دافع أن يذهب إلى هذه البرية...

ذهب إليها حاملاً سيفه وتقابل مع القديس ايسيذورس قس القلالى خارجاً من قلايته ليذهب إلى الكنيسة، فارتعب من منظره... فسأله الشيخ: [ماذا تريد يا أخى هنا؟]. أجابه موسى: [قد سمعت أنك عبد الله الصالح، ومن أجل هذا هربت وأتيت إليك لكى ما يخلصنى الإله الذى خلصك...] وكان يطلب منه بالحاح وخشوع [أريد أن أكون معك، ولو انى قد صنعت خطايا كثيرة وشروراً عظيمة...]!! سأله أنبا ايسيذوروس: [ومن الذى أتى بك إلى هذا الموضع؟] أجابه: [أحد المزارعين أخبرنى عنك، وقال امضِ إلى أنبا ايسيذوروس فهو يساعدك على خلاص نفسك]... فأخذ يسأله عن حياته فاعترف له بكل ما صنع من شرور... ولما رأى أنبا ايسيذوروس صراحته أخذ يعلمه ويعظه كثيراً بكلام الله وكلّمه عن الدينونة العتيدة... وتركه لتأملاته.

وكلمة الله الحية خرجت من فم القديس ايسيذوروس، فعّالة وامضى من سيف ذى حدين ووصلت إلى مفارق نفس موسى كما قال الرسول بولس، فأخذ يذرف الدموع غزيرة، وهكذا كَرة الشر وعزم على التخلّص منه... وكان الندم الحار يجتاح نفسه ويُقلق نومه مثل شبح مخيف.

جاء إلى أنبا ايسيذوروس وركع أمامه واعترف بصوت عال بشروره وجرائمه فى انسحاق يدعو إلى الشفقة وسط دموع غزيرة... فاصطحبه إلى الأنبا مقاريوس، فوضعه أنبا مقاريوس تحت رعايته وأخذ يعلمه ويرشده برفق ثم منحه نعمة العماد، وسلّمه إلى أنبا ايسيذوروس لكى يعلّمه.

بعد أيام طلب موسى من الأب ايسيذوروس أن يصيره راهباً، فأخذ ايسيذوروس يشرح له متاعب حياة الرهبنة من جهة تعب البرية ومحاربات الشياطين والاحتياجات الجسدية وقال له: [الأفضل لك يا ابنى أن تذهب إلى أرض مصر لتحيا هناك]... وكان هذا الكلام على سبيل اختبار موسى... لكن بعد أن رأى ثباته وصدق نيته أرسله ثانية إلى الأنبا مقاريوس الكبير أب البرية...

أعترف موسى اعترافاً علنياً فى الكنيسة – اعترف بجميع خطاياه وقبائحه الماضية، وكان القديس مقاريوس أثناء الاعتراف يرى لوحاً عليه كتابة سوداء. وكلما اعترف موسى بخطية مسحها ملاك حتى إذا انتهى الاعتراف وجد اللوح أبيضاً كله... بعد ذلك وعظه الأنبا مقاريوس بكلام كثير، واعاده إلى القس ايسيذوروس الذى ألبسه اسكيم الرهبنة وأوصاه قائلاً: [اجلس يا ابنى فى هذه البرية ولا تغادرها. لأنه فى اليوم الذى تخرج فيه منها تعود إليك كل الشرور. لذلك اقم زمانك كله فيها وأنا أؤمن أن الله سيصنع معك رحمة ونعمة وسيسحق الشيطان تحت أقدامك].

سكن فى بادئ الأمر مع الأخوة الرهبان، ولكنه بسبب كثرة الزائرين طلب من الأنبا مكاريوس مكاناً منعزلاً. فأرشده إلى قلاية منفردة وعاش فيها مثابراً على الجهاد الروحى... وكان جهاد موسى جهاداً عظيماً كتعويض عما فاته نتيجة خطاياه وشروره الماضية... أخذ الشيطان يذكرّه بعاداته المرذولة القديمة. ولكن الآب ايسيذورس كان ينصحه بالثبات خصوصاً وان تلك العادات كانت قد تأصلت فيه. وكان الأب موسى يشكو بصفة خاصة من شهوات الجسد. ولكن الأنبا ايسيذورس كان يوصيه بالثبات وضرب له فى ذلك مثالاً بالكلب الذى يقف أمام الجزار فإن هو لم يعطه شيئاً وداوم على ذلك فإنه سيتحول عنه إلى آخر... وكان من فرط الحرب التى تهاجمه لم يطق أن يجلس فى قلايته، فأخذه الأنبا ايسيذورس فوق الكنيسة وكشف الله عن عينيه وأراه فى جهة الغرب الشياطين وفى جهة الشرق الملائكة. وعزاه بأن لا يخاف طالما أن الملائكة معنا تطرد عنا هذه الشياطين.

وكان يحاول موسى – بناء على النصيحة – أن ينهك جسده القوى بالوقوف فى الصلاة والصوم والمطانيات. وكان بالليل يطوف على قلالى الرهبان الشيوخ ويأخذ جرارهم ويملأها ماءً. كل ذلك من أجل قمع جسده. ضجر الشيطان من فرط جهاده، فالتقى به عند البئر فى احدى المرات وضربه ضرباً موجعاً وتركه غير قادر على الحركة إلى أن جاء بعض الأخوة إلى البئر وحملوه إلى الكنيسة عند الأب ايسيذوروس وظل فى الكنيسة ثلاثة أيام إلى أن استرد قوته على الحركة.

ومرة سطا على قلايته أربعة لصوص فربطهم جميعاً وحملهم وأتى بهم إلى الكنيسة وهذا يدلنا على ضخامة جسمه... ولما علم هؤلاء اللصوص ان هذا هو الأنبا موسى الذى كان رئيساً لعصابة لصوص ارادوا أن يتوبوا ويترهبّوا، فوعظهم بكلام كثير محركاً قلوبهم.

ومن فرط جهاده تصدت له الشياطين حتى أن مرشده الأنبا ايسيذورس نصحه بالاعتدال فى أعماله النسكية حتى لا يثيروا المتاعب عليه وطلب إليه أن يسلّم أمره لل وهو وحد يرفع عنه القتال. فقد كان أنبا موسى وهو ممتلئ صحة، يظن انه بكثرة أعماله النسكية يقهر الشياطين، ولكنهم كانوا يشددون الحرب ضده ولكن بدون اتضاع ما يستطيع الإنسان أن يفعل شيئاً. أى انه ليس بقوة الإنسان يستطيع أن يغلب ولكن بالاتضاع والمسكنة الروحية الله يحارب عنا...

وبسبب جهاده وفضائله ارادوا أن يرسموه قساً. وعندما أراد البطريرك أن يمتحنه قبل رسامته أمر الكهنة أن يطردوه بمجرد دخوله الهيكل ويقولون له: [اخرج من هنا يا أسود اللون]. ولما طردوه ارسل البطريرك وراءه شماساً ليسمع دمدمته، فسمعه يقول لنفسه: [لقد فعلوا بك ما تستحقه لأنك لست إنساناً، وقد تجرأت على مخالطة الناس. وحيث أنك أسود اللون فلماذا تجلس معهم...]. وتمت رسامته قساً بمدينة الاسكندرية بيد الأنبا ثاوفيلس البطريرك ال 23. وسُمع صوتاً يقول: [اكسيوس. اكسيوس. أكسيوس. مستحق. مستحق. مستحق]. وبعد أن ألبسوه التوينة البيضاء، قالوا له: [ها قد صرت كلك أبيضاً يا موسى]. أما هو فأجاب فى إتضاع وقال: [ليت هذا يكون من الداخل كما من الخارج].

عاش منكراً لنفسه حتى ان حاكماً سمع بفضائله فاشتاق أن يراه، وإذ علم موسى بهذه الزيارة هرب، وفى أثناء هربه تقابل معه الحاكم وسأله عن قلاية الأب موسى فقال له: [وماذا تريد أن تسأله. انه رجل عجوز وغير مستقيم]. اضطرب الحاكم وقصد الدير وقال لهم ما حدث فلما سألوه عن أوصاف ذلك الشخص اتضح أنه هو نفسه الأب موسى وانه قال ذلك إنكاراً لذاته.

وقد أُعطى من الله موهبة عمل المعجزات وصنع العجائب بسبب نسكه الشديد وجهاده واتضاعه.

ذكر عن أحد الرهبان أنه سقط فى زلة ما، فعقد الآباء عليه مجمعاً لمحاكمته، وارسلوا إلى الأنبا موسى ليحضر، فأبى أن يذهب، فلما الحوا عليه، قام وملأ كيساً كبيراً من الرمل وبه ثقوب وحمله على ظهره ودخل عليهم بهذه الصورة. فلما رأوه على هذه الحال تعجبوا. ولما استفسروا منه أجابهم: [أنتم تدعوننى لأحكم على أخ لى فى زلة، وهذه ذنوبى خلفى تجرى دون أن أراها ولا أحسّ بها]. فخجلوا منه وعفوا عن الأخ المذنب.

مات أنبا موسى شهيداً... فقد أتى البربر للدير وكان بالروح يعلم بمجيئهم قبل وصولهم وقال ذلك للاخوة وكان عددهم سبعة. وطلب إليهم أن يهربوا. فلما سألوه عن نفسه قال: [منذ زمن طويل وأنا أنتظر هذا اليوم لكى يتم قول السيد المسيح من يأخذ بالسيف بالسيف يُوخذ]. قالوا: [نحن أيضاً لا نهرب ولكن نموت معك]. فقال لهم: [هوذا البربر يقتربون إلى الباب] فدخل البربر وقتلوهم ولكن واحداً منهم كان خائفاً فهرب إلى الحصن ورأى سبعة تيجان نازلة من السماء توجت السبعة وهكذا تقدم السابع ونال معهم اكليل الشهادة. وأكمل الأنبا موسى سعيه وجهاده فى اليوم الرابع والعشرين من شهر بؤونة سنة 408م وكان فى سن الخامسة والسبعين أو الخامسة والثمانين. ونال ثلاثة أكاليل الأول للنسك الشديد والثانى للرهبنة والكهنوت والثالث للشهادة. وهذا أول شهيد فى الاسقيط. وله تعاليم مفيدة للغاية. وجسده محفوظ مع جسد مرشده الروحى الأنبا ايسيذورس فى أنبوبة واحدة بدير البرموس العامر.

القديس يوليانوس التائب:

دوّن لنا سيرة هذا القديس المغبوط القديس مار افرام السريانى الذى كان معاصراً له، بل كان يقيم فى جبل الرها بالعراق قريباً من مغارته.

بدأ يوليانوس حياته عابداً للأوثان، وكان ذا بنية قوية. وسار سيرة ذميمة. وعاش بالقبائح وسلك فى تيار الخطية والشهوات الجسدية... أما عن كيفية توبته فقد ذكر أنه كان عبداً لسيد فى بلدة بعلبك ببلاد الشام. وبسبب متاعب وشدائد وضيقات كثيرة – نحن نجهل كنهها – تحول عن طريق الخطية، ومال إلى المعرفة وسار سيرة حسنة. ولما مات سيده زهد فى العالم...

نال سرّ العماد المقدس واشتاق – كتعويض عن حياة الخطية والشر – أن يسلك طريق الرهبنة فانطلق إلى أديرة الرها، وسكن إحدى القلالى القريبة من قلاية مار افرام السريانى... وقد أحب الرب من كل قلبه... وتحلّى بكل فضيلة... وكان يتبادل الزيارات مع مار افرام. ويقول مار افرام عنه انه كان ينتفع من محادثاته...

وبعد أن انخرط فى سلك الرهبنة اقتنى خشوعاً عميقاً وتواضعاً زائداً، وكان شأن باقى النساك يعمل بيديه قلوع المراكب... ومن المواهب التى اعطيت له موهبة الدموع حتى أن المجتازين بقلايته كانوا يسمعون صوت بكائه لأنه كان يجهش كمن هو يبكى على ميت عزيز، وكان يندب بلجن. أما السبب فكان تذكره لخطاياه... وكان كثير السهر فى الصلوات.

كان أميّاً لكنه تعلم القراءة والكتابة... وبالروح القدس أوتى معرفة معانى الكتب المقدسة، حتى كان كثيرون يقصدونه لاستشارته فى بعض الأمور... ويذكر مار افرام أنه فى أحد الأيام رأى بعض حروف من الكتابة قد مُحيت، ولما سأله، أجابه يوليانوس: [لا اكتم عنك شيئاً، فإن الزانية تقدمت إلى المخلص، وقبّلت قدميه بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها، وأنا إذا قرأت الكتب فحيث أجد اسم إلهى مكتوباً ابله بدموعى لكيما آخذ منه غفراناً لخطاياى]... فقال له مار افرام مسروراً: [إن الله متعطف على الناس، وقد قبل نيتك، فاطلب إليك أن تشفق على المصاحف]. فقال له لا يطمئن قلبى إن لم أبك قدام الرب إلهى...

وبعد أن قضى فى النسك والعبادة أكثر من 25 سنة، رقد فى الرب بسلام، وله تعاليم وأقوال كثيرة نافعة... هذا هو الإنسان الذى تحول من عبد عاش مستعبداً للفساد إلى قديس فاق معاصريه فى الفضيلة والمعرفة... وقد كتب مار افرام مديحاً عنه.

القديس أغسطينوس:

هو الأسقف القديس العظيمن الذى فاقت توبته آثامه السالفة، وقداسته جهالات شبابه. انه زعيم التائبين... وقد وضع الكتّاب على توالى الأحقاب، مئات المؤلفات فى الكلام عن حياة هذا الرجل ومؤلفاته فى شتى الموضوعات اللاهوتية والفلسفية والعلمية والكتابية والروحية والعقيدية.

ولد اوريليوس اوغسطينوس فى 23 نوفمبر سنة 354م فى مدينة تاجستا من أعمال نوميديا فى شمال أفريقيا. وسبق أن تكلمنا عن اسرته، فيما كنا نتكلم عن أمه القديسة مونيكا فى موضوع أبرار علمانين. كان له أخت صارت رئيسة دير للراهبات بالقرب من هيبو Hippo وأخ تزوج وصار أباً لأسرة تقية... وكانت الدروس فى تلك الأيام مقسمة إلى ثلاثة أقسام: قسم تحضيرى للقراءة والكتابة والحساب، وقسم اعدادى للقواعد والبيان والشعر، وقسم عال للخطابة والفلسفة. درس أغسطينوس القسم الأول فى مسقط رأسه، والقسم الثانى فى مدينة مدورا. ولما لم يكن بوسع والده أن يرسله إلى قرطاجنة لمتابعة دراسته العالية. ظل سنة كاملة فى بيت ابيه بلا درس ولا عمل. وما لبث بعدها أن تحسنت ظروفه فسافر إلى قرطاجنة واكمل هناك دراسته العالية التى كانت تفتح للحاصلين على اجازتها أبواب مهنة التعليم العالى...

ومنذ سنة 374 ولمدة اثنتى عشرة سنة باشر مهنة التعليم ولمع بمقدرته وفصاحته فى مدرسة بمدينة ميلانو بشمال ايطاليا حيث كان اسقفها القديس امبروسيوس يسحر الألباب بفيض علمه وفصاحة بيانه.

لقنته أمه فى طفولته أصول الدين المسيحى، لكنه ما كاد ينتهى من دراسته الاعدادية على ايدى اساتذة وثنيين حتى كان قد نسىَ كل مبادئ الدين، ولم يبقَ منها سوى أضواء خافتة أخذت تتلاشى شيئاً فشيئاً من عقله ومن قلبه. ثم أتت قراءته لكتب فلاسفة وشعراء الوثنية على ما تبقى من مبادئ مسيحية.

وثارت فيه الأهواء والشهوات تريد الشبع من كل ما هو مادى وتطرح كل ما هو إيمانى وروحى!! وتألبت على ذلك الشاب المضطرم حماسة واندفاعاً، ظلمات العقل وسطوة اللحم، فغاص فى الأوحال واضاع الإيمان والأداب. ويقول هو عن نفسه فى تلك الفترة: [كنت أخجل من عدم فعل الشر بوقاحة منزّهة عن الحياء]!! وكان له عشيقات وانجب من احداهن ابناً غير شرعى!!

تكلمنا عن والدته وصلواتها ودموعها السخينة من أجله حتى يرده الله عن طريق الشر... وفى مدينة ميلانوا سمع مواعظ امبروسيوس ذلك الخطيب العظيم، فأخذ ضميره يتحرك ويستيقظ ويبكته على آثامه وغروره. لكنه لم يعد فى الحال إلى رشده وصوابه، فقد كان عقله يبحث ويفكر فى الحقيقة!! فتراءى له أولاً أن العقل البشرى الضعيف لا قدرة له وحده على الوصول إلى كمال الحقيقة الإلهية. وانه لابد من سلطة تقوده وتسهّل له السبل. وان تلك السلطة الكبرى السامية هى الكنيسة. وثبت لديه أيضاً أن سرّ التجسد هو سرّ الاتضاع، وأن الكبرياء والاعتداد بالفكر هما اللذان ينحدران بالإنسان إلى قاع الجهل والرذيلة. فتواضع أمام الرب، وطرح عنه الكبرياء والاعجاب بنفسه وبعقله وعلمه، وبدأ يقرأ الكتب المقدسة، فانبثق له النور... ثم أكبّ على التهام الأناجيل ورسائل بولس الرسول على وجه الخصوص فوجد فيها ضياء الحقيقة الإلهية، وراحة القلب الصحيحة. وبدأ يشعر أن الله يدعوه إلى حياة كاملة وسامية، حياة البتولية والتواضع والفقر الاختيارى.

وجاءه يوماً أحد اصحابه من ضباط الحرس الملكى، فروى له ما رآه وقرأه عن حياة وفضائل كبار رهبان ونساك مصر ومنها حياة القديس الأنبا أنطونيوس. فاعجب كثيراً بها وصغرت نفسه فى عينيه، وجاشت العواطف الصادقة فى صدره، وذكر تعاليم وتقوى والدته. فدخل حديقة البيت الذى كان يقيم فيه عند أصحابه، وأخذ يناجى نفسه المتألمة العائصة فى بحر من الحزن، ويتحسّر على ما وصلت إليه حالته الروحية والأدبية معاً... وبإلهام إلهى فتح كتاب رسائل بولس فقرأ ما كتبه فى رسالته إلى أهل رومية:

«إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم. فإن خلاصنا الآن أقرب بما كان حين آمنا. قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس اسلحة النور. لنسلك بلياقة كما فى النهار لا بالبطر والسكر، لا بالمضاجع والعَهَر، لا بالخصام والحسد. بل البسوا الرب يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات» (رو 13: 11 - 14)).

.. فاغلق الكتاب وأخذ يفكر تفكيراً عميقاً. فأحس بدعوة الله إليه. فعزم أن يتوب توبة صادقة وعاهد الرب أن يكمل بقية عمره فى البتولية. فترك وظيفة التعليم، وذهب إلى ضواحى ميلانو. فاقام شهوراً فى قصر لأحد اصدقائه. واكب على التأمل ومطالعة الكتب المقدسة والروحية، والسعى وراء معرفة الله معرفة حقة، معرفة حب وثقة واتضاع. وكانت امه برفقته مع صديق وتلميذين من تلاميذه. وكان لم يقتبل سر العماد بعد.

كتب إلى القديس امبروسيوس ينبئه بمكنونات نفسه، فأشار عليه الأسقف بقراءة سفر إشعياء. وما لبث أن طلب أوغسطينوس العماد. فمنحه سر العماد المقدس سنة 387 وله من العمر 33 سنة. ومنذ تلك اللحظة اضحى اوغسطينوس لله وحده...

تنيحت والدته فبكاها أوغسطينوس بدموع حارة ثم أكمل طريقه إلى مسقط رأسه. فباع املاكه ووزع ثمنها على الفقراء، وانشأ ديراً للرهبان وأقام فيه. وبدأ حياة النسك بالصوم والصلاة والدرس والتأليف وخدمة الله والكنيسة. وصار يضيف الغرباء ويغسل أرجلهم، ويجلس الفقراء على مائدته وبداوى المرضى بذاته... وازهرت الحياة الرهبانية فى دير اوغسطينوس ازهاراً جميلة. واعتاد رهبانه أن يبادروا بعضهم بعضاً بالسلام بقولهم: [الشكر لله Deo Gratias]. وكانوا يفعلون ذلك للشكر على حياة الشركة الجماعية.

وما لبث أن طار صيت اوغسطينوس فملأ الدنيا. وصار الناس يفدون إليه افواجاً طالبين إرشاده. وتتلمذ له كثيرون مبهورين بسحر تعاليمه وتقواه وفضائله... وما لبث أن استدعاه أسقف مدينة هيبو Hippo لمعاونته فى الخدمة، وكان كهلاً مسناً، ثم رُسم مساعداً له فى الاسقفية سنة 395. ولما تنيح الأسقف بعد نحو سنة خلفه اوغسطينوس فى الأسقفية وكان له من العمر 42 سنة.

وكانت الأيام التى مرت عليه منذ توبته قد رفعت نفسه إلى ذرى المحبة الإلهية، فبقى حياته يجول على تلك القمم. ولما صار أسقفاً لم يبّدل شيئاً من حياته المتقشفة بل ظل الراهب الصادق الذى يمارس الحياة الرهبانية. والحق بمقر أسقفيته ديراً، وعوّد كهنته أن يعيشوا حياة ديرية. وهكذا اضحى أوغسطينوس أب الرهبان بشمالى أفريقية، فخرج من تحت يده أساقفة عظام. وكانت محبته للفقراء لا حد لها، حتى انه باع مرة أوانى الكنائس ليفتدى بها بعض المؤمنين الذين وقعوا فى آسر البرابرة.

ولما بلغ أغسطينوس سنّ الثانية والسبعين ولم يعد بوسعه القيام بواجباته الرعوية عيّن أسقفاً مساعداً له وأوصى كهنته أن يخلفه بعد مماته... واشتدت وطأة المرض عليه وانطلقت نفسه إلى الله الذى احبه وطالما ناجاه، وكان ذلك فى 28 اغسطس سنة 430م وله من العمر 76سنة، وهو القائل فى فاتحة كتاب اعترافاته: [لقد خلقتنا لك يا الله وقلبنا لا يزال حائراً إلى أن يرتاح فيك].

على أن أهم ما نريد أن نوضحه فى حياة أغسطينوس هو توبته وكيف تدرجت وذلك مما كتبه بنفسه فى كتاب الاعترافات...

[لم يكن يحلو لى إلاَّ أن أكون عاشقاً ومعشوقاً. إلاَّ أن الحب له حدود وقيود، وفى سبيله معاثر ومخاطر. وأما أنا فلم أعرف للهوى مدى، حيث عميت من الدخان الكثيف المتصاعد من براكين الشهوة الجسدية... لقد أبطأت فى رجوعى إليك... ما عرفت أن أكبح جماح هواى... وركبت متن رياح شهواتى، ولم أترك أمراً من شريعتك إلاَّ خالفته. لكن ما استطعت أن أفرّ من وجه غضبك. ومن تُرى يمكنه الفرار منه. فأنت دائماً إلى جوارى قريباً منى، تعذبنى برأفة، مازجاً حلاوة طيباتى المحرمة بمرارة، لعلى اذوق فالتمس لذة خالية من المرارة. ولكن أين توجد هذه اللذة إلاّ عندك يا ربى، يا من حلقك حلاوة وكلك مشتهيات. يا من يقودنا إليه بالضرب، ويدمينا ليشفينا، ويهلك منا الجسد ليحيى منا الروح... انى منذ التاسعة عشرة من عمرى إلى الثامنة والعشرين لم يكن لى شغل شاغل غير التمادى فى الغرور والشرور. وكنت اقتَادُ غيرى ورائى باستخدامى فصاحة الكلام والتمويه تارة، وتارة شعائر الدين الخارجة. فكنت فى الظاهر متعظماً، وفى السرّ والخلوة من أهل التدين الكاذب. وعلى الحالين كنت شريراً. وكنت شديد الولع بحضور المسارح ومشتعلاً بنار الغرام والفحشاء].

وعن ذكائه يقول: [وفى الجملة تعلمت الفصاحة والحساب والهندسة والموسيقى من دون معلم، ومن غير كبير عناء، وذلك كله إنما هو من فضلك يا ربى... ولكنى لكفرانى بإحسانك لم استخدم هذه القوى لتمجيدك، ولا استعملها استعمالاً حسناً، بل قد اعملتها فى جرّ المضرّة علىَّ، لأنى حسبتها ملكاً لى، اتصرف بها كيف احببت، فانطلقت إلى بلد بعيد. وهناك بدّدت مالى فى الفواحش والمعاصى ولم أتاجر حسناً فى الوزنات التى وهبتها لى].

[السعادة الكاملة الصحيحة إنما هى لديك. وهكذا قد جرى من ابتعدوا عنك ثم ارتدّوا إليك، فوجدوا راحتهم بين يديك، لأنك رحوم رؤوف، تعرف كيف تمسح دموعهم فيزيدون بكاء. ومن خلال هذا البكاء يجدون السلوى والعزاء].

وليتنى عند حمدى لك يا إلهى، اتمكن من تذكر جميع صنوف المراحم الذى صنعتها معى على اننى عندما أذكرها أرى سهام محبتك تخترق احشائى وتخترق عظامى فتنتاب جوارحى هزّة فتصيح قائلة: يا رب من مثلك. أنت كسرت قيودى، فلك اذبح ذبيحة الحمد].

وعندما بدأ يستيقظ ضميره قال: [كنت أعرف ان تسليمى نفسى ليد رأفتك هى خير لى من الانقياد لشهواتى. غير انى كنت أترك نفسى تنقاد لهذه الشهوات تستأسرنى وتستعبدنى. وكنت أسمع رنات صوتك فى قلبى تقول: "قم أيها النائم من بين الأموات فيضئ لك المسيح"... واينما اتجهت كنت أرى أن قولك هذا هو الحق. وعندما رأيت نفسى مغلوباً من هذا الصوت، ولم يبقّ لى عذر، بل وجدت نفسى منجذباً من صوتك رويداً رويداً، فجاوبت صوتك جواب النعسان المتثائب... فكان سرورى بناموسك بحسب الإنسان الباطن من العبث، حيث كان فى أعضائى ناموس آخر يضاد ناموس ضميرى، ويستعبدنى لناموس الخطية التى فى أعضائى. وما هو هذا الناموس. ناموس الخطية؟ ليس هو سوى صولة العادات الشريرة التى بقوتها تلقى القبض على النفس وتأسرها. ولئن كانت النفس لا تحب هذا الأسر، إلاّ أن ذنبها قد قضى عليها أن تقع فيه عن رضى واختيار. آه، ما أشقانى واسوأ حالى!! من يا ترى يمكنه أن ينقذنى من هذا الجسد الفاسد المائت غير نعمتك يا يسوع المسيح ربنا].

ويتكلم عن لحظات توبته فيقول: [جلست على الأرض تحت شجرة تين، وفتحت مجارى عينى لدموع اقدمها لك تقدمة مقبولة أيها الرب الإله، وصحت مع المرتل: إلى متى يا رب، إلى متى، إلى متى تنسانى، أترى إلى الأبد. لا تذكر آثامى السالفة. قلت هذا لأن آثامى هى التى تعيقنى. ورجعت أصرخ بنفسى قائلاً: إلى متى أقول الغد الغد، ولا أقول الآن، ولا اضع الآن حداً لهذه الحالة التعيسة جداً. كنت أقول ذلك. ومن شدة انسحاق قلبى، كنت افيض بالدموع والبكاء...].

أما بعد توبته فيعبّر عنه بقوله: [اللهم ربى أنا عبدك وابن امتك، حللت قيودى فلك اذبح ذبائح التسبيح. فليشكرك جنانى ولسانى وكل جوارحى وتسبحك قائلة: من مثلك!... من اية وهدة عميقة انتشلتنى حتى اضع فى لحظة عنقى تحت نيرك الخفيف، واقدم منكبى لحملك غير الثقيل يا يسوع المسيح فادىّ وعونى... لقد كنت اغتم حرصاً على لذّات العالم ان أفقدها، واليوم سررت أشد السرور لبعدها. وكيف لا، وأنت قد ابعدت عنى تلك اللذات السمجة، وجلست مكانها أنت أيها النعيم السامى، أيها اللذة الصحيحة.

ويذكر حديثه الأخير مع أمه عن السماء والحياة الروحية بعد أن نال سر العماد فيقول: [وفيما كنا نتحدث عن هذه الأمور بلهفة واشتياق، إذا بعاصفة من زفرات قلوبنا حملتنا بالروح إلى هناك. وينوع ما أوصلتنا واقاتنا طعمها. ولما امتلأت أرواحنا بهجة وعزاء تركنا لك قلوبنا متحدة بك، وكأنها باكورة تقدماتنا الروحية].

[ها انى قد وجدت وادركتك. فيا لسعادتى! كنت أفتس عليك فى أشياء خارجة ولكن هذا التفتيش لم يجدنى نفعاً، إذ وجدتك فى نفسى وفى قلبى... لقد أبطأت فى حبك أيها الجمال القديم الجديد. لقد أبطأت وأنت كنت فى داخلى. وأنا كنت أطلبك خارجاً عنى وفى الخارج كنت أبحث عنك، وأنا اتمرغ فى حمأة هذه المخلوقات الجميلة التى انت باريها. أنت كنت معى، وأنا لم أكن معك]!!

وعن الخلاص بالمسيح وحده يقول: [اللهم انى قد تركتك حيناً وعاديتك. ومن ترى كان يصلح لمصالحتى معك؟ اترانى كنت أسأل من الملائكة هذه المصالحة، أم اقدم التضرعات والتوسلات الحارة لديك توصلاً إليها. أى وسيط استوسط؟ ان الوسيط بين الله والناس يلزم ان يكون شبيهاً بالله والناس. لأنه لو كان شبيهاً بالله فحسب لصار بعيداً عن الناس. وهكذا لو كان شبيهاً بالناس فحسب لغدا بعيداً عن الله. ومن ثم لا يعود لهذه المصالحة وتلك الوساطة. إن الوسيط الحقيقى هو الذى اوحيت به من قبلى إلى المتضعين بحسب تدابير أسرار مراحمك. ثم أرسلته إلى العالم يُعلم بعمله الاتضاع الصحيح. هذا هو يسوع المسيح الإله المتأنس الذى ظهر بين الخطاة المائتين، وهو البار غير المائت. فهو مائت مع البشر، وبار مع الله!!].

القديسة بيلاجية:

دعا أسقف انطاكية ثمانية أساقفة من جيرانه ليبحثوا أمراً معيناً وكان ذلك فى القرن الرابع. وكان من بين هؤلاء الأساقفة الأسقف القديس نونيوس... كانت اقامتهم فى كنيسة يوليانوس الشهيد... جلس الأساقفة إلى جانب باب الكنيسة ليبدأوا اجتماعهم... وكانت الأنظار كلها متطلعة إلى الأسقف المبارك نونيوس لما هو معروف عنه من قداسة... وبدأ نونيوس يتكلم عن خلاص النفس، وإذا بممثلة انطاكية وراقصتها الأولى تمر من أمامهم، ممتطية جواداً، مختالة بنفسها، وقد تحلّت بحلى الذهب والأحجار الكريمة التى كانت تغطى ثيابها وحتى قدميها!! وكان يسير أمامها وخلفها صف طويل من الشباب والوصيفات فى ثياب ثمينة... وكانت رائحة العطور تفوح منها...

وحالما رآها الآباء الأساقفة تمر امامهم بملابس خليعة، حوّلوا أنظارهم عنها، أما المبارك نونيوس فظل ينظر إليها محدقاً بها، ثم حوّل وجهه نحو الأساقفة وقال لهم: [ألم يسرّكم رؤية جمالها العظيم؟!]... وكان كلاماً غريباً يصدر عن مثل هذا الإنسان المبارك، فلم يجبه الأساقفة. أما هو فوضع وجهه بين ركبيته والكتاب المقدس بين يديه، وابتدأت دموعه تنسكب وكان يتأوه بشدة. ثم أعاد سؤاله للأساقفة: [ألم يسرّكم جمالها العظيم؟!]. وفى هذه المرة لم يجيبوه أيضاً. أما هو فقال لهم: [الحق انه قد سرنى. وكنت مسروراً بجمالها، أنا الذى سوف أمثل أمام كرسى الله العظيم المهوب لنعطى حساباً عن أنفسنا وأسقفياتنا].

ثم أردف يقول: [ماذا تظنون أيها الأحباء، كم من الوقت قضته هذه المرأة فى مخدعها تستحم وتزين نفسها باهتمام كبير، وذهنها كله مركز على خشبة المسرح لكى تصير متعة لكل عيون الرجال؟ ونحن الذين لنا فى السماء أب قادر على كل شئ ومحب أبدى، ووعدنا بمواعيد ثمينة... لا نحرص أن ننقى نفوسنا الشقية من الدنس ونتركها باقية فى نتانتها].

بعد ذلك اصطحب شماسه الخاص ويدعى يعقوب إلى مكان مبيتهما... وحينما وصل الأسقف نونيوس إلى غرفته الخاصة القى بنفسه على الأرض وبدأ يبكى ويقرع صدره قائلاً: [يا سيدى يسوع المسيح ارحمنى أنا الإنسان الخاطئ غير المستحق، لأن زينة يوم واحد لامرأة واحدة تفوق كثيراً زينة نفسى لك. بأى وجه سوف اتطلع إليك، وبأية كلمات سوف ابرّر نفسى حين أراك. لن اخفى عليك شيئاً، لأنك تعرف خبايا قلبى...] واستمر يصلى هكذا مدة طويلة وهو ينتحب. وقد قدّس هو وتلميذه صوماً فى نهار ذلك اليوم.

كان يوم الأحد هو اليوم التالى، وبعد أن انتهى الأسقف نونيوس وشماسه من تسبحة نصف الليل روى لشماسه حلماً اضطرب منه لأنه لم يعرف له تفسيراً... رأى فى الحلم حمامة سوداء واقفة على قرن المذبح، وكانت ملوثة وملطخة بالقاذورات، وظلت تطير حوله، وبصعوبة كان يطيق تنانتها ووسخها. وظلت هكذا بالقرب منه إلى أن انتهى قداس الموعوظين. وبعد أن أعلن الشماس بدء قداس المؤمنين أختفت تلك الحمامة... وبعد انتهاء القداس وانصراف المؤمنين عادت تلك الحمامة مرة أخرى كما هى فى وسخها وأخذت تطير حوله. لكنه فى هذه المرة مدّ يده وامسكها وغطسها فى جرن المعمودية، فخرجت من مياه المعمودية بيضاء كالثلج، ثم طارت وحملها الهواء واختفت. كانت هذا كله فى حلم...

فى الصباح دخلوا الكنيسة وطلب إليه أسقف المدينة أن يعظ الشعب... فامتلأ من الروح القدس الذى فيه وكان يعظ الشعب بقوة ويحدثهم عن الدينونة العتيدة، وبركات الأبدية... وكان لكلماته تأثير عجيب حتى بكى كل من بالكنيسة... وبتدبير إلهى كانت هذه المرأة الراقصة الزانية موجودة بالكنيسة واستمعت إلى العظة، ونخس روح الله قلبها، وبدأت دموعها تسيل منها بغزارة... وفى تلك اللحظة امرت اثنين من صبيانها قائلة: [ابقيا فى هذا المكان وحينما يخرج الأسقف الصالح نونيوس اتبعاه أين يمكث وتعاليا واخبرانى]... وتمما ما أمرتهما به وعرفاّها أنه يقيم فى كنيسة الشهيد يوليانوس.

ثم أرسلت للحال رسالة مكتوبة مع نفس الصبيين إلى الأسقف نونيوس، وكان مكتوباً فيها: [إلى تلميذ المسيح القديس، من تلميذة الشيطان وامرأة خاطئة... لقد سمعت عن إلهك الذى ترك السموات ونزل إلى الأرض ليس من أجل الأبرار بل من أجل أن يخلص الخطاة. وانه كان متواضعاً جداً، حتى أنه كان يدنو من السكيرين... فإن كنت حقاً تلميذاً حقيقياً لهذا المسيح – الذى سمعت عنه كثيراً من المسيحيين – فلا ترذلنى إذا أنا راغبة أن أرى – بواسطتك المخلّص. وبك استطيع أن آتى إلى رؤية وجهه القدوس].

ردّ عليها الأسقف نونيوس برسالة قال فيها:

[مهما كنت فأنت معروفة لدى الله بذاتك، ومهما كان هدفكِ ورغبتك. ولكن أؤكد عليكِ، لا تحاولى أن تجربى ضعفى لأنى أنا إنسان خاطئ خادم لله. وعلى كل حال إن كان لك رغبة نحو الأمور المقدسة واشتياق للصلاح والإيمان، وترغبين حقاً أن ترينه، فهناك أساقفة آخرون معى. تعالى وسوف تريننى فى محضرهم لأنكِ لن تريننى وحدى].

قرأت هذه المرأة الخاطئة تلك الرسالة وامتلأت فرحاً وقامت مسرعة إلى كنيسة الشهيد يوليانوس، وأرسلت مسبقاً أنها قادمة... دخلت وكان كل الأساقفة مجتمعين والقت بذاتها على الأرض وامسكت بقدمى المبارك نونيوس وهى تقول:

[سيدى، أتوسل إليك أن تسلك كما سلك معلمك السيد المسيح، واسكب علىَّ من رحمتك واجعلنى مسيحية، سيدى أنا بحر من الشرور، أنا أرض من آثام، أسألك أن تعمدنى].

وبصعوبة استطاع أن يجعلها ترتفع من فوق قدميه... وحينما نهضت قال لها:

إن قوانين الكنسة تحتم أن لا تعمّد زانية ما لم تقدم تأكيداً أنها لن تسقط مرة أخرى فى خطاياها القديمة]. وإذ سمعت هذا الكلام من الأسقف القت بنفسها ثانية على الأرض وأمسكت بقدميه وأخذت تبللهما بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها وهى تقول له:

[سوف تعطى جواباً لله عن نفسى، وانا سوف ادان عن أعمالى الشريرة، إن تأخرت عن عمادى من خطاياى السابقة. لن تجد نصيباً فى بيت الله مع القديسين إن لم تخلصنى من خطاياى. إنك إن لم تلدنى اليوم من جديد عروساً للمسيح وتهبنى لله، تنكر الله وتصير عابداً للأوثان].

وإذ رأى كل الأساقفة الذين كانوا مجتمعين ما فعلته الخاطئة وسمعوا كلماتها تعجبوا فى أنفسهم، لأنهم لم يروا إيماناً بمقدار ذلك.

ارسل الأسقف نونيوس شماسه يعقوب إلى أسقف المدينة ليقصّ عليه الأمر وليبعث بشماسة لتساعده فى العماد تعجّب الأسقف وأرسل معه كبيرة الشماسات رومانا... وحينما وصلت وجدت المراة مازالت تحت قدمى الأسقف نونيوس، وبصعوبة كان يحاول أن يقنعها أن تنهض من على قدميه... وقال لها:

[قومى أيتها الابنة حتى يمكنكِ أن تقرى بخطاياك]... ثم قال لها: [اعترفى بخطاياكِ]. أجابت: [إن أنا عزمت أن افحص كل أعماق قلبى فلن أستطيع أن أجد شيئاً ما صالحاً. أنا أعرف خطاياى انها أثقل من رمال البحر. ومياهه تتضاءل أمام هول خطاياى. ولكنى أثق فى إلهك انه سوف يفكّ كل أعمالى الرديئة ويتطلع إلىَّ].

سألها عن اسمها فقالت: [اسمى بيلاجية ولكن شعب انطاكية أطلق علىَّ مارجريتا]... حينئذ أتم لها الأسقف طقس جحد الشيطان ثم عمدها ورسم عليها بعلامة الصليب وناولها من جسد المسيح ودمه. أما اشبينتها فكانت كبيرة الشماسات رومانا التى أخذتها وذهبت بها إلى مكان الموعوظين...

وإذ كان الأسقف نونيوس وتليمذه جالسين سمعا صوت صياح كما لو كان صادراً من رجل يُعذَّب وكان هو الشيطان، وكان يصيح نادباً ويقول لنونيوس: [لقد سرقت أعظم رجائى وأنا لم أعد احتمل دسائسك ومكائدك ضدى. ملعون هو اليوم الذى ولدت فيه أنت].

ثم صاح فى بيلاجية وقال لها: [كل هذا صنعتيه فىّ يا سيدتى بيلاجية وتبعتِ يهوذا بتاعى (يقصد الأسقف المبارك)]... حينئذ قال لها نونيوس: [إرسمى ذاتكم بصليب المسيح واجحديه]. فرسمت ذاتها باسم المسيح وعلامة صليبه ونفخت فى الشيطان فاختفى للحال.

وكان الشيطان يحارب بيلاجية بالأحلام، أما هى فكانت تحصن ذاتها بعلامة الصليب.

وبعد ثلاثة أيام من عمادها نادت خدمها الخصوصيين وأمرتهم أن يحضروا كل حليها وثيابها الفاخرة واحضرتها ووضعتها بين يدى الأسقف نونيوس عن طريق الشماسة رومانا وقالت: [هذا هو الغنى الذى وهبنى إياه الشيطان، افعلوا كما ترون لأنه صار للمسيح].

حينئذ استدعى الأسقف نونيوس أمين صندوق الكنيسة وسلمه كل هذه الأشياء وقال له:

[اشهدك باسم الثالوث القدوس أن شيئاً من هذا لا يذهب بتاتاً إلى صندوق الأسقفية أو الكنيسة، إنما يوزع على الأرامل والأيتام والفقراء حتى أن ما جمع بالشر يوزع فى الخير، وثروة الخاطئ تصير كنزاً للبرّ...]. أما بيلاجية فقد أعتقت وحررت كل عبيدها وخدمها بعد أن أعطتهم عطايا... وطلبت إليهم أن يحرروا الحياة السابقة الشريرة.

كان التقليد فى ذلك الوقت أن المعمد يظل لابساً الثياب البيضاء أسبوعاً بعد المعمودية. وفى اليوم الثامن خلعت بيلاجية ثيابها البيضاء واستيقظت ليلاً وارتدت عباءة الأسقف نونيوس واختفت من مدينة انطاكية.

أخذت تبكيها الشماسة رومانا لكن الأسقف نونيوس عَزاها بقوله إن بيلاجية قد اختارت النصيب الصالح مثل مريم التى فضلها المسيح على مرثا... انطلقت بيلاجية إلى أورشليم وبنت لنفسها قلاية فى جبل الزيتون.

بعد ثلاث أو أربع سنوات سافر الشماس يعقوب إلى أورشليم بإذن اسقفه ليعيّد عيد القيامة هناك... فقال له الأسقف: [متى وصلت إلى أورشليم أسأل هناك عن أخ راهب اسمه بيلاجية يعيش فى عزلة. وان استطعت زره لتنتفع منه]. وكان الأسقف يتكلم عن بيلاجية. تقابل الشماس مع بيلاجية من خلال طاقة فى قلايتها دون أن يعرفها، أما هى فعرفته... لم يكن ممكنا أن يعرفها وقد شحبت وهزلت من الصوم تلك التى كان جمالها لا يوصف. وكانت عيناها غائرتين... ولما عرفت انه مرسل من قبل الأسقف نونيوس طلبت صلاته (صلاة الأسقف) واغلقت طاقتها.

وكان صيت الراهب بيلاجيوس الناسك ذائعاً بين أديرة المنطقة. فعوّل الشماس على زيارته ثانية للتبرك والانتفاع من منظره. ولما جاء فى المرة الثانية قرع باب القلاية فلم يجاوبه أحد، وعاود الكرة ثانية وفى هذه المرة ناداه باسمه ولم يتلق إجابة من أحد. وتكرر الأمر أكثر من مرة دون اجابه، فتجرأ وفتح الطاقة ووجده ميتاً. فاغلق الطاقة واذاع الخبر فى أورشليم أن الراهب بيلاجيوس قد تنيح...

أتى الآباء مع الأخوة من مختلف الأديرة ونقلوا الجسد المقدس، وبينما كانوا يطيبون الجسد اكتشفوا انه لامرأة!!. ودفنوا جسدها الطاهرة فى مقره الأخيرة.

مريم المصرية:

روى سيرة هذه القديسة التائبة راهب قس فى أحد أديرة فلسطين ويدعى زوسيما (القرن الرابع). عاش فى أحد الأديرة 53 سنة، وبدأت تحاربه أفكار العظمة. والله الذى لا يشاء أن يهلك أحد أرسل إليه راهباً اقتاده إلى دير قرب نهر الأردن وأمره أن يقضى فيه بقية حياته. وكان رهبان هذا الدير من النساك الكبار الذين اضنوا حياتهم بالنسك... وكان الدير قريباً من البرية التى امضى فيه المسيح الصوم الأربعينى... وكانت عادة رهبان هذا الدير أن يقضوا فترة الصوم الأربعينى فى هذه البرية خارج الدير، ولا يعودون إليه إلاَّ يوم أحد الشعانين... كان الرهبان يتناولون الأسرار المقدسة بعد قداس الأحد الأول من الصوم ثم يخرجون إلى البرية. وهكذا فعل زوسيما.

وقبيل نهاية الصوم وهو فى طريق عودته للدير أبصر شبحاً فظنه فى بادئ الأمر شيطاناً ورشمه بعلامة الصليب، ولكنه تحقق بعد ذلك انه إنسان. أسرع زوسيما – رغم شيخوخته – نحو هذا الإنسان، لكنه كان يجرى منه. وكان يصرخ إليه أن يقف... فتوقف هذا الشبح ودخل فى حفرة فى الأرض. فتكلم هذا الشخص المجهول وناداه باسمه وقال له أنا امرأة. إن أردت أن تقدم خدمة لخاطئة فاترك لها رداءك لتستتر به واعطها بركتك.

تعجب زوسيما لأنها نادته باسمه وترك لها رداءه فوضعته على جسدها... وسألته أن يباركها. فقد كان كاهنا. وزاد عجبه حين علمت بكهنوته. وطلب هو منها أن تباركه وتصلى عنه. سألها باسم المسيح أن تعرفه شخصيتها ولماذا أتت إلى هذا المكان، وكيف استطاعت أن تبقى فى هذه البرية الموحشة المخيفة، وكم لها من السنين وكيف تعيش؟!.

وبدأت تعترف بخطاياها وقالت له لا تفزع من خطاياى البشعة، بل فيما أنت تسمعنى لا تتوقف عن الصلاة لأجلى... وبدأت تروى قصتها:

قالت انها مصرية – من الاسكندرية – ومنذ سن الثانية عشر بدأ ذهنها يتلوث بالخطية من تأثير الشرّ الذى كان سائداً... وما كان يمنعها من ارتكاب الخطية الفعلية إلاَّ الخوف المقترن بالاحترام لوالدها... لكن ما لبث أن فقدت أباها ثم امها... فخلا لها الجو وانحدرت إلى مهاوى الخطية الجسدية الدنسة، وأسلمت نفسها للملذات مدة سبع عشرة سنة، ولم يكن ذلك عن احتياج سوى اشباع شهواتها. وفى أحد الأيام وقت الصيف رأت جمعاً من المصريين والليبين فى الميناء متجهين إلى أورشليم لحضور عيد الصليب المقدس... ولم تكن تملك قيمة السفر فى إحدى السفن الذاهبة إلى أورشليم... لكنها وجدتها فرصة لاشباع لذاتها مع المسافرين. ونظرت إلى الأب زوسيما بخجل وقال له: [انظر يا أبى قساوتى. أنظر عارى. فقد كان الغرض من سفرى هو اهلاك النفوس!!].

سافرت مع زمرة من الشبان... وحدث ما حدث فى الطريق، وأخيراً وصل الركب إلى أورشليم وارتكبت شروراً كثيرة فى المدينة المقدسة... أخيراً حلّ يوم عيد الصليب واتجهت الجموع إلى كنيسة القيامة. وكان الزحام شديداً... ولما جاء دورها لدخول الكنيسة، وعند عتبتها وجدت رجلها وكأنها مسّمرة لا تستطيع أن تحركها وتدخل. وكانت هناك قوة خفية تمنعها من الدخول وكررت المحاولة أكثر من مرة دون جدوى... أحست أنها الوحيدة المطرودة من الكنيسة، فالكل يدخلون بلا عائق ولا مانع.

عندئذ اعتزلت فى مكان هادئ بجوار بوابة الكنيسة وانتهت فى فكرها إلى أن منعها من الدخول يرجع إلى عدم استحقاقها بسبب فسادها... انفجرت فى البكاء وتطلعت فابصرت صورة العذراء فوق رأسها، فصرخت فى خزى: [يا عذراء... انى ادرك مدى قذارتى وعدم استحقاقى لأن أدخل كنيسة الله. بل ان نفسى الدنسة لا تستطيع أن تثبت أمام صورتك الطاهرة. فيا لخجلى وصغر نفسى امامكِ]. طلبت شفاعة العذراء من كل قلبها ووعدت بعد الرجوع لحياتها الماضية. وطلبت إليها أن تسمح لها بالدخول لتكرم الصليب المقدس، وبعدها سوف تودع العالم وكل ملذاته نهائياً. وطلبت إرشادها.

احست أن طلبتها استجيبت واخذت مكانها بين الجموع، وفى هذه المرة دخلت كما دخل الباقون بلا مانع ولا عائق... ولكنها كانت مرتعدة. سجدت إلى الأرض وسكبت دموعاً غزيرة علىخشبة الصليب المقدسة وقبّلتها، وأخذت تصلى – دون ان تحسّ بالوقت – حتى منتصف النهار.

طلبت فى أعماقها معونة الله بشفاعة العذراء أن تعرف ماذا تفعل... فسمعت صوتاً يقول لها: [أعبر الأردن فهناك تجدين مكاناً لخلاصكَ]... امضت تلك الليلة قرب الكنيسة وفى الصباح سارت فى طريقها فقابلها رجل أعطاها ثلاث قطع من الفضة وقال لها: [خذى ما أعطاكِ الله]... توقفت عند خبّاز واشترت ثلاث خبزات وطلبت إليه أن يرشدها إلى الطريق المؤدى للأردن...

عبرت باب المدينة وأحست أنها تغيّرت ووصلت إلى كنيسة على اسم يوحنا المعمدان قرب النهر. وهناك أخذت تبكى وغسلت وجهها بماء النهر المقدس... ودخلت الكنيسة واعترفت بخطاياها وتناولت من الأسرار المقدسة... عبرت الأردن وطلبت شفاعة العذراء وأخذت تسير فى الصحراء القاحلة حتى وصلت إلى المكان الذى تقابلت فيه القس زوسيما. وكانت قد أمضت به 45سنة وكان الله يعولها.

وبناء عن سؤال القس زوسيما أخذت تروى أخبار محاربتها. فقالت انها امضت سبعة عشر عاماً فى حروب عنيفة مع الشهوات الجسدية كما لو كانت تحارب وحوشاً حقيقية. وكانت تمر بذاكرتها كل الخطايا والقبائح التى فعلتها... وعانت من الجوع والعطش الشديدين... وبعد جهاد – كان الله يسندها فيه ويحيطها بنور باهر – كانت تهرب من أمامها. ومما قالته: [مرات كثيرة أخرى كانت تهاجمنى آلاف الذكريات الحسية والأفكار الدنسة، وكانت تجعل فى قلبى آلاماً شديدة بل كانت تجرى فى عروقى مثل جمر مشتعل، حينئذ كنت أخرّ على الأرض متضرعة من كل قلبى. بل كنت أحياناً كثيرة ابقى على هذا الوضع أياماً وليال، إلى أن يحوطنى النور الإلهى مثل دائرة من نار لا يستطيع المجرب أن يتعداها. وكانت العذراء معينة لى بالحقيقة فى حياة التوبة. فكانت طوال هذه المدة تقودنى بيدها وتصلى من أجلى. ولما فرغت الخبزات كنت آكل الحشائش والجذور التى كنت أجدها فى الأرض].

أما عن ملابسها فقد تهرأت من الاستعمال وكانت حرارة الشمس تحرق جسدها، بينما برودة الصحراء تجعلها ترتعد، لدرجة انه كانت يُغمى عليها.

وقالت له انها منذ عبرت الأردن لم ترَ وجه إنسان سواه... وقالت ان الله لَقنّها معرفة الكتب المقدسة والمزامير... ولما انتهت من كلامها انحنت أمام القس زوسيما ليباركها.

وأوصته ألاَّ يخبر أحداً عنها، وطلبت إليه أن يعود إليها فى يوم خميس العهد من العام التالى ومعه التناول المقدس. وقالت انها ستنتظره عند شاطئ الأردن.

وفى الصوم الأربعينى المقدس فى العام التالى خرج الرهبان كعادتهم، أما زوسيما فكان مريضاً بالحمى – على نحو ما اخبرته مريم فى لقائها معه – وبعد قداس خميس العهد حمل القس زوسيما جسد المسيح ودمه الكريمين كما أخذ معه بعض البقول والبلغ وذهب لينتظر مجئ القديسة عند شاطئ النهر... انتظرها طويلاً وكان يشخص نحو الصحراء. وأخيراً رآها على الضفة المقابلة ورشمت بعلامة الصليب على مياه النهر وعبرت ماشية على الماء. وازاء هذه الاعجوبة حاول زوسيما أن ينحنى أمامها ولكنها صاحت: [أيها الأب أيها الكاهن ماذا أنت فاعل؟ هل نسيت انك تحمل الأسرار المقدسة؟!].

حينئذ تقدمت وسجدت بخشوع أمام السرّ المقدس وتناولت من الأسرار المقدسة. وبعد قليل رفعت يديها نحو السماء صارخة [الآن يا سيد تطلق عبدتك بسلام لأنى عينى قد أبصرتا خلاصك] وطلبت إليه أن يحضر إليها فى العام القادم ويتقابل معها فى المكان الذى تقابلا فيه أولاً... وطلبت إليه أن يصلى عنها، ورشمت على النهر بعلامة الصليب وعبرته راجعة واختفت من أمامه.

وفى العام التالى وفى الموعد المحدد توجه إلى المكان الذى التقيا فيه أولاً، ووجدها ساجدة ووجهها متجهاً للشرق ويداها بلا حركة ومنضمتان فى جمود الموت. فركع إلى جوارها وبكرى كثيراً. وصلى عليها صلوات التجنيز... حتى هذه اللحظة كان لا يعرف إسمها... ولكن عندما اقترب منها ليفحص عن قرب وجهها وجد مكتوباً: [يا اب زوسيما ادفن هنا جسد مريم البائسة واترك للتراب جسد الخطية هذا، صلَّ من أجلى]... واكتشف أنها تنيحت ليلة تناولها من الأسرار المقدسة. ويقال ان ذلك كان سنة 421م... وعاد زوسيما إلى ديره وهو يقول: [حقاً إن العشارين والخطاة والزناة سيسبقوننا إلى المكوت السماوى]... وكانت سيرتها مشجعاً له أكثر على الجهاد... وتعيد لها الكنيسة القبطية فى يوم 16 برمودة من كل عام.

القديسة بائيسة:

ولدت هذه القديسة فى منوف من عائلة غنية وتقيّة، وكان ذلك فى القرن الرابع الميلادى. رباها والداها تربية مسيحية. وكنت منذ صغرها محبة للفقراء متعبدة ليل نهار مواظبة على الصلاة والصوم... انتقل والداها إلى السماء وتركا لها ثروة كبيرة، فأخذت توزع صدقات كثيرة، كما كانت تقوم بضيافة الغرباء وخدمتهم. وذاع صيت فضائلها خاصة صدقاتها الكثيرة، وكانت ترسل إلى الأديرة صدقات كثيرة... واستمرت على هذه الحال حتى انفقت كل ما لديها من مقتنيات، وربما كانت لديها النية فى الاتجاه إلى أحد بيوت العذارى لتعيش فيه...

وبينما كانت تعيش حياة هادئة، يرفرف السلام والفرح عليها، إذا بالشيطان عدو كل برّ أخذ يزرع زوانه ليفسد هذه الحنطة الجيدة. ونصب فخاخه لاسقاطها، واستطاع بعض الغرباء عن المسيح أن يستميلوا قلبها إلى الشر، فزينوا لها طريق الغواية تحت ستار الترويح عن النفس منعاً من الملل!! وكانت نتيجة التراخى والتهاون أن تكاسلت فى الصلوات وتلاوة التسابيح وانقطعت عن الصوم والسهر والعبادة، فأخذت الأفكار الشريرة تحاربها، وفقدت السيطرة على نفسها، وكانت تطلق لفكرها العنان مع أفكار الدنس... وظلت على هذه الحال حتى سقطت فى الهاوية... ثم تمادت فى شرورها حتى تحوّل بيتها إلى ماخور للفساد واصبح قلبها مأوى للشياطين.

بلغ هذا الخبر المحزن آباء برية شيهيت فحزنوا من أجلها واقاموا الصلوات عنها. وانتدبوا شيخاً من شيوخ البرية وهو القمص يحنس القصير لمقابلتها ومساعدتها على خلاص نفسها وانقاذها. وأطاع القديس وطلب صلوات الآباء... وطوال الطريق إليها كان يصلى بقلب مرفوع إلى الله. ووصل مسكنها وطرق بابها، وقال للبوابة اعلمى سيدتك بقدومى، ثم دخل إليها وهو يرتل المزمور: "إذا سرت فى وادى ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معى"... ثم نظر إليها وقال لها: [لماذا استهنت بالسيد المسيح بهذا المقدار واتيت هذا الأمر الردئ؟]. فارتعدت وذاب قلبها من تأثير كلامه. أما هو فأحنى رأسه إلى الأرض، وبكى بكاءً مراً. فقالت له: [ما الذى أبكاك؟] أجابها: [لأنى أعاين الشياطين تلهو على وجهكِ فلهذا أنا أبكى عليكِ]. سألته: [هل لى توبة؟]. أجابها: [نعم، ولكن ليس فى هذا المكان]. فقالت له: [خذنى إلى حيث تشاء]. فانصرف من عندها ولحقت به مسرعة حيث دخل الاثنان البرية. ولما امسى الوقت قال لها: [ارقدى هنا] ورقد هو بعيداً. وقام ليصلى صلاة نصف الليل فشاهد عموداً من نور نازلاً من السماء متصلاً بالأرض، وملائكة الله حاملين نفسها. فاقترب منها فوجدها قد فارقت الحياة. فالقى ذاته على الأرض وصلى إلى الله صلاة طويلة من أجلها. كان حزنه بسبب انه لم تُعطَ فرصة للتوبة. فسمع صوتاً قائلاً: [ان توبتها قد قبلت فى الساعة التى تابت فيها أكثر من الذين تابوا منذ سنين كثيرة، ولم يظهروا حرارة فى توبتهم مثل هذه القديسة].

وبعد ما دفنت مضى وأعلم شيوخ البرية بما جرى فمجدوا الله. وتعيد لها الكنيسة فى يوم 2 مسرى من كل عام.

والآن أيها المسيح إلهنا العجيب فى أعماله ومراحمه لا تُستقصى... يا من احببت الخطاة عطفاً عليهم، كما أحببت الأبرار من أجل برهم وطاعتهم... أيا الراعى الصالح الذى أتى من أجل الخروف الضال، واوقد أورشليم بسراج من أجل درهم واحد مفقود... يا من احتملت نقد الناقدين حينما صرت صديقاً للخطاة والمنبوذين، لأنك سعيت وراء السامرية، واخرجت سبعة شياطين من المجدلية، وجالست زكا العشارين، ودعوت لاوى من مكان الجباية لمجد الرسولية. يا من اعطيت الخطاة الذين يتوبون مواعيد عظمى وثمينة فى إنجيلك الكريم فلا تعود تذكر خطاياهم. الآن يا ربى، يا من صرت معيناً للقديسين، ورفيقاً للتائبين، افتقدنا جميعاً من علو سماك، وانر بصائرنا، وطهّر ضمائرنا، وذكرنا بمواعيدك، وجدّد فينا الرجاء فيك وفى عمل نعمتك المجانية... اسكب ندى رحمتك على عالمنا المحترق بنار الشهوات... افتقدنا أيها الرب إلهنا واعطنا توبة حقيقية بها نصطلح معك كما أعطيت لكل التائبين... هبنا دموعاً تجلى عيوننا فنراك فى ملء حبك وحنوك... جدد إنساننا العتيق وارحم الجميع فأعين الكل تترجاك، وشعبك وكنيستك يطلبون إليك وبك إلى الآب معك قائلين: ارحمنا يا الله مخلصنا...

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

‹

باقة من التائبين والتائبات

المحتويات
المحتويات