هذا الفصل هو جزء من كتاب: باقات عطرة – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات
شخصية يوسف
تعتبر شخصية يوسف الصديق من أعظم والطف شخصيات العهد القديم من جوانب متعددة... وتأتى أهمية دراسة حياته لكونه رمزاً من أبدع رموز العهد القديم للسيد المسيح، ومثالاً أعلى فى الطهارة والعفة، ومثال للإنسان الذى يسمح الله بتجربته ليخرج من بوتقة التجارب أكثر ما يكون قوة وإيماناً وصلة بالله... وبين ثنايا سيرته وتاريخه ونلمس بوضوح عناية الله به بقصد تمجيده...
ويوسف اسم عبرى معنا (يزيد). وهو بكر يعقوب من زوجته المحبوبة راحيل، والحادى عشر من أولاد يعقوب الإثنى عشر... ولد فى فدان آرام، ودعت راحيل اسمه يوسف قائلة:
«يزيدنى الرب إبناً آخر» (تك 30: 24)).
وقد تم ذلك بولادتها لبنيامين (تك 35: 18)...
عرض سريع لحياة يوسف:
● الاصحاحات (من 37 إلى 50) فى سفر التكوين تحدثنا عن شخصية يوسف... ويظهر يوسف على مسرح الأحداث فى الكتاب المقدس فتى فى السابعة عشرة من عمره، يرعى الغنم مع اخوته. وكان ابوه يعقوب يحبه أكثر من بقية اخوته لأنه ابن شيخوخته، الأمر الذى جرّ عليه كل التجارب التى تعرّض لها فى حياته... يضاف إلى ذلك احلامه التى أثارت حسد اخوته. لكنه فى محبة قلبيه يذهب ليفتقد سلامة اخوته فى شكيم. ولما لم يجدهم هناك بحث عنهم فى دوثان حتى وجدهم...
● تآمر اخوته على قتله، وانتهى الأمر إلى بيعه عبداً للإسماعيليين، وكذبوا على ابيهم وقالوا له إن وحشاً افترسه!! باعت القافلة التى اشترت يوسف عبداً فى مصر وكان من نصيب فوطيفار رئيس الشرطة... وفى بيت فوطيفار تظهر أمانته ونجاحه. ثم يتعرض لتجربة عنيفة أثارتها عليه امرأة سيده، الأمر الذى انتهى به إلى السجن...
● وفى السجن يلتقى برئيس سقاة فرعون ورئيس خبازى قصره. وفى السجن تظهر موهبته فى تفسير الأحلام، الأمر الذى قاده إلى تفسير حلمين لفرعون كان قد رآهما. وبتفسير هذين الحلمين يخرج يوسف من السجن مدبراً ورئيساً فى مصر... بدأت أحلام فرعون تتحقق كما فسرّها له يوسف، وبدأ الجوع الشديد يجتاح أرض مصر بعد سنى الشبع ووفرة المحاصيل. وبدأ الجوع يتعدى أرض مصر إلى البلاد المجاورة... وعُلم أن فى مصر قمحاً متوفراً فينحدر اخوة يوسف إلى مصر ليبتاعوا قمحاً...
● يلتقى يوسف بأخوته دون أن يتعرفوا عليه، ويتهمهم أنهم جواسيس. ثم أطلق اخوته بعد أن احتجز واحداً منهم هو شمعون، مقابل احضار اخيهم الأصغر بنيامين... يلتقى يوسف بأخوته ومعهم بنيامين. وهنا يكشف يوسف عن شخصيته لأخوته بعد اتهامهم بالسرقة. وكان منظراً مؤثراً أثناء هذا اللقاء... وطلب اليهم أن يأتوا جميعاً إلى مصر ويسكنوا فى أرض جاسان. ويرسل فرعون معهم مركبات ليحضر يعقوب وأبناءهم بها...
● يبدأ ارتحال يعقوب إسرائيل إلى مصر. وفى بئر سبع رفع ذبائح لله. وكلّمه الله فى رؤى الليل وقال له:
«يعقوب يعقوب... أنا الله إله أبيك. لا تخف من النزول إلى مصر، لأنى اجعلك أمة عظيمة هناك. أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك أيضاً» (تك 46: 1 - 4)).
.. وكان عدد أفراد بيت يعقوب الذين صاروا فى مصر سبعين نفساً ما عدا نساء بنيه (66 نفساً وأولادهم + يعقوب + يوسف + ابنا يوسف – تك 46: 27).
● التقى يعقوب بفرعون مصر، ولما سأله عن عمره، أجاب مستدركاً "أيام سنى غربتى مائة وثلاثون سنة قليلة ورديئة..."... بارك يعقوب فرعون. وسكن هو وبنوه فى أرض جاسان... عاش يعقوب فى مصر 17 سنة وبلغ من العمر 147 سنة، واستحلف يوسف ألاَّ يدفنه فى مصر...
● مرض يعقوب مرضه الأخير، وبارك منسىّ وافرايم ابنى يوسف ويداه على شكل صليب. أعطى البركة بيده اليمنى لافرايم رغم أنه الأصغر... ثم تحدث يعقوب عن ابنائه الاثنى عشر رؤساء الأسباط. واعطى بركة خاصة ليهوذا ونبوءته ان من نسله يأتى المسيح... ثم اسلم يعقوب روحه بعد أن أوصى بدفنه فى مغارة حقل المكفيلة حيث دفن إبراهيم وسارة وإسحق ورفقة.
● صعد يوسف واخوته إلى أرض كنعان ليدفنوا أباهم يعقوب... ثم يعود يوسف مع أخوته ثانية إلى مصر. ويعتذر اخوة يوسف إليه بعد موت أبيهم خوفاً من أن ينتقم منهم عن الشر الذى فعلوه به. لكنه يطمئنهم قائلاً:
«أنتم قصدتم لى شراً. أما الله فقصد به خيراً» (تك 50: 20)).
.. وعاش يوسف 110 سنة وتنبأ عن صعود بنى إسرائيل من مصر، وأوصى بأن يأخذوا معهم عظامه...
تأملات فى حياة يوسف:
أولاً - يوسف فى بيت أبيه:
● ظل يوسف فى بيت أبيه يعقوب حتى سن السابعة عشر... كان شاباً رقيقاً، اتصف بالمحبة والبساطة والاتكال على الله، ونقاوة القلب والطهارة...
● لقد أحب يوسف اخوته رغم بغضتهم له... الحسد أنشأ فيهم البغضة (الحسد يلد البغضة، وهذه تلد القتل: قايين وهابيل، عيسو ويعقوب، يوسف وأخوته)... كان اخوة يوسف يجاهرون بمشاعرهم نحوه، ومع ذلك لما ذهب إلى شكيم – حيث كانوا يرعون الغنم – ليفتقد سلامتهم ولم يجدهم اتجه إلى دوثان حتى وجدهم (تك 37: 12 - 17).
● كان يوسف بسيطاً (اللى فى قلبه على لسانه) – هذه البساطة جلبت عليه المتاعب... كان يحلم الأحلام ويقصها على اخوته رغم تبرّمها منه ومن كلامه... ومن أمثلة احلامه أنه واخوته حزموا حزماً فى الحقل، وإذا بحزمته تنتصب وتسجد لها حزم اخوته... وحلم آخر رأى فيه الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة له (تك 37: 5 - 10)... هذه الأحلام والبساطة فى روايتها لم يضايق اخوته فقط بل أباه أيضاً حتى أنه انتهره بقوله: "ما هذا الحلم الذى حلمت. هل نأتى أنا وأمك واخوتك لنسجد لك إلى الأرض"... وهنا – فى هذه النقطة بالذات – نجد فارقاً كبيراً بين يوسف والعذراء مريم التى قيل عنها انها كانت:
«تحفظ جميع الكلام متفكرة به فى قلبها» (لو 2: 19)).
.. يجب أن تقترن البساطة بالحكمة...
● كان يوسف متكلاً دائماً على إلهه... وهذه هى القوة التى آزرته فى كل مراحل حياته... فيوسف فى تفسيره لحلم رئيس السقاة ورئيس الخبازين فى السجن، قال لهما:
«اليست لله التعابير» (تك 40: 8)).
ولما وقف أمام فرعون ليفسرّ له أحلامه قال، فرعون له:
«أنا سمعت عنك قولاً انك تسمع أحلاماً لتعبرّها. فأجاب يوسف فرعون قائلاً: ليس لى. الله يجيب» (تك 41: 15).
، 16).
حلم رئيس السقاة: كان تفسيره.
«فى ثلاثة أيام أيضاً يرفع فرعون رأسك ويرّدك إلى مقامك. فتُعطى كأس فرعون فى يده كالعادة الأولى حين كنت ساقيه. وإنما إذا ذكرتنى عندك حينما يصير لك خير تصنع إلىَّ احساناً وتذكرنى لفرعون وتخرجنى. من هذا البيت» (تك 40: 9 - 15)).
حلم رئيس الخبازين: كان تفسيره.
«فى ثلاثة أيام أيضاً يرفع فرعون رأسك عنك ويُعلّقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك» (تك 40: 16 - 19)).
حلم فرعون: بعد سنتين من حلمى رئيس السقاة ورئيس الخبازين، رأى فرعون حلماً انه واقف عند النهر وإذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم فارتعَت فى روضة. ثم طلعت سبع بقرات أخرى وراءها من النهر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم، فوقفت بجانب البقرات الأولى على شاطئ النهر. فأكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقة اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة... ثم حلم حلماً ثانياً وإذا سبع سنابل طالعة فى ساق واحد سمينة وحسنة. ثم إذا بسبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح نابتة وراءها، فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع السمينة الممتلئة.
أما تفسير الحلمين فهو "هوذا سبع سنين قادمة شبعاً عظيماً فى كل أرض مصر، ثم تأتى بعدها سبع سنين جوعاً ويتلف الجوع الأرض. والجوع يكون شديداً جداً". أما عن تكرار الحلم مرتين فلأن الأمر مقرر من الله والله سيصنعه بسرعة (تك 41).
واتصف يوسف بنقاوة القلب... فقد أحب اخوته الذين أبغضوه... لقد نفّذ وصية محبة الأعداء قبل أن يتفوّه بها المسيح بأجيال طويلة... ونفذ وصية العفة (عدم الزنا) قبل أن يعطيها الرب لموسى بأجيال. كان صاحب قلب نقى... وصايا الله كانت مكتوبة على صفحات قلبه قبل أن تكتب فى الكتاب المقدس، وقبل أن يتفوّه بها المسيح...
● موضوع الأحلام – هل الأحلام كلها من الله؟
هناك أحلام من الله، وأحلام من الشيطان، وأحلام من تصورات الإنسان.
وعن النوع الأول، يقدم الكتاب المقدس أمثلة كثيرة... يقول اليهو بن برخئيل لأيوب "لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. فى حلم، فى رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس، فى النعاس على المضطجع. حينئذ يكشف آذان الناس" (أى 33: 14 - 16)... ويقول الرب. بلسان يوئيل النبى: "ويكون بعد ذلك أنى اسكب روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً، ويرى شبابكم رؤى" (يؤ 2: 28)... ومن أمثلتها لأولاد الله... أحلام يعقوب (تك 28: 12؛ 31: 10)؛ وأحلام يوسقف (تك 37)؛ وحلم سليمان (1 مل 3)، واحلام يوسف النجار خطيب مريم (مت 1: 20؛ 2: 12)... ومن أمثلتها لغير المؤمنين: حلم أبيمالك ملك جرار (تك 20: 3) - وحلم لابان (تك 31: 24) - واحلام رئيس السقاة ورئيس الخبازين من عبيد فرعون (تك 40) - وحلما فرعون (تك 41)، وحلم نبوخذنصر (دا 2: 4) - وحلم امرأة بيلاطس (مت 27: 19).
أما عن النوع الثانى (أحلام الشيطان) فهى كثيرة فى حياة القديسين. ولا عجب فإن الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور (2كو 11: 14)... وما أكثر ما قاله القديسون عن أمثال هذه الأحلام... وهى على أنواع: أحلام للضلالة والكبرياء؛ وأحلام للخطية والشهوة؛ وأحلام مُضلّة تُضلّ أصحابها من أى وجه. ويقول عن ذلك سليمان فى الجامعة:
«لماذا يغضب الله على قولك ويُفسد عمل يديك، لأن ذلك من كثرة الأحلام والأباطيل وكثرة الكلام» (جا 5: 6).
، 7).
أما عن النوع الثالث (أحلام من تصورات الإنسان)، فيقول عنها سليمان فى سفر الجامعة:
«لأن الحلم يأتى من كثرة الشغل» (جا 5: 3)).
ويقول إشعياء:
« ويكون كما يحلم الجائع أنه يأكل ثم يستيقظ وإذا نفسه فارغة. وكما يحلم العطشان أنه يشرب ثم يستيقظ وإذا هو رازح ونفسه مشتهية» (إش 29: 8)).
.. والأحلام فى هذه الحالة هى تعبير عن رغبات مكبوتة، وتنفيس عنها كما يقول المثل العامى: [الجعان يحلم بسوق العيش]!!
وبصفة عامة حذرنا الآباء القديسون من تصديق الأحلام والانقياد لها.
ثانياً – يوسف فى مدرسة التجارب والضيقات:
1 - المدخل إلى مدرسة التجارب:
● كانت محبة يعقوب غير المتعقلة ليوسف ابنه هى التى جلبت عليه كل المتاعب التى واجهته، وهى التى جرّت أولاد يعقوب الآخرين إلى الخطأ فى حق أخيهم يوسف... لقد دللّ يعقوب ابنه يوسف باعتباره ابن شيخوخته، وصنع له قميصاً ملوناً!!...
«فلما رأى اخوته أن أباهم أحبه أكثر من جميع أخوته ابغضوه، ولم يستطيعوا أن يكلّموه بسلام» (تك 37: 4)).
..
● أخطاء المربين والوالدين فى تربية أولادهم...
لا تدللّ ولداً ولا تمدحه أمام بقية أخوته، ولا تميّزه عنهم... إن هذا هو عين ما حدث بالنسبة لأخوة يوسف... وحتى تلاميذ السيد المسيح، لما طلبت أم ابنى زبدى منه ان يجلس واحد من ابنيها عن يمينه والآخر عن يساره فى ملكوته، اغتاظوا (مت 20: 21)...
إن انجح أب وأنجح أم وانجح مدرس وخادم وأنجح راعٍ، هو الذى يشعر كل واحد انه بينه وبينه محبة خاصة. فالمصباح المنير ينير للكل. والنهر يعطى ماءه للكل، وكذلك الوردة الجميلة تقدم رائحتها الجميلة للكل. لا يهم ان الشخص الذى أمامها حسن أو ردئ، متدين أم شرير!! فلنحب الجميع من قلبنا وينعكس ذلك فى تصرفاتنا.
2 - يوسف فى معمعة التجارب:
● ذهب يوسف ليفتقد سلامة اخوته فى شكيم، ولما لم يجدهم سأل عنهم ثم ذهب إلى دوثان حيث وجدهم. ذهب يوسف بمحبة قلبية ليفتقد سلامة اخوته رغم علمه بمشاعرهم من نحوه، لكنهم ما أن رأوه حتى تآمروا عليه ليقتلوا صاحب الأحلام... تدخل رأوبين الأخ الأكبر لينقذه. فاقنعهم بإلقائه فى بئر جاف بدلاً من قتله. وبالفعل القوة بعد أن جرّدوه من قميصه الملوّن. وإذ رأوا قافلة من الإسماعيليين مقبلة ونازلة إلى مصر، اقترح يهوذا على اخوته أن يبيعوه لهم. وفعلاً باعوه بشعرين من الفضة (تك 37: 18 - 30)... ثم ذبحوا تيساً وغمسوا القميص فى دمه، وكذبوا على أبيهم قائلين إن وحشاً مفترساً افترسه... وبيع يوسف فى مصر عبداً فوطيفار رئيس الشرطة. وعاش يوسف فى بيت فوطيفار. ويرجح أنه عاش فيه لمدة عشر سنوات. هذه كانت تجربة الحسد والبغضة والخيانة والقتل والكذب وخداع الوالدين... أما مشاعر أخوة يوسف نحوه فنلمسها حينما نقرأ فى الكتاب أنهم القوه أولاً فى البئر ثم جلسوا ليأكلوا طعاماً!!
● ثم يدخل يوسف فى تجربة الجسد والغواية... امرأة سيده فوطيفار بنفسها هى التى تطلب منه أن يخطئ معها!! لا نعلم كم من الوقت استمرت هذه التجربة طوال العشر سنوات التى عاشها يوسف فى هذا البيت. كل ما نعرفه أن التجربة كانت ملّحة ومتكررة.
« وكان إذ كلمت يوسف يوماً فيوماً انه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها» (تك 39: 10)).
.. وإذ يرفض يوسف أن يرتكب هذه الخطية، ينتقل من بيت فوطيفار إلى السجن ليقضى فيه نحو ثلاث سنوات ظلماً...
● وكانت التجارب والضيقات التى أكتنفت يوسف شديدة. ويزيد فى شدتها براءته... كل شئ حوله كان مظلماً... لقد تعقبه الشيطان فى بيت أبيه، وتعقبه فى بيت سيده...
3 - النصرة فى التجارب:
بقدر ما كانت التجارب شديدة، بقدر ما تعاظمت معونة الله مع يوسف... لقد أعطى الرب ليوسف نعمة فى عينى فوطيفار "فوجد يوسف نعمة فى عينيه وخدَمَه. فوكّله على بيته ودفع إلى يده كل ما كان له". وكمثال نتكلم عن تجربتين تعرض لهما يوسف فى مصر:
أ - تجربة الجسد:
كانت هى الغواية التى قدمتها امرأة سيده... وهنا نلاحظ بطولة يوسف بالنظر إلى النقاط التالية:
قسوة التجربة لأن المراة هى التى طلبت، ولم يَسعَ هو إلى هذا الأمر، بل امسكته من ثيابه ليتمم الفعل القبيح.
قسوة التجربة لأنها كانت تتكرر كل يوم.
قسوة التجربة لأن كل الظروف كانت سانحة...
«لم يكن إنسان من إنسان من أهل البيت هناك فى البيت» (تك 39: 11)).
.. كان الطلب من جانب سيدته وسيدة البيت، وفى هذا ما يضمن كتمان الأمر، ونوال الحظوة لدى سيده بسبب رضاها عنه...
كيف انتصر فى هذه التجربة:
● احساس يوسف بالوجود فى حضرة الله وأن الله ينظره.
«كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله» (تك 39: 9)).
.. كانت التجارب التى مرّ بها يوسف كفيلة أن تحطّم إيمانه فى إلهه، إذ كيف يرضى الله عن كل الظلم الذى عمله معه اخوته، حتى انتهى الأمر به أن يصير عبداً ولمدة عشر سنوات!!
● محبته لله وأمانته لسيده وزوجته جعلاه لا يخطئ... كان الأمر فى نظره خيانة لسيده.
«قال لامرأة سيده هوذا سيدى لا يعرف معى ما فى البيت، وكل ما له قد دفعه إلى يدىَّ. ليس هو فى هذا البيت أعظم منى. ولم يُمسك عنى شيئاً غيرك لأنك امراته» (تك 39: 8).
، 9)... وهكذا لم يكن يوسف خائناً...
● هروبه لما أمسكت به امرأة فوطيفار ليتمم معها الفعل القبيح... إن الهروب فى مثل هذه التجربة هو سر النصرة.
هذه المشاعر يصوغها البابا شنوده فى قصيدة له عن يوسف يقول:
هوذا الثوب خذيه |
إن قلبى ليس فيه |
|
|---|---|---|
أنا لا أملك هذا الث |
وب بل لا أدعيه |
|
هو من مالك أنتِ |
لكِ أن تسترجعيه |
|
فانزعى الثوب إذا شئتِ " |
وإن شئتِ اتركيه |
|
إنما قلبى لقد أقس |
مت ألاَّ تدخليه |
|
أنا لا أملك قلبى |
وكذا لن تملكيه |
|
إنه ملك لربى |
وقد استودعينه |
|
عبثاً قربك منه |
هوذا قلبى اسأليه |
|
زوجك الغائب قد أعه |
دنى مالاً وعرضاً |
|
بل وقد ملكنى فى |
بيته طولاً وعرضاً |
|
إنه عهد وثيق |
كيف أهوى فيه نقضاً |
|
وإذا ما كنت خوّا |
ناً أخون العهد فرضاً |
|
كيف أعصى الله ربى |
وبهذا الشر أرضى |
ب – تجربة احتمال الظلم:
ظلمه اخوته حينما القوه فى البئر الجاف، ولم يفتح فاه!!
ظلمته امرة فوطيفار حينما ادعت عليه كذباً انه كان يداعبها، ولم يدافع عن نفسه!!
ظلمه فوطيفار فألقى به فى السجن مدة ثلاث سنوات تقريباً، واحتمل فى صبر...
واحتمال الظلم تجربة ليست هيّنة... لكن لنتعلم من يوسف الذى تشبه بالمسيح دون أن يراه.
«الذى إذ شُتم لم يكن يشتم عوضاً. وإذ تألم لم يكن يهدّد، بل كان يسلّم لمن يقضى بعدل» (1بط 2: 23)).
الله حاكم عادل... لا تخشّ شيئاً انتظر الرب. "ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب"... والكاهن فى تحليل نصف الليل يقول: "احكم يا رب للمظلومين"... يقول داود النبى:
«لا تَغَرْ من الأشرار ولا تحسد عمّال الاثم. فإنهم مثل الحشيش سريعاً يقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون... تلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك. سلّم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجرى. ويخرج مثل النور برك وحقك مثل الظهيرة أنتظر الرب واصبرْ له ولا تغر من الذى ينجح فى طريقه، من الرجل المُجرى مكايد... لأن عاملى الشر يُقطعون، والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض» (مز 37: 1 - 9)).
أسباب النصرة فى حياة يوسف بصفة عامة:
● كان الرب معه...
«كان الرب مع يوسف فكان رجلاً ناجحاً، ورأى سيده أن الرب معه، وأن كل ما يصنع كان الرب ينجحه بيده» (تك 39: 2).
، 3)... وتكرر هذا ا لأمر بعينه فى السجن.
« وكان هناك فى بيت السجن. ولكن الرب كان مع يوسف، وبسط إليه لطفاً. وجعل نعمة له فى عينى رئيس بيت السجن. فدفع رئيس بيت السجن إلى يد يوسف جميع الأسرى الذين فى بيت السجن. وكل ما كانوا يعملون هناك كان هو العامل... لأن الرب كان معه، ومهما صنع كان الرب ينجحه» (تك 39: 21 - 23)).
.. ويتكرر أيضاً نفس الأمر حينما تولى شئون البلاد كلها...
أما لماذا كان الرب معه... فلأن يوسف نفسه كان مع الله، وكان لديه دائماً الإحساس بوجوده فى حضرة الله...
● لم يتخلَّ عن مبادئه:
فى كل الظروف التى عرضت له، وفى كل الضيقات التى حاقت به لم يتخلّ عن مبادئه فى الفضيلة... باعه اخوته... أغرته امرأة سيده... دخل السجن. لكن فى كل هذا كان أميناً لمبادئه رغم كل الظلم الذى حاق به...
4 - يوسف يتخرج فى مدرسة التجارب:
● ألقى يوسف فى البئر وخرج منه... دخل السجن وخرج منه مدبراً لكل أرض مصر... لم يكن يوسف ليصل إلى هذه العظمة بدون القائه فى الجب والسجن... مباركة هى التجارب والضيقات التى تصقلنا وتعدنا للعظمة الحقيقية ونحن إن كنا نتألم مع المسيح فلكى نتمجد أيضاً معه (رو 8: 17).
● وهنا نقف لنرى كيف يدبر الله الأمور، من أجل خير أولاده... وكيف أن يده تدير وتدبر كل شئ.
«كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله... » (رو 8: 28)).
.. كيف يتممم الله مقاصده رغم كل الظروف... فيسمح الله أن يوسف يدخل السجن مع رئيس السقاة ويفسرّ حلمه لكى يفسر حلم فرعون الذى أهله لكى يكون مدبراً لكل أرض مصر...
إن كانت هناك نقطة ضعف فى حياة يوسف. فقد سأل رئيس السقاة أن يذكره أمام فرعون. لكن للأسف نسى رئيس السقاة هذا، حتى يكون فضل القوة لله وليس من البشر.
موت يوسف:
وبعد أن عاش يوسف مئة وعشر سنين مات وانضم إلى آبائه بعد أن خدم منها نحو ثمانين سنة كرئيس على أرض مصر. وتنبأ عن خروج بنى إسرائيل من أرض مصر إلى الأرض التى حلف لإبراهيم وإسحق ويعقوب أن يعطيها لهم. وأوصى أخوته أن يصعدوا عظامه من مصر حال خروجهم (تك 50: 22 - 25).
نقل جسد يوسف إلى فلسطين (يش 24: 32) ودفن فى شكيم. وفى شكيم قبر يقدسه الجميع حتى الآن ويعرف بقبر يوسف. وقد فتح هذا القبر منذ أعوام ليست كثيرة. واكتشفت به جثة محنطة على عادة قدماء المصريين فى التحنيط وإلى جوارها سيف من النوع الذى كان يستخدمه كبار رجال الدولة فى مصر الفرعونية.
يوسف كرمز للمسيح:
يعتبر يوسف من أقوى الرموز الكتابية وأوضحها لشخص المسيح له المجد... ونعدد هنا بعض أوجه التشابه.
1 - كان يوسف محبوباً من أبيه وعمل له القميص الملون الذى كان سبباً فى حسد أخوته... والآب أعلن محبته لابنه من السماء.
«هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت» (مت 3: 7)).
2 - كان يوسف مثالاً فى الطاعة لأبيه... والرب يسوع ذكر عنه أنه "وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فى 2: 8).
3 - أحب يوسف أخوته، وذهب ليفتقد سلامتهم، لكنهم ابغضوه حسداً، وحالما رأوه تآمروا عليه ليقتلوه (تك 37)... والمسيح ابغضه اليهود بلا سبب.
«إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله» (يو 1: 11)).
وهذا اتمام لنبوءة قديمة تنبأ بها داود.
«أكثر من شعر رأسى الذين يبغضوننى بلا سبب» (مز 69: 4)).
.. وفى النهاية أسلم اليهود المسيح حسداً إلى أيدى الأمم ليقتلوه (مت 27: 18).
4 - يوسف كان يقص أحلامه على اخوته. وأحلامه كانت أعلانات إلهية، وكانت هى السبب فى كل التجارب التى تعرض لها... والمسيح جاء شاهداً للحق، واعترف الاعتراف الحسن.
«الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر» (يو 1: 18)).
.. والمسيح نفسه قال:
«لأنى لم أتمكلم من نفسى، لكن الآب الذى أرسلنى هو أعطانى وصيته ماذا أقول وبماذا أتكلم» (يو 12: 49)).
.. ومعنى هذا أن المسيح هو الذى أخبرنا عن المكونات غير المستعلنة... وكان نتيجة ذلك – كما فى حالة يوسف – أن اليهود حسدوه وابغضوه ثم صلبوه.
5 - احتال اخوة يوسف عليه ليميتوه.
«فلما أبصروه من بعيد، قبلما اقترب إليهم احتالوا له ليميتوه. فقال بعضهم لبعض هوذا صاحب الأحلام قادم، فالآن هلم نقتله ونطرحه فى احدى الآباء، ونقول وحش ردئ أكله، فنرى ماذا تكون أحلامه» (تك 37: 18 - 20)).
.. نفس هذا الأمر حدث مع المسيح واعلنه فى مثل الكرم والكرامين:
«اسمعوا مثلاً آخر كان إنسان رب بيت غرس كرماً واحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة وبنى برجاً، وسلّمه إلى كرامين وسافر. ولما قرب وقت الأثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره. فأخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضاً. ثم أرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثرمن الأولين ففعلوا بهم كذلك، فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلاً يهابون ابنى. وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه» (مت 21: 33 - 39)).
6 - يوسف ظُلم سواء من أخوته أو من فوطيفار وزوجته ولم يشكُ أو يتذمر... والمسيح.
«ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه» (إش 53: 7)).
7 - اخوة يوسف – قبل أن يتمموا جريمتهم – عروّه من قيمصه وغمسوا القميص فى الدم، وقالوا إن وحشاً أكله، وهذا هو قميصه به دم... واليهود الذين صلبوا المخلّص:
«عرّوه والبسوه رداءً قرمزياً» (مت 27: 28)).
واللون القرمزى هو لون الدم.
8 - أخوة يوسف باعوه للإسماعيليين (نسل إسماعيل) المعتبرين من الأمم... والرب يسوع باعه اخوته اليهود بثلاثين من الفضة، واسلموه إلى أيدى الأمم. ونلاحظ أن يهوذا أخو يوسف هو الذى أشار ببيعه. ويهوذا الاسخريوطى هو الذى تآمر على بيع المسيح!!
9 - يوسف الابن المحبوب صار عبداً فى أرض غريبة (مصر)... والمسيح أخى ذاته أخذاً صورة عبد فى العالم متغرباً عن السماء.
10 - جُرّب يوسف من امرأة فوطيفار، وافترت عليه زوراً وكذباً... هكذا المسيح أيضاً اتهمه اليهود زوراً وكذباً... لقد سجن يوسف من أجل الحق، من أجل الفضيلة، وامضى فى السجن ثلاث سنوات. هكذا المسيح ظل فى القبر من اجل حياة شعبه ثلاثة أيام. والسجن رمز للقبر.
11 - سُجن مع يوسف فى السجن شخصان من خدم فرعون هما رئيس السقاة ورئيس الخبازين. عُفى عن احدهما (رئيس السقاة)، وأعدم الآخر (رئيس الخبازين)... كذلك المسيح صُلب معه لصان. خلُص واحد وهو الأيمن، وهَلك الآخر وهو الأيسر حسب التقليد الكنسى.
12 - خرج يوسف من السجن مدبراً للأجساد عقب تفسيره حلم فرعون. وذلك بعد الأفراج عنه وشغله للمنصب الثانى بعد فرعون. ونعنى بأنه صار مدبراً للأجساد أنه بدأ يخزن الغلال إلى أن وافت السبع سنوات القحط. وبعدها أخذ يوزع على الناس القمح ليس فى مصر وحدها بل فى البلاد المجاورة أيضاً... والمسيح خرج من القبر ملكاً على الأرواح ومدبراً لها.
13 - كان يوسف ابن ثلاثين سنة لما وقف أمام فرعون ليصير مدبراً لكل أرض مصر... والمسيح بدأ خدمته الكرازية وهو فى سن الثلاثين.
14 - فرعون سمىّ يوسف صفنات فعنيح (تك 41: 45). وهذا الاسم معناه مخلّص العالم او معلن الأسرار بحسب الأصل العبرى، او قوت الحياة بحسب اللغة المصرية القديمة... والمسيح يجمع معانى هذه التعبيرات الثلاثة: مخلص العالم، ومعلن الأسرار، وقوت الحياة... انه قوت المؤمنين، والخبز الحىّ النازل من السماء الواهب حياة للعالم (يو 6: 33).
15 - ارتاع اخوة يوسف حينما حضروا إلى مصر ومثلوا أمامه وكشف لهم عن شخصيته وتذكّروا اساءاتهم إليه... والمسيح فى مجيئه الثانى سوف يرتاع منه الأشرار "وتنظره كل عين والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض" (رؤ 1: 7).
16 - صفح يوسف عن اخوته الذين اضطهدوه ظلماً... والمسيح غفر لصاليبه.
«يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لو 23: 34)).
17 - تزوج يوسف بأجنبية من مصر هى اسنات بنت فوطى فارع الكاهن المصرى، وهى ليست من شعب إسرائيل... والمسيح الذى رفضته خاصته – الذين هم اليهود – أخذ عروساً من الأمم (الوثنيين) التى هى الكنيسة.
18 - لقد عال يوسف الأمم – المصريين وغيرهم، واليهود الذين نزحوا بعد ذلك إلى مصر – حينما كانوا يأخذون منه قمحاً – مدة القحط والمجاعة. لقد عالهم بالخبز الجسدى... والمسيح سيعترف له الأمم واليهود على السواء باستبقاء حياتهم جسداً وروحاً...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات