نماذج من المدافعين عن العقيدة

نماذج من المدافعين عن العقيدة

ما ذكرناه سالفاً كان عن الفترة التى كانت فيها المسيحية ديانة مضطهدة من الدولة الرومانية التى كانت معقل الوثنية فى العالم... لكن ما كاد الاضطهاد الوثنى الدموى ينتهى فى مطالع القرن الرابع الميلادى بتملك قسطنطين الكبير أول الملوك الرومان الذين اعتنقوا المسيحية واصدر منشوراً للتسامح الدينى – ليس للمسيحية وحدها، بل لجميع الديانات – ما كاد هذا يحدث حتى بدأت الكنيسة المسيحية تواجه متاعب شديدة وتمر بها ظروف عصيبة نتيجة ظهور بعض الهرطقات الخطرة التى هددت المسيحية كديانة فى صميم عقيدتها. حقيقة أن الهرطقات ظهرت منذ وقت مبكر – منذ عصر الرسل. لكنها لا تقارن بالهرطقات التى ظهرت منذ أوائل القرن الرابع الميلادى، من جهة خطورتها على العقيدة المسيحية ذاتها... وكما حدث دائماً منذ فجر المسيحية، فقط ظهر بعض الآباء العظام الذين دافعوا عن العقيدة المسيحية من أمثال البابا الاسكندرى أثناسيوس، وايلاوى أسقف بواتييه بفرنسا الذى يسمونه أثناسيوس الغرب، والبابا ديسقوروس.

البابا أثناسيوس الرسولى:

ولد أثناسيوس ومعناه الخالد سنة 296 بمدينة الاسكندرية من أبوين وثنيين كريمى الأصل. توفى والده وهو مازال صغيراً. قضى حداثته فى أواخر الاضطهاد الكبير الذى اثاره دقلديانوس. وكان المؤمنون وقتئذ فى مصر يذهبون إلى الاستشهاد بالآلاف، غير مبالين بالعذاب، فخورين بإيمانهم المسيحى... نال سر العماد وهو صبّى وأخذ يدرس العلوم اللاهوتية بمدرسة الاسكندرية الشهيرة وتتلمذ على ايدى اساتذتها من أمثال كليمنضس الاسكندرى واريجينوس... الحت امه عليه بالزواج فرفض إذ كان مستغرقاً فى الدراسة وقراءة سير الآباء القديسين الذى أخذ يتمثل بسيرهم... قضى بعض الوقت فى البرية متتلمذاً على يدى القديس أنطونيوس الكبير، واكتسب فضائل زادت من شخصيته جمالاً ومن عوده صلابة... واستطاع أثناسيوس فى تلك الفترة، وفى سنه المبكر أن يكتب كتابين أحدهما عن "بطلان الأوثان أو رسالة إلى الوثنيين" والثانى عن "وخدانية الله" وتجلت فيهما مواهبه.

عاد أثناسيوس للبابا الكسندروس ورسمه شماساً خاصاً له... وسوف لا نسهب فى الكلام عن حياة أثناسيوس الشخصية لكن ما يعنينا فى موضوعنا هو دفاعه المجيد ضد المبتدعين عامة والاريوسيين بصفة خاصة. وكان آريوس – الذى إليه تنسب البدعة الأريوسية – قساً ليبياً حضر للاسكندرية بقصد تلقى العلوم الدينية انحرف آريوس فى تعليمه عن المسيح ابن الله، وامتلأت عظاته ومقالاته تجديفاً على الأقنوم الثانى... وعقد البابا الاسكندرى مجمعاً سنة 319 قدموا فيه النصح لآريوس أن يكف عن ضلاله... ولما لم يرتدع آريوس عقد البابا مجمعاً سنة 321م دعا اليه جميع أساقفة مصر وليبيا حضره نحو مائة أسقف، وقرر المجمع حرم آريوس واسقاطه من رتبته الكهنوتية.. بعد أن زاد خطره حتى امتد إلى عامة الشعب فى تعليمهم ترانيم (الثاليا) حشاها بتجاديفه...

بدأ آريوس ينشر آراءه الفاسدة وهرطقته خارج اقليم مصر، وأخذ يتصل ببعض أساقفة الكراسى الأخرى. وكانت النتيجة أن اضطربت الكنيسة اضطراباً شديداً. ونما الخبر إلى الملك قسطنطين، واستقر الأمر على عقد أول مجمع مسكونى سنة 325 بمدينة نيقية اجتمع فيه 318 أسقفاً عن كنائس العالم المسيحى شرقاً وغرباً. وحضر البابا الاسكندرى الكسندروس ومعه شماسه النابه أثناسيوس... وافتتح المجمع ودارات المناقشات وأخذ أثناسيوس الشماس يناقش ويجادل آريوس وقد جاوز الستين عاماً من عمره. وانتهى المجمع إلى وضع قانون الإيمان وحرم آريوس ومن يقول بقوله ونفى آريوس... وفى هذا المجمع أظهر أثناسيوس نبوغاً فريداً وقوة حجة حتى أن المؤرخ الكنسى سقراط قال: [إن فصاحة أثناسيوس فى المجمع النيقاوى جرت عليه كل البلايا التى صادفها فى حياته]...

تنيح البابا الكسندروس فى العام التالى لانعقاد المجمع سنة 326 بعد أن أوصى الأساقفة باقامة أثناسيوس خلفاً له لكن أثناسيوس هرب واختبأ عند القديس أنطونيوس. وكانت الجماهير المتحمسة تصيح: [انه رجل أمين. انه الفضيلة عينها. انه مسيحى حقيقى وناسك وأسقف بكل معنى الكلمة... وذهب بعض الأساقفة واحضروه وتمت رسامته سنة 326 وله من العمر نحو ثلاثين عاماً!! وقد حاول الاريوسيون منع اتمام هذه الرسامة فلم يفلحوا وبأساليبهم الملتوية وعن طريق شقيقة الملك قسطنطين عفا عن آريوس واعاده من المنفى بعد أن قدم له صورة إيمان ملتو، وأرسل خطابات إلى أساقفة أن يقبلوه فى شركتهم. ثم عفا عن جميع الأساقفة الاريوسيين وعادهم إلى كراسيهم...

لكن البابا الاسكندرى أثناسيوس أبى قبول آريوس فى شركة الكنيسة وطرده من الاسكندرية فعاد إلى الملك بخيبة أمل وارسل أثناسيوس رسالة إلى قسطنطين يقول له فيها: [إنه لا يمكن أن يقبل فى كنيسته رؤوس الهراطقة المحرومين... والكنيسة لا تقبل فى شركتها أناساً ينكرون ألوهة يسوع المسيح... ومن حرمه مجمع مسكونى، لا يحله من الحرم إلاّ مجمع مسكونى آخر]..

ثارت ثائرة الملك، وانتهز الاريوسيون هذه الفرصة واخذوا يدسون الدسائس الخبيثة، واخذوا ينسبون للبابا أثناسيوس أخطاء... واستدعى الملك أثناسيوس، فلما التقى بالملك اقنعه ببهتان إيمان أريوس، فاقتنع الملك بكلام أثناسيوس، الذى عاد إلى الاسكندرية شاكراً الله الذى أظهر براءته لكن المؤامرات الاريوسية لم تنته عند هذا الحد... فبموافقة الملك عقد مجمع فى صور سنة 334م لمحاكمة أثناسيوس وهناك نسب الاريوسيون لأثناسيوس أنه اغتصب امرأة وأخطأ معها، وانه قتل أسقفاً. وفى المجمع أظهر الله براءة أثناسيوس لأن المرأة التى ادعت عليها لم تتعرف عليه. أما الأسقف الذى قيل انه قتل انبه ضميره وذهب واعترف لأثناسيوس، وبتدبيره حضر المجمع متنكراً، ولما أثاروا موضوعه نهض معلناً انه حى وابرز ذراعيه سليمتين... استاء الأساقفة الأرثوذكسيون وتركوا المجمع. وهنا خلا الجو للأريوسيين فأصدروا حكمهم بادانة أثناسيوس ورفعوا الأمر للملك، وانتهى الأمر بنفى أثناسيوس إلى مدينة تريف بفرنسا وكان ذلك سنة 336 وهو النفى الأول...

تكرر انعقاد المجامع ونفى أثناسيوس وعودته، حتى بلغت المرات التى نفى فيها خمس مرات، كان آخرها أواخر سنة 365 لكنه اعيد إلى كرسيه بالاسكندرية أوائل سنة 366... وظل يباشر مسئولياته الرعوية حتى رقد فى الرب فى أوائل سنة 373م وكان له من العمر 78عاماً فى السنة السادسة والأربعين لأسقفيته ودفن بالاسكندرية.

كان دفاع أثناسيوس عن لاهوت المسيح، هو دفاع عن قيمة المسيح فى الكنيسة لمدة نصف قرن منها 46 عاماً فى اسقفيته وأربعة سنوات وهو شماس قبل الاسقفية... كان دفاع أثناسيوس ونضاله وما احتمله فى سبيل ذلك دفاعاً عن كيان المسيحية وبقائها. لذلك يعتبر أثناسيوس فى تثبيت عقيدة ألوهة المسيح، انه انما أقام المسيحية من جديد... قال القديس جيروم: [جاء على العالم وقت اعتقد فيه أنه سيصبح يوماً يجد نفسه فيه اريوسياً]... لذا قال المؤرخون عن أثناسيوس: [إنه بحق يعتبر مؤسس المسيحية الثانى، لأنه لولا أن انعم الله على الكنيسة بأثناسيوس ما بقيت الكنيسة إلى اليوم]... قيل له يوماً: [لقد صار العالم كله ضدك يا أثناسيوس] فأجابهم: [وأنا بنعمة إلهى ضد العالم].

كانت البدعة الاريوسية بدعة دقيقة، ليس من السهل على الناس أن يفطنوا إلى ما تنطوى عليه من انحراف ومن ضلال. خاصة وانها ظهرت فى مطالع القرن الرابع حينما كانت لا تزال للوثنية بعض قوتها. كما كان لليهود فى مصر – خاصة الاسكندرية – جالية كبيرة ونفوذهم الأدبى.. انضم هؤلاء وأولئك إلى آريوس فى مقاومة أثناسيوس.

كانت الوثنية أيضاً بأفكارها ومدارسها تؤيد الفكر الاريوسى. لأن ما قاله آريوس عن المسيح سبق أن قاله أفلوطين الوثنى الذى قال: [إن الله مستشرف على المادة، ولا يمكن أن الله المستشرف والعالى على المادة أن يتنازل فيخلق المادة. فلابد أن يخلق كائناً متوسطاً يخلق به العالم]... هذه الفكرة الأفلاطونية هى التى أخذها آريوس والبسها لباساً دينياً، وأيدها بآيات من الكتاب المقدس اساء تأويلها وتحريفها... وهكذا لم يكن الفكر الاريوسى إلاَّ فكراً وثنياً ذا لباس مسيحى. وهذا عين ما قاله أثناسيوس: [إن أفكار آريوس أفكار وثنية]...

إذا اضفنا إلى الوثنية بفلسفتها واليهودية بكراهيتها ومكرها، انضمام الدولة بقوتها وسلطانها لتأييد آريوس الذى استطاع أن يخدع كثيرين ومنهم عامة الشعب، ادركنا مدى البطولة والجهاد والاحتمال التى أظهرها أثناسيوس حتى وصلنا الإيمان الذى نؤمن به سليماً وانجيلياً.

يعتبر أثناسيوس اللاهوتى الأول فى القرن الرابع المسيحى، فهو الذى دافع عن لاهوت المسيح دفاع الأبطال. وهو أول من استخدم الكلمة اليونانية "هومواوسيوس" التى تعنى مساو فى الجوهر للتعبير عن مساواة الابن للآب وانه من ذات جوهره، بدلاً من كلمة مشابه فى الجوهر التى حاول آريوس استخدامها. والفرق بينهما فى اليونانية حرف يوتا... وهو الذى وضع قانون الإيمان الذى تردده جميع كنائس العالم شرقاً وغرباً. وترك لنا تراثاً خصباً وغنياً مع رسائل، بلغت جميعها 83 نذكر اهمها:

- رسالته إلى الوثنيين كتبها سنة 318 وله من العمر نحو 21 سنة. والغرض منها أظهار سمو المسيحية بالمقارنة بعبادة الأصنام.

- تجسد الكلمة كتبه فى نفس السنة ويعتب بحثه هذا أعظم ما كتبه فى تجسد الكلمة.

- مقالات فى الرد على الاريوسيين كتبها بعد مجمع نيقية فى الفترة من سنة 356 إلى سنة 358، وتعتبر موسوعة لاهوتية فى أثبات لاهوت المسيح وبنوته لله.

- رسالة عن الروح القدس وقد ارسلها من منفاه الثالث (356–361) إلى صديقه سرابيون الأسقف.

- رسائل فصحية وعددها 45 رسالة كتباه فى المدة من 329 إلى 373 أى مدة أقامته بطريركاً.

- سيرة القديس الأنبا أنطونيوس ويقال انه كتبها فى روما بين سنتى 356، 362.

القديس ايلارى أسقف بواتييه:

القديس ايلارى أسقف بوايتيه بفرنسان هو أحد آباء الكنيسة. وأغسطينوس الذى استعان به ضد البلاجيين الهراطقة وصفه بأنه من المع واشهر آباء الكنيسة. ويقول عنه جيروم إنه كان بليغاً وانه صوت اللاتين العالى ضد الأريوسيين. وقال عنه مع القديس كبريانوس: [لقد غرس الرب شجرتى صنوبر جميلتين خارج العالم داخل الكنيسة].

كان ينتمى لأسرة معروفة فى فرنسا. ونشأ وثنياً كما قال عن نفسه، ولكن النعمة الإلهية قادته للإيمان المسيحى وذلك فيما كان يقوم بدراسته بحماسة عن الله، اكتشف خلالها حماقة الاعتقاد بتعدد الآلهة، واقتنع بأنه لا يوجد سوى إله واحد. ولابد أن يكون هذا الإله أبدياً وغير متغير وكلى القوة، وهو العلة الأولى والخالق لكل الأشياء. ووجد ايلارى أن كل هذه الأفكار تتمشى مع ما جاء بالأسفار المقدسة المسيحية. ووجد فى قراءة العهد الجديد اجابة على استفساراته التى كانت تجول بخاطره. وآمن بما جاء فى صدر إنجيل يوحنا أن الكلمة الإلهى – الله الابن – مشارك للآب فى الأزلية والجوهر. وهكذا بعد أن عرف ايلارى الإيمان اعتمد وهو متقدم فى السن.

كان ايلارى متزوجاً قبل عماده، وكانت ابنته وتدعى ِApra ابرا على قيد الحياة عندما اختير أسقفاً على بواتييه نحو سنة 350م... عمل كل ما بوسعه للهروب من درجة الأسقفية لكن صفاته جعلت الناس يتمسكون به أكثر... وكانت توقعات الناس بالنسبة لشخصية ايلارى فى محلها، لأن صفاته البارزة أضاءت متألقة، لا لتجذب انتباه فرنسا فحسب بل الكنيسة كلها.

كانت معظم كتابات ايلارى عن الدل الاريوسى الذى كان محتدماً فى ذلك الوقت. ولقد كان ايلارى خطيباً بارعاً وشاعراً. امتاز أسلوبه بالسمو النبيل والبلاغة... وكان يُحلّ الصدق ولا يبالى بالآلام فى سبيل الحق والدفاع عنه.

وبسبب دفاعه عن الإيمان القويم ومقاومته للاريوسية والاريوسيين ورفضه ادانة القديس اثناسيوس، نفى القديس ايلارى فى منتصف سنة 356. وكان يغمره فرح شديد كما لو كان فى رحلة طيبة. وظل فى المنفى نحو ثلاث سنوات قضاها فى تأليف العديد من الكتب. ولعل أهمها وأكثرها قيمة كان كتابه "عن الثالوث".

حاول الاريوسيون وانصاف الاريوسيين عقد مجمع لإلغاء قانون الإيمان النيقاوى، وحاولوا استمالته إلى صفهم معتبرين كسبه نصراً كبيراً لهم. لكن همته لم تثبط، ودافع بشجاعة نادرة عن هذا الإيمان. أخيراً بعد أن سئم الجدل ذهب إلى القسطنطينية وقدم التماساً للامبراطور قسطنطيوس طالباً السماح بعقد مناقشة علنية مع ساتورنينوى الذى كان سبباً فى نفيه. لكن الاريوسيين خشوا هذا اللقاء، واتصلوا بالامبراطور الذى اعاده ثانية إلى فرنسا... وظل يناضل الاريوسية والاريوسيين حتى نياحته فى سنة 368.

البابا ديسقوروس:

هو البطريرك الخامس والعشرون من بطاركة كرسى الاسكندرية، وتلقبه الكنيسة "بطل الأرثوذكسية العظيم". كان شيخاً وقوراً، جمع بين الروحانية، والعمق الدراسى اللاهوتى، والشجاعة المسيحية، والصلابة فى الحق، والرغبة فى التضحية حتى بالنفس من أجل الإيمان.

حدث بعد وفاة الملك ثيئودوسيوس الصغير (408 – 450) الذى تلقبه الكنيسة بالملك الأرثوذكسى، ان اعتلى عرش المملكة الملك مركيان وزوجته الملكة بولشريا. وفى هذا الوقت الذى احتدم فيه الجدل اللاهوتى حول طبيعة السيد المسيح، كانت المؤامرات تحاك ضد كنيسة الاسكندرية واساقفتها العظام، بسعى لاون أسقف روما لدى الملك مركيان وزوجته.

عقد الملك مركيان مجمعاً فى قصره بالقسطنطينية من أجل موضوع الساعة – وهو طبيعة السيد المسيح – دعا إليه كثيراً من الأساقفة معظمهم من النساطرة. وكان البابا ديسقوروس ضمن المدعوين، واندهش لكثرة عدد الأساقفة المجتمعين بلا سبب... كان لا يدرى أن هناك مؤامرة مبنية ضده، لكنه لم يرهب الموقف... ولما تساءل عن السبب فى عقد المجمع، اجابه أحد الأساقفة بأن الملك يهدف إلى توضيح الإيمان. فقال البابا ديسقوروس فى جرأة: [إن الإيمان لهو فى غاية الكمال، ولا يعوزه شئ من الايضاح. وهو مقرر ومثبت من الآباء أمثال أثناسيوس وكيرلس وغيرهما].

حاول البعض أن يستميلوه لكى يوافق على طومس لاون أسقف روما، الذى يثبت الطبيعتين فى شخص المسيح بعد الاتحاد قال: [ان اعتقاد البيعة ينبغى ألاّ يزاد عليه أو ينقص منه. فالمسيح واحد بالطبع والجوهر والعقل، والمشيئة كما علّم الآباء]... ثم أخذ يشرح لهم المعتقد السليم... وحدث أن أحد الأساقفة المجتمعين فى قصر الملك، أخذ يوجه الكلام إلى البابا ديسقوروس، طالباً إليه أن يذعن لرغبة الملك ولا يخالفه كى يبقى فى منصبه... فما كان من ديسقوروس إلاّ أن قال له: [إن الملك لا يلزمه البحث فى هذه الأمور الدقيقة. بل ينبغى عليه أن ينشغل بأمور مملكته وتدبيرها، ويدع الكهنة يبحثون موضوع الإيمان المستقيم، فإنهم يعرفون الكتب. وخير له أن لا يميل مع الهوى، ولا يتبع غير الحق!!].

دهش الجميع من جرأته... وهنا قالت الملكة بلشاريا: [يا ديسقوروس، لقد كان فى زمان والدتى أفدوكسيا، إنسان عنيد مثلك (تقصد القديس يوحنا ذهبى الفم)، وأنت تعلم انه لم يرّ من جراء مخالفتها خيراً. وأنا أرى أن حالك سيكون مثله]... فأجابها بكل جرأة: [وأنت تعرفين ما جرى لوالدتك نتيجة اضطهادها لهذا القديس. وكيف ابتلاها الله بالمرض الشديد، الذى لم تجد له دواء ولا علاجاً حتى مضت إلى قبره وبكت عليه واستغفرت الرب فعوفيت وهأنذا بين يديك فافعلى ما تريدين، وستربحين ما ربحته امك...].

كانت نتيجة هذه الاجابة الصريحة الشجاعة أن تهجمت هذه الملكة الشريرة، ومدت يدها وصفعته صفعة شديدة اقتلعت ضرسين من أضراسه نظراً لشيخوخته. وما لبث أن انهال عليه بعض رجال القصر وأوسعوه ضرباً. وامعاناً فى الاستهزاء به نتفوا شعر لحيته!!... أما هو فبقى صامتاً محتملاً ويقول: "من أجلك نمات كل النهار" ثم جمع الأب الضرسين مع شعر لحيته، وارسلهما إلى شعبه بالاسكندرية مع رسالة يقول فيها: [هذه ثمرة جهادى لأجل الإيمان. اعلموا أنه قد نالتنى آلام كثير فى سبيل المحافظة على إيمان آبائى القديسين]...

وما لبث أن عُقد مجمع بأمر الملك فى مدينة خلقيدونية سنة 451، استخدم الضغط والإرهاب ضد الاساقفة، واتبعت سبل المؤامرات الدنيئة، فكانت النتيجة أن صدر حكم المجمع على البابا ديسقوروس غيابياً – بعد أن حيل بينه وبين حضور المجمع – بالقطع من الكهنوت واسقاط درجة الاسقفية عنه، وذلك بعد أن كتب هو – على قرار المجمع بخصوص الإيمان – حرماً لكل من يتعدى حدود الإيمان المستقيم.

صادق الملك على قرار المجمع، واصدر أمره بنفى البابا ديسقوروس إلى جزيرة غاغرا بآسيا الصغرى. وبقى فى منفاه مدة خمس سنوات صرفها فى هداية الضالين وشفاء المرضى. وانتقل إلى عالم المجد سنة 457م.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

باقة من الشهداء والمعترفين

‹

شخصيات المدافعين عن الإيمان

المحتويات
المحتويات