هذا الفصل هو جزء من كتاب: باقات عطرة – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات
نماذج من الشهداء
الشهداء الحميريون (اليمنيون):
بلاد حمي رهى بلاد اليمن. وقد وصلتها المسيحية منذ القرن الأول المسيحى على يد برثلماوس الرسول الذى حمل إليها وبلاد الحجاز الإيمان المسيحى وترك لهم نسخة من إنجيل متى وجدها عندهم العلامة بنتينوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية حينما زار تلك البلاد فى القرن الثانى. وانتشرت المسيحية فى تلك البلاد لا سيما فى مدن نجران وظفار ومأرب وحضرموت. واصبحت مركز ايبارشية أرثوذكسية أوائل القرن السادس...
أثار هذا الاضطهاد الملك ذونواس اليهودى سنة 523م، وفتك بعدة آلاف من المسيحيين الآمنين. وذكر هذه المذابح باختصار شديد المؤرخ المسلم الطبرى فى تاريخه...
كان باكورة هذه المذبحة أن قتل الملك اليهودى عن طريق الخيانة والغدر ثلثمائة رجلاً من ظفار فى ليلة واحدة بعد أن امنّهم على حياتهم... وفى الصباح كان بالكنيسة مائتا رجل من الاكليروس والعلمانيين معتصمين فيها، فأحرق الكنيسة بمن فيها... وأوفد رسلاً مع كهنة من اليهود إلى جمي البلاد الخاضعة لسلطانه لقتل المسيحيين اينما وجدوا، إلاَّ إذا انكروا المسيح وتهّودوا. كما أمر أن يحرق مع بيته كل من يخفى مسيحياً فضلاً عن مصادرة أمواله.
وكرر المأساة فى مدينة نجران إذ أرسل إلى أهلها كهنة من اليهود حاملين توراة موسى وكتاباً مختوماً بخاتم الملك وحلفوا لهم بالتوراة ولوحى شريعة موسى وتابوت عهد الرب وإله إبراهيم وإسحق وإسرائيل انه لن ينالهم أذى إذا سلّموا مدينتهم للملك. فوثق النجرانيون بهذه الوعود وخرج إلى الملك ثلثمائة من أشراف نجران وأكدّ لهم بما وعده، وطلب إليهم أن يخرجوا إليه فى اليوم التالى ألف رجل... وزع هؤلاء وأولئك على قواده خمسين خمسين، وبعد أن اطعموهم أوثقوهم وجردوهم من سلاحهم. ثم ارسل جنوده وقبض على جميع المسيحيين فى المدينة ثم ادخل هؤلاء جميعاً مع القسوس والشمامسة والعذارى والشبان والشابات إلى الكنيسة واضرموا النار بالكنيسة فأفناهم...
أما نساء نجان مع الإماء فلما علمن بالخبر وشاهدن الكنيسة تحترق بمان فيها، فقد سارعن إلى الكنيسة وكن يلقين بأنفسهن وسط النيران. ومن بينهن شماسة تدعى اليشبّع وكانت شقيقة مار بولس أول أسقف لنجران الذى أستشهد على أيدى اليهود أيضاً قبل هذه الأحداث، هذه مثلّوا بها شر تمثيل وبعد أن قيدوها سكبوا زيتاً مغلياً على رأسها، وعذبوها بعذابات كثيرة حتى استشهدت.
وممن استشهدوا فى هذه المذابح الحارث بن كعب رئيس قبائل نجران بعد محاولات عديدة لكى ينكر إيمانه بالمسيح... ولم يستشهد هو بمفرده بل اعداد غفيرة أخرى معه... وممن استشهدوا أيضاً فى نجران طفل فى الثالثة من عمره مع امه بعد حوار مثير بين الطفل والملك اليهودى نفسه حتى اندهش اليهود الحاضرون وقالوا [تأملوا هذا الأصل الردئ (يقصدون الطفل)، منذ كيف يتكلم طفولته، تبصّر كيف استطاع ذلك الساحر المضلّ (يقصدون المسيح) أن يُضل حتى الأطفال].
أما عن عدد من استشهدوا من المسيحيين على يدى ذى نواس الملك اليهودى فيقدرهم الطبرى المؤرخ المسلم بعشرين ألفاً، ولكن الوثائق السريانية التى سجلت هذه الاضطهاد تقدرهم بأربعة آلاف من الاكليروس والعلمانيين فضلاً عن النساء والأطفال...
اريانوس والى انصتا:
قد لا نكون مبالغين إذا قلنا إنه فى كل الامبراطورية الرومانية، لم يود حاكم أو وال عذّب المسيحيين بوحشية وبشاعة، وباختراع آلات ووسائل تعذيب مبتكرة، وبكثرة عدد من استشهدوا على يديه مثل اريانوس... هذا الرجل الذى لفرط عداوته وقسوته وجبروته، كان يرسل إليه الحكام الآخرون سواء من اقليم مصر أو اقاليم الدولة الأخرى، المعترفين المسيحيين ممن فشلوا فى اخضاعهم وردهم عن إيمانهم المسيحى، حتى ما يذيقهم الألم كوؤساً والواناً... لكن نعمة الله التى عملت فى شاول الطرسوسى فجعلت منه الرسول العظيم بولس، عملت أيضاً فى اريانوس، فحولّلت الذئب المتعطش لسفك الدماء إلى حمل وديع يساق إلى الذبح...
أمر اريانوس والى مدينة انصتا – بناء على الأوامر الامبراطورية الصادرة – بالقبض على جميع المسيحيين فى المدينة... كان ذلك فى زمان الاضطهاد الذى اثاره دقلديانوس واعوانه...
كثيرون تمكنوا من الهرب، لكن اعضاء الاكليروس لم يبرحوا المدينة واخذوا يشجعون المخلصين ويسندون إيمانهم... قبض على سبعة وثلاثين مسيحياً وقدموا للمحاكمة... وكان يوجد فى انصتا فى ذلك الوقت عازف مزمار (زمّار) بارع يدعى فليمون. وفى نفس الوقت كان شاباً طيباً يحبه الجميع.
كان هناك شماس يدعى ابوللونيوس. وإذ كان لا يريد ان ينكر إميانه هداه تفكيره إلى طريقة يتخلّص بها من محاكمة اريانوس له والمثول أمامه... ذهب ابولونيوس إلى فليمون، وقدم له أربعة دنانير ذهب، وسأله أن يذهب إلى معبد الأوثان ليضحى للآلهة نيابة عنه، ويمثل الدور كانه ابولونيوس. وافق فليمون على أن يعيره ابولونيوس بعض ملابسه ليتنكر فيها... وهكذا ذهب فليمون إلى المحكمة بعد أن ترك مزماره لابولونيوس، ولم يكتشف أحد حقيقة شخصيته.
مثل فليمون أمام اريانوسن وهنا عملت النعمة الإلهية فيه بطريقة عجيبة... وإذا به يعلن إيمانه ويرفض أن يقرب للآلهة... وخطر لأريانوس أن يستدعى فليمون ليعزف على مزماره، لعل انغامه الشجية ترد المتهوسين (يقصد المسيحيين) إلى صوابهم. بحثوا عن فليمون فى كل مكان فلم يجدوه. وأخيراً استدعى اريانوس شقيقه ثاؤونا وسأله عنه. أرشد عنه أخوه وأشار إليه، ولم يتعرف عليه اريانوس بسبب تنكره...
هنا تكشفت خطة الشماس ابولونيوس. فاحضر هو الآخر أمام الوالى واعترف بايمانه... وعذب الاثنان طويلاً، واجتاز ميتات كثيرة...
أخيراً أمر اريانوس أن يُعلّق فليمون من قدميه ورأسه إلى أسفل، وأن يضرب بالنشاب. وما أكثر دهشة اريانوس حينما وجد أن النشاب لا يؤثر فيه، بل ترتد عن جسده، الأمر الذى دفع اريانوس أن يترك مكانه ويتقدم ليرى نفسه هذا الأمر العجيب. اصابته نشابة قلعت احدى عينيه. فطلب من فليمون أن يشفيها له... لكن فليمون قال له لو فعلت ذلك، لنسبت أنت هذا للسحر!! لذا أوصاه أن يتوجه بعد موته إلى قبره ويأخذ من التراب ويدعك عينه به وسيشفى. فأمر بقطع رأسه فليمون وابولونيوس ودفنهما.
وباكراً جداً فى صبيحة اليوم التالى، ذهب اريانوس سراً إلى حيث دفن الشهديان، بعد أن أمضى ليلته يصرخ من شدة الألم. وهناك فعل كما أوصاه فليمون وهو يقول: [باسم يسوع المسيح الذى احتمل هذان الشهيدان الموت لأجله، ادهن عينى لاسترد البصر. وفى نفس الوقت أؤمن انه ليس إله آخر غيره]. وفى الحال انفتحت عين اريانوس وابصر... ومن شدة فرحه بدأ اريانوس يجول المدينة ماشياً على قدميه وهو يصيح: [إنى أبصر. إنى أبصر. وأنا أيضاً مسيحى. ومن الآن لا أخدم إلهاً آخر غير المسيح].. ثم اخذ أطياباً وطيّب جسدى الشهيدين فليمون وابولونيوس، وافرج عن جميع المعترفين المسجونين.
كان دقلديانوس موجوداً آنذاك بالاسكندرية، ونما إلى سمعه قصة اريانوس، فأرسل إلى أنصتا اربعة مندوبين للقبض عليه واحضاره إليه... وفى الطريق مرّ على قبر الشهيدين فليمون وابولونيوس وخاطبهما قائلاً: [اشكركما أيها المختاران المغبوطان، يا من تنعمان فى النور الأبدى. اسألا عنى سيدى يسوع المسيح أن يهبنى القوة لأكمل شهادتى]... فسمع صوتاً من القبر واضحاص كل الوضوح يقول: [لا تخف يا اريانوس، إن يسوع الذى تؤمن به سيعطيك الشجاعة اللازمة وستزداد قوتك أمام الملك. وستنال اكليللك مثلنا فى الفردوس. امض بغير خوف مع المندوبين الذين أتوا للقبض عليك. صلَّ عنهم لكى يفتح الرب عيونهم للحق]... ولم يكن اريانوس وحده هو الذى سمع هذا الصوت، بل سمعه ايضاً المندوبون... وأمام دقلديانوس اعترف اريانوس بإيمانه الجديد، ورفض التقريب لآلهة الدولة، على الرغم من اللين الذى أظهره نحوه دقلديانوس...
أمر دقلديانوس بأن يدفن اريانوس حياً فى حفرة، بعد تقييد يديه ورجليه بالقيود الحديدية، وربط رحى كبير فى عنقه... نفّذ الجند المكلفون هذا الحكم، ودفنوه فى حفرة كبيرة، وردموا التراب عليه، وبعدها أخذ الجند يرقصون فوق الحفرة، ويقولون: [سنرى إن كان مسيحه سياتى ليخلّصه]!
وفى صباح اليوم التالى، ابصره دقلديانوس قائماً أمامه بلا قيود فى قصره، فتعجب جداً وأمر أن يوضع فى كيس به رمل ويطرح فى البحر...
بعدها تقدم الأربعة مندوبين، الذين رأوا هذه الأعجوبة وسمعوا الصوت من قبر فليمون وابولونيوس، واعترفوا بإيمانهم بالمسيح امام دقلديانوس، فأمر بأن يلقى جميعهم فى البحر اسوة بأريانوس... كان ذلك فى بداية سنة 305.
بوليكاربوس أسقف ازمير:
كان فى حداثته ممن يستمعون للقديس يوحنا الرسول، وتتلمذ على يديه. وقد رسمه يوحنا أسقفاً لأزمير. ويغلب علىَّ الن انه هو ملاك كنيسة سميرنا (ازمير) الذى وجهت إليه رسالة فى (رؤ 2: 8)...
كتب اغناطيوس الشهيد الانطاكى إليه فى احدى رسائله، وهو فى طريقه إلى الاستشهاد يقول: [إن الزمن فى حاجة إليك احتياج البحارة إلى الريح، واحتياج من تتقاذفه أمواج البحر إلى مرفأ. فتأهب كما يليق برجل الله. اثبت كما يثبت السندان تحت ضربات المطرقة. فواجب جندى الله أن يتلقى تلك الضربات ثم ينتصر]. وكأنما كانت تلك الكلمات نبوءة. فقد ظل نحو ثمان واربعين سنة بعد ذلك ثابتاً فى مكانه لا يتزعزع، يعلّم الأجيال ما تلقاه من الرسل، مقاوماً كل انحراف. وقد جاء الزمن الذى يسير فيه بوليكاربوس على الدرب الذى سار فيه اغناطيوس، وينال إكليل الشهادة مثله...
ففى سنة 155م وعلى عهد الامبراطور انطونيوس بيوس اندلعت نار الاستشهاد مستعّره فى ازمير، فعذب عدد من المسيحيين، او القى بهم للوحوش الضارية. وطالب الوثنيون بالبحث عن بوليكاربوس. وحين علم بذلك، رغب فى البقاء حيث هو فى ازمير. غير ان الاخوة حثّوه على مغادرتها. فانسحب إلى بيت ريفى مع بعض الاخوة، حيث كان يصلى ليل نهار من أجل الجميع، ومن أجل الكنائس فى كل مكان. وقبل القبض عليه بثلاثة أيام، فيما كان يصلى أخذ فى غيبوبة، ورأى الوسادة التى تحت رأسه تحترق. فالتفت لمن حوله، وقال لهم: [لابد وان أحرق حياً]... كان فى استطاعته الهرب، لكنه أبى قائلاً: [لتكن إرادة الله]... وقد اثار جلال شيخوخته (86 عاماً)، وحضور ذهنه، اعجاب من حوله، وهو يحادث من جاءوا للقبض عليه... طلب إليهم ان يتأنوا عليه ساعة ليصلى بمفرده. فوقف وصلى وكان ممتلئاً نعمة وسلاماً...
طلب منه الجند أن يخرج معهم واركبوه حماراً... وفى الطريق التقى بهم ضابط الشرطة المكلّف باحضاره. اركبه فى مركبته، وشرع يقول له: [ماذا يضيرك لو قلت الرب قيصر، وقدمت البخور وما إلى ذلك، وبذا تنقذ حياتك؟!]... لم يُجب القديس على هذا الكلام، لكن ازاء الالحاح عليه قال: [إننى لا أستطيع أن أصنع ما تشير به علىَّ]. وإذ فشل فى اقناعه، هدده واهانه، ودفعه إلى أسفل المركبة بشدة فجرحت ساقه. ودون أن ينظر إلى خلف، أكمل سيره إلى الملعب حيث كان الوالى وجمهور كثير من الوثنيين هناك.
وبينما هو داخل إلى الملعب، وافاه صوت من السماء يقول: [تقوَّ يا بوليكاربوس وكن رجلاً]. تقدم نحو الحاكم. ولما تاكد من شيخوخته أنه بوليكاربوس، حاول أن يستميله فقال له:
وقرّ شيخوختك، واقسم بعبقرية قيصر، وقل: ليهلك الكفار.
رفع القديس نظره إلى السماء متنهداً وقال: ليهلك الكفار.
ثم حثه الوالى أن يحلف ويلعن المسيح حتى يطلقه. فأجاب بوليكاربوس:
لقد خدمت المسيح ستة وثمانين عاماً، ولم يصنع بى شراً، فكيف أجدّف على ملكى الذى خلصنى؟!
وعاد الوالى إلى الحاحه وقال: اقسم بعبقرية قيصر. فأجاب بوليكاربوس: [لا تظن أنى سوف أقسم بعبقرية قيصر كما تطلب، كما لو كنت لا تعرف حقيقتى: إنى مسيحى. وإذا كنت على استعداد لمعرفة العقيدة المسيحية، فاسمح لى بيوم لتسمعنى فيه].
قال الوالى: اقنع الشعب... وإن لم تعدل عن رأيك فسألقيك للوحوش المفترسة أواحرقك بالنار أجاب بوليكاربوس: إنك تهدّد بالنار التى تحرق لوقت قصير، وبعد ذلك تخمد. وذلك لأنك تجهل نار العقاب الأبدى المعدّ للأشرار... لكن لماذا تتأخر... افعل ما تريد.
وفيما كان بوليكاربوس يقول هذه الأقوال وغيرها، كان ممتلئاً شجاعة وفرحاً وكان منظره تطفح عليه النعمة، حتى أن الوالى تملكته الدهشة، وأعلن ثلاث مرات وسط الملعب: [لقد اعترف بوليكاربوس أنه مسيحى]... وللوقت صاح المجتمعون – وثنيون ويهود – [هذا هو معلم آسيا كلها، وأب المسيحيين، مبدّد آلهتنا، الذى يعلم كثيرين ألاّ يضحوا لها أو يعبدوها]... واستمروا فى صياحهم إلى ان صدر الحكم باحراقه حياً!!
أسرع الوثنيون – يساعدهم اليهود بحماس عجيب – وجمعوا الحطب والأخشاب ليضرموا ناراً شديدة. ولما أرادوا تسميره على خشبة حتى لا يتحرك من حريق النار، قال لهم: [اتركونى هكذا فإن الذى وهبنى قوة لاحتمال شدة حريق الناس، هو نفسه سيمنحنى قوة أن أبقى هادئاً وبلا حركة بدون مسامير].
ولما انتهى من صلاته تقدم إليه الجنود واوقدوا النار... وكما تقول قصة استشهاده التى كتبت بعده مباشرة: [اشتعلت النار مستعّرة، وإذ بنا نرى عجباً، اتخذت النارشكل قوس كبير، أشبه بشراع سفينة ملأه الريح، فأحاط بجسد الشهيد كأنهما هو جدار. ووقف الرجل وسط النار – لا كجسم يحترق – بل كخبز ينضج. أو أشبه بذهب أو فضة ينقى فى فرن. وشممنا عبيراً حلواً كأنما قد انتشر فى الجو حولنا – عبير بخور أو طيب ثمين].
ويروى أن المكلفين باحراق القديس أصابهم القلق لبطء النار فى التهام جسده، فأمروا جلاداً أن يُغمد خنجراً فى جسده... ولما فعل ذلك تفجر الدم غزيراً فأطفأ النار... وتعجب الجميع وقالوا انه لم يكن رجلاً كسائر البشر. وجمع الاخوة فى ازمير حطام عظامه، ووضعوها فى المكان اللائق... وتناقلت الكنائس وصف استشهاده، الذى كتبه مسيحيو ازمير حتى تشارك جميع الكنائس فى تمجيد الله.
أجنس Agnes:
ولدت بروما فى أواخر القرن الثالث، شريفة بالمولد، مسيحية الوالدين، بارعة الجمال... وما أن بلغت عامها الثانى عشر، حتى اتجهت بكل أشواقها نحو الرب... تعلّق بها قلب شاب يدعى بروكبيوس، وكان أبوه حاكم مدينة روما، فعزم على الزواج بها... واقفه أبوه على ذلك، وطلب الفتاة من أبويها. ولما تأخر ردهما، نفذ صبر الشاب، فحاول أن يكلمها مظهراً عواطفه نحوها. التقى بها فى الطريق واقترب منها ليكلمها، لكنها رجعت إلى خلف كما لو ابصرت حيّة... وقالت له: [ابعد عنى يا حجر العثرة... أنا لا يمكننى أن أنكث بعهدى واخون عريس الإلهى الذى لا آحيا إلاّ بحبه!!]... ثم أفاضت فى اظهار مشاعرها وعواطفها نحو هذا العريس الإلهى... ورفضت أخذ هدايا كان يقدمها لها.
وكشاب وثنى لم يفهم بروكبيوس حقيقة كلامها، وظن أنها تحب شخصاً آخر غيره، وانها لفرط حبها اتخذته معبوداً لها... ومن فرط هيامه وتعلقه بالفتاة مرض... قلق عليه والده واستدعى اجنس وفاتحها فى الأمر. لكنها شرحت له فى أدب نذر بتوليتها... ولأن هذا الأمر لا مثيل له فى الوثنية، لم يستطع أن يفهم كلامها على حقيقته... تدخل أحد الحاضرين وافهمه أن الفتاة مسيحية... وما أن سمع ذلك حتى خيّرها بين أمرين: إما أن تعبد الآلهة الوثنية وتتزوج بابنه، وإما أن تُعذب حتى الموت... وأعطاها مهلة للتفكير حتى اليوم التالى لتعطيه جواباً. لكن الفتاة رفضت هذه المهلة للتفكير. وقالت له إن الأمر لا يحتاج إلى تفكير، لأنها قد انتهت من اختيار الطريق... كانت اجابتها هذه بداية آلامها...
أمر الحاكم أن تقيدّ بالأغلال الحديدية، وسحبوها إلى هيكل للأصنام لتسجد لها. أما هى فرسمت ذاتها بعلامة الصليب، ولم تنظر نحو الأصنام. ولما فشل فى ارهابها، هددها بارسالها إلى أحد بيوت الدعارة... أما هى فقالت له: لا أخاف بيت الفساد، لأن معى ملاكاً يحفظنى من كل سوء.
شرع الجند يعرّونها من ثيابها وهم يدخلونها ذلك البيت. لكن شعرها غطى كل جسدها بطريقة معجزية حتى تعجب الجميع. وما أن دخلت ذلك البيت حتى أضاء نور من السماء، فتعزت وشكرت الرب.
أما بعض الأشرار ممن أتوا خصيصاً لارتكاب الفعل الردئ مع هذه العذراءن لما رأوا المنزل مضيئاً بنور لا مثيل له، ارتعبوا ولم يجسروا أن يتقدموا!!
غير أن بروكوبيوس ابن حاكم روما الذى كان يود أن يتزوجها، تجاسر ودخل ذلك البيت، ليفسد طهارتها... وحينما أقترب منها، ضربه ملاك الرب فخرّ ميتاً... وما أن رأى الحاضرون ذلك حتى هربوا واذاعوا الخبر فى كل المدينة، فاسرع الحاكم والد بروكوبيوس... وبعد أن عنّفها، عاد يتذلل إليا طالباً منها أن تقيم ابنه الميت... صلّت اجنس إلى الله، وقام الشاب وهو يصيح: [ليس إله حق إلاَّ الذى يعبدوه المسيحيون]... انتشر خبر هذه المعجزة فى كل روما، لكن كهنة الأوثان هيجّوا الناس وقالوا: لتمت اجنس الساحرة.
أما الحاكم والد بروكوبيوس فجبن ازاء صخب الناس، وترك الأمر لوكيله... وهذا استحضر اجنس، وأمر أن تلقى فى النار... لكن النار لم تؤذها، بل شوهدت وسطها واقفة تصلى. فلما رأى ذلك أمر بأن تقطع رأسها بالسيف... فاقترب منها جندى لينفذ الحكم، لكنه ارتعد وتراجع.... أما هى فشجعته وقالت له: [هلم، أقتل هذا الجسد الذى اعثر غيرعريسى السماوى] وكان استشهادها فى اضطهاد الذى أثاره دقلديانوس، وكان لها من العمر 12 أو 13 سنة.
وفى اليوم الثامن لاستشهادها تراءت فى حلم لوالديها، ومعها زمرة من الفتيات الصغيرات، ومعها أيضاً حمل أشد بياضاً من الثلج. وقالت لهما: [ألاّ كُفّا عن الحزن لموتى، وافرحا لأنى ظفرت باكليل]... وكان لقصة استشهادها أثر كبير فى الأوساط المسيحية فى القرون الأولى، ومدحها القديسون امبروسيوس واغسطينوس وجيروم وغيرهم...
بربتوا وفيليستياس:
سِجلّ آلام القديسة بربتوا والقديسة فيليستياس ورفاقهما، هو أحد الكنوز المقدسة العظيمة التى وصلت إلينا بعد أن سجلتها بربتوا بيدها... انتشرت سيرتهما فى القرن الرابع وكانت تقرأ فى كنائس أفريقيا. وكان لها تقدير عظيم جداً حتى أن القديس أغسطينوس وجد نفسه مضطراً إلى الاحتجاج لكون هذه السيرة وضعت فى مرتبة الأسفار المقدسة!!
فى مدينة قرطاجنة بشمال أفريقيا، وفى سنة 203م أثناء الاضطهاد الذى اثاره الامبراطور الرومانى سبتميوس ساويرس، قبض على خمسة من الموعوظين من بينهم بربتوا وفيليسيتاس... كانت بربتوا فى الثانية والعشرين من عمرها، متزوجة من شخص يشغل مركزاً مرموقاً، وكانت تنحدر من أسرة شريفة، وكان لها طفل رضيع... أما فيليسيتاس فكانت أمة (عبدة) متزوة وحامل فى شهرها الثامن. ولقد جمعت محبة المسيح بينهما كأختين سارتا فى نفس الطريق – طريق الشهادة.
كانت أسرة بربتوا تتكون من والدها الوثنى وأمها التى يحتمل انها كانت مسيحية، وأخاً مسيحياً وآخر موعوظاً... وبعد القبض على هؤلاء الخمسة وضعوا تحت الحراسة فى منزل خاص... وفى تلك الفترة اتصل بها والدها وحاول بكل ما اوتى من قوة – تارة بالتوسل واخرى بالمناقشة – أن يثنيها عن عزمها دون جدوى... وفى أثناء نقاشها نظرت إلى اناء وسألته إن كان يمكن أن يسمى هذا الإناء بغير إسمه. فلما أجابها بالنفى قالت له: [هكذا أنا لا استطيع أن اسمى نفسى بأى اسم آخر غير كونى مسيحية]... تركها أبوها، وفى خلال تلك الأيام القليلة نالت مع الباقين سر العماد المقدس... وكانت طلبتها الدائمة للروح القدس الذى اقتبلته بالعماد، هى الاحتمال فى الجسد...
وبعد أيام قليلة نقلوهم إلى سجن... وتقول بربتوا انه اعتراها خوف عظيم من ظلمة المكان وحرارته الشديدة بسبب ازدحام المكان، ومعاملة الجند القاسية. يضاف إلى ذلك قلقها من جهة طفلها الرضيع. لكن اثنين من شمامسة الكنيسة احضرا لها طفلها وارضعته بعد أن كاد يموت جوعاً. وأوصت امها واخاها بطفلها... لكنها بعد عدة أيام استراحت من هذا القلق بعد أن اخذت إذناً أن يكون طفلها معها فى السجن... هنا استراحت بربتوا وتغير أحساسها بالسجن وكأنها فى قصر.
تعرضبت بربتوا لضغوط شديدة من والدها المسن، لكن الرب كان يعزّيها بالرؤى والأحلام المقدسة... وفى أحد هذه الأحلام رأت بربتوا سلماً كبيراً من ذهب يصل الأرض بالسماء. كان ضيقاً بحيث لا يتسع فى الصعود عليه إلاّ لشخص واحد. وعلى جانبه آلات التعذيب، ومن أسفل تنين مرعب عند الدرجات الأولى لهذا السلّم، يتحفّز لاقتناص من يحاول الصعود على السلم للسماء... وفى الحلم رفعت بربتوا رأسها، فرأت شقيقها ومعلمها ساتوروس Saturus وهو يصعد. وحينما وصل إلى نهاية السلّم من أعلى، قال لها: [بربتوا، إنى فى انتظاركِ، لكن احذرى لئلا يلتهمكِ التنين]. حينئذ قالت بربتوا: [باسم يسوع المسيح سأصعد، ولن أخاف التنين]. وبجرأة وضعت رجلها على التنين، وكأنه الدرجة الأولى من درجات السلم، ثم بدأت تصعد مسرعة... وأخيراً وصلت. وهناك رأت حديقة فسيحة يقف فى وسطها رجل ممشوق القامة، فى رداء أبيض ناصع، وحوله وقف ألوف يرتدون ثياباً بيضاء. هناك ودت الراعى الصالح فى انتظارها، ممتلئاً رقة نحو خرافه. ثم رفع ذلك السيد رأسه ونظر إليها وقال لها: [مرحباً بطفلتى]. ثم ناداها وأعطاها كعكة، أخذتها منه وأكلتها، وحينئذ سمعت أصوات الذين وقفوا حولها يرددون كلمة [آمين].. ثم استيقظت بربتوا، وكانت تشعر بحلاوة تملأ حلقها.
أما فيليسيتاس وهى فى السجن لما أحست أن يوم الاستشهاد قد اقترب ولم تلد، حزنت وحزن معها بقية المعترفين، لأن القانون الرومانى كان يحرم قتل الحبلى قبل ان تلد. فطلبوا من الله أن يعجّل ساعة ولادتها، لكى تنال معهم اكليل الشهادة. وفى ذلك اليوم نفسه ولدت بنتاً فى السجن، وأخذتها امرأة مسيحية لتربيها.
ولما كانت فيليسيتاس تصرخ وقت المخاض، قال لها أحد حراس السجن: [إذا كنت لا تستطيعين احتمال هذا الألم، فكيف إذن ستحتملين انياب الوحوش ومخالبها؟]. فقالت له: [إنى أتألم الآن. أما غداُ فيتألم عنى آخر هو سيدى يسوع المسيح. اليوم القوة الطبيعية تقاوم الطبيعة، وفى الغد تنتصر فىَّ النعمة الإلهية على أشد ما اعددتم لى من التعاذيب]. وفى مساء اليوم السابق لموعد تنفيذ حكم الاعدام على بربتوا وفيليسيتاس، رأت بربتوا حلماً... رأت الشماس بومبونيوس Pomponius وقد أتى إلى سجنها، وأخذ يطرق بابه بعنف فذهبت إليه وفتحت له. فرأته مرتدياً ثياباً بيضاء. فقال لها: [بربتوا، اننا فى انتظارك فتعالى]... وخرجت وراءه حتى وصلت إلى مدرج واسع جداًن حيث علمت أنه فى هذا المكان ستكون المعركة الفاصلة. ثم رأت رجلاً مقبلاً من بعيد، ذا وجه مخيف. وكان يصحب معه رجالاً آخرين ليحاربوها. ثم أتى رجل آخر وصاح بصوت جهورى [إن استطاع هذا المصرى أن يغلبها فليقتلها بسيفه. أما إن استطاعت هى أن تقتله فلتتقدم لتأخذ سعف النخل]... اقترب كل منهما نحو الآخر. وكان المصرى يحاول أن يهجم على قدمى بربتوا. لكنها ضربته بمهماز كان فى يدها... ثم ا رتفعت هى فى الهواء، وأخذت تسدّد له الضربات واللكمات. ثم أمسكته من رأسه واوقعته على وجهه، وداست عليه بقدميها... وحينئذ توجهت إلى رئيس المحفل حيث أخذت منه سعف النخل، فقبّلها وقال لها: [سلام لكِ يا ابنتى]... ثم خرجت من بوابة كبيرة... وبعد أن استيقظت بربتوا أخذت تتأمل هذا الحلم، وايقنت أن حربها ليست مع وحوش فقط، بل مع الشيطان الذى يرمز إليه ذلك المصرى. وايقنت أن سعف النخل رمز الظفر.
أخيراً حلّ يوم النصرة... افتيد هؤلاء الشهداء من السجن إلى المسرح الكبير، وكانوا يسيرون كمن هم فى طريقهم إلى السماء!! كانت بربتوا ترتل مزموراً النصرة... اطلقت على بربتوا وفيليسيتاس بقرة وحشية نطحتهما ورفعتهما إلى أعلا وطرحتهما إلى الأرض بشدة... ولما افاقت بربتوا سألت زميلتها فيليسيتاس [متى سيلقوننا للوحوش؟]. لأنها لم تشعر بأى شئ وكأنها كانت مسغرقة فى نوم!! تمزق ثوب بربتوا فى الصراع، لكنها لم تنسَ حتى وهى فى هذه الحالة أن تغطى جسدها بردائها الممزق... إلى هذا الحد كان تمسكها بالطهارة وحرصها ألاّ ينكشف جسدها.
أخيراً قطعت رأس كل من بربتوا وفيليسيتاس بحد السيف، ونالا إكليل الشهادة والمجد الأبدى. وتعيّد لهما الكنائس الغربية فى اليوم السادس من شهر مارس.
المعلم غبريال بن نجاح:
قبض الحاكم بامر الله الخليفة الفاطمى (996 - 1020م) – الذى اتسمت تصرفاته بالشذود والتطرف واللامعقول – على عشرة من أراخنة الأقباط... وكان أحدهم من مقدمى الأقباط الأرثوذكس ويدعى أبو نجاح الكبير... طلب إليه الحاكم أن يعتنق الإسلام ليجعله وزيراً... فطلب من الخليفة أن يُمهله يوماً يفكر فيه... ولم يكن طلبه مهلة اليوم للتفكير، بل للاتصال باخوته وحثهم على الثبات فى الإيمان والموت على اسم المسيح. وحينما اجتمع بهم قال لهم: [الان يا اخوتى لا تطلبوا هذا المجد الفانى، فتضيّعوا مجد السيد المسيح الدائم الباقى. فقد اشبع نفوسنا من خيرات الأرض. وهوذا برحمته قد دعانا إلى ملكوت السموات. فقوّوا قلوبكم...]. وفى الغد مضى إلى الحاكم بأمر الله، وأعلن إيمانه أمامه... وقد حاول الحاكم بكل الوسائل أن يحوله عن الإيمان المسيحى، فذهبت كلها ادراج الرياح... فأمر بأن تنوع ثيابه عنه ويشد فى الهنبازين ويضرب بأعصاب البقر... ضربوه خمسمائة سوط على جسمه الناعم حتى تقطع لحمه وسال دمه كالماء. ثم أمر أن يضرب إلى كمال الألف جلدة. وبعد أن ضرب ثلثمائة أخرى، قال للجلادين: [أنا عطشان]. توقفوا عن ضربه وأعلموا الحاكم بذلك، فظن أنه ضعف. فقال: [اسقوه بعد أن تقولوا له يرجع لديننا]... فلما جاءوا إليه بالماء واخبروه بما أمرهم به الخليفة، قال لهم: [اعيدوا له ماءه فإنى غير محتاج إليه، لأن سيدى يسوع المسيح قد سقانى]... وذكر شهود عيان أنهم أبصروا ماءً يتساقط من لحيته. ولما قال هذا أسلم الروح... طيّروا الخبر للحاكم أنه توفى، فأمر أن يضرب مائتى جلدة كمالة الألف التى أمر بها...
بفام بن بقورة الصّواف:
كان استشهاد هذا الشهيد فى حبرية البابا البطريرك الأنبا خرستوذولس (1046 - 1077م) وخلافة المستنصر الفاطمى... كان يبلغ من العمر 22 سنة ويقيم فى مصر القديمة. وكان من أسرة طيبة، وكان خاله أنبا جرجه أسقفاً. تعرض لتجربة شديدة دفعته للارتداد عن الإيمان المسيحى... رفضه أبوه وامه وابعدوه عنهم... لكن الله لم يتركه، إذ نخس قلبه وندم على فعلته، وقرر العودة للمسيحية ثانية...
مضى إلى كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة وأقام بها أياماً، وعوّل على التوجه إلى دير أبو مقار صحبة بعض الرهبان والاقامة هناك... وكان ذلك بناء على مشورتهم... لكنه عاد وغيّر فكره وقال لهم: [ما منفعتى إذا مضيت معكم إلى تلك البرية، ولم أعترف بالمسيح فى الموضوع الذى انكرته فيه!!]... تركهم وشدّ زناّره فى وسطه علامة نصرانيته، وأخذ يتجول فى أسواق مصر... فلما رأى المسلمون زناره فى وسطه بعد اسلامه، امسكوا به واقتادوه إلى الشرطة. فاعتقله الوالى وضيّق عليه...
كان أبوه على صلة طيبة بأحد كبار موظفى الدولة ويدعى "عدة الدولة رفق"، فمضى إليه طالباً مساعدته فى تخليص ابنه، ووعده بمبلغ كبير من المال... قال له عدة الدولة انه لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلاّ إذا تظاهر ابنه بالجنون. وانه ينفذ للحبس شهوداً ينظروه ويسمعوا كلامه ويقرّروا جنونه، وبهذه الطريقة يمكن تخليصه.
كان مع بفام فى الحبس راهب سريانى الجنس، أخذ يعظه فأنار قلبه، وأبان له طريق الشهادة حتى حبّب إلى نفسه الشهادة على اسم المسيح. وغداً الاستشهاد أمراً يشتهيه ويؤثره على الحياة... فلما دخل إليه الشهود فى السجن كلمهم بكل عقل واتزان واعترف بالإيمان المسيح... قالوا له: [إنما قيل لنا أنك فعلت هذا عن جنون أصابك]. أجابهم: [لو كنت مجنوناً ما حفظت دينى وإيمانى. وأنا بحمد الله عاقل مؤمن بالسيد المسيح له المجد]... ولما رفع الأمر للوزير أمر بقتله...
ابلغوه فى السجن الحكم القاضى بقتله بقصد ارهابه، لكنه ثبت على إيمانه... فأخرجوه من سجن الشرطة إلى حيث المكان المعدّ لقتله... وتبعه جمع غفير من الناس يحملون عصّيهم وآلات تعذيب أخرى. هناك فى ذلك المكان – وهو قاب قوسين أو أدنى من القتل – أخذ نائب الوالى يغريه باغراءات كثيرة حتى يعدل عن رأيه... فكان جواب الشاب على كل تلك الوعود: [لو دفعت لى مُلك مصر ما التفتُ إليه]. فرفع يده ولطمه لطمة قوية تورّمت لها عينه، واخذوا يرهبونه بأمور أخرى... أرادوا أن يعصبوه عينيه، لكنه قطع جء من كمّ ثوبه وعصب عينيه بيديه. وركع على الأرض وحوّل وجهه نحو الشرق ورشم جبينه بعلامة الصليب، ومدّ عنقه والتمس أن يشرب فما أعطاه أحد... وهوى السيّاف بسيفه على عنقه، فوقع بطنه على الأرض، أما رأسه ووجهه فكانا منتصبين نحو الشرق وكأنه يصلى.
أقاموا أربعة جنود لحراسته فى تلك الليلة، فأبصروا نوراً عظيماً، حلّ على جسده حتى أنهم فزعوا منه. وأمر الخليفة المستنصر أن يُسلّم جثمانه لذويه ليدفنوه حيثما شاءوا. فحمله أبوه إلى كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل بجزيرة الروضة، ودفنه خارج الباب... وفى اليو الثالث وصل البابا خرستوذولوس إلى هذه الكنيسة، ولما علم أنهم دفنوا الشهيد بفام خارج الباب، استنكر هذا التصرف وقال: [لا يدفن الشهيد خارج البيعة]. وأمر بهدم القبر واخراج جسده، ودخل به إلى الكنيسة، وكشف عنه الكفن وقبّله وتبارك منه. ووجد عليه دماً سائلاً كأنه نزف منه لوقته. فأخذ البطريرك من الدم وصلّب على ثيابه. وبنى هناك مذبحاً على اسمه، وكرّزه ودفنه مقابله على سطح الأرض حتى يتبارك منه الناس.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات