هذا الفصل هو جزء من كتاب: باقات عطرة – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات
نماذج من أبرار علمانيين
نتقدم الآن لنقدم بعض نماذج من أبرار علمانيين عبر تاريخ الكنيسة...
سمعان الدباغ:
نقرأ عنه ضمن سيرة البابا إبرام بن زرعة السريانى البطريرك ال 62 (975 – 978) الذى تمت فى عهده معجزة نقل جبل المقطم... فقد أوغر الوزير اليهودى الذى اسلم يعقوب بن كلّس، صدر المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين فى مصر ضد النصارى. وكان هذا الخليفة متسع الافق واسع الصدر فهيماً... وقال له: [النصارى مكتوب فى إنجيلهم "من كان فيه إيمان مثل حبة خردل فإنه يقول للجبل انتقل واسقط فى البحر فيفعل". وإما أن يكون النصارى على صدق أو كذب فى إنجيلهم]... استدعى الخليفة البطريرك وسأله عن حقيقة ورود هذا القول فى الإنجيل فأجاب بالإيجاب، فطلب إليه أن يرى هذه الآية وإلاَّ افنى النصارى بالسيف!! كانت مفاجأة للبطريرك واعتراه خوف عظيم ولم يعرف بماذا يجيب سوى انه طلب ان يمهله ثلاثة ايام...
استدعى البطريرك الكهنة والأراخنة والشعب فى بيعه العذراء المعروفة بالمعلقة وأعلمهم بالأمر وهو يبكى. ووضع على الرهبان قانون صلاة وصوم بالخبز والملح والماء من المساء إلى المساء. وان يجتمعوا فى البيعة ليل نهار. أما البطريرك فظل صائماً هذه الأيام الثلاثة. ومن فرط حزنه واعيائه سقط فى صبيحة اليوم الثالث على الأرض وغفا غفوة يسيرة، فرأى السيدة العذراء وقالت له بوجه فرح: [ما الذى أصابك؟] أخبرها بالأمر. فقالت له العذراء: [لا تخف فإنى ما أغفل عن الدموع التى سكبتها فى بيعتى هذه]. وقالت له أن يقوم ويخرج من موضع معين يؤدى إلى السوق الكبيرة، وسيجد إنساناً بعين واحدة، يحمل جرة ماء، وهذا الإنسان هو الذى تتم على يديه الآية...
استيقظ البطريرك وهو مرتعب ونهض بسرعة وسار فى الطريق كما قالت له العذراء، ووجد الرجل فامسكه وقال له: [بمطانوة من جهة الرب ارحم هذا الشعب]. ثم روى له عن الموضوع الذى لأجله تقابل معه. فقال له الرجل [اغفر لى يا أبى فإنى خاطئ ولم ابلغ إلى هذا الحد]. عندئذ اخبره البطريرك بما قالته له السيدة العذراء. ثم سأله عن صناعته. فأراد ان يخفى أمره. لكن البطريرك وضع عليه الصليب وربطه بالحروم ان لا يخفى شيئاً عنه من أمره... فقال له: [يا أبى اخبرك بحالى على أن تكتمه. أنا رجل دبّاغ. وعينى هذه التى تراها انا قلعتها لأجل وصية الرب عندما نظرت ما ليس لى، نظر شهوة. ورأيت اننى ماض إلى الجحيم بسببها. ففكرت وقلت الأصلح لى أن أمضى إلى الحياة بعين واحدة كما قال السيد المسيح أخيراً من امضى إلى الجحيم بعينين. وأنا فى هذا الموضع أجير لرجل دباغ، افضل مما أعمل به فى كل يوم إلاَّ خبزاً آكله والباقى للمستورين المنقطعين من الأخوة نساء ورجالاً. وهذا الماء اسقيه لهم كل يوم قبل أن امضى إلى شغلى، وامضى به إلى قوم فقراء، منهم من لا قدرة لهم على شرائه من السقّا. فنهارى كله أعمل فى المدبغة وليلى قايم أصلى. وهذه قضية حالى. وأنا أسألك يا أبى لا تظهرنى لأحد، فليس لى قدرة ان احتمل مجد الناس. بل الذى أقوله لك افعله. اخرج أنت وكهنتك وشعبك كله إلى الجبل الذى يقول لك الخليفة عنه، ومعكم الأناجيل والصلبان والمجامر والشمع الكبير. وليقف الخليفة وعسكره وجماعته فى جانب، وأنت وشعبك فى جانب. وأنا خلفك قايم فى وسط الشعب، بحيث لا يعرفنى أحد. واقرأ أنت وكهنتك وصيحوا قايلين يا رب ارحم ساعة طويلة. ثم مُرهم بالسكوت والهدوء. وتّسجد ويسجدون كلهم معك وأنا أسجد معكم من غير أن يعرفنى أحد. وافعل هكذا ثلاث مرات. وكل دفعة تسجد وتقف تُصَلّب على الجبل فسترى مجد الله]...
طاب قلب البطريرك بهذا الكلام وتوجه للخليفة المعزّ ومعه الشعب وقال له انه مستعد للخروج للجبل. وفعل البطريرك كما قال له الرجل... وصرخوا دفعات كثيرة "يا رب ارحم". ثم أمرهم بالسكوت وسجد على الأرض وسجد الجميع معه ثلاث مرات. وكل مرة يرفع وجهه ويصلّب فيرتفع الجبل عن الأرض. فإذا سجدوا نزل الجبل إلى حدّه... فاعترى الرعب الخليفة ومن معه وصاحوا "الله أكبر"... ثم قال المعز للبطريرك بعد ثالث رفعة: [حسبك يا بطريرك، قد عرفت صحة دينكم]... فلما هدأ الموقف التفت البطريرك يطلب الرجل القديس سمعان فلم يجده!!
فهد بن إبراهيم:
كان من اراخهة الأقباط فى عهد الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى... عينه الحاكم كاتباً له وكاتم سرّه ومنحه ثقته. وكان ذلك وسط الجو غير المستقر بالبلاد وكثرة حوادث القتل. فلما اغتيل برجوان الصقلى الذى كان مستأثراً بالسلطة بتدبير الحاكم نفسه، أرسل فى طلب فهد بن إبراهيم وخلع ليه احسن الحلل وقال له: [لا تقلق ابدأ لما حدث]، واستوزره، واوصى كتاب الدواوين والأعمال بطاعته... ثم قال الحاكم لفهد أمام الجميع: [أنا حامد له وراض عنك، وهؤلاء الكتاب خدمى فاعرف حقوقهم واجمل معاملتهم، واحفظ حرمتهم، وزد فى واجب من يستحق الزيادة بكفايته وامانته] وعرف باسم الرئيس ابو العلا فهد بن إبراهيم... ولما وصل فهد القبطى إلى هذه المكانة، وحاز ثقة الخليفة الحاكم، صار هدفاً للدسائس ممن يبغضون النصارى، فبدأت الوشايات ليضعفوا ثقة الحاكم فيه... والعجيب أن الحاكم رغم فهمه مغزى الشكاوى التى قدمت ضد فهد، لكن تمشياً مع التيار، سمح باغتيال فهد بعد أن استمر فى خدمته ست سنوات. وافهم حاشيته انه إنما أصدر أمره هذا تحت ضغط شديد!! ولتغطية الموقف أرسل الحاكم فى طلب أولاد فهد الذى قتل وخلع عليهم، وأمر ألاَّ يمسّهم أحد بسوء...
لم تكن هذه الشكاوى والاحتجاج بقتل فهد تحت ضغط، إلاّ ذراً للرماد فى العيون... فيذكر كتاب تاريخ البطاركة وهو من أهم المصارد التاريخية لهذه الحقبة، أن سبب قتل الحاكم بأمر الله لفهد بن إبراهيم، هو ان الحاكم طلب إليه اعتناق الاسلام. فلما لم يوافقه أمر بقطع رأسه وحرق جسده لمدة ثلاثة أيام. ومع ذلك لم يحترق جسده!! بل بقيت يده اليمنى وكأن النار لم تقر به!! أما السبب فى ذلك فقد قيل عن فهد هذا انه كان رحوماً جداً ولا يرد سائلاً تنفيذاً لوصية السيد المسيح "كل من سألك فاعطه". ويده اليمنى التى كانت تمتد بالخير، هى التى ظهرت فيها المعجزة أكثر من بقية جسده، إذ بدت وكأن النار لم تقربها!! وإن كنا نجهل كل ما يتصل بحياة هذا الإنسان الخاصة، لكن يكفيه ثباته على الإيمان حتى الموت، وتكفيه صفة الرحمة نحو اخوة المسيح. لقد فهم وصية الرب "اذهبوا واعلموا ما هو انى أريد رحمة لا ذبيحة".
وفهد بن إبراهيم مدفون جسده بدير الأنبا رويس، وربما فى المقبرة الكائنة تحت مذبح الكنيسة الأثرية التى تحمل اسم الأنبا رويس حالياً. (انظر سيرة القديس أنبا فريج التى اصدرتها مجلة صهيون فى أغسطس سنة 1947).
ابن بقيرة الرشيدى:
كثيرون من الأقباط فى عهد الحاكم بأمر الله اكرهوا على اعتناق الاسلام وهذا بشهادة المؤرخين المسلمين وفى مقدمتهم المقريزى. وبالفعل أسلم عدد كبير منهم، لكن كثيرين أيضاً جاهروا بإيمانهم المسيحى، دون أن يخشوا بطش الحاكم، ومن هؤلاء بقثيرة الرشيدى أحد رؤساء كتّاب الديوان...
ترك خدمة الديوان وحمل صليبه، ومضى إلى قصر الحاكم، وصاح على بابه: [المسيح ابن الله]. فلما سمع الحاكم صوته أمر باحضاره، وطلب إليه أن يجحد إيمانه المسيحى ويعتنق الإسلام فرفض. وبحسب رواية تاريخ البطاركة انه [كان كالصخرة القوية التى لا تضطرب. وكان كلما خاطبه الحاكم زاد صياحه قائلاً المسيح ابن الله]... فأمر الحاكم بأن يُقيّد بالقيود الحديدية ويلقى فى السجن... رغم هذه القيود الحديدية، كان دائماً قائماً للصلاة ووجهه نحو الشرق يصلى مع ثقل الحديد المكبَّل به!!
وحدث ان زاره إنسان فى السجن، فقال له متنبئاً أن يخبر اسرته انه قبل مغيب شمس ذلك اليوم سيكون معهم فى المنزل... وبالفعل افرج عنه الحاكم فى نفس اليوم، وكتب بأن لا يعترض أحد بقيرة الرشيدى فى بيع أو شراء ولا فى أمر من الأمور...
وما أن خرج من السجن حتى أخذ يطوف على النصارى الذين تملكهم الرعب والفزع مما كان حادثاً، وطمأنهم انه بعد ثلاثة أيام تزول عنهم الشدة!!... وتم ذلك بالفعل. ففى اليوم الرابع أصدر الحاكم أمراً بأن يتعامل المسلمون مع النصارى فى البيع والشراء. وصرّح لهم بمغادرة مصر إن أرادوا، إلى بلاد الروم أو الحبشة أو النوبة أو غيرها. وكانوا قبل ذلك ممنوعين...
ترج بقيرة الديوان وتفرغ لافتقاد المحبوسين، وكان يحمل إليهم ما يحتاجونه... وكان رحوماً جداً يرعى الفقراء والمعوزين. وكان يصوم يومياً إلى المساء، ويمضى معظم الليل فى الصلاة... ومما يذكر عن محبته للرحمة، أنه فى أحد الأيام اشترى خبزاً كعادته ووزعه على "المستورين والفقراء"، حتى انه لم يُبق لنفسه سوى رغيفاً واحداً. فجلس ليتناول افطاره فى المساء بهذا الرغيف، وبعد أن صلى وشكر الرب مدّ يده ليأكل فسمع طرقاً على الباب. فقال لغلامه: [ابصر الباب]. فخرج فوجد إنساناً مستورداً، فقال له: [قل للشيخ بقيرة نسيتنى اليوم، وليس عندى ما افطر عليه]. فدخل الغلام وأعلمه بما قاله الرجل، فدفع له الرغيف، وبات طاوياً إلى الليل ثانى يوم...
وحدث ان إنساناً جليل القدر فى قومه، كان غنياً جداً وأحنى عليه الدهر، وافتقر ونفذ ماله حتى لم يبق له شئ إلاَّ الثياب التى تستر جسده... وعلم بقيرة بظروف هذا الإنسان، فأنفذ إليه عشر أرادب قمح مع غلامه. ولم يكن هذا الرجل موجوداً بالمنزل وقتذاك. فافرغ الغلام القمح أمام زوجته وقال لها انه مرسل من عند بقيرة الرشيدى. فلما عاد الرجل وسمع بذلك انزعج جداً لافتضاع أمره، وبدأ يبكى... فهدأت زوجته من خاطره وطلبت إليه أن يقوم ليصلى، وأن يرد القمح لصاحبه فى اليوم التالى... فلما نام تلك الليلة رأى فى منامه كأن السيد المسيح قائم أمامه. فقال له: [لماذا أنت متوجع القلب]. قال له: [يا سيد كيف لا يوجعنى قلبى، وأنا من بعد ذاك الغنى والرحمة التى كانت لى، قد انتهى بى الأمر إلى هذا الفقر حتى صرتُ اتصدّق وخير لى أن اموت بالجوع افضل من هذا]. فقال له المسيح: [لا تحزن، فإن هذا القمح ما هو لأحد بل هو لى. وانا انفذته لك على يد وكيلى] قال له: [يا سيد ما جاءنى وكيل لك، بل بقيرة الرشيدى انفذه إلىَّ]. فقال له الرب: [كأنك ما علمت إلى الآن ان بقيرة وكيلى]؟! فلما سمع هذا استيقظ واعلم زوجته بالحلم وطاب قلباهما...
وكان بقيرة الرشيدى ارخناً بمعنى الكلمة، وكان له مواقف مشرّفة مع البطريرك شنوده الثانى البطريرك ال 65 (1032 – 1046)... وكان متمسكاً بقوانين الكنيسة وتقاليدها وتعليمها حتى لو كان تمسكه هذا يغضب الأب البطريرك. وكثيراً ما تدخل لفض المنازعات عين هذا البطريرك وبعض الأساقفة...
القديس الأنبا رويس:
على الرغم من الشهرة الكبيرة التى حازها هذا القديس، خاصته بعد أن أصبح ديره مقراً للكرسى البابوى فى هذه السنوات، لكنه لم يكن راهباً ولا نال درجة كهنوتية على الاطلاق...
ولقد القديس فى ضيعة منية بمين من أعمال الغربية من أسرة فقيرة. كان اسم أبيه إسحق واسم أمه سارة. واسمياه "فريج". لا نعرف على وجه الدقة تاريخ ميلاده، لكنه عاش فى القرن الرابع عشر الميلادى وتنيح ىف 18 أكتوبر سنة 1404 (21 بابة 1121ش)... وكان أبوه فلاحاً. كان يساعد أبوه فى أعمال الفلاحة. فاذا انتهى من عمل الحقل كان يبيع الملح على قعود صغير (جمل صغير). وقد سمى قعوده "رويس" (تصغير لكمة رأس)، لأنه كان يداعب صاحبه برأسه الصغير... وكان هذا الجمل اليفاً حتى انه كان إذا دعاه باسمه كان يُلبىّ دعوته... وقيل إن هذا الجمل من الذكاء والولاء لصاحبه حتى انه كان يغطيه إذا نام بدون غطاء ويُوقظه فى مواعيد الصلاة.
أقام فى منزل والده حتى سن العشرين. ووقع اضطهاد شديد على المسيحيين حتى ان والد هذا القديس خرج عن الإيمان من شدة وطأة هذا الاضطهاد. اختفى القديس وسافرا إلى مصر ومن شدة تعبه وجوعه نام فى الطريق فرأى فى نومه رجلين يلمعان كالبرق اختطفاه وحملاه إلى السماء ثم دخلا به إلى كنيسة سمائية، رأى فيها جمعاً كبيراً من المصلين. وسمع صوتاً من داخل يدعوه قائلاً: [أنت جوعان يا هذا، تقدم وكل خبز الحيا]. وحينئذ قدمه الرجلان المضيئان إلى المائدة المقدسة وتناول من الأسرار المقدسة. ثم أعاداه إلى الموضع الذى اخذاه منه.
بعد هذا الحلم نهض وعبر مصر ومنها إلى الوجه القبلى. وفى هذه البلاد جميعها غيّر اسمه إلى "رويس" انكاراً لذاته... عاش هذا القديس غريباً هائماً على وجهه متشبهاً بسيده الذى لم يكن له أين يسند رأسه. وكان حنينه إلى السماء شديداً. فكثيراً ما كان يترنم بقول المرتل: "الويل لى فإن غربتى قد طالت علىَّ وسكنت فى مساكن قيدار".
ولقد عاش هذا القديس عيشة فى غاية الخشونة والقسوة وقمح الجسد. فكان صوّاماً، ولا يأكل إلاَّ قليلاً والتافه من الأطعمة، ولا يلبس إلاَّ ما يستر عورته ويترك باقى جسده عارياً معرضاً لحرارة الصيف وبرد الشتاء. وكان فى ذلك شبيهاً بيوحنا المعمدان.
طاف كل بلاد القطر المصرى من قوص فى صعيد مصر الأعلى إلى دمياط والاسكندرية. وكان إذا دخل بلداً يعمل بيديه ليحصل على ما يقوم بأوده ويتصدق بما يتبقى... وكثيراً ما عرض عليه مريدوه الثياب الفاخرة والنقود والعطايا لكنه كان يرفضها... لم يكتف بعيشة الحرمان بل كان يصرف حياته صائماً مصلياً. وقيل عنه انه كان يصوم يومين يومين وثلاثة ثلاثة انقطاعياً. ومرة صام اسبوعياً كاملاً. واخرى صام أحد عشرة يوماً متوالية، وأخرى صام 26 يوماً. وكان مواظباً على التناول المقدس. كان يتناول الأسرار المقدسة فى خوف ورعدة، وكثيراً ما كان يظهر تردداً عند التناول احساساً منه بعدم استحقاقه. ولما سئل عن هذا التردد اجاب: [انه لا يستحق التناول من هذه الأسرار المقدسة، إلاَّ من كان جوفه طاهراً نقياً كأحشاء سيدتنا الطاهرة مريم التى استحقت أن تحمل المسيح فى احشائها]... ولعل ذلك كان يرجع إلى أن الله كشف عن بصيرته، فكان يرى مجد الله حالاً على الأسرار المقدسة وقت التقديس فى الهيكل فيضئ بلمعان لا يوصف.
ووصل إلى درجة السياحة السامية، فكان ينتقل عبر المسافات بوقت قصير جداً ويدخل الأماكن وابوابها مغلقة. فمرة انتقل إلى أسيوط ورجع خلال ساعة انهى فيها مهمة إنسانية، ومرة أخرى انتقل إلى الشام لينجد مكروباً... كما وهبه الله معرفة الأسرار المكنونة... وكان منكراً لذاته ويتضح ذلك من انه انكر حتى اسمه وسمىّ نفسه باسم جمله "رويس". وعندما الح عليه البعض لمعرفة اسمه الحقيقى قال لهم تيجى افليو teji eflhoj أى تيجى المجنون... والعجيب أن الكنيسة فى صلواتها تطلق عليه هذا الاسم تيجى abba teji... وقد أراد أن يُمعن فى إنكار ذاته فكان يسير فى الطرقات عارى الجسم مكشوف الرأس أشعث الشعر ويسكن فى عشّة من الخوص، أو ينام على قارعة الطريق. وكثيراً ما جلب عليه هذا الأسلوب الغريب تهكمات الناس واعتداءاتهم عليه بالضرب والسب والبصق عليه والرجم بالحجارة...
وكان عندما تثور نفسه ضد هذه الاهانات يخاطبها بقوله: [أين أنا من الشهيد البطل مارجرجس وما احتمله، أو من يوحنا المعمدان الذى قطع رأسه هيرودس الجزار... أين ما اصابنى مما اصاب الشهداء من عذاب]... ومن فرط العذابات التى كان يتعرض لها كان يحبس نفسه فى اماكن نائية، ويعتزل الناس شهوراً عديدة يصرفها فى الصلوات الحارة والأصوام الانقطاعية... ولقد نظر الله إلى انسحاق قلبه وحبه وقوة إيمانه وظهر له السيد السميح خمس مرات بمجد لا يُنطق به، وخاطبه فى احدها فماً لأذن. ويمثل هذه الروى كان يتشجع ويصمد لشتى الآلام ويصمت عن الكلام.
وكان كثيراً ما يؤم بيوت المؤمنين ويخبرهم بأمور ستحدث فى المستقبل، ويحذرهم من أضرار ومصائب سوف تحل بهم.
وختم هذا القديس جهاده باحتمال مرض شديد بصبر حتى سُمىّ أيوب الجديد. فقد مرض تسع سنوات متصلة ومكث كل هذه المدة طريح الفراش صامتاً لا يكلم أحداً، محتملاً بصبر عجيب. وقد صرف هذه السنوات فى التنهد والبكاء والصلاة من أجل الخطاة ا لذين كانوا يترددون عليه... وكان يشفى المرضى الذين يزورونه بينما هو نفسه يعانى من المرض... وعندما علم بنهاية أجله بارك تلاميذه واحداً واحداً ومسح جسده بالماء راشماً كل أعضائه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بعلامة الصليب... ولم يكن إلى جواره ساعة نياحته إلاّ سيدتنا العذراء مريم التى طلبها فلبت طلبه. كما أخبر بذلك أحد تلاميذه، إذ قال رأيت فى تلك الساعة امرأة منيرة كالشمس جالسة إلى جانب هذا الأب. وقد اخذت روحه المباركة حسب طلبه. وكانت انتقاله فى 21 بابة تذكار العذراء. ودفن بجانب كنيستها بدير الخندق (الأنبا رويس)... وفى اليوم الثامن لدفنه سرق جسده فظهر لتلاميذه واعلمهم بواقعة الحال، فاعادوه إلى قبره ثانية. وكانت تجرى من جسده آيات كثيرة، فأغرى ذلك جماعة من المؤمنين أن ينقلوا جسده إلى دير شهران بالمعصرة. فحملوه فى سفينة فى النيل. وفى طريقهم إلى الدير المذكور، ثارت عليهم رياح شديدة وعواصف هوجاء كادت تغرقهم فاضطروا أن يرجعوا الجسد ثانية إلى قبره المبارك. وظل القديس محافظاً على كرامة جسده إلى وقتنا الحاضر... وفى هذا الجيل (القرن العشرين) حاول شخص يدعى ارمانيوس بك حنا مراقب البطريرك وقتذاك أن يصلح قبره. فامر بهدمه ليبنيه على طراز حديث. فما كاد العامل يهوى على القبر بفأسه حتى شُلت يمينه، فصرخ مستغيثاً. فأتى كاهن الكنيسة وصلى عليه حتى عادت يده إلى الحركة. ومن ذلك الوقت ترك قبره كما هو. وكل ما عملوه انهم بنوا فوقه ضريحاً من الرخام دون أن يحركوا الجسد.
كان هذا القديس معاصراً للبابا العظيم الأنبا متاؤس الأول ال 87 وكان على صلة به... وفى أثناء الفوضى والتعصب الذى ساد تلك الفترة قبض الوالى على البابا البطريرك كما قبض على نساء النصارى واحضروهن أمام البطريرك. لكن البطريرك قاومه. فغضب لذلك الأمير يلبغا السالمى الذى كان قد قبض عليه واستل سيفه وشرع يضرب رقبته فمدّ البابا رقبته وسأله أن يقتله، فلما رأى الأمير أن البابا لا يخاف تراجع عن عزمه. واراد أن يطلق سراحه لكنه ابى الا إذا اطلق سراح جميع ابنائه المسجونين من الأقباط بدون ذنب... وأتى احد تلاميذ الأنبا فريج إليه ووجده ملقى على الأرض لا يتكلم فأخبر بما حدث للأب البطريرك وسجنه. وقال له: [لماذا لا تحرك ساكناً] فرفع القديس وجهه واصابعه إلى السماء وقال لتلميذه انظر إلى فوق سيدتنا العذراء ستخلصه. فاندهش التلميذ لهدوء القديس. وأخذت التلميذ سنة من النوم، ورأى فى نومه صليباً من النور فى وسط السماء وخرجت منه يمامة حسنة المنظر وقد بسطت جناحيها على رأس الأب البطريرك. ثم سمع القديس فريج يخاطب البطريرك بقوله: [متى.. متى. لا يخف قلبك. لأن الحمامة الحسنة التى تحبها قد خرجت اليوم لخلاصك. وستهلك عدوك]. وعند استيقظ التلميذ من نومه، وتوجه إلى البطريرك فى السجن وقصّ عليه الرؤيا... وفى ذلك الوقت هجم أحد الأمراء من أعداء الأمير يلبغا السالمى وحطّم أبواب السجن الحديدية واخرج البطريرك ومن معه من المسجونين وقبض على الأمير يلبغا وسجنه وضُرب حتى مات...!!
أما عن معجزاته وعجائبه وهو على قيد الحياة فكثيرة جداً نذكر منها واحدة مما حدثت أثناء حياته وأخرى تمت حديثاً.
كان بحارة زويلة رجل مسيحى يدعى المعلّم صدقة وكان يتردد على كنيسة العذراء الأثرية، واعتاد أن يقف أمام أيقونتها ويطلب شفاعتها. ففى مرة فاجأه الأنبا رويس أمام الأيقونة ووبخه قائلاً: ما هذا التظاهر الباطل؟ كيف تجسر على المثول أمام العذراء الطاهرة وأنت تصاحب امرأة شريرة؟ إن لم ترجع عن شرك وتعود إلى العفة والتقوى فستسوء عاقبتك وتنال الهلاك فى الدنيا والجحيم فى الآخرة. فارتعد المعلم صدقة لهذه المفاجأة لأن القديس كشف سرّه. وكان الشيطان قد اوقعه مع امرأة شريفة من المماليك. وكان الأنبا رويس يصلى لله أن ينقذ هذا الإنسان المسكين من شرها... وحدث فى يوم أن دخلت تلك المرأة بيت المعلم صدقة، ولما خرجت من عنده، حضر الأنبا رويس إليه، وقاده بكل قوة وسار به إلى كنيسة مارجرجس بمصر القديمة. وأشار عليه أن يدخل البيعة. فقال له: [يا رجل الله كيف اجرأ على الدخول وأنا ملوث بالخطية]. فأجابه: [إن الشهيد يساعد الساقطين مثلك ويفرح جداً بتوبتهم وخلاصهم]. فتقدم صدقة ودخل البيعة وسجد أمام صورة الشهيد وسأله بدموع سخينة أن يساعده على خلاص نفسه والخلاص من الخطية. وسجد إلى جواره الأنبا رويس وتضرع إلى الله أن يقبل توبته ويساعده على أن يعيش طاهراً بقية حياته وطلب إلى الشهيد مارجرجس أن يساعده بطلباته المقبولة. وخرجا معاً من الكنيسة... وفى تلك اللحظة اصيبت المرأة الشريرة بمرض شديد منعها من الاتصال بصدقة مرة ثانية. وكان هذا من دواعى ثباته فى التوبة... ووجهه الأنبا رويس إلى الترهب بدير أنبا أنطونيوس ففعل وصار راهباً فاضلاً مجاهداً، حتى أن البابا متاؤوس أحضره من الدير واسند إليه شئون القلاية البطريركية. وظل مثال الطاعة والإيمان حتى تنيح ودفن بدير الخندق (الأنبا رويس).
أما عن المعجزة المعاصرة فحدثت مع احد أولادنا المعروفين لنا، ويخدم اخوة المسيح بكنيسة الأنبا رويس. وكان يحمل فى جيبه مبلغاً من المال خاص بأخوة المسيح بالاضافة إلى مبلغ خاصاً به. وكان المبلغان فى مظروف واحد. وأثناء ركوبه احدى وسائل المواصلات العامة نشل منه هذا المظروف. فتضايق وعاتب الأنبا رويس وقال له: [فلوسى أقدر عليها. وفلوس أولادك أعمل فيها أيه]... وفى اليوم التالى وجد المظروف موضوعاً فى صندوق البريد الخاص به بمنزله، علماً أن المظروف لم يكن مكتوباً عليه لا اسمه ولا عنوانه. فشكر الله وعمل له تمجيداً...
المعلم إبراهيم الجوهرى:
من الأراخنة المباركين جداً... كتب عنه الأنبا يوساب بن الأبخّ أسقف جرجا بعد نياحته كلاماً روحياً بليغا نقتطف منه اليسير مما جاء فى كتابه سلاح المؤمنين: [ناح الشيوخ، بكى الشبان، خرج الفلاحون، ولول العربان. كان القاضى يبكى والكهنة يرفعون أصواتهم بالعويل. تعالينّ يا كل الأرامل وابكين على رجلكن الذى كان يهتم لكن بالطعام والكسوة. اجتمعوا يا كل الفقراء والمساكين واصنعوا لكم مناحة على من كان يباشر احوالكم كل حين. نوحوا وابكوا أيها الرهبان سكان البرارى على من يفتقد كل حالاتكم دائماً. اجتمعوا ونوحوا أيها الكهنة خدام الرب والبسوا مسوحاً على الذى كان دائماً يفتقد الكنائس بالمحرقات والقرابين. نوحوا وابكوا يا كل خدام بيت الرب الذى كان يحمل لكم دائماً كل احتياجاتكم. وبالأكثر كان النوح العظيم عند الأب المعظّم الكبير أنبا يوأنس على ابنه الحبيب البار الصديق، أغنى إبراهيم. نُحْ يا يعقوب اب الاسباط على ابنك يوسف إذ ليس هو موجوداً. وكان ذلك الأب البار لم يجد له عزاء ولا سلوى على افتراق ابنه عنه...]...
يقول المؤرخ المعاصر عبد الرحمن الجبرتى: [ومات الذمىّ المعلم إبراهيم الجوهرى رئيس الكتبة الأقباط بمصر، وادرك فى هذه الدولة بمصر من العظمة ونفاذ الكلمة وعظم الصيت والشهرة مع طول المدة بمصر، ما لم يسبق لمثله من أبناء جنسه... كان من دهاقين العالم ودهاتهم لا يغرب عن ذهنه شئ من دقائق الأمور. ويدارى كل إنسان بما يليق به من المداداة ويحابى ويهادى ويواسى، ويفعل ما يوجب انجذاب القلوب والمحبة ويهادى ويبعث الهدايا العظيمة والشموع إلى بيوت الأمراء. وعند دخول رمضان يرسل إلى غالب ارباب المظاهر ومن دونهم الشموع والهدايا والأرز والسكر والكساوى. وعمرت فى أيامه الكنائس وأديرة النصارى واوقف عليها الأوقاف الجليلة والأطيان. ورتب لها المرتبات العظيمة والغلال. وحزن إبراهيم بك لموته وخرج فى ذلك اليوم إلى قصر العينى حتى شاهد جنازته وهم ذاهبون به إلى المقبرة. وتأسقف على فقده تأسفاً زاهراً]..
لا يعلم على وجه التحديد تاريخ ميلاده ولا بالتحقيق بلده لكن يغلب على الظن ان اسمه الجوهرى نسبة إلى الجوهرية (محلة مرحوم) وكذلك نجهل كل شئ عن طفولته... ولا شك ان ما تحلى به فى رجولته يدل دلالة أكيدة على انه رضع لبن التقوى صغيراً... بدأ حياته كاتباً لأحد المماليك، ثم ترك خدمته لسبب لا نعلمه. فتوسط البطريرك لدى رئيس الكتاب المعلم رزق الذى الحقه بخدمة محمد بك أبو الذهب ثم عُزل المعلم رزق وخلفه المعلم إبراهيم وهذا الوقت هو بدء ظهوره... ثم آلت أمور البلاد إلى إبراهيم بك ومراد بك. فقلّد إبراهيم المعلم إبراهيم الجوهرى رائسة كتاب الدواوين بالقطر المصرى أى بمقام رئيس الوزراء. وكانت هذه الوظيفة أكبر منصب يصل إليه إنسان فى ذلك الزمان. فلم تزده الوظيفة إلاَّ وداعة واتضاعاً وسخاءً ومحبة لعمل الخير. وكان لا يميز فى أعماله بين مسلم ونصرانى ويهودى... وقد اكسبه خلقه هذا محبة الجميع...
وحدث اضطراب فى البلاد بسبب حملة بقيادة حسن باشا قبطان ارسلها السلطان العثمانى عبد الحميد إلى مصر لتأديب إبراهيم بك ومراد بك. فقاتلهما وانتصر عليهما فى عدة معارك، وأخيراً هربا إلى الصعيد الأعلى ورافقهما المعلم إبراهيم الجوهرى... واوقع قبطان باشا مظالم كثيرة بالمصريين حتى انه عزم على بيع الحريم والآولاد والمماليك كعبيد لولا وقفة المشايخ فى وجهه. أما النصارى فقد حلّ بهم النصيب الأوفر من المظالم على يده ويد جنوده. فنهبوا بيوتهم واستباحوا من فيها وانزل بهم صنوف التحقير الأدبى... وقد نهب كل ما كان يملكه المعلم إبراهيم الجوهرى... وأمر ألاَّ يسمى المسيحيون باسماء الأنبياء كإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف فتغيرت أسماء كثيرين. وحل بمصر وباء كان يموت بسببه ألف شخص يومياً من القاهرة وحدها!!... وحدثت ظروف ساعدت على عودة إبراهيم بك ومراد بك ومعهما المعلم إبراهيم الجوهرى. وبفضل النعمة التى كانت للمعلم إبراهيم لدى إبراهيم بك ومراد بك استصدر فتاو تبيح للأقباط اعادة ما تهدم من الكنائس والديارات واوقف عليها اهم أراضيه وأمواله... هذه لمحة عامة عن حياته فى الدولة، أما عن سلوكياته التى تدل على تقواه وروحانيته فنورد بعض القصص لندلل عليها:
كان اخوه المعلم جرجس ممتطياً جواداً ومارآ فى إحدى الطرق فأهانه احد المشايخ. فشقت الاهانة على المعلم جرجس واخبر أخاه المعلم إبراهيم بواقعة الحال فأجابه: [غداً سأقطع لك لسانه]. وفى اليوم التالى استدل على منزل الشيخ وأرسل له هدايا مسلى وجبنا إلى غير ذلك بدون علم أخيه. فلما مر أخوه المعلم جرجس مرة أخرى وقف الشيخ اجلالاً مرحباً به ترحيباً شديداً داعياً له. الأمر الذى حيّره. وبعد ذلك على حقيقة الأمر. وقد نفذ وصية الرسول:
«إن جاع عدوك فاطعمه. وان عطش فاسقه. فإنك بذلك تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير» (رو 12: 20).
، 21).
جاءت امرأة مسيحية فى ليلة عيد إلى زوجة أحد أراخنة الأقباط ويدعى المعلم فانوس الكبير وشكت لها ظروفها الصعبة فزوجها فى السجن وأولاده يبكون لعدم وجوده معهم، وربما حكم عليه بالاعدام. فأرسلت هذه الزوجة الفاضلة كل لوازم العيد إلى تلك العائلة. وارسلت تخبرهم بأن جهزوا كل ما يلزمكم من الاستعداد للعيد لانه سيفرج عنه فى هذه الليلة... ولما عاد المعلم فانوس من قداس العيد وجد زوجته كئيبة على غير العادة فى مثل هذه المناسبة. ولما استعلم منها قالت له: [ايليق أن نفرح نحن بالعيد وتلك العائلة حزينة باكية العين لسجن رجلها] وطلبت إليه أن يبذل همته للإفراج عنه فى هذه الليلة... فنزل فى الحال وتوسط لدى أولى الأمر فأفرج عنه وعاد إلى بيته. استغرق هذا وقتاً كبيراً من الليل. فلم يستيقظ باكراً كعادته ليتوجّه إلى منزل المعلم إبراهيم الجوهرى الذى كان ينتظره ليتوجه مع كبار الأقباط للمعايدة على البطريرك. فلما سأله المعلم إبراهيم عن سبب ابطائه ووقف منه على القصة، عاتبه بقوله كيف تنفرد بهذا العمل وتأخذ الأجر والثواب بمفردك ولا تشركنى فيه. وذهبا إلى البطريرك ليفصل لهما فى الأمر فكان جوابه للمعلم إبراهيم: هو اخرجه من السجن وانت انظر فى اعادته لوظيفته. وتم ذلك بالفعل.
وعلم المعلم إبراهيم بظروف رجل مرّ على رفته من وظيفته ستة أشهر فأرسل إليه يستدعى ليقيمه فى وظيفة وجدها له، فقال له ذلك الرجل: ان فلاناً أحق منى بهذه الوظيفة لأنه مضى على رفته سبعة أشهر ولم يكن له ما ينفق، أما أنا فبحمد الله عندما ما يكفينى أكثر منه فهو احوج منى إليها. فما كان من المعلم إبراهيم إلاَّ أنه أود وظيفة لكل منهما.
كان من المترددين عليه فقير يقصده فى مواعيد معينة ليأخذ منه معونة. فلما حضر وسأله عنه اخبروه بوفاته، فأهال الرجل التراب على رأسه وسألهم عن مكان قبره. وهناك بكاه بحرقة حتى اخذته سنة من النوم. فتراءى له المعلم إبراهيم فى حلم وقال له: [لا تبكِ. أنا لى فى ذمة فلان الفلانى الزيات فى بولاق عشرة بندقى فسلّم عليه من قبلى وأطلبها منه وهو لا يتأخر عن دفعها لك]. فظن الرجل أن هذه اضفات أحلام. وبكى ثانية ونام فتراءى له المعلم إبراهيم وقال: [قم ليس هذا مناماً]، وأكد له الخبر. فقام لكنه اخذ يفكر فى الموضوع فلم يجده مقبولاً. ثم رقد ثالثة فتراءى له المعلم إبراهيم وقال له: [لا تقلق فإنى ساخبره]... وبالفعل توجّه للمكان المحدد فوجد المكان والرجل كما وصفه له. فرآه الرجل متردداً فطلبه إليه واستفسر منه عما يريد. فقال أخشى لو قلت لك ان تحسبنى مجنوناً. ثم حكى له أمره. فقال له أنت نطقت بالصدق فلقد تراءى المعلم إبراهيم لى واخبرنى بمجيئك اليوم. واعطاه المبلغ ومثله منه أى أخذ المبلغ مضاعفاً. وترحّم عليه... وتم فيه قول الشاعر:
سخاء فى الحياة وفى الممات لحقا تلك احدى المعجزات.
كان المعلم إبراهيم باعتباره ناظراً لكنائس القاهرة ومصر القديمة يصلى فى كل منها فى أوقات معينة حتى يقتدى به الأراخنة... ففى احدى المرات كان يصلى فى كنيسة بابلون الدرج يوم رفاع أحد الأصوام. وبعد انتهاء القداس انصرف الناس، ولاحظ المعلم أن رجلاً صعد إلى تلّ عال أمام الكنيسة فأرسل خادمه خلفه ليرى ماذا يفعل... فأخذ الرجل يبحث حتى وجد أوزة ميتة فشكر ربه وهم بالنزول. فاسرع الخادم وروى للمعلم إبراهيم ما رآه. فانتظر الرجل ريثما نزل وكأنه لا يعرف شيئاً عما حدث. واستفسر عن أحواله وعاتبه على عدم كشف حاله إليه. ثم قال له توجه بسلام. وأرسل خادمه له بكل ما يلزمه. وسأله ألاَّ يكتم عنه شيئاً إذا احتاج مرة أخرى.
قصده فقير فى أحد الأيام وظل يلاحقه وهو داخل منزله وهو خارج منه وهو فى الطريق وهو فى الديوان وفى كل مرة كان يطلب منه صدقة على اسم المسيح. وكان من عادته إذا سمع هذه الجملة لا يخيب رجاء ناطقها. وفى كل مرة كان يعطيه. وفى كل مرة يكشف له عن شخصه ليعرفه انه هو الذى اخذ منه. وكأنه يمتحن صبره. فأخذ منه فى ذلك اليوم ثمان عشرة مرة. وفى آخر الأمر قال له السائل: [طوباك يا جوهرى الرب معك] فقال له: [لماذا تعجب وانت تطلب منى مالاً مودعاً عندى. هل اتأخر عن السداد. ما أنا إلاّ أمين].
وكانت زوجته فاضلة وتشجعه على عمل الخير... جرّبه الله تجربة شديدة بوفاة وحيده يوسف وكان يستعد لزواجه (وكان قبله قد فقد ابنة له تدعى دميانة)... وكانت التجربة شديدة حتى خرجت الزوجة عن اتزانها: [كيف تهتم بالكنائس والفقراء والأديرة والله لا يحفظ لنا وحيدنا لنتعزى به ونفرح كغيرنا ممن أعطاهم الله].
وقيل ان الأنبا أنطونيوس أب الرهبان تراءى لها بشكل نورانى وعزّاها قائلاً: [إن الله أحب الولد ونقله إليه شاباً، وأحب الوعد، [لأنه من ذا الذى يعرف مقاصد الله، فربما افسد شهرة أبيه. فلا تفشلى فى عملكِ الذى كنتِ تعملينه من قبل]. وأمرها أن تعزى زوجها... وكان المعلم من يوم انتقال ولده ينام فى مكان وزوجته فى مكان آخر. فنادت عليه وقصت رؤياه. فقال لها قد رأيت ما رأيت. وللحال بدّلا ثياب الحداد وتعزيا. وشاركته زوجته فى جميع أعماله وصدقاته..
اشتهر المعلم إبراهيم بمحبته الشديدة لعمارة الكنائس واصلاح ما دمرته يد الظلم، فكان يشترى الأملاك الكثيرة ويوقفها ليصرف ريعها على محلات العبادة. وبلغ عدد الحجج التى لهذه الأملاك الموقوفة 238 حجة...
ولا تكاد تخلو كنيسة من الكنائس القديمة بالقاهرة وبعض الأقاليم إلاّ وفيها أثر من آثار المعلم إبراهيم سواء وقف أو كتب منسوخة أو كراسى للكأس أو ستور.
وليس أدل على إيمانه بالصلاة وقوتها واقتدارها من خطاب بخط يده وامضائه وخاتمه محفوظ بدير السريان وقرأته بنفسى موجه إلى أمناء أديرة وادى النطرون ليرفعوا القداسات ويقيموا الصلوات لأن الحكومة استولت على أوقاف الكنائس والأديرة!!
أخيراً تنيح هذا الأرخن الفاضل سنة 1796 وحزن عليه إبراهيم بك حزناً شديداً ووقف فى مكان بالقصر العينى ليشهد جنازته. ودفن وقبره موجود بكنيسة مارجرجس بمصر القديمة...
حبيب فرج:
نشأ فى أسرة رقيقة الحال... كان ولداً عنيداً كان غماً لوالده وهماً للتى ولدته. كرهه الجميع لأنه كان يُسئ معاملة الجميع. ولما كبر وأخذ الشهادة الأبتدائية كان يمثل حياة الشباب المستهترين. وكان من يرى حبيب هو فى هذا الحال يحكم بلا جدال انه أمام شيطان لا أمل فى توبته واصلاح حاله...
كان يفتقده خدام اجتماع الشباب بكنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا على غير جدوى... ومن كثرة تردد الخدام عليه، قال لأحدهم ذات مرة: [أنا سآتى هذه المرة لكن لو لم يعجبنى الحال سوف لا أذهب ولا أريد أحداً منكم يفتقدنى].
ذهب إلى اجتماع الشبان وعملت نعمة الله فيه... وحال سماعه كلمة الله انسحق قلبه بالتوبة والندامة... ومنذ ذلك الوقت أخذ حبيب يواظب على الكنيسة مواظبة المحب الشغوف الذى يود لو امكنه أن يتجرع الدين جرعة واحدة... وقد زاده حباً فى الله رؤيا اعلنت له ابصر وكأنه بيد السيدة العذراء التى ارته مكاناً مخيفاً يتعذب فيه ساكنوه. فلما سألها عنهم قالت: [هم الأشرا]. ثم ارته قصراً فخماً نورانياً عظيماً وقالت: [هناك يتمتع الأبرار إلى أبد الآبدين]... وارته فيه كرسياً بهياً من نور أشد لمعاناً من ضوء الشمس وقالت له: [انه كرسيك وهو محفوظ لك إذا اتبعت يسوع]... واستيقظ حبيب من حلمه وهو أشد اضطراماً نحو السماء ومجدها. وكثيراً ما سُمع يصلى من أجل وصوله إلى السماء ليجلس فوق كرسيه المعدّ.
كان حبيب اسماً على مسمى. كانت المحبة تشغل كل تفكيره وتجلت محبته لله فى:
عبادته:
كان أميناً فى صلوات المزامير السبع فى مواعيدها. فى الصباح كان يصلى باكر والثالثة وبعد عودته من عمله وقبل الغذاء يصلى السادسة والتاسعة. وقبل خروجه من منزله بعد الظهر كان يصلى الغروب والنوم. وقبل أن ينام يتلذذ بصلاة نصف الليل... أما عن اصوامه فكان يقدس جميع أصوام الكنيسة إلى ساعة متأخرة جداً (غالباً إلى المساء)... ومع انه كان يجد اعتراضاً من والدته فى هذا الشأن، لكن ذلك لم يضعف من عزمه... وقيل انه كان له اصوام خاصة يفرضها على نفسه أيام الأفطار... وفى أصوامه كان يأكل مرة واحدة كل أربع وعشرين ساعة. وكان يصوم صوم يونان الثلاثة أيام كلها انقطاعياً... وصام فى إحدى المرات اسبوعياً كاملاً. وقد فكرّ فى أن يصوم الأربعين المقدسة دون أكل مطلقاً لولا أن انتهره أب اعترافه... كان محباً للكنيسة محباً لألحانها يرددها. وكان متمسكاً بتراثها... وشهد عنه أب اعترافه كيف كان أميناً فى أعترافه وكيف كان يستعد للتناول من الأسرار المقدسة. وكان يبكر فى المجئ إلى الكنيسة ويظل واقفاً فى آخر الكنيسة طيلة القداس... وكان ضميره لا يساعده على ترك الكنيسة قبل نهاية الخدمة مما سيجرّ عليه تجربة سوف نتحدث عنها... أما خدمته فكان يحب الخدمة فى الأحياء الفقيرة بين البسطاء وأسس فروعاً فى الخدمة فى أماكن صعبة، كان ينهال عليه الصبية بالحجارة ومع ذلك كان دائماً فرحاً. كما كان مواظباً على افتقاد من يخدمهم فرداً فرداً.
وإن كان حبيب قد أحب الله بقلب مضطرم، فقد أظهر الله محبته لصفيه. ونستطيع أن نلمس ذلك:
حصل حبيب على الشهادة الابتدائية فقط. وبعد أن ظل مدة خالياً بلا عمل. قدم طلباً لوزارة الاشغال ورسم على الطلب بالحبر علامة الصليب. وكان الأمر غريباً ومثيراً فاستدعاه رئيس العمل وناقشه إن كان جاداً فى طلب التوظف وكيف يرسم الصليب. فأجاب بشجاعة اعجبت محدثه ووعده بالمساعدة. وأمره أن يقدم طلبه فى اليوم التالى... وفى الصباح ذهب إلى ذلك الرئيس وحيّاه تحية عجيبة [نهارك سعيد يا والدى]. وكأنه لا يدرى انه أمام واحد من العظماء!!... حياه الرجل بكل عطف ولم يماطل وسلمه سريعاً وظيفة. ومن الغريب ان الوظيفة التى عُيّن بها كان يتمناها حملة البكالوريا فى ذلك الوقت.
ونظراً لالتصاق حبيب بمحبة الكنيسة وعدم مغادرتها فى أيام الآحاد حتى تنتهى الخدمة – فإن ذلك كان يجعله يتأخر عن الموعد المصرح به وهو العاشرة صباحاً، خاصة فى أيام الصوم الكبير... ولما تأخر تأخيره رفع الأمر إلى رئيسه فاستحضره وكان يهدده. وفى ليلة اعتزم أن يؤذيه فأتاه من افزعه فى منامه بأن لا يمسّ حبيب بسوء. فنادى المدير حبيب فى الصباح وأظهر له منتهى العطف والحنان...
وفى إحدى المرات مرّ على صديق له كان يعنى من المرض وقرر الأطباء له اجراء عملية استئصال الزائدة الدودية. وبينما الأسرة فى همّ وغمّ، طلب إلى أفراد الأسرة أن يخرجوا من الحجرة. وكان مع حبيب صديق فطلب إليه أن يصلى أما هو فوضع يده على موضع الألم وتركاه ومضيا بعد أن تمنيا له الشفاء. وفى اليوم الثالث كان صحيحاً معافى وعاد إلى عمله.
طهارته:
اشتاق حبيب إلى أن يعيش بتولاً طاهراً. أراد مرة أن يمضى للترهب بالدير المحرق وكان معه صديقه. لكن رئيس الدير رفض قبولهما إلاَّ بموافقة والدهما وأعطاهما بعض النقود أوصلتهما للمنيا. لكنهما كان يريدان أن يعودا إلى القاهرة وليس معهما نقود. قصدا أوتوبيس وسألا الكمسارى أن يأخذهما مجاناً فسخر منهما. صليا إلى الله فأرسل لهما صديقاً بسيارته حملهما معه إلى القاهرة... عرض عليه والده الزواج فأبى والحّ عليه والداه كثيراً. واحالا عليه أصدقاءه وبعض الكهنة ليقنعوه بالزواج فلم يقبل. انتهز أبوه فرصة وجود أحد الآباء الأساقفة – وهو المتنيح الأنبا باسيليوس أسقف الأقصر واسنا وأسوان – وكان قديساً ورعاً. فشكاه له. وأمام الحاح الوالد ودموعه عرض عليه الأب الأسقف الزواج فاطع على شرط أن يعيش مع زوجته كأخت وأخ. فرح الجميع لموافقته واختاروا له إحدى الفتيات. ووزعوا المرطبات والحلوى. لكنه قال للحاضرين ما فُهم منه ان هذا الزواج لن يتم. ولم يمضِ أسبوع حتى توفيت العروس. فخجل الجميع أن يفاتحوه فى هذا الشأن لأنهم ايقنوا انها إرادة الله.
عرف وقت نياحته واخبر كثيرين بذلك، واوصى أخاه بطاعة والديه... وذهب إلى الترزى ليفصّل حلة فقال له: [إن شاء الله هذه حلة الزفاف]. فقال له: [إنها الحلة التى سينتقل فيها]. فنهره الواقفون أما هو فقال لهم بلهجة الواثق: [سوف ترون. وفى هذا الأسبوع]. وتم ذلك حرفياً... بل قيل انه كتب بخط يده فى مفكرة الجيب يوم وساعة نياحته... قضى ساعات موته الأخيرة فى ترنيم وتسبيح وصلوات ودعاء واستغاثة واستشفاع بالقديسين، وظل هكذا حتى أسلم روحه الطاهرة... والعجيب أنهم لما غسّلوا جسده فإذا به مرسوم بصلبان واضحة... وكانت نياحته فى سنة 1941.
صادق روفائيل:
ولد من أبوين مسيحيين بارين. وكان له أحد عشر أخاً ماتوا جميعاً فى سن مبكرة ولم يبق إلاَّ هو. ربياه تربية مسيحية تقوية... ويبدو أنه كان مختاراً منذ طفولته. حدث وعمره أربع سنوات وفى ليلة أحد الأعياد، أن جاءهم بعض الأقارب ومعهم خمر. وقدموا لأبيه ليشرب منهم، فما كان من الطفل صادق إلاَّ أن غمس قطعة لحم بقليل من الخمر وقدمها للكلب الذى فى منزلهم فرفضها الكلب بعد أن اشتم رائحتها. فصرخ الطفل صادق وقال لأبيه: [أيه يا بابا القرف اللى انت حتشربه... ده الكلب قرف من رائحته]. فقال له الحاضرون: [عيب يا ولد تقول لأبوك كده]. فرد أبوه عليهم: [صادق على حق]. ورفض أن يشرب الخمر، وشاركه الحاضرون ذلك.
ومن أبرز ما ورث عن والديه روح الصلاة والتأمل فى الكتاب المقدس. فكان يقرأ قليلاً ويتأمل كثيراً، ويحيا عملياً فى آياته...
أنتقل والده بعد مرض طويل اقعده فى القراش، كان صادق يصلى لأجل شفائه، لكن الله سمح بانتقاله، فبكى الشاب لأجله بألم وحزن شديدين فسمع صوتاً واضحاً جداً من السماء يقول له: [صادق صادق... اتحب أباك أكثر منى؟!]. وتكرّر هذا الصوت مرتين. وفى الحال شعر بسلام عميق. فكان بعدها يشكر الله على انتقاله والده.
وما لبثت والدته ان انتقلت من العالم. وكانت آخر وصية له أن يعتنى بزوجة اخيه المتوفى وإلاَّ يتركها حيث كانت تعلم برغبته فى الذهاب إلى الدير للرهبنة. وقد أطاع وصية أمه وعاش فى العالم يعتنى بزوجة أخيه المتوفى ومعها ابنتها... عاش كراهب فى العالم... عاش فى بتولية الفكر والقلب والجسد. حاولت عائلته تزويجه بطرق عديدة، أما هو فكان واثقاً من أن الله الذى يعرف اشتياقاته قلبه لابد وأن يظهر إرادته بوضوح... توجه أحد أقاربه إلى إحدى العائلات الطيبة ليخطب ابنتهم لصادق. وفى نفس الليلة ظهرت رؤيا للفتاة... رأت المسيح له المجد بملابس بيضاء وفى يده ورقة مكتوب عليها بالذهب: [صادق روفائيل]... ولما همّت الفتاة أن تأخذ هذه الورقة من يد المسيح، وجدته يبعد الورقة عن يدها ويقول لها: [لا... صادق هذا إناء مختار لى]... وعلم الجميع بهذه الرؤيا وخضع الجميع لإرادة الله. ولم يعد أحد يفاتحه بعدها فى أمر الزواج.
وفى الوظيفة عاش مثالاً للموظف المسيحى الحقيقى الذى يحيا كنور للعالم وملحاً للأرض. عرفت عنه الأمانة الكاملة والصدق فى القول والتمسك بالحق... ومن العروف عنه انه لم يأخذ يوماً واحداً أجازة طوال مدة خدمته حتى احالته على المعاش.
كان يؤمن بعمل الروح القدس فيه وانه يعلمه كل شئ حسب كلام المسيح. ولذا كان بنعمتهت الله يدرك الكثير من المعارف والعلوم. وإن كان قد حصل على ليسانس الحقوق باللغة الفرنسية أثناء وظيفته واتقن أربع لغات كان يتكلم بها بطلاقة. وعاون فى أحيان كثيرة فى اعداد رسائل ماجستير ودكتوراه فى علوم مختلفة لبعض أولاده فى الرب... لكنه كان يعتبر كل ذلك نفاية. وكانت الشهادة الكبرى هى امتلائه من الروح القدس... وكانت آخ وظيفة شغلها "مدير مكتب مدير عام مصلحة المساحة" حكى عنه انه ذات يوم أتاه شقيق وكيل وزارة الأشغال وكان مديره السابق. وقال له: [إن شقيقه يشكر فيه ويمتدح أمانته له]... فأجابه: [أنا مش أمين لشقيقك]... تعجب ذلك الشخص من هذه الإجابة واستطرد: [كيف إذن أخى يشكر فيك]. أجابه [إن امانتى لشقيقك بطريق غير مباشر. اعنى ان امانتى هى الله الذى اعبده ومنها إلى شقيقك بطريق غير مباشر]. فتعجب السامع جداً ومجدّ الله.
حبا الله هذا الإنسان بمواهب متعددة حسب غناه فى العطاء والمجد، فكان يرى ملاكه الحارس كنور شديد ملاصق له فى بعض الأحيان... كما شاهد العذراء عدة مرات، وكذا كثيراً من القديسين. وكانت حياته مليئة بالاعلانات السماوية. كما أيده الروح القدس بمواهب متعددة كموهبة شفاء الأمراض واخراج الشياطين، وكلام الإيمان والحكمة الذى يتكلم به بإرشاد الروح القدس بقوة وافراز. وكان من يستمع إليه يشعر بمتعة خاصة...
وبعد احالته إلى المعاش انتقل إلى الاسكندرية ليقيم فيها وكان ذلك فى منتصف سنة 1960. وكان بركة لكثيرين بهذه المدينة. وتتلمذ له كثيرون وكانوا يدعونه "بابا صادق".
كان تمتّعه بصلاة القداس الإلهى عجيباً. وكان يحسّ ويعلم أنها دعامة حياة المسيحى الروحية: وكان يقول أن سبب تعزيته فى شركة القداس لا تكمن فى سماعه بالأذن بل حياته بالمسيح فيه فى كل دقائقه. ففى القداس كان يفيض بحرارة الروح القدس الملتهبة بنظره المحدق دائماً فى الذبيحة الإلهية غير الدموية جسد الرب ودمه الأقدسين... وكان حينما يتناول كان وجهه يشرق ويطفح فرحاً.
وكان يعانى من مرض متعب ولكنه كان لا يشكو... كتب تأملاته فى أثناء مرضه يقول فيها: [اشكرك يا إلهى ومخلصى لأنك جعلتنى بروحك القدوس ادرك واشعر بأن مرض جسدى وتعبه هو علاج لأمراض روحى، إذ اهتم بالباقى دون الفانى، والروح دون الجسد، فانحصر فى مواعيدك الروحية بروحك القدوس...].
خلف صادق ثروة من التأملات مكتوبة ومسجلة على أشرطة... دخل مرة الهيكل وهو منفعل ببكاء شديد. فلما سأله عن سبب ذلك قاله له: [إن اختى فى المنزل متألمة من أجل فقدها مبلغ خمسة جنيهات. ونحن يُسرق منا ملكوت الله كل حين بعدم تقديرنا بحب المسيح وامانتنا له، ولا نهتم بذلك]...
أخيراً تنيح هذا الأخ المبارك فى يوم الخميس 6 نوفمبر سنة 1969 (27 بابة سنة 1686ش) عن 69 عاماً وكان طوال الأسبوع الأخير من حياته على الأرض كان يعبّر لمن حوله انه سينطلق من العالم. وظهر أثناء تشييع جنازته رائحة بخور قوية تتصاعد من جسده اشتمها الجميع. ومنزله بالاسكندرية الذى كان يعيش فيه مازال تفوح منه رائحة بخور ذكية كما أن ملابسه التى كان يلبسها مازالت حتى الآن تعطى نفس الرائحة...
كان لى طالب فى القسم الليلى فى الكلية الاكليريكة بالقاهرة وكان قريباً بالجسد للأخ صادق وروى لى بنفسه انه عاش حياة مستهترة جداً كشاب ارتكب جميع الخطايا... وكانت أمه كثيراً ما تنحصه أن يذهب ليجلس مع الأخ صادق ولكنه لم يفعل... وحضر جنازته ووقف أمام جسده وقال فى نفسه: [يا رب كل الناس بيقولوا عن هذا الرجل انه قديس. فإذا كان قديس بالحقيقة أعطنى أن أتوب عن كل خطية وكل شئ]... وخرج من الجنازة – باعترافه – إنساناً جديداً. حتى التدخين الذى كان مستعبداً له اقلع عنه.
والدة الانبا مقار الشبراوى البطريرك ال59 (932 - 953):
كان هذا الأب البطريرك من قرية شبرا قبالة مركز قويسنا... ومن القصص الجميلة التى تتعلق بأمه، انه فى إحدى جولاته الرعوية عرج على بلدته ليرى أمه وكانت قد شاخت... وصل القرية وبصحبته بعض الأساقفة والأراخنة. وطيّر الناس خبر قدوم البطريرك إلى امه وكانت جالسة تغزل فى بيتها... لكنها لم تحرك ساكناً. وبقيت كما هى فى شغلها تبكى بكاءً عظيماً... ولما دخل البيت لم تنهض للقائه بل ظلت تبكى وهو قائم أمامها حتى خجل أمام الحاضرين... ظن أنها لم تعرفه انه ولدها. لكنها قالت له: [أنها عارفة بك يا ولدى. وأما أنت فما تعرف ما صرتّ إليه. أنت مسرورة بما نلته، أما أنا فحزينة عليك. كنت أتمنى لو اتونى بك ميتاً محمولاً على نعش، ولا تدخل علىَّ بهذا المجد الفارغ. لا تنظر يا ولدى إلى ما نلته وتفرح. بل ابكِ واحزن لأن هذا الشعب كله الذى يمجدك أنت مطالب بخطاياهم]... أى أم هذه... وكم هى بليغة هذه الكلمات وتعبّر عن الوعى الروحى الذى كانت عليه مثل هذه الأم التى كانت ولا شك أمية بحسب مقاييس العالم!!
البارة مونيكا:
ولدت سنة 332 فى قرية تاغستا (سوق الأخرس الآن) بشمالى أفريقيا، وتربت تربية مسيحية صادقة... وكانت تصلى وهى طفلة بتأمل. كانت تناجى يسوع الذى يحب الأطفال... كانت تترك رفيقاتها أحياناً وتترك لعبه وتختفى وراء شجرة تركع وتصلى... وكلما كانت تكبر كانت تتفتح فى قلبها رياحين المسيحية... كان جمالها بارعاً وقامتها فارعة وعقلها سديداً وحكمتها عظيمة ونفسها كبيرة وعاطفتها قوية...
تزوجت من رجل وثنى شرير يدعى بتريشيوس كان يشغل وظيفة كبيرة فى البلدة، فخُدع أهلها به... كانت امه حسودة شريرة، كما كان الخدام أشراراً... لكنها ايقنت – بعد زواجها – ان الله يريدها أن تحمل الصليب. فلم تتذمر لشرور زوجها وحماتها. كانت تظهر لهما جمال المسيحية ووداعتها. فكانت تقابل ثورات غضب زوجها بالحلم والسكوت والصبر... وحينما كان يهدأ كانت تشكو إليه برقة وحنان ما نالها من غضبه، فكان يلوم نفسه، ويعد باصلاح ذاته، لكنه كان يعود إلى سيرته الأولى...
رزقت بثلاثة أولاد كان أكبرهم اغسطينوس، فكانوا نعيمها وموضع عنايتها، وكانت تتعزى بهم عن حاقة زوجها وشراسته...
أهم ما تتصف به هذه القديسة البارة هو إيمانها بقوة الصلاة... لقد تم فيها قول الآباء: [طوبى لمن يقف على باب الصلاة]!! بهذه الصلوات الحارة الخارجة من قلبها المفعم بالإيمان، كسبت كلاً من زوجها الشرير وابنها الذى انحرف شأن شباب عصره... لقد وضعت فى قلبها انه لابد أن تربح نفس زوجها... وكان إيمانها وطيداً حتى انها كانت ترشد المعذبات مثلها أن الصلاة هى مفتاح الفرج... كانت الثمرة الأولى لصلاتها هى إيمان زوجها الوثنى. ففرحت لذلك جداً ونسيت آلامها. لكنه ما لبث أن مرض ومات... وترملت فى شبابها.
وبعد وفاة زوجها تفرغت لأولادها ولخدمة القريب وأعمال العبادة. فكانت كل يوم تذهب للكنيسة وهبها الله نعمة الدموع حتى اشتهرت بين قديسى الكنيسة بهذه الفضيلة... وكانت خصص أوقاتاً طويلة لزيارة المرضى وخدمتهم، وخدمة الفقراء، وتعزية الأرامل، وتقوية قلوب الزوجات المتزوجات بأزواج أشرار، والأمهات اللأئى لهن أولاداً شاردين...
وما أن وصل ابنها اغسطينوس إلى سن الشباب حتى انحرف انحرافاً خطيراً، ووصل الأمر به أن كان له خليلات عشيقات وابن غير شرعى!! وكان كلامها ونصائحها له غير مجدية على الاطلاق يقول أغسطينوس بعد توبته فى مناجاة لله: [أمى التقية قد تكلمت. وصوتها على ما أرى، كان صدى صوتك. فإنها كانت تلحّ علىَّ بشدة لاعتزل الغوانى وكل أنواع الفجور. وأما أنا فما كنت أعيرها أذناً صاغية، ولا اكترث بأقوالها، لأنها أقوال امرأة، بينما هى صادرة من لدنك. فكان امتهانى لها امتهاناً لك. وعدم اعتبارى لها، عدم اعتبار لأقوالك]. فوضعت كل ثقلها فى الدموع والصلاة والصوم لكى يعيد الله ابنها يقول اغسطينوس: [باتت أمى تبكى علىَّ بكاء، فاق بكاء الأمهات على فقد أولادهن بالموت الجسدى... وانت يا مولاى قد استمعت لها، ولم تزل تلك الدموع التى كانت تذرفها فى صلواتها بين يديك، حتى كانت تبلل وجه الأرض من مدامعها]. أخذت تركض وراءه – وهو الابن الضال – من بلد إلى بلد، وتسأله بدون تذمر أو يأس... وبقيت على هذه الحال عشرين سنة.
توسلت فى إحدى المرات إلى أسقف الكنيسة أن يتناقش مع ابنها ليردّه إلى صوابه، ولكنه اعتذر لأنه كان يدرك انه لا جدوى من النقاش مع إنسان يعتز بعقله وذكائه وله أسلوب فى المراوغة... وطلب إليها الأسقف أن تصلى... لكنها الحث على ذلك الكاهن أكثر فرد عليها بعبارة مشهورة: [إذهبى فى طريقك، والرب يباركك فلا يمكن أن يهلك ابن هذه الدموع].
تركها ابنها اغسطينوس إلى روما حيث الشهرة. وكانت الأم تبكى وتبكى وتتوسل إلى ولدها لكى يبقى إلى جوارها، ليس من أجل راحتها وحنانها وشوقها إليه، إنما كانت دموعها من أجل بعده عن الله، لأنه لم يكن قد نال نعمة العماد بعد... ولم تكن هناك بارقة أمل فى توبته.
أخيراً بعد هذه السنوات الطويلة – عشرين سنة – أتت نصيحة الأسقف ثمارها. وانبتت دموع الأم غرساً مباركاً... تاب اغسطينوس وحق ان يدعى [ابن الدموع] كما يسمونه. وصارت له أمه مونيكا أماً بالجسد وأماً بالروح، فقد تمخضت به وولدته إنساناً للعالم، وناحت عليه حتى ولدته إبناً للمسيح والكنيسة... ويتذكر اغسطينوس بعد توبته ومعرفته لله أمه ودموعها السخينة فيقول فى مناجاته لله: [أمى – عبدتك الأمينة يا إلهى – تبكى إليك من أجلى أكثر مما تبكى الأمهات أمام جثث أولادهن المائتين]!!... ويقول أيضاً: [خادمتك – عبدتك – التى حملتنى فى الجسد لأولد للنور الزمنى، وحملتنى فى القلب لأولد للنور الأبدى. أمى التى أنا أؤمن أن كل ما يفيض فىّ من حياة يرجع إليها. إلى الدموع الأمينة، إلى الدموع الدائمة، إلى دموع أمى وُهبتُ حتى لا أهلك]!! ويقول: [ما أغرز مراحمك، لأنك مع اهتمامك بنا جميعاً، تبذل من العناية بأمر واحد منا، كأنه الوحيد موضع عنايتك واهتمامك ومن ثم كنت تصغى إلى توسلات أمى]!!
سافرت إلى ميلانو بايطاليا وحضرت عماد ابنها اغسطينوس على يد اسقفها العظيم امبروسيوس مرشده الروحى وكانت فرحتها لا توصف... وارتفع قلبها إلى عرش الله مع من كانوا يسبحون قائلين: "نسبحك ونباركك يا الله. بالحقيقة نعترف أنك ربنا. الأرض وملؤها تسجد لك أيها الآب الازلى. أنت الذى يقف أمامك الملائكة والرئاسات والسلاطين والقوات. أنت الذى يسجد أمامك الشاروبيم والسيرافيم يمجدونك على الدوام صارخين بغير سكوت قائلين قدوس قدوس قدوس".
بعد عماد اغسطينوس عاد إلى أفريقيا، فرافقته أمه مونيكا فى السفينة وكانت تقول له: [يا بُنى إن بقائى على الأرض اضحى فضولياً، ولا أدرى لماذا لا أزال حيّة. لأنه لم يبق لى شهوة أطمع فيها. فلقد تحققت رغباتى كلها].
وبعد خمسة أيام من هذا الكلام مرضت مرضها الأخير الذى عبر بها إلى الأبدية. وقالت لابنها: [ادفنى أينما شئت. أسألك فقط أن تذكرنى دائماً أمام هيكل الله أينما كنت وحيثما اتجهت].
وفارقت روحها جسدها وانطلقت إلى المسيح الذى احبته وهى تصلى وتشفع بالعذراء الطاهرة والقديسين سنة 387، ولها من العمر ست وخمسين سنة!!... وقال عنها اغسطينوس: [لقد اعتنيت بنا كما لو كانت أماً لنا جميعاً، وأيضاً خدمتنا كما لو كانت ابنة لنا جميعاً].
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات