باقة من الشهداء والمعترفين

باقة من الشهداء والمعترفين

● قصة الاستشهاد هى قصة المسيحية المبكّرة... لماذا؟

- الاستشهاد وكرازة حية بالمسيحية.

- الشهداء برهنوا على صدق تعاليم المسيحية وفضائلها.

- دوافع الشهداء لاحتمال أهوال العذبات.

● نماذج من الشهداء:

- الشهداء الحميريون (اليمنيون).

اريانوس والى انصنا.

- بوليكاربوس أسقف أزمير.

- الفتاة أجنس.

- برتبوا وفيليسيتاس.

- المعلم غبيال بن نجاح.

- بفام بن بقورة الصّواف.

● نماذج من المعترفين:

- يوحنا المصرى.

- بفتوتيوس أسقف طيبة.

- أنبا صموئيل المعترف.

الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة المسيحية، التى واجهت فيها كلا من الاضطهاد اليهودى والاضطهاد الوثنى، وقدمت فيها العديد من أبنائها على مذبح البذل والتضحية والاستشهاد دفاعاً عن الإيمان المسيحى – هذه الفترة امتدت إلى نحو ثلاثة قرون من الزمان... وبقدر ما تكشف آلام الاستشهاد عن وحشية المضطهدين، بقدر ما تظهر أمجاد الشهادة والشهداء وبطولتهم... وبقدر ما كانت الآلام التى احتملها الشهداء والمعترفون مروّعة، بقدر ما يكشف احتمال هذه الآلام عن يد الله القوية التى عملت فى هؤلاء، وبقدر ما يكشف كل ذلك عن اصالة المسيحية وانها من الله، وكيف كان المسيحيون الأوائل أوفياء لإلههم، امناء لمبادئ الدين الذين آمنوا به واحبوه وماتوا ذوداً عنه... فضلاً عن أن امتداد تلك الفترة إلى نحو ثلاثة قرون من الزمان، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن استشهاد البعض لم يكن نزوة طارئة، بل كان عقيدة ثابتة فى أنه ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس...

● من أجل كل ذلك فإن قصة الاستشهاد فى تاريخ الكنيسة المبكّر هى قصة المسيحية المبكرة وانتشارها... والسؤال الآن، لماذا هذا المفهوم؟

1 - لأن الاستشهاد كان كرازة حيّة بالمسيحية...

قال العلامة ترتليانوس المدافع والفيلسوف المسيحى الذى عاش وسط الاضطهاد عبارة مشهورة: [دماء الشهداء بذار الكنيسة]... لقد أثبتت الأيام والسنون والأحداث صحة هذا القول. قال موجهاً كلامه إلى الحكام الوثنيين: [استمروا فى تعذيبنا. اصحنوننا إلى مسحوق، فإن أعدادنا تتزايد بقدر ما تحصدوننا. إن دماء المسيحيين لهى بذار محصولهم. إن عنادكم هو فى حد ذاته معلم. لأنه من ذا الذى بعد انضمامه إلينا لا يشتاق إلى التألم؟!]...

إن الاستشهاد المسيحى بنتائجه هو برهان عملى على صحة قول المسيح له المجد:

«إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت، فهى تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير» (يو 12: 24)).

.. وفى هذا المعنى يقول يوستينوس الشهيد المدافع المسيحى فى دفاعه. ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تقطع رؤوسنا ونصلب، ونلقى للوحوش المفترسة، ونقيّد بالسلاسل، ونلقى فى النار، وكل أنواع التعذيب، اننا لا نترك إيماننا. بل بقدر ما نعاقب بهذه الضيقات، بقدر ما ينضم مسيحيون أكثر إلى إيماننا وديانتنا باسم يسوع المسيح. إن الكرّام يقطع أغصان الكرمة التى تحمل ثماراً، حتى تنمو أغصان أخرى. وهذا يصيّرها أكثر حيوية وأكثر اثماراً. وهذا ما يحدث معنا. فالكرمة التى غرست بواسطة الله مخلصنا يسوع المسيح هو شعبه].

إن الأمر ليس مفاجأة... لقد أرسل المسيح تلاميذه للكرازة.

«كحملان بين ذئاب» (يو 10: 3)).

.. والعجيب أن الذئاب حينما افترست الحملان تحولت هى إلى حملان!!... وفى ذلك يقول القديس أغسطينوس: [تأملوا يا اخوتى ماذا يفعل يسوع. إن ذئباً واحداً لو القى بين غنم كثيرة – ولو بلغوا عدة ألوف – لارتعب القطيع كله، على الرغم من عدم قدرة الذئب على إفتراس الكل، لكن الكل يخافونه.. فأى مشورة، وأى تدبير، أية قوة هذه، حتى لا يبعث الله ذئباً وسط الغنم، بل يرسل غنماً وسط الذئاب!! انه لا يقترب بهم نحو الذئاب، بل فى وسط الذئاب. لقد كان هناك قطيع من الذئاب وقلة من الغنم. وعندما افترست الذئاب الكثيرة الغنمات القليلة، تحولت الذئاب إلى غنم]!!

لقد آمن كثيرون بسبب آلام الشهداء وموتهم، بما صاحب استشهادهم من معجزات، وما أظهروه من ثبات واحتمال وصبر... وليس من المبالغة فى شئ إن قلنا ان الإيمان المسيحى انتشر فى العالم كله باستشهاد القديسين، أكثر مما انتشر بوعظ المبشرين وتعليمهم... فدماء الشهداء روت بذار الإيمان فصارت دوحات عظيمة، استظل بها كثيرون وكثيرون... لقد كسب المؤمنون المسيحيون الأوائل للمسيح نفوساً كثيرة. ونالوا هذا الكسب بموتهم أكثر مما نالوه بحياتهم أو معجزات... وكما ينمو الحشيش أكثر كلما يُجز، هكذا المسيحيون كانوا ينهضون بقوة جديدة كلما كانوا يحصدون بمنجل الاستشهاد!!

2 - لأن الاستشهاد والشهداء قدموا برهاناً عملياً على صدق تعاليم المسيحية وفضائلها...

يقول المؤرخ الكبير فيليب شاف Schaff: [نحن لا نعرف ديانة أخرى استطاعت أن تصمد لفترة طويلة – امتدت إلى نحو ثلاثة قرون – فى مقاومة متصلة من التعصّب اليهودى، والفلسفة الاغريقية، والسياسة الرومانية وقوتها. ما من ديانة أخرى كان يمكنها أن تنتصر فى النهاية على أعداء كثيرين، بالقوة الأدبية الروحية وحدها، ودون الاستعانة بأية وسائل مادية لمساندتها].

كما تختبر المعادن بالنار، كذلك تختبر الفضائل بالآلام والضيقات... كانت الاضطهادات العنيفة التى قاستها المسيحية، برهاناً على اصالة فضائلها. فقد يتكلم الإنسان كثيراً عن الفضائل. لكن هذا لا يعنى أنه انسان فاضل، إلاَّ إذا برهن على الفضيلة عملياً بحياته، وبخاصة فى محنة آلامه... وقد اثبت الاستشهاد اصالة الفضائل التى علمت بها المسيحية، متجسّدة فى أشخاص المعترفين والشهداء، الذى لم تقوّ آلامهم المبرحة على تحويلهم عن الفضيلة وسموّها فى شتى صورها...

يقول العلامة ترتليانوس فى خاتمة دفاعه، موجهاً كلامه إلى حكام الامبراطورية الرومانية وقضاتها... [كثيرون من كتابكم يحثون على التشجيع فى احتمال الألم والموت. ومن أمثلهم شيشيرون وسينكا وديوجنيس... ومع ذلك لا تجد كلماتهم اتباعاً كثيرين، على نحو ما تجد المسيحية. فالمعلمون ليسوا بكلماتهم بل بأعمالهم. وهذه الصلابة التى تعيّرونها هى تعلمكم. لأنه من ذا الذى يتأملها ولا يتحرك ليستفسر ما هى نهايتها؟ ومن ذا الذى بعد أن يستفسر، لا يعتنق مبادئنا؟ وبعد أن يعتنقها، لا يشتاق إلى التألم حتى ما يصير شريكاً لكمال نعمة الله؟!].

وكمثال نذكر الكتيبة الطيبية التى كانت تضم أكثر من ستة آلاف جندياً من صعيد مصر، واستشهد افرادها عن آخرهم على أرض سويسرا ومازالت ذخائرهم فى أحد الأديرة بمدينة سانت مورتيزا بسويسرا. قال هؤلاء الجنود المسيحيون فى رسالة وقعّوها ورفعوها إلى الامبراطور مكسيميانوس: [أيها القيصر العظيم نحن جنودك، لكن فى الوقت نفسه نحن عبيد الله... لسنا ثواراً، فلدينا الأسلحة، وبها نستطيع أن ندافع عن انفسنا ونعصاك. لكننا نفضل أن نموت أبرياء، على أن نعيش ملوثين. ونحن على اتم استعداد أن نتحمل كل ما تصبه علينا من أنواع التعذيب لأننا مسيحيون، ونعلن مسيحيتنا جهاراً...].

وكمثال أيضاً قصة أوردها بوسابيوس القيصرى المؤرخ عن شهيد فى مدينة قيصرية يدعى بولس... هذا الشهيد بينما كان الجلاد على وشك أن يقطع رأسه طلب مهلة وجيزة. ثم رفع صوته مصلياً من أجل زملائه المسيحيين، واهتداء اليهود والأمم الذين يعيشون فى الضلال، ومن أجل الجماهير المحتشدين حوله. وتوسل من أجل القاضى الذى حكم عليه بالموت، ومن أجل الحكام. وكذا من أجل الشخص الذى كان مزمعاً أن يقطع رأسه، طالباً أن لا تحسب عليهم خطيتهم من نحوه... والأمثلة على هذا المسلك كثيرة جداً فى سير الشهداء.

يقول يوسابيوس المؤرخ الكنسى الذى عاش وسط الاضطهادات بخصوص عفة وطهارة العذارى والنساء: [لم يكن النساء أقل من الرجال بسالة فى الدفاع عن تعاليم الكلمة الإلهية، إذ اشتركن فى النضال مع الرجال. ونلن معهم نصيباً متساوياً من الأكاليل من أجل الفضيلة. وعندما كانوا يجروهن لأغراض دنسة، كن يُفضلن تسليم حياتهن للموت عن تسليم أجسادهن للنجاسة]!!

وكمثال نقدم فبرونيا العذراء الشهيدة التى استشهدت سنة 749... فلقد عمت الاضطرابات البلاد المصرية فى ذلك الوقت بسبب فرار موان بن محمد آخر خلفاء الامويين إلى الوجه القبلى أمام أبى العباس. دخل جنود مروان ديراً للعذارى قرب اخميم. وبعد أن نهبوه أرادوا اغتصاب فبرونيا وكانت عذراء صغيرة فتنوا بجمالها. وإذ وجدت فبرونيا نفسها فى أيدى هؤلاء الجند، استمهلتهم قليلاً، ودخلت قلايتها، وألقت بذاتها بين يدى الله باكية، طالبة الخلاص من الدنس. وما لبثت أن خرجت إليه بحيلة... توسلت إليهم أن يتركوها لعبادتها مقابل جميلاً تسديه إليهم، قالت أنها تعلمته من أسلافها. كان هذا الجميل زيتاً تقتنيه إذا دهن به أى جزء من الجسم لا تعمل فيه السيوف. ولكى تبرهن لهم على صدق كلامها، دهنت عنقها بهذا الزيت، وطلبت أن يهوى أقواهم بسيفه على عنقها... وما أن فعل ذلك حتى انفصل رأس العذراء العفيفة عن جسدها... أما الجند فاعتراهم خوف شديد، واسرعوا بمغادرة الدير، بعد أن تركوا كل ما كانوا قد نهبوه.

● لكن ما الذى دفع المسيحيين لاحتمال أهوال العذابات التى يهلع الانسان لمجرد سماعها؟!

أ - قدمت المسيحية مفهوماً جديداً للألم... لم يعد الألم أمراً يتعلق بالجسد، لكن غداً له مفهوم روحى يرتبط بالحب – محبة المسيح!! ونحن نرى الحب فى شخص المسيح يسعى نحو الألم ليستخلص من براثنه من اقتنصهم، ويحرر من سلطانه من أذلهم... لقد تغيرت مذاقة الألم، وأصبح صليب الألم شعار المجد والغلبة والنصرة، بل الواسطة إليها... فى المسيحية ننظر إلى الصليب على انه علامة الحب الذى غلب الموت وقهر الهاوية، واستهان بالخزى والعار والألم!!

لقد أصبح احتمال الألم من أجل المسيح هبة روحية... "وُهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألموا أيضاً" (فى 1: 29)... وهكذا تبدلت صورة الألم ومذاقته فارتفع إلى مستوى الهبة الروحية!! وأصبح شركة مع الرب فى آلامه.

«إن كنا نتألم معه، لكى نتمجد أيضاً معه» (رو 8: 17)).

.. "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فى 3: 10)...

«اكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة» (كو 1: 24)).

.. ألم يقل المسيح: "إن أراد أحد أن يأتى ورائى، فلينكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى"؟... كل المؤمنين ساروا خلف معلمهم فى الطريق إلى الجلجثة، حاملين صلبانهم... وكانوا هن إشارته... لكنه سمح بأن يكلل البعض منهم بكل المجد أن يتشبهوا به، وماتوا حباً فيه، فاستحقوا أن تعلوا صلبانهم مقولته الخالدة: "ليس حب أعظم من هذا"...

وإذا كانت المسيحية هى الحب، فالموت فى سبيلها هو قمة الحب والبذل أو بحسب تعبير القديس اكليمنضس الاسكندرى: [الاستشهاد ليس مجرد سفك دم، ولا هو مجرد اعتراف شفهى بالسيد المسيح، لكنه ممارسة كمال الحب].

ب - وكما قدمت المسيحية مفهوماً جديداً للألم، فقد قدمت أيضاً مفاهيم جديدة للإنسان ذاته وللعالم الذى يحيا فيه...

● لقد علمت المسيحية أن الإنسان مخلوق سماوى حتى لو كان فى تكوينه جوهراً ترابياً. فالسماء بالنسبة للإنسان هى الأول والآخر، البداية والنهاية، هى وطنه الأصلى ومستقره النهائى. فبداية الإنسان يوم خُلق كانت فى السماء، وسوف تكون فيها نهايته حينما يعود إليها... ومن هنا أحسّ الإنسان بغربته فى العالم، وجعل كل أشواقه أن يعود إلى وطنه الأول السماء... واكدت أسفار العهد الجديد هذه الحقيقة... فبولس الرسول بعد أن عدد أسماء بعض أبرار العهد القديم يقول.

«فى الإيمان مات هؤلاء اجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيّوها، وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عب 11: 13)).

ويكتب إلى أهل كورنثوس...

«فإذا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب... فنثق ونسرّ بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب» (2كو 5: 6).

، 8). وبطرس الرسول يكتب إلى المتغربين من شتات بنتس وغلاطية وكبدوكيا وآسيا وبيثينية ينصحهم:

«أيها الأحباء، أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس» (1بط 2: 11)).

..

● وعلمت المسيحية الإنسان المؤمن أنه طالما هو مخلوق سماوى فيجب أن تكون أشواقه إلى السماء، لذا يكتب بولس إلى أهل كولوسى مشجعاً إياهم بقوله:

«من أجل الرجاء الموضوع لكم فى السموات» (كو 1: 5)).

.. وفى هذا المعنى يكتب بولس قائلاً: "فإن سيرتنا نحن فى السموات التى منها أيضاً ننتظر مخلصنا هو الرب يسوع المسيح" (فى 3: 20). ويقول لأهل كولوسى:

«اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض» (كو 3: 1).

، 2)... وكان لسان حال كل مسيحى هو عين ما قاله داود:

«عطشت نفسى إلى اللهن إلى الإله الحى. متى أجئ واتراءى قدام الله» (مز 42: 1).

، 2)...

● وانطلاقاً من هذا المفهوم – ان الانسان مخلوق سمائى، وان أباه فى السماء "أبانا الذى فى السموات"، فإنه فى صلواته يناجى الله فى السماء، ويقدّم صدقاته عالماً أنه يكنز فى السماء (مت 6: 19، 20) اى أن صندوق التوفير الذى يدخرّ فيه هو فى السماء، ويتشفع بالملائكة والقديسين الذين انطلقوا إلى السماء... بل وأكثر من هذا ان نفسه مخطوبة لعريس فى السماء (2كو 11: 2)، يشتاق أن يلتقى به فى حفل العرس الأبدى (مثل العشر عذارى – مت 25).

وبسبب كل هذه الاحاسيس والمفاهيم المقدسة كانت معنويات المعترفين والشهداء عالية جداً فى السجون...

كان غرض الأباطرة والملوك والحكام الوثنيين من سجن المعترفين المسيحيين، هو تحطيم شجاعتهم واضعاف روحهم المعنوية. لكن على العكس، كان حبس المعترفين وتعذيبهم سبباً فى اعلاء شجاعتهم.

إنه أمر خارج عن حدود المنطق، وفائق لطبيعة البشر المألوفة، ان الاحزان تنشئ أفراحاً، والضيقات تولد تعزيات... لكنها المسيحية بمفاعيل النعمة الإلهية – بعمل الروح القدس فى المؤمنين هى التى تفعل ذلك... فبعض شهداء قرطاجنة – بعد أن وصفوا أهوال السجن – قالوا: [إننا لم نخشَ ظلام المكان. فلقد أضاء السجن الموحش ضياء روحانى. ولقد كان الإيمان والمحبة كالنهار يفيضان علينا ضوءاً أيضاً]... أما أسباب ذلك فكانت:

● المعونة الإلهية التى وعد الله بها جميع المضطهدين من أجل اسمه (لو 21: 12 - 19).

● احساس المعترفين بشرف تألمهم من أجل انبل الغايات.

● التطلع بإيمان إلى المجد العظيم الذى ينتظرهم، وان المسيح سيمسح كل دمعة من عيونهم (رؤ 21: 4).

● تعاطف الكنيسة – بكل أعضائها كجسد واحد – معهم، سواء بالصلوات التى ترفع لأجلهم أو العناية بالاهتمامات المادية واحتياجات أسرهم.

● الرؤى المجيدة التى كانت تعلن لهم، وان لها أعظم الأثر فى تشجيعهم واصبح السجن فى نظرهم باباً للسماء!!

هكذا كان المعترفون فى السجون تفيض نفوسهم سلاماً... كان وا يتعجلون موعد محاكمتهم – لا احتمال للأفراج عنهم، بل لأنهم كانوا بوقفتهم أمام الحكام، يحسّون انهم يشاركون الرب يسوع فى وقفة محاكمته أمام بيلاطس البنطى...

وتتجلى هذه الروح المعنوية العالية، والشجاعة المسيحية، فى الحوار الذى جرى بينهم وبين قضاتهم...

لم يكن للمتهمين الذين يتمسكون بالإيمان المسيحى سوى رد واحد يجيبون به، ظل يسمع قرابة ثلاثة قرون فى ساحات القضاء بانحاء الامبراطورية... أما هذا الرد فهو [أنا مسيحى Christianus Sum] أما صيحة الشعب الهائج التى كانت تعقب هذا الاعتراف فهى [الموت للمسيحى]... كان المتهم لا يجيب عن وضعه الاجتماعى فى العالم، لأن الأمور الأرضية كانت تافهة القيمة فى نظره. وحتى لو أراد القاضى أن يعرف ما إذا كان عبداً أو حراً، وهو موضوع كان على جانب كبير من الأهمية فى تلك الأزمنة فأنه ما كان يهتم بالإجابة...

ويذكر لنا المؤرخ الكنسى اوسابيوس قصة شماس يدعى سانكتوس من فينا، ظل ثابتاً أمام جميع من وقف أمامهم للمحاكمة. وكان لا يجيب على اى سؤال وجه إليه من أى نوع، إلاَّ بهذه الكلمات يقولها باللاتينية [أنا مسيحى] ولا يزيد عليها شيئاً.

فى اقليم كيليكية سأل الوالى أحد المعترفين ويدعى تراكوس Tarachus عن اسمه، فأجاب أنا مسيحى... قال له الوالى: [كف عن هذه اللغة النجسة واذكر اسمك]، أجابه: [انا مسيحى] قال الوالى للجندى: [اضربه على فمه وقل له لا تقدم اجابات ملتوية]... أجابه: [أنا أذكر لك الاسم الذى احمله فى نفسى. لكن إن سألت عن اسمى المتداول بين الناس، فإن والدىّ اسميانى تراكوس].

وسأل القاضى شهيداً آخر يدعى مكسيموس، [ما هى حالتك] أجاب: [أنا إنسان حرّ ولكن عبد المسيح]. وسأل القاضى عذراء الاسكندرية الشهيرة ثيئودورة: [ما هى مكانتك]. أجابته [أنا مسيحية]. عاد وسألها [سيدة حرة أم أمة]. أجابته لقد قلت لك أنا مسيحية، والمسيح جاء وحررنى. وبحسب مقاييس العالم ولدت حرة].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

نماذج من الشهداء

‹

نماذج من المدافعين عن العقيدة

المحتويات
المحتويات