يوحنا الرسول

يوحنا الرسول

هى ابن زبدى، وشقيق يعقوب بن زبدى المعروف بيعقوب الكبير... هو التلميذ الذى كان يسوع يحبه (يو 19: 26). وهو الذى أتكأ على صدره فى العشاء الأخير... ويوحنا هو التلميذ الحبيب والرسول واللاهوتى والرائى... هو الرسول الذى جمع فى شخصه بين حب البتولية والعظمة الحقيقية، والبساطة القلبية مع المحبة الفائقة العجيبة... هو الذى انفرد من بين التلاميذ فى سيره بدون خوف وراء المخلّص فى الوقت العصيب الذى تركه الجميع وانفضّوا من حوله... كان هو واسطة ادخال بطرس حيث كان الرب يسوع يُحاكم، نظراً لأنه كان معروفاً عند رئيس الكهنة (يو 18: 15، 16)... وهو الوحيد الذى رافق الرب إلى الصليب، فسلّمه أمه العذراء مريم. ومن تلك الساعة عاشت معه (يو 19: 25 - 27)... كان أبوه زبدى يحترف مهنة الصيد، ويبدو أنه كان فى سعة من العيش، لأنه كان له اجراء (مر 1: 20)، وكانت أمه سالومى بين النساء اللائى كن يخدمن الرب يسوع من أموالهن (مت 27: 55، 56؛ مر 10: 40، 41)... ويغلب على الظن أن أسرة يوحنا كانت تقيم فى بيت صيدا القريبة من بحر الجليل.

ويبدو أنه تتلمذ بعض الوقت ليوحنا المعمدان، وكان يتردد عليه (يو 1: 35 - 42)... دعاه السيد المسيح للتلمذة مع أخيه يعقوب فتبعه. وبناءً على رواية القديس جيرومن فإن يوحنا فى ذلك الوقت كان فى الخامسة والعشرين من عمره.

كان يوحنا واحداً من التلاميذ المقربين إلى الرب يسوع مع يعقوب أخيه وبطرس... وكان هو – مع اندراوس – أو من تبعه فى بشارته (يو 1: 40)، وآخر من تركه عشية آلامه من بعد موته... هو الذى انفرد بين الإنجيليين بتسجيل حدث الرب يسوع الرائع عن الافخارستيا (يو 6)، ولقائه مع السامرية (يو 4)، وموقفه من المراة الزانية التى أمسكت فى ذات الفعل (يو 8)، وشفاء المولود أعمى (يو9)، واقامة لعازر من الموت (يو11)، وصلاة الرب يسوع الوداعية (يو 17)... وكان يوحنا أحد الأربعة الذين سمعوا نبوة المخلص عن خراب أورشليم والهيكل وانقضاء العالم (مر 13: 3). وأحد الاثنين اللذين اعدا له الفصح الأخير...

وكان يوحنا واحداً من التلاميذ الثلاثة (بطرس ويعقوب ويوحنا) الذين صحبوا السيد المسيح فى معجزة إقامة ابنة يايروس من الموت (مر 5: 37)، وفى حادث التجلى (مت 17: 1)، وفى جثسيمانى ليلة آلامه (مت 26: 37)... وبكرّ مع بطرس وذهب إلى قبر المخلّص فجر أحد القيامة (يو 20: 2 - 5). وكان حماسه وحبه ظاهرين، حتى أنه سبق بطرس ووصل أولاً إلى القبر... وهو الوحيد بين التلاميذ الذى استطاع أن يتعرّف على الرب يسوع حينما أظهر ذاته على بحر طبرية عقب قيامته المجيدة، وقال لبطرس:

«هو الرب» (يو 21: 7)).

ويذكر أغسطينوس أن عفة يوحنا وبتوليته دون بقية التلاميذ كانت هى سرَّ محبة المسيح له.

والقديس يوحنا لم يكن – كما يتصوره البعض شاباً رقيقاً خجولاً – بل كان له وضع بارز فى الكنيسة الأولى... نقرأ عنه فى الاصحاحات الأولى من سفر الأعمال، ونراه جنباً إلى جنب مع بطرس أكبر الرسل سناً. نراهما متلازمين فى معجزة شفاء المقعد عند باب الهيكل (أع 3). وأمام محكمة اليهود العليا (السنهدرين) يشهدان للمسيح (أع 4). وفى السامرة يضعان أياديهما على أهلها ليقبلوا الروح القدس (أع 8).

ويبدو أن خدمته الكرازية فى الفترة الأولى من تأسيس الكنيسة كانت فى أورشليم والمناطق القريبة منها. فالتقاليد القديمة كلها تجمع على بقائه فى أورشليم حتى نياحة العذراء مريم التى تسلمها من الرب كأم له ليرعاها... ومهما يكن من أمر فإن يوحنا الرسول – بعد نياحة العذراء مريم – انطلق إلى آسيا الصغرى ومدنها الشهيرة. وجعل اقامته فى مدينة أفسس العظيمة متابعاً ومكملاً عمل بولس الرسول الكرازى فى آسيا الصغرى (أع 18: 24 - 28؛ 19: 1 - 12)... وأخذ يشرف من تلك العاصمة القديمة الشهيرة على بلاد آسيا الصغرى ومدنها المعروفة وقتذاك من أمثال ساردس وفيلادلفيا واللازقية وازمير وبرغامس وثياتير وغيرها، وهى البلاد التى وردت إشارات عنها فى سفر الرؤيا...

وبسبب نشاطه الكرازى قبض عليه فى حكم الأمبراطور دومتيان (81 – 96)، وارسل مقيداً إلى روما، وهنا القى فى خلقين (مرجل) زيت مغلى. فلم يؤثر عليه، بل خرج منه أكثر نضرة، مما أثار ثائرة الأمبراطور فأمر بنفيه إلى جزيرة بطمس[4]، ومكث بها حوالى سنة ونصف كتب اثناءها رؤياه حوالى سنة 95م... ثم أفرج عنه فى عهد الامبراطور نرفا (96 – 98م) الذى خلف دومتيان، فقد أصدر مجلس الشيوخ الرومانى قراراً بعودة جميع المنفيين إلى أوطانهم... وبالافراج عنه عاد إلى أفسس ليمارس نشاطه التبشيرى. وكل التقاليد القديمة تؤيد بالاجماع نفى يوحنا إلى جزيرة بطمس فى ذلك التاريخ وكتابته رؤياه هناك... ومن الآباء والعلماء الذين شهدوا بذلك ايرنياوس وكليمنضس الاسكندرى وترتليانوس واوريجينوس. هذا فضلاً عن الآثار التى مازالت تحتفظ بها جزيرة بطمس حتى الان.

ومن الألقاب الاصقة بيوحنا لقب "الحبيب"... فقد ذكر نفسه انه.

«التلميذ الذى يحبه يسوع» (يو 13: 23).

؛ 19: 26؛ 20: 2؛ 21: 7، 20)... وقد ظل يوحنا رسول المحبة فى كرازته ووعظه ورسائل وإنجيله. إن كتاباته كلها مفعمة بهذه الروح... روى عنه انه لما شاخ ولم يعد قادراً على الوعظ، كان يُحمل إلى الكنيسة ويقف بين المؤمنين مردداً العبارة: "يا أولادى حبوا بعضكم بعضاً". فلما سأم البعض تكرار هذه العبارة وتساءلوا لماذا يعيد هذه الكلمات ويكررها، كان جوابه لأنها وصية الرب وهى وحدها كافية لخلاصنا لو اتممناها... (روى هذه القصة القديس جيروم).

ومن القصص التى تروى عن حبه الشديد لخلاص الخطاة، تلك القصة التى تروى انه قاد إلى الإيمان شاباً، وسلّمه إلى أسقف المكان كوديعة وأوصاه به كثيراً. لكن ذلك الشاب ما لبث أن عاد إلى حياته الأولى قبل إيمانه، بل تمادى فى طريق لاشر حتى صار رئيساً لعصابة قطاع طرق... عاد يوحنا بعد مدة إلى الأسقف وسأله عن الوديعة. ولما لم يفهم الأسقف ما يعنيه بالوديعة، ذكّره بذلك الشاب... تنهّد الأسقف وقال [لقد مات]! ولما استفسر عن كيفية موته، روى له خبر ارتداده... حزن يوحنا حزناً شديداً، واستحضر دابة ركبها رغم كبر سنه. وصحبه دليل. واخذ يجوب الجبل الذى قيل إن هذا الشاب كان يتخذه مسرحاً لسرقاته... امسك اللصوص يوحنا وقادوه إلى مقدّمهم الذى لم يكن سوى ذلك الشاب!!... تعّرف عليه الشاب، وللحال فرّ من أمامه... وأخذ يوحنا – فى شيخوخته – يسرع خلفه وهو يناشده الوقوف رحمة بشيخوخته، وكان يقول له: [لماذا يا ابنى تهرب منى. أنا أبوك غير المسلح الطاعن فى السن. اشفق علىَّ يا ابنىّ، ولا تخف. لازال أمامك أمل فى الحياة. اننى سأقدم للمسيح حساباً عنك. وان لزم الأمر فإنى مستعد لتحمل الموت عنك كما تحمل المسيح الرب الموت عنا. لأجلك ابذل حياتى. قف آمن. المسيح أرسلنى إليك] أما الشاب فعندما سمع وقف أولاً ثم أطرق برأسه إلى الأرض، وفتح ذراعيه وارتعد وبكى بحرقة. ولما أقترب منه العجوز عانقه الشاب معترفاً بخطاياه بنحيب شديد، ومعمداً نفسه مرة أخرى بالدموع، مخبئاً فقط يده اليمنى. ولكن يوحنا قطع له عهداً، مؤكداً أنه سوف ينال المغفرة من المخلص. وتوسل إليه الشاب وجثا على ركبتيه وقبل يده اليمنى نفسها كأنها قد تطهرت وقتئذ بالتوبة، واخذه ثانية إلى الكنيسة. وإذ تشفع من أجله بصلوات حارة، وجاهد معه بأصوام مستمرة، واخضع عقله بأقوال مختلفة، ولم يغادر يوحنا المدينة إلاّ بعد أن أعاده إلى الكنيسة مقدماً بذلك مثلاً عالياً فى التوبة الصادقة وبرهاناً قوياً على تجديد الحياة، ودليلاً على قيامة من بين الأموات منظورة] (يوسابيوس القيصرى ك 3: 23: 17 - 19).

لكن على الرغم من محبة يوحنا بصفة عامة، ومحبته الشديدة للخطاة بصفة خاصة، فقد كان يمقت الهراطقة جداً. ويظهر هذا واضحاً فى رسائله المليئة بالتحذير من الهراطقة والمبتدعين فى الدين... يقول فى رسالته الثانية: "كل من تعدّى ولم يثبت فى تعليم المسيح فليس له الله. ومن يثبت فى تعليم المسيح فهذا له الآب والابن جميعاً. إن كان أحد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم فلا تقبلوه فى البيت، ولا تقولوا له سلام. لأن من يُسلّم عليه يشترك فى أعماله الشريرة" (2يو 9 - 11)... ذكر عنه أن دخل يوماً حماماً فلما وجد فيه كيرنثوس الهرطوقى الغنوسى الذى أنكر تجسد الرب صاح فى المؤمنين لا تدخلوا حيث عدو المسيح، لئلا يهبط عليكم الحمام. قال ذلك وخرج يعدو أمامهم فخرجوا وراءه مذعورين[5]!!

ويشير بولس الرسول إلى وضع يوحنا المتميّز فى الكنيسة الأولى، فيذكره على أنه أحد أعمدة الكنيسة وانه من رسل الختان (غل 2: 9)... "فإذ علم بالنعمة المعطاة لى يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أهم أعمدة أعطونى وبرنابا عين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان".

ويذكر بوليكراتس Polycrates أسقف أفسس أواخر القرن الثانى أن يوحنا كان يضع على جبهته صفيحة من الذهب، كالتى كان يحملها رئيس أحبار اليهود (خر 28: 36، 37؛ 39: 30، 31)، ليدل بذلك على أن الكهنوت قد انتقل من الهيكل القديم إلى الكنيسة... لكن من ذلك، نستدل من مواقفه وكتاباته انه كان معتدلاً وغير متطرف...

ومما يذكر عن يوحنا انه كان يروّض نفسه أحياناً بأمور لا تتنافى مع الوقار. حدث ذات يوم انه كان يداعب حِجْل داجن (نوع من الطير المنزلى) أن مرّ به صياد، فوقف تجاهه متعجباً مما يفعله شيخ فى مثل سنه. فقال له الرسول: ما هذا الذى بيدك، فأجابه الصياد [قوس]، فقال له: [لماذا لا تبقيها على الدوام مشدودة]، فأجاب الصياد: [إن دام الوتر مشدوداً ينقطع]. فأجابه الرسول: [هكذا شأن العقل ولذلك أروّضه أحياناً ليجد راحة]... إن البساطة واللعب الذى ماثل يوحنا بهما الأطفال يرتبطان دائماً بعظمة الإنسان فى عقله. (روى هذه القصة يوحنا كسيان من القرن الخامس).

أخيراً رقد فى هذا الرسول العظيم فى الرب فى شيخوخة وقورة حوالى سنة 100م بعد أن دون لنا الإنجيل والرؤيا والرسائل الثلاث التى تحمل اسمه... ودفن فى مدينة أفسس بحسب رواية بوليكراتس أسقف أفسس أواخر القرن الثانى (يوسابيوس القيصرى ك3 ف 31)...

إنجيل يوحنا:

الإنجيل الرابع هو إنجيل يوحنا، وقدس أقداس كتاب العهد الجديد... يشبهه كلمينضس الاسكندرى بالروح بينما الأناجيل الثلاثة الأخرى هى الجسد. ويدعوه اوريجينوس [تاج الأناجيل كما أن الأناجيل هى تاج جميع الكتابات المقدسة].

التلميذ المحبوب، الذى كان يتكئ على صدر المسيح، الذى أوكل إليه العناية بأمه، الذى عمر أكثر من جميع الرسل، هيأته النعمة أن يقدم للكنيسة أعماق رب المجد... لقد امتص فى شبابه المبكر أعمق كلمات سيده، وحفظها فى قلبه الأمير ككنز ثمين. وفى شيخوخته المتقدمة، استعادها بالهام الروح القدس الحال فيه، وإرشده إلى كل الحق. ولذ يكتب فى رسالته الأولى:

«الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة» (1يو 1: 1)).

والتقاليد القديمة المعتبرة تجعل الهرطقة الغنوسية هى التى دفعت يوحنا لأن يكتب إنجيله وكان ذلك بناء عن طلب والتماس اساقفة وكهنة الأقاليم المجاورة لأفسس حيث كان يقيم... فطلب إليهم أن يصوموا معه مدة ثلاثة أيام ويصلوا إلى الله. وكان بعدها أن الهمه الوحى الإلهى، فاستفتح حيله بالكلمات:

«فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله... » (يو 1: 1)).

حين ننتقل من بشارة إلى أخرى فى نطاق البشائر الثلاث الأولى، لا نشعر بتغيير جوهرى. لكن ما أن ننتقل من أيها إلى إنجيل يوحنا، حتى نستنشق عبيق جو آخر مختلف... إن إنجيل يوحنا هو الذى رفع الحجاب عن قدس الأقداس، وكشف مجد الابن الوحيد المملوء نعمة وحقاً... وصدق القديس أغسطينوس فى تصويره حينما قال: [لقد سار الإنجيليون الثلاثة الآخرون مع الرب على الأرض كما مع إنسان، ولم يذكروا إلاّ القليل عن لاهوته. أما يوحنا، فكما لو كان يأبى السير على الأرض، يُدوّى فى فاتحة إنجيله – ليس فوق الأرض وكل دائرة الهواء والسماء فحسب، بل حتى فوق كل جيش الملائكة وكل رتب القوات غير المرئية، ويصل إلى ذاك الذى به كان كل شئ].

ليس إنجيل آخر بين الأناجيل أكثر عمقاً... كلامه مفهوم وإن كان مُفعماً بالأسرار. هو بسيط كطفل سامياً كالسيرافيم، ووديعاً كحمل جريئاً كنسر، عميقاً كبحر، عالياً كالسموات... لقد كُتب آخر القرن الأول، وكأنه شمس الغروب الذهبية لعصر الالهام الرسولى، وقد مدّت خيوطها إلى كل أجيال الكنيسة...

ويوحنا لا يهدف إلى سرد تاريخ كامل لحياة السيد المسيح بالجسد، وإلاَّ كان تكراراً لما سجّله الإنجيليون الثلاثة الذين سبقوه إلى الكتابة... يوحنا نفسه يذكر ذلك صراحة:

« وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب فى هذا الكتاب» (يو 20: 30).

بالقارنة مع 21: 25). أما السبب الذى حمله على الكتابة فهو.

«لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله. ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يو 20: 31)).

.. لقد صاغ يوحنا إنجيله تبعاً لحالة الكنيسة واحتياجاتها أواخر القرن الأول، مفنّداً البدع التى ظهرت فى ذلك الوقت...

وإنجيل يوحنا هو إنجيل التجّسد "الكلمة صار جسداً"، ويبدأ انجيله بالكلام عن أزلية الكلمة (الوغوس)... وهو إنجيل الحب، وفيه وحده تقرأ الآية الذهبية: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (3: 16)... ونقرأ عن الوصية الجديدة.

« وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً» (يو 13: 34)).

.

رسائله:

وجوهر رسائل المحبة واثبات ضلال الهراطقة...

«من يحب أخاه يثبت فى النور وليس فيه عثرة. وأما من يبغض أخاه فهو فى الظلمة، وفى الظلمة يسلك ولا يعلم أين يمضى لأن الظلمة اعمت عينيه» (1يو 2: 10).

، 11)...

«أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله» (1يو 3: 1)).

..

«أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً لأن المحبة هى من الله وكل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة» (1يو 4: 7).

، 8). وأما عن رده على ضلالات الهراطقة فنلمسها مما كتبه.

«أيها الأولاد هى الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتى قد صار الآن اضداد للمسيح كثيرون... منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا، لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا» (1يو 2: 18).

، 19)...

«أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هى من الله لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله. كل روح يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء فى الجسد فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فليس من الله» (1يو 4: 1 - 3)).

الرؤيا:

أما عن الرؤيا التى أعلنت له فى جزيرة بطمس ودونها لنا فى آخر أسفار الكتاب المقدس فإنها تتضمن ثلاثة أمور جوهرية: الاصحاحات الأولى تحتوى على انذارات ونصائح لرعاة كنائس آسيا السبعة. والثلاثة اصحاحات الأخيرة تحتوى على نبوءة بانتصار المسيح والدينونة الأخيرة وسعادة الأبرار. أما الأصحاحات التى بين هذه وتلك فهى تحوى كتابات رمزية أو أسفاراً مختومة اختلف المفسرون فى تفسيرها لكنها تتحدث عن مستقبل الكنيسة، وما هو عتيد أن يحل بها من ضيقات... ونستطيع أن نلخص سفر الرؤيا بأنه سفر الرجاء، وسفر النصرة، وسفر التسبيح، وسفر السماء وأورشليم الجديدة بكل أمجادها...

يعقوب البار

هو يعقوب بن حلفى احد الاثنى عشر رسولاً، وهو أحد الأعمدة الثلاثة لكنيسة الختان حسبما دعاه القديس بولس الرسول (غل 2: 7 - 9)... عرف باسم يعقوب أخى الرب لأنه ابن خالته بالجسد من مريم زوجة كلوبا (شقيقة العذراء مريم). فكلمة "حلفى" آرامية ويقابلها "كلوبا" فى اليونانية. وعرف باسم يعقوب الصغير (مر 15: 40) تمييزاً له عن يعقوب الكبير بن زبدى. وعرف أيضاً باسم يعقوب البار نظراً لقداسة سيرته وشدة نسكه. كما عرف باسم يعقوب أسقف أورشليم، لأنه أول أسقف لها.

وقد اثير جدل حول شخصيته، وحول اللقب الذى عرف به "أخ الرب"... وهناك ثلاثة آراء بخصوص المذكورين فى العهد الجديد اخوة الرب.

«يعقوب ويوسى وسمعان ويهوذا» (مت 13: 55).

:

1 - رأى يقول انه ابن ليوسف ومريم بعد ميلاد رب المجد يسوع... قال بهذا الرأى ترتليانوس وهو من المونتانيين الهراطقة. وبعده قال بهذا الرأى شخص هرطوقى يدعى هلفيديوس Helvidius من روما سنة 380م، مما دعا القديس جيروم أن يرد عليه برسالة قوية سنة 383م، فنّد فيها كل هذه الادعاءات الباطلة. وفى هذا الرد دعا جيروم كلاً من ترتليانوس وهلفيديوس منشقين على الكنيسة الجامعة... وهذا الرأى هو رأى البروتستانت. وهو يتناقض مع روح الكتاب المقدس ونصوصه، وعقيدة الكنيسة الجامعة منذ عصرها الرسولى. وكنيستنا ترفض هذا الرأى وتشجبه، لأن العذراء مريم ظلت عذراء أيضاً بعد ولادة المسيح. فهى "العذراء كل حين". وهى لم تعرف يوسف خطيبها معرفة الزواج قبل وبعد ميلاد المخلّص.

رأى ثانٍ يقول ان المذكورين فى الأناجيل اخوة الرب، هم فى الحقيقة أبناء ليوسف النجار من زوجة سابقة توفيت قبل خطبته لمريم العذراء... وقد ظهرت هذه النظرية إلى عالم الوجود فى كتابات الابوكريفا (الغير قانونية) المنسوبة للقديس يعقوب اخى الرب، ومنها إنجيل يعقوب المعروف باسم Protoevangeliam (ف 9)... وقد أخذ بهذا الرأى بعض الآباء الشرقيين – وهذا هو رأى الكنيستين اليونانية والسريانية... وهذا الرأى – على ما فيه من أخطاء وثغرات لا محل للرد عليها ههنا – فإنه لو كان هؤلاء المدعون اخوة الرب أولاداً ليوسف من زوجة سابقة، لكانوا أكبر من الرب يسوع سناً. وفى هذا هدم لنصوص الكتاب ونبوات العهد القديم.

3 - الرأى الثالث – وهو رأى كنيستنا القبطية الأرثوذكسية والكنيسة اللاتينية أيضاً، بأن يعقوب هذا هو عينه ابن حلفى (كلوبا)، وابن خالة السيد المسيح بالجسد من مريم أخرى شقيقة العذراء مريم، وذلك استناداً لما جاء فى الإنجيل المقدس (أنظر يو 19: 25بالقارنة مع لو 24: 10؛ مر 15: 40)... وقد دافع عن هذا الرأى بحماس كبير كل من القديس جيروم والقديس أغسطينوس. والعجيب أن هذا الرأى الثالث يدافع عنه حالياً كثير من العلماء البروتستانت... وفضلاً عن ذلك، فليس أول على صحة هذا الرأى من أن التقليد الكنيسى القديم فى العالم كله، يجعل منهما – يعقوب بن حلفى ويعقوب أخا الرب – شخصاً واحداً.

ولم يقف الجدل بخصوص شخصية هذا الرسول عند هذا الحد، بل لقد اثير جدل حول وضعه فى الكنيسة الأولى من جهة رسوليته: هل كان رسولاً من الاثنى عشر أم لا... فريق يؤكد رسوليته على اعتبار أنه ابن حلفى المذكور فى قوائم الرسل، وفريق يدعى أنه شخص آخر، وبالتالى ليس من الاثنى عشر... بل ذهبوا إلى أبعد من هذا، فقالوا بل انه لم يؤمن بالسيد المسيح إلاَّ بعد قيامته المقدسة من بين الأموات، وظهوره له ظهوراً خصوصياً على نحو ما حدث لشاول الطرسوسى (بولس الرسول) قرب دمشق... ويستند أصحاب هذا الرأى الأخير إلى ما جاء فى (يو 7: 5) "لأن اخوته أيضاً لم يكونوا يؤمنون به"، بالمقارنة مع ما قاله بولس الرسول فى (1كو 15: 7) من ظهور الرب يسوع ليعقوب بعد قيامته المجيدة!!

لكن ليس فى هذا ما يثبت هذا الزعم. فقول يوحنا ان اخوة الرب يسوع لم يكونوا يؤمنون به، لا يعنى عدم الإيمان كلية. لكن العبارة تحمل معنى عدم الإيمان الكامل بلاهوته. وهذا الأمر له نظير فيما يختص بالرسل أنفسهم الذين قيلت عنهم أقوال مشابهة (مت 17: 17؛ مر 4: 40؛ 9: 19؛ 16: 14؛ لو 8: 25؛ 9: 41؛ 17: 5؛ 24: 25؛ يو 6: 64 وأيضاً موقف تلميذى العمواس فى لوقا 24: 13 - 27)... أما عن الآية التى أوردها القديس بولس الخاصة بظهور الرب له (1كو 15: 3 - 7)، فنقول إن ظهور الرب ليعقوب بعد قيامته ليس فيه أى دليل على أنه كان غير مؤمن ثم آمن بواسطة هذا الظهور كما فى حالة القديس بولس الرسول. لأنه يوجد كثيرون أظهر الرب لهم ذاته بعد قيامته. فلماذا يكون يعقوب هو الوحيد بين هؤلاء جميعاً الذين كان غير مؤمن ثم آمن بسبب هذا الظهور!!

أما عن هذا الظهور الذى خصّ به يعقوب، فهناك رأى قديم بخصوصه أورده كاتب إنجيل العبرانيين الابوكريفا (غير القانونى) – هو من أقدم الأناجيل الابوكريفا وأقلها مجانبة للصواب – ويتلخص فى أن يعقوب لما علم بموت المخلّص على الصليب، تعاهد ألاَّ يذوق طعاماً إلى أن يقوم الرب من بين الأموات. وحدث فى صبيحة يوم القيامة أن الرب تراءى له وقدم له خبزاً وقال له: "قم يا أخى تناول خبزك لأن ابن البشر قام من بين الراقديم. وقد أورد هذا الاقتباس القديس جيروم فى كتابه" مشاهير الرجال "... وجدير بالذكر ان كاتب إنجيل العبرانيين يجعل من يعقوب بن حلفى ويعقوب أخ الرب شخصاً واحداً.

يؤكد رسولية هذا القديس وانه من الاثنى عشر، نص صريح ذكره القديس بولس فى رسالته إلى أهل غلاطية. يذكر بولس زيارته الأولى لأورشليم بعد إيمانه فيقول:

«ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس، فمكثت عنده خمسة عشر يوماً، ولكننى لم أر غيره من الرسل إلاَّ يعقوب أخا الرب» (غل 1: 18).

، 19)... وواضح من هذه الآية أن يعقوب أخا الرب رسول نظير بطرس والآخرين.

رأس هذا القديس كنيسة أورشليم، وصار أسقفاً عليها، واستمر بها إلى وقت استشهاده. لا يعرف بالضبط متى صار أسقفاً على أورشليم. لكن هناك رأياً يقول ان ذلك كان سنة 34م. وهذا التاريخ يتفق تقريباً مع شهادة القديس جيروم التى ذكر فيها ان يعقوب ظل راعياً لكنيسة أورشليم نحو ثلاثين سنة... وعمله الرعوى كأسقف على أورشليم يوضح لنا حكمة الكنيسة الأولى فى وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب... لقد كان هذا الرسول يتمتع بشخصية قوية بحكم صلة القرابة الجسدية بالرب يسوع، فضلاً عن تقواه الشديدة ونسكياته الصارمة. ومن هنا فقد تمتع بسلطان كبير بين اليهود المتنصرين، بل تمتع بمكانة كبيرة بين اليهود أنفسهم، ولذا فقد اسندت إليه المهام الرعوية فى أورشليم معقل اليهود فى العالم كله، وإليها يفد الآلام منهم، ليكون كارزاً لهم... وبناء عن تقليد قديم ذكره ابيفانيوس، كان يعقوب يحمل على جبهته صفيحة من الذهب منقوش عليها عبارة "قدس للرب" على مثال رئيس أحبار اليهود.

تمتع هذا الرسول بمكانة كبيرة فى كنيسة الرسل، فقد رأس أول مجمع كنسى سنة 50م وهو "مجمع أورشليم"، الذى عرض لموضوع تهوّد الأمم الراغبين فى الدخول إلى الإيمان (أع 15). وكان الرأى الذى نادى به فى المجمع فيه فصل الخطاب بالنسبة لهذا الموضوع، الذى كان يعتبر موضوع الساعة وقتذاك. بل يبدو أنه هو الذى كتب بنفسه صيغة قرار المجمع. فقد لاحظ العلماء تشابهاً بين أسلوب القرار وأسلوب الرسالة التى كتبها فيما بعد وهى رسالة يعقوب، مما يدل على أن كاتبها شخص واحد.

والرسول بولس يذكره أحد أعمدة كنيسة الختان الثلاثة، الذين اعطوه وبرنابا يمين الشركة ليكرزا للأمم، بل ويورد اسم يعقوب سابقاً لاسمى بطرس ويوحنا، مما يدل على مكانته (غل 2: 9)... ويؤيد هذه المكانة أيضاً الخوف والارتباك اللذان لحقا ببطرس فى إنطاكية لمجرد وصول اخوة من عند يعقوب!! الأمر الذى جعله يسلك مسلكاً ريائياً، وبّخه عليه بولس علانية (غل 2: 11 - 14)!!

أما عن نسكه فقد أفاض فى وصفه هيجيسبّوس Hegesippus (أحد علماء القرن الثانى المسيحيين) وقال انه كان مقدساً من بطن أمه لم يَعٍلُ رأسه موسى، لم يشرب خمراً ولا مسكراً وعاش طوال حياته نباتياً لم يأكل لحماً... وكان لباسه دائماً من الكتان. وكان كثير السجود حتى تكاثف لد ركبتيه وصارت كركبتى الجمل!!... وبسبب حياته المقدسة ونسكياته ومعرفته الواسعة للكتب المقدسة وأقوال الأنبياء نال تقديراً كبيراً من اليهود، وآمن على يديه كثيرون منهم فى مدة رئاسته لكنيسة أورشليم. بل ان يوسيفوس المؤرخ اليهودى الذى عاصر خراب أورشليم، لم يتردد عن الاعتراف بأن ما حل بأمته اليهودية من نكبات ودمار أثناء حصار أورشليم، لم يكن سوى انتقام إلهى لدماء يعقوب البار التى سفكوها!! لكن انعكاف اليهود نحو هذا القديس آثار حنق رؤساء كهنة اليهود وجماعة الكتبة والفريسيين، وفعولوا على التخلص منه...

أما الطريقة التى استشهد بها فيذكرها هيجيسبّوس، ويؤيده فيها كليمنضس الاسكندرى... أوقفه اليهود فوق جناح هيكلهم ليشهد أمام الشعب اليهودى ضد المسيح. لكنه خيّب ظنهم وشهد عن الرب يسوع أنه هو المسيا، فهتف الشعب "أوصنا لابن داود". وكان نتيجة ذلك أنهم صعدوا وطرحوه إلى أسفل. أما هو فجثا على ركبتيه يصلى عنهم، بينما اخذوا يرجمونه، وكان يطلب لهم المغفرة... وفيما هو يصلى تقدم قصّار ملابس وضربه بعصا على رأسه فأجهز عليه ومات لوقته. وكان ذلك سنة 62 أو سنة 63م بحسب رواية يوسيفوس والقديس جيروم...

وقد خلّف لنا هذا الرسول الرسالة الجامعة التى تحمل اسمه، والتى ابرز فيها أهمية أعمال الإنسان الصالحة ولزومها لخلاصه إلى جانب الإيمان...

«ما المنفعة يا اخوتى إن قال أحد إن له إيماناً ولكن ليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلّصه... هكذا الإيمان أيضاً إن لم يكن له أعمال ميت فى ذاته. لكن يقول قائل أنت لك إيمان وأنا لى أعمال. أرنى إيمانك بدون أعمالك، وأنا أريك بأعمالى إيمانى. أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون. ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل ان الإيمان بدون أعمال ميت... » (يع 2: 14 - 20)).

..

«أنتم الذين لا تعرفون أمر الغد. لأنه ما هى حياتكم، إنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل... من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له» (يع 4: 14).

، 17).

«أعلى أحد بينكم مشقات فليُصلّ. أمسرور أحد فليرتل. أمريض أحد بينكم فليدُع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفى المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تغفر له» (يع 5: 13 - 15)).

.. وكان حماسه لخلاص الخطاة عظيماً يقول:

«أيها الاخوة إن ضل أحد بينكم عن الحق فردّه أحد، فليعلم أن من ردّ خاطئاً عن ضلال طريقه يُخلّص نفساً من الموت ويستر كثيرة من الخطايا» (يع 5: 19).

، 20)... أما عن زمن كتابة هذه الرسالة فهناك رأى يقول إنها كتبت فى الأربعينيات من القرن الأول قبل مجمع أورشليم، ورأى آخر يقول انه كتبها قبيل استشهاده بزمن قصير.

كما خلف لنا هذا الرسول الليتورجيا (صلاة القداس) التى تحمل اسمه والتى انتشرت فى سائر الكنائس. والتقليد الكنسى يجمع على صحة نسبتها إليه.

لوقا الإنجيلى

هو ثالث الإنجيليين، وكاتب سفر أعمال الرسل، ورفيق القديس بولس فى أسفاره وكرازته واتعابه... والتاريخ لا يمدنا بمعلومات عن حياته السابقة قبيل تعرّفه على بولس الرسول...

ويبدو أن التقليد القديم الذى يقول انه كان من السبعين رسولاً – وهو رأى ابيفانيوس فى القرن الرابع – وانه أحد تلميذى عمواس اللذين التقى بهما الرب عشية قيامته أمر مشكوك فيه... والأرجح أنه كان أنطاكياً أممياً وليس يهودياً... هكذا شهد يوسابيوس المؤرخ الكنسى فى تاريخه (ك 3: ف 4: 7). وهكذا تقول كل التقاليد القديمة. ولعل ما يؤمد ذلك ملاحظتان: فلوقا يعطينا معلومات أكثر من غيره عن كنيسة أنطاكية (أع 11: 19 - 30؛ 13: 1 - 3، 22 - 35)، ويرجع أساس تسمية "مسيحى" إلى أنطاكية (أع 11: 19)؛ كما أنه حينما يذكر السبعة شمامسة، يذكر نيقولاوس أنه أنطاكى (أع 6: 5)، دون أن يذكر جنسية أى شماس آخر... وهو باعترافه لم يعاين الرب يسوع بالجسد، وانه اعتمد فى كتابة إنجيله على ما تسلمه ممن سبقوه، وعلى ما كان مكتوباً وشائعاً.

«إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة فى الأمور المتيقنة عندنا كما سلّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة» (لو 1: 1).

، 2).

أما كون لوقا اممياً – فبالاضافة إلى التقليد الكنسى القديم – نرى القديس بولس – فى رسالته إلى أهل كولوسى يذكره ضمن الأمميين... يقول:

«يسلّم عليكم ارسترخس المأسور معى ومرقس ابن أخت برنابا... ويسوع المدعو يسطس الذين هم من الختان... يسلّم عليكم ابغراس.. يسلّم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس» (كو 4: 10 - 14)).

.. ونلاحظ هنا أن بولس يذكر بعض أسماء فى الأول ويقول عنهم إنهم من الختان أى يهود، أما الباقون – ومنهم لوقا – فمن الأمم...

وهناك رأى آخر يجعل من لوقا أممياً أهتدى إلى اليهودية. ولعل مصدر هذا الرأى هو الخلط بين إسم لوقا وإسم لوكيوس الوارد فى (أع 13: 1). وكلاهما يرجع إلى أصل لغوى واحد.

والأرجح أن لوقا كان أممياً واهتدى إلى الإيمان المسيحى على يد أحد التلاميذ الذين نزحوا من أورشليم وقصدوا انطاكية فى وقت مبكر حوالى سنة 36م عقب التشتت الذى حدث بعد مقتل استفانوس (أع 8: 4)... وإن كان البعض يرجحون أنه آمن بالمسيح على يد بولس الرسول. وهذا هو رأى العلامة ترتليانوس من القرن الثانى.

ومهما يكن من أمر، فالثابت من رواية سفر الأعمال – وكاتبه هو القديس لوقا – انه التقى بالقديس بولس أثناء رحلته التبشيرية الثانية فى مدينة ترواس عقب الرؤيا التى أعلنت لبولس ورأى فيها رجلاً مكدونياً يقول له:

«اعبر الى مكدونيا واعنا» (أع 16: 9)).

.. ويبدو أنه رافق بولس إلى مدينة فيلبى لأنه – فى سفر الأعمال – يتكلم بعد ذلك مباشرة بصيغة المتكلم الجمع بعد أن كان يتكلم بصيغة الغائب الجمع... "وبعدما اجتازوا فى فريجية وكور غلاطية منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة فى آسيا.." وبعد أن ظهرت الرؤيا لبولس يقول لوقا.

«فلما رأى (بولس) الرؤيا للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية متحققين أن الرب قد دعانا لنبشرهم» (أع 16: 6).

، 10)...

ومن متابعة ودراسة سفر الأعمال واستخدام ضمير المتكلم الجمع بدل ضمير الغائب، نستنتج أن لوقا بعد سبع سنين من لقاء ترواس، التقى ببولس مرة أخرى فى فيلبى فى رحلته الأخيرة إلى أورشليم. ويبدو أن لوقا كان مرافقاً لبولس فى رحلته إلى أورشليم أو على الأقل قريباً منه... كما كان قريباً منه مدة السنتين اللتين أسر خلالهما فى قيصرية. كما رافقه فى رحلته الأخيرة إلى روما حينما ذهب إليها مخفوراً. وبقى بالقرب منه هناك مدة الأسر الأول والثانى... وظل الخادم الأمين والصديق الوفى لبولس إلى النهاية... ففى آخر رسالة كتبها بولس من سجنه فى روما – وهى رسالته الثانية إلى تيموثاوس يقول: "لوقا وحده معى" (2تى 4: 11).

أما عن بقية حياة لوقا فلا نعلم عنها شيئاً على وجه التحقيق. وهذا دليل على ما اتصف به هذا الرسول من اتضاع... لأنه على الرغم من أنه كتب الإنجيل الثالث، ووضع سفر "أعمال الرسل" وذكر ببعض الأسهاب ما حدث لبولس فى حياته الكرازية، فإنه اغضى عن ذكر نفسه وسكت عن أعماله، حتى لقد ترك شيئاً من الشك يحوم حول شخصهُ والرسالة التى اضطلع بها...

وتذكر بعض التقاليد القديمة انه عمر حتى سن الرابعة والثمانين، وانه مات مصلوباً على شجرة زيتون فى إيليا ببلاد اليونان... ويذكر القديس جيروم أن ذخائره – مع ذخائر اندراوس الرسول – نقلت من تبرا فى اخائية إلى كنيسة الرسل فى القسطنطينية.

خلّف لنا لوقا الإنجيل الذى يحمل اسمه، الذى اعتمد فى كتابته على وثائق ثابتة مكتوبة وعلى ما استقاه من التقليد الشفوى الثابت، ويأتى فى مقدمتها ما سمعه من البتول القديسة مريم. ويؤيد هذا تقليد كنسى قديم... ولا يعرف على وجه الدقة الوقت الذى كتب فيه لوقا إنجيله، لكنه على أية الحالات كتب قبل سنة 70م وهى سنة خراب أورشليم وهيكلها لأنه يذكر فى (ص 21) نبؤة المسيح عن خراب اورشليم مما يدل على أنه لم يكن قد حدث بعد... وهناك دلالات قوية على كتابته بين عامى 58، 63م.

اختُلف فى مكان كتابة الإنجيل لكنه دونه وقدمه مع سفر الأعمال لشخص اسكندرى يدعى ثاوفيلس (محب الله). ويبدو أن ثاوفيلس هذا كان يشغل مركزاً اجتماعياً ملحوظاً، ويحتمل انه كان فى خدمة الدولة، كما يظهر من لقب عزيز الذى يخاطب به لوقا (هو نفس اللقب الذى استخدمه بولس فى خطابيه أمام فيلكس وفستوس الواليين الرومانيين فى قيصرية أع 23: 26؛ 24: 3؛ 26: 25)... والثابت أن ثاوفيلس هذا كان متنصراً أو موعوظاً يستعد للعماد، ويتضح هذا من قول القديس لوقا له:

«لتعرف صحة الكلام الذى وعظت به» (لو 1: 4)).

كتب لوقا إنجيله للأميين لا سيما اليونانيين، لذا فهو يشرح بإيجاز للقراء الأميين موقع المدن الفلسطينية والمسافات بينها وبين أورشليم (لو 1: 26؛ 4: 31؛ 23؛ 51؛ 24: 13). كما أنه لا يرجع إلى نبوات ويشير إلى اتمامها فى شخص الرب يسوع على نحو ما يفعل متى فى إنجيله، لكنه يقدم نظرة عامة وشاملة على المسيح كمخلص جميع البشر، ومتمم اشتياقات كل قلب... ومن هنا فإن سلسلة نسب المسيح يرجعها لوقا – لا إلى إبراهيم كما فعل متى – بل إلى آدم ابن الله وأب جميع البشر (لو 3: 38)... كما يهتم لوقا اهتماماً خاصاً بابراز أن المسيح مخلص الأمم أيضاً... وهو الوحيد من بين البشيرين الذى ذكر ارسالية السبعين رسولاً الذين يمثلون الأمم الوثنية مقابل الرسل الاثنى عشر الذين يمثلون أسباط إسرائيل الاثنى عشر (لو 10: 1) ولوقا فى إنجيله يظهر المسيح الإنسان فى ملء بشرته، وانه مثلنا فى كل شئ ما خلا الخطية. ويصوّره فى كل البشارة على أنه صديق الخطاة الرحيم، شافى المرضى، مُعزّى منكسرى القلوب وراعى الخروف الضال...

كما كتب لوقا سفر أعمال الرسل – باجماع الكنيسة الأولى – وهو تكملة للإنجيل الثالث... ويسجل لوقا فى انجيله حياة المسيح وأعماله، أما فى سفر الأعمال فيسجل عمل الروح القدس الذى نلمسه ظاهراً ملموساً فى كل خطوة... فكلمة "الروح" و "الروح القدس" تتكرر مراراً عديدة فى سفر الأعمال أكثر من أى سفر آخر فى العهد الجديد.

وسفر أعمال الرسل كتاب مفرح كالإنجيل الثالث. فهو مملوء من الغيرة الرسولية والرجاء، ويسجل التوفيق والنجاح. وحتى الاضطهاد والاستشهاد يحولهما إلى مناسبة للفرح والشكر!! أنه أول تاريخ للكنيسة الأولى. ولذا يعتبر لوقا أول مؤرخ كنسى... ولا شك أن كتابته احتاجت لسنوات عديدة لتجميع المعلومات التى كان لوقا شاهد عيان لها حينما كان رفيقاً لبولس فى الخدمة والأسفار... ويبدو أنه انتهى من كتابته عقب الأسر الأول للقديس بولس فى روما مباشرة، وقبيل الاضطهاد المروع الذى أثاره نيرون والذى استشهد فيه بولس، لأنه لا يذكر عنه شيئاً.

كان لوقا – قبل ايمانه بالمسيح – يمارس مهنة الطب. هكذا يذكره بولس إلى أهل كولوسى.

«لوقا الطبيب» (كو 4: 14)).

.. لذا لا تعجب إن رأيناه فى إنجيله يظهر الرب يسوع كطبيب للبشرية ومخلّص العالم... كما جاء فى التقاليد الكنسية القديمة أن لوقا كان فناناً، وإليه ينسب رسم أول صورة للسيدة العذراء مريم.

أغناطيوس الأنطاكى الشهيد

هو أسقف انطاكية الشهيد الشهير، وهو من أشهر الآباء الرسوليين أى تلاميذ الرسل. يُلقب "بالثيؤفوروس" ومعناها (حامل الإله). وهى الكلمة اليونانية Theophorus بالنبرة على المقطع الثانى. أما إذا وضعت النبرة على المقطع الأول من هذه الكلمة فإن معناها يصبح (مَن حمله الله)... لجأ إلى هذا المعنى الثانى بعض المتأخرين فى العصور الوسطى للتدليل على أن أغناطيوس هو الطفل الذى أقامه الرب يسوع وسط تلاميذه ليلقنهم درساً فى الاتضاع (مت 18: 2، 3). لكن القديس يوحنا ذهبى الفم الانطاكى المولد، يؤكد أن أغناطيوس لم يَرَ المسيح.

وهذا اللقب "ثيئوفوروس" لم تخلعه الكنيسة على هذا القديس، بل هو الذى أطلقه على ذاته أثناء محاكمته التى سبقت استشهاده... فعندما مثل أمام والى سوريا، إبان الاضطهاد الذى أثاره الامبراطور الرومانى تراجان، سأله الوالى وأجاب على النحو التالى:

من أنت أيها الشقى الشرير حتى تعصى أوامرى وتحرّض الآخرين على ذلك أيضاً فتجعلهم يهلكون؟

لا يكون شريراً من يلقب بالثيؤفوروس (حامل الإله). لأن الأرواح الشريرة تبتعد عن خدام الله. ولكن إن كنت فى نظر الأرواح الشريرة أننى شرير، فذلك لأنى عدو لهم. وهذا أوافقك عليه. لأنه طالما معى السيد المسيح ملك السماء فسأبيد كل مكائدهم.

وماذا تقصد بحامل الإله (ثيئوفوروس).

أن يكون السيد المسيح فى قلبه.

والكنيسة السريانية تدعو القديس أغناطيوس "بالنورانى" لأنه رأى الملائكة النورانيين يسبّحون الله فى فرقتين، فأدخل هذا النظام فى كنيسته، وعنه أخذت الكنائس الأخرى. وكان أول من فعل ذلك (ذكر ذلك سقراط المؤرخ الكنسى).

لا نعرف شيئاً عن حياته الأولى، لكن يبدو انه كان وثنياً، ثم آمن بالمسيح على يد أحد المبشرين الأوائل الذين وفدوا على انطاكية.

أما عن أسقفيته فهناك من يحاول أن يجعل منه تلميذاً للرسول بطرس وبولس ويوحنا!! قال البعض أنه أول أسقف على انطاكية خلفاً لبطرس الرسول أسقفاً الأول!! وقيل بل هو الخليقة الثانى لمار بطرس بعد اوفوديوس... وقيل إن اوفوديوس وأغناطيوس كانا معاصرين لبعضهما. الأول على اليهود المتنصرين، والثانى على الأمم المتنصرين!! وهكذا من الادعاءات التى حاولت بها بعض الكنائس أن تخلع على ذاتها أهمية نتيجة نسبتها لبعض كبار الرسل!!

كان أغناطيوس شخصية عظيمة وسط معاصريه. لكن شهرته بالأكثر هى بسبب استشهاده الرائع وثباته العجيب فى محاكمته، واشواقه المتأججة لسفك دمه على اسم المسيح بلغ حبه للاستشهاد حداً عجيباً، حتى أنه كثيراً ما كان يقول: [لا أعتقد أننى أحب سيدنا يسوع المسيح دون أن يسفك دمى كله لأجله]... ورسالته التى كتبها إلى المؤمنين فى رومية – وهو فى طريقه إليها ليلقى للوحوش – يتوسل إليهم أن يكفوا عن العمل على عرقلة استشهاده، تعتبر أروع رسالة يسجلها شهيد قبيل استشهاده. ولم يسبق للكنيسة أن شهدت ما رفع مٍنَ مجد الاستشهاد مثل تلك النشوة الروحية، التى انطلق بها ذلك الشهيد الملتهب حماساً، انطلاق الشهاب من الشرق إلى الغرب ليلقى حتفه...!! قبض عليه إبان الاضطهاد الذى أثاره الامبراطور تراجان (98 – 117). وحوكم أمام والى سوريا سنة 107م. وإذ أظهر ثباتاً عجيباً فى محاكمته صدر الحكم باعدامه بالقائه للوحوش فى روما أمام جماهير الشعب الرومانى. سُرّ أغناطيوس بهذا الحكم، فقد كان قلبه يتحرّق شوقاً للاستشهاد، الأمر الذى يتضح بكل جلاء من رسالته التى كتبها إلى كنيسة روما يرجوهم ألاَّ يعوّقوه عن الاستشهاد... فلما قدموا إليه السلاسل التى سيقيد بها، انحنى عليها وقبلّها، وصرخ فى ابتهاج قائلاً: [أشكرك أيها السيد الرب لأنك وهبتنى أن تشرفنى بالحب الكامل نحوك، وسمحت لى أن أقيد بسلاسل حديدية كرسولك بولس!!

فى الطريق إلى روما:

سافر بحراً متجهاً إلى روما يخفره عشرة جنود افظاظ لقبهم "بالفهود". فوصل إلى أزمير (سميرنا) حيث استقبله اجلّ استقبال اسقفها بوليكاريوس ومؤمنوها. ولما كان خبر سفره إلى روما ليطرح للوحوش قد انتشر فى آسيا الصغرى، فقد وافته وفود عديدة من كنائس آسيا لنوال بركته فى ازمير... وبالرغم من قساوة جنوده الحراس، استطاع أن يتحدث إلى زائريه محتفظاً بكامل هدوئه. وكان يتذكر دائماً مدينته انطاكية راغباً فى معرفة اخبارها بعد أن تركها والاضطهاد على اشده. وكان يطلب الصلاة من أجلها...

وقبل أن يترك ازمير كتب أربع رسائل، واحدة إلى مسيحى أفسس وأخرى إلى مسيحى مفنيسيا، وثالثة إلى مسيحى ترالس Tralles. أما الرسالة الرابعة فقد كتبها إلى مسيحى روما يطلب إليهم فيها ألاَّ يحولوا بينه وبين الاستشهاد، وهى أجمل رسائل وأسماها.

ثم إنتقل من ازمير إلى طروادة، ومنها كتب ثلاث رسائل: واحدة إلى كنيسة فيلادلفيا، وثانية إلى كنيسة أزمير، وثالثة إلى صديقه بوليكاربوس أسقف أزمير... ثم تابع القديس أغناطيوس رحلته مجتازاً مكدونية وايليريا حتى انتهى إلى ايطاليا، فقصد روما...

استشهاده:

لم يكن للقديس أغناطيوس من رغبة أسمى وأقوى من الاستشهاد حباً فى المسيح، معتبراً سفك دمه الواسطة العظمى للاتحاد بالمسيح اتحاداً مؤبداً... جاء فى رسالته إلى أهل رومية:

[بالصلاة قد وُهب لى أن أرى وجوهكم الفائقة الكرامة أمام الله، فنلت أكثر مما طلبت... إن اراد الله أن يجعلنى مستحقاً لنوال الختام (الاستشهاد)، فستكون البداية حسنة (الحكم الصادر بإعدامه). إن وهب لى نوال نصيبى دون أن يوجد عائق لذلك حتى النهاية. لاننى اخشى أن محبتكم لى تسبب لى ضرراً، لأنه يسهل عليكم أن تنقذوا من تشاءون. لكن يصعب علىّ البلوغ إلى الله إن منعتم استشهادى... ان التزمتم الصمت من نحوى فسأصير لله. أما إذا أظهرتم محبة لجسدى، فسأصبح مضطراً إلى أن أركض شوطى من جديد. إذن صلوا ألاّ يوهب لى احسان أعظم من أن أقدّم لله، مادام المذبح لا يزال مُعداً... جيد لى أن أرحل من العالم إلى الله لأقوم فى الله مرة أخرى... اننى اكتب إلى الكنائس واشدّد عليها جميعاً بأننى سأموت اختياراً لأجل الله، ما لم تمنعونى أنتم عن ذلك. أطلب إليكم ألاَّ تظهروا لى عطفاً فى غير أوانه، بل اسمحوا لى أن أكون طعاماً للوحوش الضارية التى بواسطتها يوهب لى البلوغ إلى الله. اننى خبز الله. اتركونى اطحن بأنياب الوحوش لتصير قبراً لى، ولا تترك شيئاً من جسدى، حتى إذا ما متّ لا أُتعب أحداً. فعندما لا يعود العالم يرى جسدى، أكون بالحقيقة تلميذاً للمسيح. توسلوا إلى المسيح من أجلى حتى أعدّ بهذه الطريقة لأكون "ذبيحة لله... ليتنى اتمتع بالوحوش الضارية التى أعدت لى، فإننى أصلى أن يكون لها شغف أكثر لتنقض علىَّ. واننى سأغريها لتفترسنى سريعاً، حتى لا تعاملنى كما تعامل البعض، إذا خافت أن تمسّهم بأذى وان عاندت فى افتراسى الاطفها وارغمها على ذلك]. ويعلّق رينان فى كتابه الأناجيل على هذا الكلام بقوله: [لم يجد الإيمان الحىّ ولا الرغبة الحارة فى الموت عاطفة أشدّ من هذه قوة – إن حب الاستشهاد الذى سيطر مدة يلين على المسيحيين وجد فى كلام القديس أغناطيوس هذا أجمل تعابيره].

وفى روما – فى الكوليسيوم Coliseum اجتمعت جموع الرومان ليشهدوا الاحتفالات بانتصارات الامبراطور تراجان على الداسيين. ودامت هذه الاحتفالات مئة وثلاثة وعشرين يوماً سقط فيها عشرة ألاف مصارع تسلية للشعب الرومانى... وأثناء هذه الاحتفالات جاء دور اغناطيوس فنال النعمة التى طلبها بكل قلبه. عُرّى من ثيابه وألقى فى الحلبة، فوثب عليه أسدان مزّقا جسده الطاهر والتهماه. ولم يُبقيا منه سوى بعض عظام خشنة مما عسر عليها طحنه، جمعها المؤمنون بكل وقار وارسلوها إلى انطاكية معتبرين إياها أثمن كنوز الدنيا. وضعت هذه الذخائر أولاً فى كنيسة خارج مدينة انطاكية، ثم أمر الامراطور ثيئودوسيوس الصغير فى القرن الخامس بادخالها إلى انطاكية لأن أغناطيوس هو أحد أمجادها، ووضعت فى هيكل الشهداء الذى سمّى منذ ذلك الوقت "كنيسة مار أغناطيوس".

وفى مديحه للقديس أغناطيوس يقول القديس يوحنا ذهبى الفم مخاطباً مسيحى انطاكية: [سقى دمى رومية، أما أنتم فجمعتم بقاياه. لقد كان لكم الحظ السعيد بأن يكون أسقفكم. الرومان جملوا آخر نسمة من حياته، وكانوا شهوداً لكفاحه وانتصاره. أما أنتم فقد كان دائماً بينكم لقد ارسلتم إليهم أسقفاً، فأعادوه إليكم شهيداًي.

رسائله:

قلنا إن القديس أغناطيوس كتب وهو فى طريقه إلى روما سبع رسائل وهى كل ما كتب هذا القديس. وكان لها أعتبار سام جداً لدى كافة المسيحيين... بالإضافة إلى ما تحويه هذه الرسائل وتكشف عنه من محبة متأججة نحو المسيح، فإنها تتضمن كلاماً – دون قصد من أغناطيوس – عن أمور إيمانية وعقيدية وكنسية... ولكتابات أغناطيوس أهمية خاصة فقد كتبت سنة 107 فى مستهل القرن الثانى المسيحى، فضلاً عن كونه تلميذاً لرسل المسيح...

إنه يتحدث عن لاهوت المسيح وازليته وتجسده من الروح القدس والعذراء مريم، والخلاص الذى اتمه بآلامه وبموته المحيى على الصليب وقيامته المجيدة... ويتحدث عن الثالوث القدوس... وعن سرّ الافخارستيا وانها جسد ربنا يسوع المسيح ودمه ويقول عنها: [كاسرين خبزاً واحداً هو عربون الخلود، ودواء يحفظنا من الموت ويضمن لنا الحياة] (الرسالة إلى أفسس 20)... كما يتحدث صراحة عن بتولية العذراء مريم فيقول: [إن ربنا هو بالحقيقة من ذرية داود بحسب الجسد، وابن الله بإرادة الله وقدرته، المولود حقاً من عذراء] (أزمير1).

كم يتحدث حديثاً مستفيضاً عن الكنيسة ودرجاتها الكهنوتية الثلاث الأسقف والقس والشماس... إنه يطلب من المؤمنين أن يكونوا متحدين بالأسقف اتحاد الأوتار بالقيثارة. وهو يشدّد على هذا الاتحاد بحيث يعتبر الخارجين عن طاعة الأسقف متمردين على الله، وخدام الشيطان وخارج الكنيسة. يقول: [لأنه لا كنيسة بدون هؤلاء (الأسقف والقسوس والشمامسة)] (التراليين 3)... كما يطلب من المؤمنين احترام القسوس والشمامسة احترامهم للرسل وشريعة الله. ويشبّه الكنيسة بجسد واحد رأسه المسيح.

أما عن الحياة المسيحية فإن أغناطيوس يطلب من المؤمنين ألاَّ يكتفى بالاسم مسيحى، بل عليه أن يحيا حياة المسيح مقتدياً به حتى يصل إلى الاتحاد به جسداً وروحاً كى يكون مسيحياً حقيقياً، فيسكن الله فيه ويصير هو هيكل الله... ثم يتحدث عن الفضائل المسيحية فيحث المسيحيين على التحلى بها ويقول ناصحاً المؤمنين: [أن يقابلوا غضب الغير بالوداعة، وكبرياءهم بالتواضع، وتجاديفهم بالصلاة، وخلقهم الفظّ باللطف] (أفسس 10)... [صلوا أيضاً لأجل بقية البشر لأننا نرجو رجوعهم إلى الله بالتوبة] (أفسس 10)... وعن الصلاة يقول: [لأنه إذا كانت صلاة شخصين متحدين لها مفعول كبير، فأى شئ لا تقدر عليه صلاة الأسقف متحدة بصلاة الكنيسة] (أفسس 5).

ويحذر المؤمنين تحذيراً شديداً من الهراطقة وتعليمهم ويدعوهم المعلمين الكذبة. ويقول لأهل أفسس: [علمت أن اجتاز بأفسس أناس مشبعون تعليماً فاسداً، ولكنى على يقين أنكم منعتموهم أن يبذروه بينكم] (أفسس 9)... ولم يكتف بتحذير المؤمنين من الاستماع لأقوالهم بل نعتهم بأقبح النعوت. فقال عنهم إنهم ذئاب خاطفة بظواهر خداعة (فيلادلفيا 2، 3)، وحيوانات مفترسة بشكل بشرى (ازمير 4)، وأغصان طفيلية تحمل أثماراً مسموعة لم يغرسها الرب (التراليين 11). [فتجنبوهم ولا تتحدثوا عنهم لا منفردين ولا مجتمعين] (أزمير 6).

كما تحدث عن الزواج والبتولية. فطلب من الزوجات الأمانة لأزواجهن جسداً وروحاً، وطلب من الرجال أن يحبوا نساءهم كما أحب المسيح كنيسته... وامتدح البتولية وقال: إذا كان أحد المؤمنين قادراً على حفظ العفة إكراماً لجسد المسيح فليحفظها [ولكن بلا كبرياء. فإن داخله عجب من جراء ذلك فقد خسر نفسه] (بوليكاربوس 5)...

ويوصى بالعناية بالأرامل ويقول للأسقف: [لا تترك الأرامل. فعليك بعد الله أن تعتنى بهن] (بوليكاربوس 4).

أخيراً نختم بعبارة مما حوته رسائل تدل على محبته الشديدة للمسيح... يقول فى رسالته إلى أهل رومية: [أشرف لى أن أموت للمسيح من أن أملك حتى أقاصى الأرض... فلتنزل فىَّ أشد عذابات الشيطان: النار والصلب، ومصارعة الوحوش، وتمزيق أعضاء الجسد، وكسر العظام... شريطة أن أمتلك يسوع المسيح] (أهل رومية 6، 5).

فيبى

لم يكن رسل المسيح وحدهم هم الذين اضطلعوا بتأسيس ملكوت الله على الأرض، بل لقد اسهم معهم كثيرون فى هذا العمل... البعض منهم لا نعرف مجرد أسماءهم، والبعض الآخر نعرف أسماهم لكن لا نعرف عن اتعابهم الكثير... ولم يكن العمل فى حقل الكنيسة والخدمة وقفاً على الرجال، بل هناك نساء وعذارى كثيرات... ومن أمثلة ذلك، الخادمات الثلاثة اللائى سنعرض لهن الآن... وهن فيبى وبرسكلا وتكلا الشهيدة...

تكاد تكون فيبى أشهر انثى ورد إسمها فى رسائل الرسل... لا نعرف عنها شيئاً سوى ما دوّنه القديس بولس فى أول الاصحاح الأخير من رسالته إلى كنيسة رومه. والعجيب أن التاريخ الكنسى لا يسجّل عنها أى شئ...

يكاد الاصحاح الأخير من الرسالة إلى رومية يقتصر على أسماء بعض الأشخاص الذين يبعث بولس تحياته إليهم ويذكر الخدمات التى أدّوها إما للكنيسة أو لشخصه... ويذكر على رأس هذه القائمة الطويلة كلها – وقبل الرجال – "فيبى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا"... يقول القديس بولس:

«أوصى باختنا فيبى التى هى خادمة الكنيسة التى فى كنخريا، كى تقبولها فى الرب كما يحق للقديسين. وتقوموا لها فى أى شئ احتاجته منكم، لأنها صارت مساعدة للكثيرين ولى أنا أيضاً» (رو 16: 1).

، 2).

واسم "فيبى" يعنى بهيّة أو منيرة... ومن اسمها نستنتج أنها كانت أممية متنصرّة. ففيبى فى الأساطير اليونانية كان هو اسم ارطاميس آلهة القمر... كان اليهود الاتقياء يتجنبون أسماء الآلهة الوثنية. وعلى ذلك فلم يكن والداها يهوديين... كما يدل الاسم أيضاً على أن المتنصرين من الأمم لم يحسّوا بأى حرج إن هم ظلوا على أسمائهم السابقة لإيمانهم... إن فيبى هى المرأة الوحيدة بين أصدقاء بولس التى يدعوها "أختنا"...

وبولس فى رسالته إلى أهل رومية يكتب موصيا بها. وهو فى ذلك لم يخرج عن مألوف العادة التى كانت جارية فى ذلك الوقت (أع 8: 27؛ 2كو 8: 18 - 24؛ 3يو 9، 12)، بل من الملامح المميزة لكنيسة الرسل... وأمثال هذه التوصيات كانت الوسائل الثمينة فى تقوية الرابطة والشركة بين الكنائس المختلفة. ومن ناحية أخرى كانت حماية عملية إزاء المعلمين الكذبة والدجالين... ورسالة بولس وتوصيته بفيبى افادت من ناحيتين، تقديمها لمؤمنى رومية وتوصيتهم بها.

وبولس فى توصيته كنيسة رومية بفيبى وصفها بأمرين. إنه يقدمها "أختنا فيبى" ثم هى "خادمة الكنيسة التى فى كنخريا". الأمر الأول يوضح صلة القرابة الروحية التى تربط بولس بفيبى، بينما يوضح الأمر الثانى صلتها بالكنيسة المحلية فى كنخريا... وتعبير "أختنا" يوضح الرابطة بين المؤمنين فى ذلك الوقت المبكر، والتى نتجت عن وحدتهم فى المسيح... واستعمال بولس لضمير المتكلم الجمع "نا" إنما يوضح – ليس احساس بولس القوى بهذه القرابة الروحية، بل صلتها الروحية بجماعة المؤمنين.

وبهذه المناسبة نقول إن هناك ثلاث تسميات شاعت فى العصر الرسولى دُعى بها المسيحيون. كانت هذ التسميات هى: مؤمنون وقديسون واخوة واخوات... وهى تعبر عن حياة أولئك المسيحيين الأوائل. فتسمية "مؤمنين" كانت تعبّر عن إيمانهم الجديدة وحياة الإيمان التى يحيونها. وتسمية "قديسين" كانت تعبّر عن حياتهم وعلاقتهم بالله فقد تقدسوا فى الله وله بالروح القدس وانهم مفرزون له... أما التسمية الثالثة "اخوة واخوات" فكانت تعبذر عن علاقتهم بعضهم ببعض كأعضاء فى جسد المسيح الواحد. إنها تسمية تلائم سلوكهم المسيحى...

يربط بولس بين فيبى وكنيسة كنخريا – وهى الميناء الشرقى لمدينة كورنثوس اليونانية الشهيرة وتبعد عنها بنحو تسعة أميال... وليس لدينا معلومات من سفر أعمال الرسل عن تأسيس الكنيسة فى كنخريا، لكن مما لا شك فيه انها كانت امتداداً للكنيسة فى كورنثوس... ان وجود كنيسة فى كنخريا يوضح انتشار المسيحية فى كل الأقاليم المحيطة بمدينة كورنثوس أثناء إقامة بولس بها لمدة ثمانية عشر شهراً أثناء رحلته التبشيرية الثانية (أع 18: 11)... ويجدر بالذكر أن كورنثوس كانت بؤرة للفساد والرذيلة. كان بها معبد الإلهة فينوس إلهة الجمال وكان يضم بين جدرانه أكثر من ألف امرأة زانية مخصصة لارتكاب الوان الفحشاء ارضاءً لهذه الإلهة!! والرذائل التى اشار إليها بولس فى (رو: 18 - 32) إنما جاءت وصفاً لأنواع الفجور فى تلك المدينة، والتى بعث منها بولس رسالته إلى كنيسة رومية، وكانت تلك الفجور ماثلة أمامه... نخرج من كل ذلك بتقدير للمجهود الرائع الذى عملته نعمة الله على يد بولس فى تلك المناطق الصعبة المليئة بالشر والفساد!!

ويبدو أن فيبى كانت متبتلة أو كانت تقوم بخدمة فعالة فى الكنيسة فى منطقة كورنثوس، فهى بحسب تعبير بولس "صارت مساعدة للكثيرين ولى أنا أيضاً"... ويبدو أنها كانت تخدم كشمّاسة فى كنيسة كنخريا. فالرسول بولس يذكرها على أنها Diakonos – هذه التسمية التى تطلق على من يقوم بخدمة الشماسية سواء كانت ذكراً أم أنثى. ولذا فإن فيبى لابد وأنها كانت تمارس عمل الشماسية النسوية. والكلام عنها هو أول إشارة تقابلنا فى العهد الجديد عن دياكونية المرأة...

ويجدر هنا الإشارة إلى أن الخدمة التى كانت منوطة بالشماسة، هى خدمة بنات جنسها بصفة عامة كما نصّت على ذلك قوانين الرسل. كانت تقوم على المداخل المؤدية إلى القسم المخصص للنساء فى مكان العبادة. وكان من أعمالها الهامة مساعدة الكاهن فى عماد النساء فى الأمور واللحظات التى يجب أن يتنحى، حتى لا يبصر جسد امرأة عارية. وكانت فى العصور المبكرة من تاريخ الكنيسة تفتقد النساء خاصة فى بيوت غير المؤمنين حيث يُستحسن ألاَّ يذهب الشماس الرجل للافتقاد منعاً للعثرات... هذا وشماسية النساء فى الكنيسة ليست درجة كهنوتية، فلا كهنوت للنساء. ولا توضع عليها الأيدى كما فى حالة الرسامات الكهنوتية. لكنها تقام من الأسقف ويتلو عليها صلاة ورد نصها فى قوانين الرسل.

كانت فيبى هى كاتبة الرسالة إلى كنيسة رومية بناء على املاء الرسول بولس، وليس هذا فحسب، بل لقد حملت هى نفسها هذه الرسالة إلى رومية... وإذ نفكر فى وضع المرأة الاجتماعى فى ذلك العصر المبكرّ، وكيف كانت تحيا فى عزلة عن المجتمع لا يسعنا إلاَّ الاعتقاد أن فيبى لم تكن شخصية نسائية عادية... فقد جمعت فى شخصها إلى جانب الثقافة، الشخصية القوية والثراء، واللذين مكّناها من السفر عبر البحار إلى روما، من أجل الإيمان بيسوع المسيح.

وليس من السهل أن نسلّم بأن مهمة فيبى كانت مجرد توصيل الرسالة التى كتبها القديس بولس إلى كنيسة رومية، بل لابد أن يكون الرسول قد كلفها بمهمة خاصة، وجد أن من الحكمة عدم الافصاح عنها... وكل ما فعله أنه أوصى الكنيسة بتسيهل مهمتها... لا شك أن تلك المهمة كانت شئ يتعلق بخدمة الكرازة...

بريسكلا

إن كانت فيبى مثال للمرأة المتبتلة الخادمة فى الكنيسة الأولى، فان بريسكلا هى مثال المرأة المتزوجة الخادمة الكارزة. حتى أن القديس يوحنا ذهبى الفم يقول: [سيبقى اكيلا وبريسكلا المثل الأعلى للكمال فى الزواج المسيحى].

تدعى بريسكلا أو بريسكا وهو اسم رومانى... كان زوجها اكيلا يهودياً، ولا نعرف عنهما شيئاً سوى الإشارات العابرة التى يشير بها القديس بولس إليهما فى بعض رسائل، فضلاً عن ذكر اسمهما فى سفر أعمال الرسل. يُذكر اسمها مع زوجها ست مرات فى العهد الجديد (أع 18: 1 - 3، 18، 19، 24 - 26؛ رو 16: 3؛ 1كو 16: 19؛ 2تى 4: 19) وإن كنا نرى فى حنانيا وسفيرة نموذجاً محزناً لزوجين متفقين فى إرتكاب الخطية، فإننا نرى فى اكيلا وبريسكلا نموذجاً لزوجين متحدين فى الروح والهدف والعمل...

اسم بريسكلا من الأسماء الرومانية، ويغلب علىَّ الظن أنها كانت ترجع لأسرة رومانية ارستقراطية... ويرى بعض العلماء – تبعاً لهذا الاسم الرومانى – انه على الرغم من أن زوجها كان يهودياً، لكنها لم تكن يهودية بالمولد ويحتمل انها كانت أصلاً وثنية ثم اعتنقت اليهودية فصارت "دخيلة" Proselyte أى ليست يهودية بالمولد. وكثيراً ما كان يحدث ذلك فى روما التى كانت فيها جالية يهودية كبيرة. وطبعاً كان اهتداؤها إلى اليهودية قبل زواجها.

وإذا سلّمنا بهذا الرأى فإنه يكشف أن بريسكلا كانت امرأة ذات اهتمامات دينية عميقة... لكن هناك نقطة تقف أمامنا بخصوص هذا الرأى، وهو أن زوجها كان يحمل إسماً رومانياً هو الآخر "اكيلا" ومعناه (النسر) على الرغم من كونه يهودياً.

كانت تقيم مع زوجها أولاً فى روما، لكنهما تركاها مع كل اليهود الذين طردهم كلوديوس قيصر... ولم يكن الزوجان يهوديين وقت طردهما من روما مع كل اليهود الذين بها، بل كانا مسيحيين. لكن حتى ذلك الوقت كانت السلطات الرومانية تنظر إلى المسيحية على أنها مجرد شيعة يهودية جديدة.

أول ما يرد ذكرها مع زوجها فى العهد الجديد يرد فى سفر أعمال الرسل، ويرتبط بوصول القديس بولس الرسول إلى مدينة كورنثوس فى رحلته التبشيرية الثانية (أع 18: 1، 2)... وما لبث بولس أن ارتبط بهما وانس إليهما وتوطدت أواصر الصلة ونزل ضيفاً عليهما لكونه كان يشتغل فى صناعة الخيام كما كانا يشتغلان (أع 18: 3)... وفى المدة التى أقام فيها بولس فى كورنثوس – والتى امتدت إلى سنة ونصف – كانت اقامته معهما... ولا نستطيع أن نؤكد أن صناعة الخيام كانت مهنتهما فى روما، إذ ربما اضطر إليها على نحو ما فعل بولس نفسه إزاء الظروف التى الّمت بهما نتيجة طردهما من موطنهما.

ولا شك انهما اسهماً مع القديس بولس فى الخدمة فى كورنثوس ومجاوراتها، مدة خدمته الطويلة فيها التى امتدت إلى سنة ونصف، وخلّف وراءه كنيسة مزدهرة...

ولما غادر بولس كورنثوس عائداً إلى انطاكية ماراً بأفسس رافقاه حتى مدينة أفسس. وهناك تركهما بولس يبشران بالإنجيل (أع 18: 18، 19)... وفى أفسس حوّلا بيتهما إلى مكان لاجتماع المؤمنين وفيه كانا يجمعان المؤمنين ويقومان بتعليمهم أصول الإيمان... وفى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس والتى كتبها بولس من أفسس كتب يقول:

«تسلّم عليكم كنائس آسيا. يسلّم عليكم فى الرب كثيراً اكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التى فى بيتهما» (1كو 16: 19)).

.. ويتضح من ذلك أن اكيلا وبريسكلا امتدت اقامتهما فى مدينة أفسس. فالرسول بولس فى رحلته التبشيرية الثالثة حينما أتى إلى مدينة أفسس ومكث بها ثلاث سنوات، ومنها كتب رسالته الأولى إلى كورنثوس، كانا مايزالان بها... ويقول ذهبى الفم فى مدحه لهما: [لقد دعا الرسول الإلهى بيت اكيلا وبريسكلا كنيسة، لأن ذلك البيت كان قد أضحى مكان اجتماع المؤمنين، ولأنه كان قد تقدّس بقداسة ذنيك الزوجين وتعطرّ بخور فضائلهما وصالح أعمالهما].

وبعد أن تغيرت الأوضاع وسمح لليهود بالعودة إلى روما، عادت بريسكلا مع زوجها إليها. وهناك أخذا يمارسان نشاطهما الكرازى، لأنهما كانا قد أخذا على نفسيهما أن يكونا فى خدمة الرب أينما ذهبا وحيثما مكثا... فحينما انفذ بولس رسالة إلى كنيسة رومية، بعث بتحياته إليهما فى تقدير كبير...

«سلموا على بريسكلا واكيلا العاملين معى فى المسيح يسوع، اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى. اللذين لست أنا وحدى اشكرهما، بل أيضاً جميع كنائس الأمم، وعلى الكنيسة التى فى بيتهما» (رو 16: 3 - 5)).

.. لا يوجد كلام تقدير أكثر مما تحويه كلمات الرسول هذه: لقد عملا معه، ووضعا عنقيهما من أجل حياته، ولهما جهود فى خدمة كنائس الأمم... هذا الكلام على ايجازه يخفى وراءه جهادات عظيمة وتعرض للمخاطر فى سبيل انقاذ الرسول العملاق من اليهود والأمم على السواء... هناك تاريخ طويل عبّر عنه بولس فى كلماته الموجزة!!... يقول يوحنا ذهبى الفم: [ترى أى الفاظ تكون أكثر مجداً وأعظم شأناً من هذا الكلام؟ إن قول الاناء المختار "العاملين معى فى المسيح" معناه اللذين لهما نصيب معى فى حمل الشعوب على الإيمان بالمسيح، وذلك بالصلوات والأصوام والأسفار والأخطار والذل والهوان وسهر الليالى، واحتمال الأخوة الكذبة. وقوله: "اللذين وضعا عنقهما من أجل حياتى"، أليس معناه أنهما بذلا حياتهما، بل عرّضاها لأخطار الموت فى سبيلى؟ فقد خدمانى فى ضروريات الحياة، وخدمانى فى بشارة الإنجيل، وكانا ترساً لى فى الضيقات، وتعزية فى الشدائد، وساعداً قوياً فى عمل الرسالة، حتى أن الشكر وجب لهما من "جميع كنائس الأمم"].

ومرة أخرى يترك الزوجان روما ويعودان إلى آسيا، وإلى أفسس بالذات كبرى مدنها، ليتابعا عملهما فيها من أجل الرب... فالرسول بولس فى آخر رسالة له من سجنه فى روما – قبيل استشهاده مباشرة، بينما كان يُسكب سكيباً ووقت انحلاله من الجسد قد حضر، لا ينسى تعب محبتهما، فيكتب إلى تلميذه الأسقف تيموثاوس قائلاً: "سلّم على بريسكلا واكيلا" (2تى 4: 19).

ويلاحظ العلماء – ومنهم يوحنا ذهبى الفم – أن اسم بريسكلا فى العهد الجديد يلازم اسم زوجها، بل انه فى الست مرات التى ورد اسمهما فى العهد الجديد، يأتى فى أربعة منها اسم بريسكلا سابقاً لاسم زوجها (أع 18: 18، 26؛ رو 16: 3؛ 2تى 4: 19). وهذا مما يدل على شخصيتها الفذة واقتدارها فى عمل الرب. ويبدو أنها كانت أيضاً مقتدرة فى الكتب المقدسة للعهد القديم فهما وشرحاً. وهذا واضح من مشاركتها زوجها فى شرح طريق الرب بأكثر تدقيق لأبلّوس الاسكندرى الذى كان هو الآخر رجلاً فصيحاً مقتدراً فى الكتب، خبيراً فى طريق الرب وحار بالروح عارف معمودية يوحنا فقط (أع 18: 24 - 26).

هذا كل ما نعلمه عن هذه السيدة البارة المضحية، مثال الزوجة المسيحية الخادمة... لكن للأسف لا يمدنا تاريخ الكنيسة بأية معلومات أخرى عنها أو عن زوجها. لكن لا شك أنهما يتمتعان بشركة المجد مع القديس بولس الرسول الذى كانا يعاوناه ويخدماه...

تِكْلا أولى الشهيدات

هى تلميذة بولس الرسول، ومثال البتولية والطهارة بين العذارى، ونموذج الجهاد واحتمال الشدائد. هى تلك الفتاة التى تألبت عليها قوى الجحيم، فلم تستطيع أن تضعف إيمانها، ولا أن تقلّ من ثباتها، ولا أن تخمد نيران حبها للرب يسوع الفادى إلهها وعريسها... هى تلك الصبية التى شغفت بحب المعلم الإلهى الذى بشرها به بولس، فاحتملت من أجله صنوفاً من الآلام تهلع من مجرد ذكرها قلوب الجبابرة!!

وعلى الرغم من أنها لم يُسفك دمها على اسم المسيح، فقد خلعت الكنيسة عليها لقب "أولى الشهيدات" تقديراً لأتعابها، والميتات التى احتملتها وانقذها الرب منها.

كانت تكلا من مدينة أيقونية – احدى مدن أقليم غلاطية بآٍسيا الصغرى – من أشراف تلك المدينة، بارعة الجمال، كريمة الخلق... كانت مخطوبة لأحد أشراف تلك المدينة، عندما وصل إليها القديس بولس الرسول (أع 13: 51) فى رحلته التبشيرية الأولى بين عامى (45 – 50م)... ويرجح أن لقاءها بالقديس بولس تم فى أواخر الاربعينيات من القرن الأول...

فى مدينة أيقونية بشر بولس اليهود والأمم بانجيل الرب... سمعته تكلا فسحرها جمال تعاليمه، وعذوبة نير المسيح الذى يُبشر به فلازمته... ولما كانت نفسها كبيرة تواّقة للكمال آمنت بالمسيح واعتمدت ونذرت بتوليتها للرب، وكان ذلك سبباً فى هجرها لخطيبها... ولما كان إيمان تكلا قلبياً فقد طرحت عنها الزينة الخارجية، وبالجملة فقد تبدّلت حياتها... ولاحظت امها هذا التغيير فى سلوكها ومظهرها، فلما فاتحتها فى أمر اتمام زواجها، رأت منها اعراضاً واحجاماً. فألحّ خطيبها فى طلبها فرفضته. وباحت لأمها بسرّها، وقالت لها انها اصبحت مسيحية، وانها نذرت للرب يسوع بتوليتها... ثارت أمها كادت تُجَنّ غيظاً. حاولت اقناعها والتوسل إليها، فاصطدمت بثبات عجيب وارادة صلبة. فطار رشدها، ورأت فى اغضاء ابنتها عن عريسها مساساً بكرامتها. فآثرت موت تلك الابنة على أن تتعرض لاحتقار الناس بحسب ما كان مألوفاً فى ذلك الوقت...

لجأت الأم لحاكم المدينة تستعين به، فاستحضر تكلا واخذ يقنعها بترك تلك الخرافات المسيحية والعودة إلى الآلهة وإلى عريسها. فذهب كلامه ادراج الرياح. هددها بحرقها حيّة، فلم تعبأ بتهديده. فأمر بإضرام نار حامية وبطرحها فيها. فتهللت لقرب اتحادها بعريس نفسها، ولم تنتظر حتى يقيدوها ويطرحوها فى تلك النيران، بل ركضت هى إليها وألقت بنفسها فيها، وهى تصل إلى الله أن يقويها ويستقبل روحها. لكن الرب يسوع عريسها كان قد دبّر لها طريقاً أخرى غير طريق الاستشهاد العاجل. كان يريد أن يُظهر فيها مجده وقدرته وعمل نعمته حتى ما تصبح مثالاً رائعاً للأجيال المقبلة من العذراى البتولات ومن الشهيدات البطلات. فما أن دخلت تكلا النيران حتى أرسل الله مطراً غزيراً كاد يتحول إلى طوفان، فوّلى الناس هاربين، وانطفأت النيران، وخرجت البتول سالمة، ولم يحترق خيط من ثيابها!! وبإلهام إلهى تركت مدينتها هاربة وذهبت تسعى وراء بولس الرسول لتلحق به وتلازمه وتنال بركة مشاركته اتعابه فى الكرازة... صحبها القديس بولس إلى مدينة أنطاكية، وهناك تركها لتخدم بين النساء الوثنيات...

وفى انطاكية فتن بجمالها أحد وجهائها الطائشين... وإذ رآها معرضة عنه، انقضّ عليها ذات مرة واراد اختطافها واذلالها!! لكنها افلتتت من بين يديه. وكان ذلك سبباً فى أن يشى بها إلى الوالى الذى حكم بطرحها للوحوش... فألقيت عارية للوحوش ثلاث مرات على ثلاثة أيام متوالية. لكن الوحوش لم تقربها على مختلف أنواعها... حار الحاكم فى أمر تلك الفتاة العجيبة، وأراد أن يتخلص منها، فألقاها فى جب ملئ بلأفاعى السامة فلم تؤذها...

استدعاها الوالى وسألها: مَنْ أنتِ ومن هو شيطانك حتى لا يقدر أحد عليك. فأجابته تكلا فى وداعة: أنا تكلا عبدة يسوع المسيح ابن الله الحىّ، وهو وحده الطريق والحق والحياة وخلاص النفوس... وهو الذى انقذنى من الوحوش ومن الموت، وهو الذى يحفظنى بنعمته لكى لا أعثر. وهنا أمر الوالى باطلاق سراحها.

اتصلت بالقديس بولس، وبعد أن شجعها وتعزت بإيمانه، ذهبت إلى ايقونية مسقط رأسها لتبشر مواطنيها بالإيمان الحىّ... لكن اقامتها فى أيقونية لم تُطل لأن والدتها لت مصّرة على عنادها مدفوعة بكبريائها ولم تشأ أن تؤمن على يديها بالمسيح. فتركت تكلا أيقونية وعادت إلى سوريا لمتابعة رسالتها. وهناك آمن على يديها شعب غفير من المنغمسين فى جهلهم وغرورهم وشرورهم!!

وفى أواخر حياتها عكفت على حياة الخلوة والتأمل والنسك... ووهبها الرب موهبة الشفاء، حتى ان كثيرين كانوا يتقاطرون إليها طالبين البرء من أمراضهم... وكم من مرة حاول بعض الأشرار الإساءة إلى طهارتها وكان الرب ينقذها من أيديهم بمعجزة... وأخيراً رقدت فى الرب وهى فى سن التسعين، ودفنت فى سلوكية ميناء انطاكية... أما الان فهى فى الفردوس – السماء الثالثة، حيث معلمها بولس الرسول.

قد أفاض آباء الكنيسة الأوائل فى مديح هذه القديسة البتول، منهم باسيليوس الكبير وغريغوريوس الثاؤلوغوس ويوحنا ذهبى الفم وامبروسيوس وايرونيموس (جيروم) وايسيذوردس العزمى وساديرس الانطاكى... كتب القديس ايسيذوروس العزمى إلى راهبات أحد الأديرة يقول: [من بعد يهوديت وسونة العفيفة وابنة يفتاح لا يحق لأحد أن ينسب الضعف إلى جنس النساء. بالأكثر عندما نرى تكلا – تلك البطلة المتقدمة بين البطلات من البنات، البتول الذائعة الصيت فى الدنيا كلها، عندما نراها حاملة عَلَم الطهارة والبرارة عالياً. وقد فازت فوزاً باهراً فى معارك شديدة على الشهوة والرذيلة، نوقن إن قلوب النساء يمكنها أن تكون جبارة]!!


[4] - إحدى جزر بحر ايجه وتقع إلى الجنوب الغربى من مدينة أفسس وتعرف الآن باسم Patoma أو Palmosa ومازال بالجزيرة بعض معالم أثرية عن سكنى يوحنا بها.

[5] - يروى هذه القصة إيريناوس على أنه سمعها من بوليكربوس تلميذ يوحنا الرسول نفسه.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة

‹

باقة من رسل المسيح وتلاميذهم

المحتويات
المحتويات