هذا الفصل هو جزء من كتاب: باقات عطرة – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات
باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
● نظرة المسيحية للجسد.
● النسك فى المسيحية.
● الآباء النساك:
- مار افرام السريانى.
- مكسيموس وديماديوس.
- الراهب بيسوس.
● الناسكات:
- انستاسية المتوحدة.
- القديسة ابولنير المتوحدة.
ماذأ يُقصد بكلمة نُسْك؟
فى اللغة العربية الفعل نَنسك نُسكاً يعنى تزهّد وتعبَّد وتقشَّف. ومنها تنَسك أى تزهَّد وتعبد. والنُسك أى العبادة. ومنها الناسك أى الزاهد المتعبّد وجمعها نُسَّاك. والمْنسَك هو المكانا (المنجد ص 875)... والكلمة القبطية CWK تعنى مِسحْ، والجمع Niewk أى مسوح وهى الثياب الخشنة بشعر. فربما رجعت كلمة نُسك إلى هذه الكلمة القبطية Nicwk – والكلمة القبطية Cek تعنى صام أو زهد... وفى المصطلح الكنسى فإن كلمة نُسك تشمل كل ألوان اماتة الجسد والزهد فى العالم والعالميات... وتطلق على وجه الخصوص على عبادات الآباء الرهبان الذين هجروا العالم وتركوه، وعاشوا فى بتولية وتجرّد ومارسوا اصواماً مستطيلة بقصد حياة التأمل والصلاة...
ولم تكن الديانة المسيحية هى البادئة بحياة النسك والداعية إليه، لكن التنسّك نزعة فلسفية ظهرت بين عدد من الطوائف والجماعات المختلفة بين شعوب الشرق الوثنية قبل ظهور السيد المسيح بعدة قرون، كما عرف أيضاً بين اليهود... فكثيرون لأسباب متباينة وفى عصور مختلفة زهدوا العالم ومباهجه، وعكفوا على الممارسات النسكية... ونرى من المناسب قبل أن نعرض للنسك المسيحى أن نعرض للتنسك فى بعض الشعوب القديمة...
التنسّك عند غير المسيحيين
البوذيون:
عرف الهنود البوذيون، الذين يدينون بعبادة بوذا الواناً من النسك. ولهم تاريخ طويل فى التنسك والحياة الانفرادية والتقشف الصارم وإذلال الجسد وكبح نزواته بطرق غاية فى الخشونة والقسوة... وكانوا يؤلفون من أفرادهم جماعات عديدة. عاش بعضها فى الكهوف أو بين الأدغال والغابات. ولجأ البعض إلى الهياكل ومناسك المعابد، أو قرب شواطئ الأنهار المقدسة بحسب اعتقادهم، حيث يمارسون ضروباً من الرياضة البدنية القاسية مع الصوم والحرمان بقصد تعذيب أجسادهم.
كان الدافع لهؤلاء على ضروب التقشف هو اعتقادهم بأن السعادة والخلاص فى الحياة الآخرة يقومان على الطهارة. وان جسد الإنسان هو سبب كل الشرور، والمعرقل للوصول إلى الغاية المنشودة والفضيلة... ومن ثم فقد اعتبروا الجسد خصماً لدوداً، وعملوا على تكبيله بقيود واغلال غاية فى القسوة والصرامة... فمنهم من كانوا يعذبون أجسادهم بالكىّ والمناخس الحديدية يقتحمون النيران المتقدّة فى صمت وجلد بالغ، ويمشون وينامون فوق لوحات خشبية رشقت اسطحها بالمسامير المدببة!! ومنهم من يكف عن الكلام أياماً عديدة، أو من يصعد إلى قمم الجبال العالية، ويقطع القفار والصحارى النائية، ولا يستر جسده إلاَّ بخرق بالية لا تقيه حرّ الصيف ولا برد الشتاء!!
وتمكن هؤلاء الهنود من نشر مبادئهم فى أنحاء الهند والصين واليابان والجزر والبحار التى حولها، لأنهم اعتقدوا أن العالم لن يسوده الاستقرار إلاَّ بالعيش وفق مبادئهم... لذلك كونوا جماعات للتبشير بمبادئهم خارج بلادهم... وقد حاولوا هذه المحاولة فى مصر فى منتصف القرن الثالث ق. م، أياماً حكم امبراطور الهند اسوكا Asoka والحاكم البطلمى فيلادلفوس. لكنهم لم ينجحوا فى اقامة اية منظمة بوذية فى مصر.
الاغريق:
بالنسبة للاغريق فإن الفكر والاتجاه النسكى كانا نتاج الفلسفة الاغريقية بمدارسها المختلفة... ولقد قدمت هذه الفلسفات – كل بطريقتها – الفكر والممارسة النسكيين فى زمانها... كان التنسك ظاهرة مميزة فى الأنظمة الاورفية Orphie والفيثاغورية عند الاغريق فى انحاء العالم الاغريقى الرومانى Roman – Graeco... كان هناك ميل عام أن يرتبط الفرد بالدين ويتمسّك بالأخلاقيات، وان الاتحاد بالله يتطلب نقاوة وطهارة النفس من خلال أعمال النسك. وانتشرت فكرة الثنائية فى الإنسان. وان الجسد هو السجن الذى تُحبس فيه الروح...
ولقد أحيت الفيثاغورية الجديدة عقائد فيثاغورس. وكان اتباعها نباتيين، امتنعوا عن شرب الخمر وقللّوا من شأن الزواج، واعطوا اهتماماً كبيراً للصمت. والمثل الأعلى للفيثاغوريين شخص يدعى ابوللونيوس عاش فى القرن الأول الميلادى، أمضى خمس سنوات من الحادية والعشرين إلى السادسة والعشرين من عمره ممارساً الصمت. وكان يسير حافى القدمين، لا يقص شعره، عاش نباتياً وامتنع عن شرب الخمر...
وافلاطونية المحدثة التى ظهرت فى الاسكندرية، واسسها امونيوس سقّاص ( + 245م)، ومن بعده تلميذه افلوطين (205 – 270م) الأسيوطى المولد، إنما تمثل تطوراً هاماً فى التنسك الاغريقى فى الاسكندرية فى القرنين الثالث والرابع الميلاديين... كان افلوطين يرى المادة على أنها شر. وجعل تعليمه الأدبى فى التطهّر من أدناس الحواس واعتزال العالم وتحرير الروح من سجن الجسد بإذلاله واعتزال العالم ومباهجه. عاش نباتياً مقلّلاً من النوم، كما تميزت حياته بالنسك الصارم... وما لبث أن حدث تطور للأفلاطونية المحدثة على يد بروفيرى (233 – 300م) الذى وضع تأكيداً أكبر لأهمية الممارسات النسكية. هذا فضلاً عن تأكيد جانب الحياة التأملى بدلاً من جانبها... وظلت الأفلاطونية المحدثة كفلسفة مزدهرة فى الاسكندرية حتى القرن الخامس الميلادى. وكان لها تأثيرها العميق والقوى على الفكر المعاصر سواء الوثنى أو المسيحى...
المصريون:
الدارس للديانة المصرية القديمة يلاح وجود آثار نسكية بها. ونستطيع أن نلمس هذه الآثار مما جاء بكتاب الموتى... ففى الفصلين 64، 137 (أ) يقول: [هذا الفصل يقرأه رجلا طاهر ونقى، لا يكون قد أكل لحم الحيوانات أو الأسماك، ولم يتزوج بامرأة]!! وفى طقوس اوزوريس وايزيس الدينية، كان الكهنة يخصصون لآلهتهم فترات مختلفة للصوم والعبادة مع الامتناع عن أكل اللحوم والسمك وشرب الخمر...
ويذكر بلوتارك الذى عاش فى القرن الأول واوائل الثانى الميلادى – وكان له دراية كبيرة بالديانة المصرية القديمة – عن عبادة ايزيس واوزوريس كما كانت فى القرن الأول الميلادى، أن رفض الملاذ الحسية كان ضرورياً للوصول إلى المعرفة الروحية العالمية. وامتدح الكهنة المصريين الذين كانوا يشربون الماء، وامتنعوا عن أكل لحوم الخراف والخنازير والأسماك... ويقول أيضاً: [أما بالنسبة للخمر فإن أولئك الذين يخدمون الإله فى عين شمس لا يُدخلُونها إلى المعبد. لأنه لا يليق أن يشرب (الخمر) حينما يكون رب وملك النهار ناظراً. والبعض الآخر يتعاطونها قليلاً، ويمتنعون عنها فى الأصوام الكثيرة]... ويتضح من كل ذلك أن النسك عرف طريقه إلى حياة المصريين. وكان معروفاً وممارساً بواسطة الإنسان العادى.
اليهود:
هناك طائفتان نسكيتان يهوديتان تستحقان الإشارة إليهما فيما يختص بموضوع النسك، وهما طائفة الاسنيين Essenes وطائفة الثرابوت Therapeutae (الشفاء).
ألف الاسيينون جماعة يهودية عاصرت السيد المسيح بالجسد، وكانت مزدهرة فى القرن السابق للميلاد، واستمرت حتى خراب أورشليم سنة 70م... وتسمية الاسينيين تعنى فى الغالب (الأتقياء)... كانت لهم مبادئ كثيرة، لكن ما يهمنا هنا ونحن بصدد موضوع التنسك، ان هؤلاء الاسينيين كانوا يؤمنون بأن تلك الأيام التى عاشوا فيها هى الأيام الأخيرة، ولذا ينبغى الاسراع بالتوبة. أما وسيلتهم إلى ذلك فكانت اماتة شهوات الجسد، والجهاد الروحى فى عزلة عن صخب الحياة. ومارسوا إلى جانب ذلك وسائل الزهد. وامتنع عن الزواج. وإن كان البعض الآخر نظر إلى الزواج على أنه ضرورى لحفظ الجنس. لكنهم بصفة عامة كانوا يقللون من شأن المرأة.
أما جماعة الثرابوت (طائفة الشفاء)، فهى جماعة يهودية متنسكة ظهرت فى مصر فى القرن الأول الميلادى فى زمن الفيلسوف اليهودى السكندرى فيول Philo. وكانوا يعيشون عند شواطئ بحيرة مريوط بالقرب من الاسكندرية... والاتجاه النسكى واضح وقوى فى كتابات فيلو. انه يمتدح ترك العالم والزهد والفقر الاختيارى... انه يؤكد أن الجسد شر بطبيعته ويتآمر ضد الروح. ويقول: [إن الفيلسوف من حيث كونه محباً للفضيلة، يهتم بما هو حى فى داخله أى روحه، ويحتقر جسده المائت. ولا همّ له سوى الحيلولة دون أن تُجرح روحه – وهى الجزء الأسمى فيه – بالشر والأمور المائتة، وما يتعلق بها]... وكان طعام طائفة الثرابوت يتألف من الخبز والملح وبعض الحشائش، وكان شرابهم الماء... وكانوا يعيشون فى أكواخ بسيطة منفصلة لتقيهم الحرارة والبرودة. وكانوا يعيشون على مقربة من بعضهم البعض بقصد التعاون والحماية... وكانت هذه الطائفة تضم الرجال والنساء. أما النساء فكنّ يتألفن من عذارى مسنّات.. وكانوا قبل بدئهم هذه الحياة يوزعون جزءاً من ممتلكاتهم وليس جميعها!!
النُسك المسيحى
بادئ ذى بدء قبل أن نتكلم عن النسك فى المسيحية، نود أن نؤكد على فارق جوهرى بين النسك بالمفهوم المسيحى، والتنسك بالمفهوم غير المسيحى... الأول يرتبط بالروح، والثانى ترتبط ممارساته بفكرة خاطئة عن الجسد... هدف التنسك غير المسيحى هو تعذيب الجسد بحكم النظرة إلى الجسد على انه شرّ، أما فى المسيحية فلا ينظر للجسد على انه شر، بل على انه هيكل الله وروح الله ساكن فيه... وهدف الممارسات النسكية فى المسيحية هو اذلال الجسد واخضاعه لسلطان الروح. فالجسد ترابى ومن طبيعة أخرى غير طبيعة الورح، ولذلك فإن.
«الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر» (غل 5: 17)).
.. إن جهاد المسيحى هو فى تغليب وتقوية الروح على الجسد، ولا نقول اضعاف الجسد بل اذلاله... فالجسد هو المطية التى بها نصل إلى الأبدية. وإذا ضعف الجسد ومرض لا يستطيع الإنسان أن يؤدى على الوجه الأكمل حتى واجباته الروحية...
والمسيحية فيما تعلّم هذا التعليم، تبدأ من البداية... بداية الإنسان فى العالم هى بولادته، لذا فإن المسيحية تمسك أيضاً بهذه البداية... انها تلد الإنسان المؤمن ولادة روحية بطريقة فائقة. انها تلده من بطن المعمودية فى الكنيسة من الماء والروح، حتى ما يصبح خليقة روحية جديدة، لأن.
«المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح» (يو 3: 6)).
.. ثم هى تمنح هذا الإنسان الجديد مسحة الروح القدس ليصير كياناً روحياً ومسكناً لروح الله وذلك بدهنه الميرون المقدس... ثم هى تغذيه مدى حياته بطعام وحانى، فتقدم له الافخارستيا – جسد الرب ودمه الأقدسين.
«خبز الحياة... لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت» (يو 6: 35).
، 48، 57)... وبه ينال نعمة الثبات فى الكرمة الحقيقية ربنا يسوع المسيح.
«من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه» (يو 6: 56)).
.. إن التناول باستحقاق وباستمرار هو بمثابة عملية نقل دم نقى جديد للإنسان من أجل روحه واستنارتها وانتعاشها...
فى المسيحية، نحن لا ننظر للجسد على أنه عدو. وبحسب تعبير الرسول بولس:
«فإنه لم يُبغض أحد جسده قط بل بقوته ويربيه» (أف 5: 29)).
.. لكننا نريد أن نجعل الجسد مقدساً... هكذا يتكلم بولس عن العذراء غير المتزوجة ويقول:
«لتكون مقدّسة جسداً وروحاً» (1كو 7: 34)).
والنظرة غير العدائية للجسد نجدها واضحة كل الوضوح فى رسائل بولس الرسول... يقول عن الجسد انه: "ليس للزنا بل للرب والرب للجسد"... ويقول بعد ذلك مباشرة: "ألستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح"...
«أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للوح القدس» (1كو 6: 13).
، 15، 19) ولئلا يظن أحد أن بولس حينما يتكلم عن الجسد يتكلم عنه باعتباره شاملاً الروح أيضاً، يتكلم عن كل منهما ويقول:
«مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله» (1كو 6: 20)).
.. وبعد أن يكتب بولس لأهل كولوسى عن خطأ الذين يعتبرون أطعمة معينة انها نجسة يقول:
«أما الجسد فللمسيح» (كو 2: 17)).
.. ويطلب إلى أهل رومية أن يقدموا أجسادهم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله (رو 12: 1)...
والغنوسيون الهراطقة الذين أنكروا تجسّد الكلمة لاعتقادهم أن السد شر، إذ كيف يتحد الأقنوم الثانى بالجسد... هؤلاء حرمتهم الكنيسة من شركتها وشجبت تعاليمهم. فالمسيحية تعلّم أن الله ظهر فى الجسد، وهذا هو سرّ التقوى (1تى 3: 16)... ويقول يوحنا اللاهوتى:
«كل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء فى الجسد فليس من الله» (1يو 4: 3).
، لأن فيه.
«يحلّ كل ملء اللاهوت جسدياً» (كو 2: 9)).
..
وما تدعونا المسيحية إلى مقته ومقاومته – ليس هو الجسد، بل أعمال الجسد ويُقصد بها الخطايا والشهوات الدنسة... وهذا واضح من كلام الرسول بولس:
«أعمال الجسد ظاهرة التى هى زنى عهارة نجاسة دعارة عبادة الأوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة حسد قتل سكر بطر وأمثال هذه» (غل 5: 19 - 21)).
بعد هذا التوضيح الذى أوضحناه عن نظرة المسيحية للجسد، نعود إلى ما سبق أن قلناه وهو أن النسك فى المصطلح الكنسى يشمل كل ألوان اماتة الجسد واذلاله والزهد فى العالم والعالميات. وتطلق بوجه خاص على عبادة الآباء الرهبان الذين هجروا العالم وتركوه، وعاشوا فى بتولية وتجرّد ومارسوا الأصوام الطويلة بقصد حياة التأمل والصلاة... ونبين أن هذه المبادئ التى التزم بها النساّك المسيحيون هى انجيلية أولاً وأخيراً.
أولاً - أعتزال العالم وحياة الوحدة:
الميل لحياة الوحدة فى الصحارى والجبال والأماكن النائية، بدأ يظهر منذ وقت مبكرّ فى تاريخ الكنيسة المسيحية... ويقول المؤرخ مكين Makean فى كتابه "الرهبنة المسيحية فى مصر Christion Monasticism in Egypt" [منذ أيام المسيح، كان المسيحيون على علم بشعور الاعتزال عن العالم] ويستدل على ذلك من كلام المسيح نفسه:
«لستم من العالم» (يو 15: 19)).
..
«ليسوا من العالم، كما انى أنا لست من العالم» (يو 17: 14)).
.. ولا شك ان هذا الاتجاه تقوّى منذ وقت مبكر نتيجة الاضطهادات التى شنتها الدولة ضد المسيحية الناشئة، وأيضاً نتيجة تزايد الفساد وانتشاره فى العالم.
وحياة السيد المسيح كمثل أعلى للمؤمنين أوجدت هذه الرغبة، بل ايقظتها واشعلتها. فكثيراً ما كان المسيح ينفرد فى الجبل ويصلى (مر 6: 46؛ لو 6: 12)... وهذا الأمر لم يكن يحدث مرة واحدة بل بصورة متكررة. ويتضح ذلك من قول لوقا الإنجيلى:
«كان فى النهار يعلّم فى الهيكل، وفى الليل يخرج ويبيت فى الجبل الذى يدعى جبل الزيتون» (لو 21: 37)).
وجدير بالملاحظة أن السيد المسيح قبل البدء فى خدمته الكرازية اقتاده الروح إلى البرية حيث امضى اربعين يوماً هناك (لو 4: 1، 2)... كما انه اظهر مجده فى حادثة التجلى على جبل عالٍ (لو 9: 28 - 36). ومن ذلك نلمس أن الرب يسوع لم يكن يلجأ إلى الجبل أو مواضع الخلاء باعتبارها فسيحة يعلّم فيها الجموع، بل لأنها أماكن بعيدة عن الضوضاء. حتى يكون هو فى ذلك قدوة للمؤمنين...
وكان لسيرة إيليا ويوحنا المعمدان وبولس الرسول أثر على الفكر المسيحى فى هذه الناحية... ويؤكد ذلك القديس جيروم ويوحنا كسيان... فايليا عاش عند نهر كريت وكانت الغربان تطعمه (1مل 17)، ويوحنا المعمدان كان فى البرارى إلى يوم ظهوره لإسرائيل (لو 1: 80)، الأمر الذى لأجله يدعوه القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات [سائحاً]، كما يدعوه القديس يوحنا ذهبى الفم [قائد الرهبان ومعلمهم]. وبولس الرسول اناء العهد الجديد المختار، بعد أن آمن بالمسيح انطلق إلى الصحراء العربية شرقى دمشق (غل 1: 15 - 17)... فلا عجب إذن ان امتدح بولس فى رسالته إلى العبرانيين مسلك من عاشوا فى البرارى والجبال والمغائر وشقوق الأرض وقال عنهم:
«إن العالم لم يكن مستحقاً لهم» (عب 11: 32 - 39)).
.. ولعل كلمات الرسول هذه هى صدى لكلمات الرب نفسه:
«للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه» (مت 9: 58)).
..
لا عجب إذن – والحال هذه – إن اتجه المسيحيون منذ وقت مبكر إلى اعتزال العالم والاتجاه إلى الأماكن المقفرة والبرارى والجبال ليحيوا فى وحدة مع الله، أو بحسب تعبير مار اسحق المتوحد ينحلوا من الكل ليرتبطوا بالواحد الذى هو الله... يقول يوحنا سابا المعروف باسم الشيخ الروحانى مناجياً الله: [اقطع حديثى مع الناس لا تحدث معك. اغلق بابى لتفتح أنت لى بابك. احرم نفسى من الشمس الطبيعية لتشرق أنت لى يا شمس البرّ والشفاء فى اجنحتها...].
ثانياً – التجرّد:
التجرّد أو الفقر الاختيارى هو ان يتجرد الإنسان باختياره من جميع المقتنيات، وأن يحيا فقيراً كما عاش سيده ومعلمه المسيح... وتعليم السيد المسيح عن هذا الأمر يوضح ذلك بصورة عجيبة. فقد حذّر من المال وسلطانه ومحبته... وقد بدأ ذلك بعظته على الجبل وهى بمثابة الخطاب الافتتاحى الذى يعبّر عن اتجاهاته.
«لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض... بل اكنزوا لكم كنوزاً فى السماء، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً» (مت 6: 19 - 21)).
.. وفى مثل وكيل الظلم قال:
«لا يقدر أحد أن يخدم سيدين... لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (لو 16: 13)).
.. "انه يعسر أن يدخل غنىّ إلى ملكوت السموات... مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله". فلما بهت تلاميذه من هذا الكلام وقالوا: "إذن من يستطيع أن يخلص" نظر إليهم وقال:
«هذا عند الناس غير مستطاع، ولكن عند الله كل شئ مستطاع» (مت 19: 23 - 26)).
.. ثم أضاف إلى ذلك قوله:
«كل من ترك بيوتاً أو اخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً من اجل اسمى يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الأبدية» (مت 19: 29)).
.. ووجه الأهمية فى كلام السيد المسيح انه رسم المبدأ ووضع إلى جانبه الجزاء. فالسيد المسيح يدعونا إلى ترك مقتنيات هذا العالم لنرث اضعافها فى السماء...
وحينما تقدم شاب غنى إلى المسيح وسأله ماذا يعمل ليرث الحياة الأبدية، أحاله إلى الوصايا وحفظها. ولم أجاب ذلك الشاب أنه حفظ الوصايا العشر وسأل عما يعوزه بعد، قال له المسيح:
«إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع املاكك واعط الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعال اتبعنى» (مت 19: 16 - 22)).
.. لا عجب ان فهم المسيحيون تعليم الرب ونفّذوه حرفياً... ولم يحدث هذا فى وقت متأخر ولكن منذ فجر المسيحية. فنحن نقرأ عن المسيحيين الذين كانوا يبيعون بيوتهم وحقولهم ويأتون بأثمانها ويقدمونها للكنيسة. وكمثل يذكر لنا سفر الأعمال برنابا وحنانيا وسفيرة (أع 4، 5)... على أن هناك ملاحظة يجب أن نلتفت إليها وهى ان التجرد الكامل ليس وصية للجميع انها وصية اختيارية لمن يريد أن يكون كاملاً. ولذلك فإن من نفذ وصية الرب هذه يعتبر انه سار فى طريق الكمال...
ولا شك ان الرسول بولس بكتاباته قد غذّى الرغبة فى حياة التجرد... فهو لم يَنه فقط عن محبة المال بل اعتبر انها أصل لكل الشرور، وطلب إلى المؤمنين أن يهربوا منها (1تى 6: 10، 11). وقال: (لأننا لم ندخل العالم بشئ، وواضح اننا لا نقدر أن نخرج منه بشئ. فإن كان لنا قوت وكسوة فلنكتفِ بهما "(1تى 6: 7)... ولنلاحظ الكلمات التى استخدمها الرسول" قوت وكسوة "أى ما يقيت الإنسان ويسدّ رمقه، ويكسو عريه...
أما الآباء القديسون النساك فقد عاشوا حياة التجرد من المقتنيات، وعلموا انها مقدمة للتجرد من الشهوات... يقول القديس يوحنا التبايسى (الأسيوطى) من القرن الرابع: [والآن أبدأ فى الكلام عن طقس الكمال، لأن التجرد من المقتنيات ليس هو هذا الكمال، لكن مبدأ طريق الإيمان... فإن لم يبدأ الإنسان بالتجرد عن المقتنيات لا يمكن أن يتجرد عن آلام الأفكار الرديئة. وان لم يتجرد عن حركات الآلام السمجة لا يقتنى نقاوة النفس، التى هى مبدأ سيرة الإنسان الجديد]!!... ويقول القديس فيلوكسيتوس من القرن السادس: [الإنسان لا يستطيع أن يسير فى طريق الكمال ما دام يملك شيئاً جسدانياً، لأنه حسب مقدار الاقتناء تكون رباطات النفس التى تربط جناحات العقل، فتعطل طيرانها إلى السماء].
ثالثاً – البتولية:
إن كانت البتولية قد عرفت فى بعض الأنظمة الدينية الوثنية لدى شعوب الحضارات القديمة كالمصريين والهنود والصينيين، كما عرفت بين شعب الله فى العهد القديم، لكنها فى المسيحية تنبع من مفهوم سامٍ وتتألق بين الفضائل جميعها...
والمسيح كالمثل الأعلى للمسيحيين عاش بتولاً وولد من بتول احتفظت ببتوليتها حتى ناحتها. وقد أورد ذلك فى تعليمه... فقد تكلم عن الخصيان الذى خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات (مت 19: 10 - 12)... وفى رده على الصدوقيين الذين طرحوا عليه سؤال المرأة التى تزوجت من سبعة أخوة قال:
«لأنهم فى القيامة لا يزوّجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله فى السماء» (مت 22: 30).
؛ لو 20: 35)... أى أن حالة عدم الزواج هى تشبه بحياة الملائكة... ويؤكد هذا المعنى القديس كبريانوس الشهيد فى رسالة له لبعض العذارى: [لقد ابتدأتن الآن وانتن فى هذه الحياة فى التمتع بما سيكون لكن فى السماء بعد القيامة. لأنكم بحفظكن بكارتكن قد تشبهتن بالملائكة!!].
أما القديس بولس الرسول فيتحدث عن البتولية حديثاً فياضاً، مبنياً سموها، وروّج لها متمنياً لو أن الجميع عاشوا بتوليين...
«أقول لغير المتزوجين وللأرامل انه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا... أريد أن يكونوا بلا همّ. غير المتزوج يهتم فى ما للرب كيف يرضى الرب. وأما المتزوج فيهتم فى ما للعالم كيف يرضى امرأته... إذاً من زوّج فحسناً يفعل، ومن لا يُزوّج يفعل أحسن» (1كو 7: 8).
، 32، 33، 38)... هذه الكلمات كانت اجابة عن سؤال وجهه اليه مؤمنو كورنثوس بخصوص موضوع البتولية والزواج، ويتضح ذلك مما جاء فى صدر هذا الاصحاح "أما من جهة الأمور التى كتبتم لى عنها فحسن للرجل أن لا يمسّ امراة"... ومعنى ذلك أن موضوع البتولية والزواج طرح مبكراً فى الكنيسة الأولى.
والحق ان موجة شديدة من الحماس للبتولية اجتاحت المؤمنين والمؤمنات منذ فجر المسيحية المبكرّ، حتى أن بعض الأزواج والزوجات من فرط حماسهم للبتولية – تسامياً منهم عن الجسد – امتنعوا عن المعاشرات الزوجية، وعاشوا مع بعضهم كاخوة واخوات!!...
ونستطيع أن نلمس ذلك فى الحديث الذى دار بين بطرس والسيد المسيح... قال بطرس: "ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك". أجاب يسوع وقال:
«الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو اخوة أو اخوات أو أباً أو أماً أو امرأة (زوجة) أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل إلاَّ ويأخذ مائة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً واخوة واخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات، وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية» (مز 10: 29).
، 30؛ مت 19: 29؛ لو 18: 29)... وواضح من هذا الكلام أن بطرس حينما قال انه ترك كل شئ، كان يعنى أيضاً أنه ترك زوجته من ناحية المعاشرات الزوجية كزوجة. والمسيح العارف بما فى القلوب والنيات، الذى عرف ما كان يعنيه بطرس، أجاب: "ليس أحد ترك امرأة"... ويؤكد ذلك ما قاله معلمنا بولس الرسول:
«العلّنا ليس لنا سلطان أن نحول بأختٍ زوجة كباقى الرسل واخوة الرب وصفا» (1 كو 9: 5)).
.. كانت زوجة فصارت أختاً!!
أخيراً أبان مركز البتوليين فى العالم العتيد القديس يوحنا فى سفر الرؤيا حينما يقول: "ثم نظرت وإذا خروف واقف على جبل صهيون ومعه مئة واربعة وأربعين ألفاً لهم اسم أبيه مكتوباً على جباههم... وهم يترنمون كترنيمة جديدة أمام العرش وأمام الأربعة حيوانات والشيوخ. ولم يستطع أحد أن يتعلّم الترنيمة إلاَّ المائة والأربعة والأربعون ألفاً الذين اشتروا من الأرض. هؤلاء هم الذين لم يتنجسّوا مع النساء لأنهم ابكار. هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب. هؤلاء اشتروا من بين الناس باكورة لله وللخروف. وفى افواههم لم يوجد غِش لأنهم بلا عيب قدام عرش الله" (رؤ 14: 1 - 5)... والكلام هنا فى غاية الوضوح ويظهر عظم امتياز البتولية والبتوليين إذ يظهرهم انهم ملازمون للمسيح (الخروف) يتبعونه حيثما ذهب، وينفردون بترنيمة لم يستطع أحد – لا أن يرددها، بل وحتى أن يتعلمها... أما السبب "لأنهم لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أبكار (كما فى كل الترجمات وليس أطهار كما فى الترجمة البيروتية العربي)"... ولا يفهم من قوله "لم يتنجسوا مع النساء" ان الأمر يتعلق بخطية الزنا، لكن العبارة كناية عن شدة العفة.
هكذا سرت موجة من الحماس الشديد للبتولية، وتغلغلت فى نفوس الناس، وضربت جذورها بعمق فى تاريخ الكنيسة... وقد مدح آباء الكنيسة وكبار معلميها العفة والبتولية وابانوا جمالها وقدسيتها وسموها. ونظروا للزواج على انه سر مقدس من أسرار الكنيسة، لكنه يأتى فى السمو بعد التبتل لمن يستطيعون. ومن أمثلتهم بوليكاربوس تلميذ يوحنا الرسول واغناطيوس وهرماس واثيناغوراس وايرنياوس واكليمنضس الاسكندرى وترتليانوس ومثودويوس أسقف صور الذى استشهد حوالى سنة 341 وكتب كتاباً رمزياً فى هذا الصدد اسماه وليمة العشر عذارى والقديس اغريغوريوس اسقف نيصص الذى افرد لها كتاباً خاصاً.
ولعل من أكبر دعاتها والمتحمسين لها العلامة أوريجينوس الذى وضعها فى مكانة عالية ووصفها بأنها [التقدمة المقدسة التى تسرّ الله]... ومن أقواله: [لقد سمح الله لنا بالزواج لأننا لسنا جميعاً أكفاء للحالة الأسمى ألاّ وهى حياة البتولية الكاملة] (ضد كلسوس 8: 55)...
ومن أمثلتهم القديس والشهيد كبريانوس أسقف قرطاجنة والقديس جيروم، والقديس امبروسيوس اسقف ميلان الذى كتب ثلاثة كتب عن البتولية إلى اخته مرسللينا وفيها يقول: [ليست البتولية مستحقة المديح من حيث أنها توجد فى الشهداء، بل لأنها هى نفسها تصنع الشهداء. ومن يستطيع أن يدرك بفهمه البشرى ذاك الذى لا تحويه الطبيعة فى قوانينها؟ أو من يقدر أن يشرح فى أسلوب مألوف ذاك الذى هو فوق مستوى الطبيعة؟ لقد استحضرت البتولية من السماء ما يمكنها من أن نحاكيه على الأرض]... وبعد أن وصف البتوليين بملائكة الله قال: [وما قلته ليس كلامى طالما أن الذين لا يتزوجون ولا يزوجون هم كملائكة السماء. فلا تعجب إذن، إذا ما قورنوا بالملائكة الملتصقين برب الملائكة. من يقدر إذن أن ينكر أن هذا النهج من الحياة له نبعه فى السماء. ولم نجده بسهولة على الأرض إلاَّ بعد أن نزل الله آخذاً جسداً بشرياً!!].
المصريون المسيحيون والنسك:
رأينا فيما سبق الدعوة لحياة النسك فى تعاليم السيد المسيح وكتابات العهد الجديد... لكن على المستوى العملى نجد ممارسات النسك تظهر فى المصريين المسيحيين قبل غيرهم من مسيحيى العالم، وبصورة واضحة وقوية. ولذا فقد ظهر النساك والرهبان فى مصر قبل غيرها من بقاع العالم، وبذا تكون مصر هى مهد الرهبنة والأنبا أنطونيوس الكبير المصرى هو أب رهبان العالم كله...
الاتجاه النسكى نراه واضحاً فى كتابات مسيحيى مصر الأوائل... فاكليمنضس الاسكندرى مدير المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية يحفظ لنا قولاً منسوباً للمسيح لم يرد فى الأناجيل: [يقول الرب أيضاً، من هو متزوج لا يبعد زوجة، ومن هو غير متزوج فلا يتزوج] (المتنوعات 3: 15)... وهناك تقليد مسيحى يرجع إلى القرن الثانى أورده القديس اكليمنضس الاسكندرى أيضاً يقول ان متى الإنجيلى عاش نباتياً لا يأكل لحماً (المعلم والتلميذ 2: 1)... وفى برديات البهناس Oxyrhynchus المكتشفة سنة 1897، سنة 1904، والتى ترجع إلى أوائل القرن الثالث نجد الاتجاهات النسكية فيها واضحة.
فإذا اتينا إلى اوريجينوس نجد حياته نسكية وتعليمه نسكياً خالصاً... فقط نظر إلى البتولية على أنها المثل الأعلى (ضد كلسوس 7: 48)... وحبّذ بتولية الكهنة (تفسيره للاويين مقالة 6: 6)... وعن الفقر الاختيارى كتب يقول: [إذا اتبعنا شريعة المسيح، فإنها لا تسمح لنا بامتلاك أراضى أو بيوت فى المدن – ولماذا أقول بيوتاً، ونحن غير مصرح لنا باقتناء ثياب كثيرة أو مال وفير لأنه مكتوب إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما] (تفسيره اللاويين مقالة 15: 2). ويضيف [ان تركت كل ما املك، وحملت صليبى واتبعت المسيح، فإنى بذلك أقدم محرقة كاملة لمذبح الله] (تفسيره اللاويين مقالة 9: 9). ويوسابيوس القيصرى يبدى أعجابه الشديد بشخصية أوريجينوس لأن [سلوكه كان يتفق مع تعاليمه، وان تعاليمه تتفق على حياته]. واسهب فى الكلام عن نسكه بالتفصيل (يوسابيوس التاريخ الكنسى 6: 3)... وقد كتب القديس غريغوريوس العجائبى كثيراً عن تأثير أوريجينوس النسكى... وممن تأثر به تلميذه ياروكلاس الذى ساعده فى مدرسة الاسكندرية اللاهوتية، وما لبث ان صار البطريرك الثالث عشر للكنيسة القبطية. وعنه قال يوسابيوس: [بعد أن قدم (ياروكلاس) براهين كثيرة عن الحياة النسكية الفلسفية، اعتبر جديراً بأن يخلف ديمتريوس فى أسقفية الاسكندرية] (التاريخ الكنسى 6: 3). هذه العبارة الأخيرة التى أوردها يوسابيوس عن ياروكلاس لهى فى غاية الأهمية، إذ تبيّن بما لا يدع مجالاً للمناقشة المنهج النسكى لكنيسة الاسكندرية... ومما لا شك فيه ان تأثيراً اوريجينوس كان كبيراً حتى بين الرهبان، الذى كان يحتفظون ببعض كتابات فى قلاليهم كما يحدثنا عن ذلك بلاديوس فى كتابه بستان الرهبان.
هكذا نرى أن المسيحية فى مصر منذ القرن الثانى ظهرت فيها الاتجاهات النسيكة... وحينما كان مسيحيو مصر يقرأون كتابات العهد الجديد كانوا يفهمون فهماً نسكياً... كانت هذه حالة القديس أنطونيوس والأب سيرنيوس Serenus والأب ثيوناس الذى قال: [إن كلمات الإنجيل ترن كل يوم فى آذاننا]. والدعوة إلى الصرامة يمكن فهمها من قول بولس الرسول عن المسيحيين: "إنهم صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات"... "اميتوا أعضاءكم التى على الأرض".
وبعد أن تكلمنا عن النسك المسيحى واساسه الإنجيلى، نتقدم الآن للحديث عن بعض النساّك والناسكات كعينة لأشخاص من الجنسين اتبعوا هذا المنهج، وساروا فى طريق الكمال المسيحى...
أمثلة من النسّاك والناسكات
مار افرام السريانى:
هو الناسك العابد، ذو العاطفة الشاعرية، رجل الإيمان والصلاة والدموع، أحد كبار قديسى الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة... خلعت عليه الكنيسة لقب "قيثارة الروح القدس"... انحدر من اسرة مسيحية، ورباه والداه تربية دينية... قال عن نفسه: [وُلدت فى طريق الحق، ولو أنى فى صبوتى لم أدرك عظم الفائدة، لكنى عرفتها بالتجربة].
كان سريانياً أصيلاً من مدينة نصيبين من بلاد ما بين النهرين، ولد أوائل القرن الرابع المسيحى. ومنذ حداثته التصق بالقديس مار يعقوب أسقف المدينة الذى قيل عنه انه كان كاملاً فى مخافة الله، وتتلمذ على يديه... واسند إليه مهمة التعليم فى المدينة نظراً لعلمه الدينى وغيرته على العقيدة الأرثوذكسية وورعه النسكى...
وفى نصيبين تعرّض لتجربة صعبة... فقد أخطأت فتاة مع شاب وحملت. فلما كشف أمرها أوعز لها الشيطان أن تتهم مار افرام... وُوجه بهذه التهمة لكنه صمت وأبى أن يدافع عن نفسه، وكل ما قاله للأسقف: [أخطأت يا أبى]... ولما وضعت الفتاة ثمرة خطيتها حمل أبوها الطفل إلى الأسقف ودفعه إلى مار افرام أمامه وقال له: [الآن خذ ابنك وربّه]... أخذ الوليد ودخل به إلى الكنيسة... ولما رأى مار افرام ان كثيرين عثروا من هذا الأمر، تقدم إلى الأسقف عقب قداس الأحد والطفل معه تحت ثيابه وطلب إليه أن يصرح له بالصعود إلى الأنبل فصرح له، ورفع الطفل بيمينه إلى ناحية المذبح وصرخ بصوت عالٍ وقال: [أيها الطفل أناشدك أمام مذبح الله الحى. قل الحق، من هو أبوك، ففتح الطفل فاه وأعلن عن اسم ابيه الحقيقى... انزعج الجميع وبدأوا يبكون ويطلبون إليه أن يغفر لهم. ومات الطفل فى تلك الساعة!!
خروجه من نصيبين:
خرج مار افرام من مدينة نصيبين بعد أن احتلها الفرس وقصد مدينة الرها Edessa... وفى طريقه إليها طلب إلى الله أن يرشده ويدبّر حياته المقبلة. وحال اقترابه من المدينة صلى إلى الله أن يرسل إليه من ينفعه بكلمة وجاءت كلمة المنفعة على لسان امرأة خاطئة... وحالما رآها صدم. ولما رآها تحدث فيه بشدة، قال لها: [يا امرأة أما تستحين أن تحدثى فىَّ بنظركِ هكذا؟]. أجابته: [كل شئ يجب أن يتفرس فى أصله ولأن المرأة قد أخذت من الرجل فيحق لها أن تتفرس فى أصلها. أما الرجل فقد أخذ من التراب، فينبغى أن يتفرس فى أصله الذى أخذ منه]. فشكر أفرام الله أنه تعلّم شيئاً نافعاً حتى من هذه المرأة المنبوذة.
حياته فى الرها:
التحق افرام بعمل متواضع فى الرها قيل انه اشتغل خفيراً لإحدى الحمامات، وقيل انه اشتغل عاملاً أجيراً عند أحد الناس لأنه لم يكن يعرف صناعة خاصة. وفى تلك الفترة كان يمضى بقية وقته فى تبشير الوثنيين وتعليمهم الكتب المقدسة. وكانوا يؤلفون نسبة كبيرة من سكان الرها... وتعرض لتجربة أخرى فى الرها. كانت تسكن فى مسكن مقابل امرأة حرك الشيطان قلبها بفكر شرير من نحوه. ففى ذات مرة حيّته وسألته إن كان محتاجاً لشئ. أجابها: [انى احتاج إلى طوبتين وبعض الطين لأسد بها الطاقة التى بينى وبينك]!! غضبت المرأة ووعدته بالتشهير به ان لم يطاوعها على ما أرادته وهو فعل الشر معها. فتظاهر بالموافقة على شرط أن يكون ذلك فى سوق المدينة. فاندهشت المرأة وقالت له: [كيف نفعل هذا الأمر والناس حولنا؟] أجابها: [إن كنت تستحين من الناس، أفما تستحين من الله الذى عيناه تخترقان أستار الظلام؟]... كان نتيجة هذا الكلام أن تابت المرأة على يديه، وقيل أنها اعتزلت العالم لأحد الأديرة... لم يستمر طويلاً فى عمله، لأنه التصق بأحد المتوحدين الذين سكنوا احدى مغاير جبل الرها... هناك عاش افرام متوحداً فى ذلك الجبل الذى كان يسكنه نسّاك كثيرون. وعكف فى وحدته على مداومة الصوم والصلاة ودرس الكتب المقدسة.
الخدمة ودعوته إليها:
فى ذلك الوقت من القرن الرابع كانت المسيحية تجاهد ضد الوثنية التى كانت ماتزال باقية، وتجاهد ضد الهرطقات خاصة الاريوسية... فى ذلك الوقت كانت دعوة الله إلى مار افرام أن يترك خلوته إلى حين. كان البدء رؤيا اعلنت لأبيه الروحى، وكان فى ذلك الوقت منشغلاً باتمام تفسير سفر التكوين وبدأ تفسير الخروج... حرك الله قلوب بعض المؤمنين بالمدينة أن يقصدوا صومعته ليحضروه. فلما أحسّ بهم هرب واختفى فى أحد الأودية. فظهر له ملاك الرب وقال له: [يا افرام إلى أين تهرب؟] أجاب [يا سيدى أحب الجلوس فى الهدوء، والهرب من سجن العالم]. فقال له الملاك: [انظر لا يتم عليك القول إن افرام هرب منى، مثل العجلة التى امتنعت بكتفها من النير]. بكى افرام وقال: [أنا ضعيف يا سيدى ولا استحق هذا]. لكن الملاك اسكته عن الاسترسال فى اعتذاراته بكلمات المخلص: "ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه تحت المكيال، لكن على منارة لكى يبصر الجميع نوره...]. وتكلم مع الملاك كلاماً كثيرة ثم اختفى عنه. صلى القديس إلى الله كثيراً طالباً منه العون والقوة لكى يناضل من أجل الإيمان...
نزل افرام إلى المدينة ونظره بعض المسيحيين الذين صعدوا إليه ليحضروه من مغارته فلم يدوه، وأخذوا يستهزئون به واتهموه انه مرائى منهم، ولما تركوه اتى من تلقاء ذاته. أما هو فكان باتضاع يقول لهم: [اغفروا لى يا اخوتى أنا المسكين]... ورغم كل ذلك كان يعب فى سوق المدينة ويعلم ويعظ... واراد الله أن يكشف فضيلة فرآه راهب قديس يوماً فقال بالروح مشيراً إليه: [هذا هو الرفض الذى فى يد الرب، وبه سينقى بيدره، وكل زوان الهراطقة هذا هو النار التى قال عنها سيدنا جئت لألقى ناراً على الأرض]... وحرك هذا الكلام الهراطقة والوثنيين واليهود فألقوا أيديهم عليه وأوسعوه ضرباً واهانة... أما هو فقد بكّر صبيحة اليوم التالى وهرب إلى مغارته.
هناك فى مغارته بالجبل عكف على الكتابة لدحض هرطقات ومعتقدات عصره الخاطئة التى مُنع بالقوة عن معارضتها بالكلام... وفى تلك الفترة تجمع حوله تلاميذ عديدون. وهكذا وجدت مدرسة فى الجبل كان هو معلمها!!
لقاؤه بالقديس باسيليوس:
فى عزلته النائية ترامت إلى سمعه شهرة القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة كبادوكية بآسيا الصغرى. فاشتاق ان يراه ويسمعه. طلب إرشاد إلهياً فى هذا الأمر. وجاءت الإجابة فى رؤيا رآها. رأى عموداً من نار يصل إلى السماء وصوت يقول: [كما ترى عمود النار هذا، هكذا باسيليوس العظيم]. تأججت فيه الرغبة أكثر لرؤية باسيليوس ونوال بركته. فشد رحاله وأخذ معه مترجماً لأنه كان لا يعرف اليونانية التى يتكلمها باسيليوس ورتب أن يكون لقاؤه فى عيد الظهور الإلهى. وبالفعل وصل إلى مدينة قيصرية فى اليوم السابق للعيد.
دخل افرام إلى الكنيسة فى ذلك العيد العظيم. وكان باسيليوس يرتدى ملابس كهنوتية فخمة ويحيط به الكهنة بملابسهم الفاخرة. فما أن رأى ذلك افرام الناسك حتى سقط قلبه وشك فى باسيليوس وقال انه لا يمكن أن يكون هو عمود النار الذى اعلنته الرؤيا... حان وقت العظمة ووقف باسيليوس يعظ وإذا بافرام يرى كلمات باسيليوس تخرج من فيه كألسنة نارية صغيرة تستقر فى قلوب سامعيه. أو بحسب رواية القديس اغريغوريوس أسقف نيصص، رأى الروح القدس فى صورة حمامة تتكلم من فمه. وسرعان ما تغيّر فكره. ويقال إن باسيليوس شعر بالروح بوجود مار افرام فى الكنيسة إذ رآه يحيط به ملاكان، فأرسل باسيليوس واستدعاه عقب العظة لكن افرام التمس أن يكون التقاؤه به على انفراد عقب انتهاء خدمة القداس... فى ذلك الوقت تقدم افرام بالمرقعّة التى كان يلبسها صامتاً مُطرقاً بنظره إلى أسفل ووقف أمام باسيليوس. نهض باسيليوس من مقعده واستقبله بقبلة اخوية واحنى رأسه أمام الراهب المتواضع وحيّاه... فى هذا القداس تناول افرام والمترجم الذى معه من الأسرار المقدسة... ثم انفرد به باسيليوس وقال له: [لماذا شككت؟] ثم كشف عن ملابسه وإذا به يلبس مسحاً من الداخل. ثم استطرد قائلة: [أماهذه الملابس الخارجية الفاخرة فهى من أجل كرامة الخدمة].
استغرقت زيارة مار افرام للقديس باسيليوس اسبوعين حاول خلالهما – كنوع من التكريم – أن يرسمه قساً لكنه اعتذر فى اتضاع ومسكنة محتجاً بكثرة خطاياه لكنه قبل أن ينال رتبة دياكون أى شماس. لكن كما يقول المؤرخ سوزدمين: [ان افرام لم ينل رتبه كهنوتية أعلى من شماس، لكن ما بلغه من سأو عظيم فى الفضيلة اعطاه شهرة مساوية لأولئك الذين وصلوا إلى أعلى المناصب الكهنوتية فى الكنيسة، بينما جعلته حياته المقدسة ونبوغه فى العلم موضع أعجاب عام].
عودته إلى الرها من أجل العقيدة:
ما أن عاد إلى مدينة الرها حتى اشتبك فى الجدل مع أصحاب الهرطقات التى كانت تموج به المدينة... وكان بعض هؤلاء الهراطقة قد نظموا أشعاراً ضمنوها عقائدهم الفاسدة. فوضع مار افرام أناشيد عديدة ضمنّها العقائد المسيحية الأرثوذكسية بلغ عددها مائة وخمسون نشيداً، وأعد خورساً من المرنمين كانوا يرنمونها صباحاً ومساءً كل يوم فى الكنيسة. واستطاعت هذه الأناشيد الدينية – بقوة الحق الذى تعبّر عنه، وقوة أسلوبها الأدبى ان توقف تيارات الهراطقة.
بعد أن هدأت ريح الهرطقة عاد مار افرام إلى خلوته فى الجبل، ولم يتركها إلاَّ فى مناسبة واحدة. فقد اجتاحت مدينة الرها مجاعة شديدة فى شتاء سنة 372 / 373، ووجد مار افرام نفسه مدفوعاً بمحبة اخوته الذين هم اخوة الرب إلى أن يترك خلوته ليخفف عنهم وطأة المجاعة. أخذ يحث الأغنياء أن يصنعوا رحمة، ويوبخهم على قساوة قلوبهم. ولما احتجوا بعدم وجود إنسان كفء وأمين للقيام بمهمة رعاية المحتاجين أثناء المجاعة، قدّم هو نفسه للقيام بهذه المهمة. وافق الأغنياء على ذلك وجعلوه الوكيل المتصرف فى الأمر. أخذ افرام يخدم المرضى – مرضى المجاعة فى الرها والكور المحيطة بها بنفسه يساعده جماعة من أعوانه. وبعد انقضاء زمن المجاعة عاد إلى خلوته فى الجبل ولم يتركها لنه تنيحّ بعدها بشهر واحد.
نياحته:
هناك فى جبل الرها، وفى الكهف الذى احبه، تنيّح رجل الله وانضم إلى آبائه. وكان ذلك على الأرجح يوم 9 يونية سنة 373... وقد ترك وصية أخيرة نظمها بالشعر وهى مؤثرة للغاية. يقول فيها: [لا تضعونى تحت مذبح الله، لأنه لا يليق أن توضع الجيفة النتنة فى المكان المقدس. لا تضعوا جسدى مع الشهداء لأنى خاطئ ولا استحق. ولعدم استحقاقى اخشى ان اقترب من عظامهم... عوض أن تضعوا معى العطور، اذكرونى فى الصلوات... عهداً قطعت مع الرب أن ادفن مع الغرباء لأنى غريب كما كانوا هم. ضعونى يا اخوة معهم لأن كل طير يحب جنسه، والرجل يحب شبيهه. ضعونى فى المقبرة حيث منكسروا القلب، حتى حينما يأتى ابن الله يضمنى إليه ويقيمنى معه...].
وبعد أن بارك تلاميذه الخمسة، ترك حروماً ضد تلميذين آخرين حاداً عن الإيمان المستقيم، كما ترك حروماً ضد الاريوسيين وهراطقة آخرين. ثم أسلم روحه الطاهرة فى يد الرب الذى احبه.
اخرجوا جسده من مغارته، وسار فى جنازته كل شعب مدينة الرها والكور المحيطة، والأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والمتوحدون، ووضع جسده الطاهر حسب وصيته فى مقبرة الغرباء. لكن أهل الرها نقلوه بعد ذلك بقليل وبنوا له مقبرة بين مدافن الأساقفة وبنى بعد ذلك فوق ضريحه دير وتعيد له كنيستنا فى الخامس عشر من شهر أبيب من كل عام.
كان مار افرام رغم نبوغه متواضعاً منكراً لذاته يهرب من المجد الباطل ومن الرئاسات. حاول القديس باسيليوس أن يرسمه أسقفاً على أحد اقاليم ايبارشيته لكنه هرب متظاهراً بالجنون... وهو أيضاً رجل دموع. قال عنه القديس اغريغوريوس أسقف نيصص: [كما أن التنفس الذى لا يتوقف يعتبر ظاهرة طبيعية فى كل البشر كذلك كانت الدموع بالنسبة لافرام... لم يحدث ان شوهدت عيناه فى لحظة من اللحظات غير ممتلئتين بالدموع]. كان وديعاً عاش عيشة التجرد والزهد فى القنية إلى حد بعيد... لم يترك له الزهد فى القنية مادة يعطيها، لكنه كان يتمم فضيلة الرحمة بواسطة مواعظه التى طالما فتحت خزائن الأغنياء... هذا فضلاً عن صلواته واسهاره واصوامه... وبالجملة فقد كان كاملاً فى الفضيلة. ويقول عنه القديس أغريغوريوس أسقف نيصص انه شابه الملائكة الذين لا جسد مادى لهم، ولا اضطراب فى حياتهم.
مكسيموس ودوماديوس:
كانا ابنى فالنتنيانوس قيصر الغرب الرومانى، وكان رجلاً يخاف الله وناصراً للمسيحية. لذا فقد ربىّ ولديه واختهما الصغيرة فى مخافة الله... ولما كبر مكسيموس ودوماديوس اشتاقاً لحياة الرهبنة... وتشاورا مع بعضهما، وخرجا من قصر ابيهما بحجة زيارة مدينة نيقية حيث اجتمع الآباء القديسون فى المجمع المسكونى الأول... وكان فى نيقية كاهن راهب يدعى حنا، كشفا له عن اشتياقهما لحياة الرهبنة فشجعهما. ولما طلبا أن يبقيا معه اعتذر خوفاً من أبيهما وأوصاهما بالسفر إلى سوريا ليتتلمذا على يدى القديس المتوحد أغابيوس وكان ذا شهرة كبيرة...
توجها إلى الأب اغابيوس فقبلهما والبسهما اسكيم الرهبنة... ولما قرب زمان نياحته سألاه ماذا يفعلان بعده. أما هو فكان قد رأى حلماً فى نفس هذه الليلة قصة عليهما... وجد نفسه واقفاً على صخرة قرب موضعهما، ورأى راهباً أمامه وعلى رأسه قلنسوة وفى يده عصا من جريد وصليب. خاف منه، ولكنه اقترب منه وسلّم عليه. وقال له: [هل تعرفنى]. أجابه: [لا يا أبى القديس] فقال له: [أنا مقاريوس المصرى اتيت لأدعو ولديك لآخذهما إلى مصر]. فقال له اغابيوس: [ألاّ تأخذنى معهما أيضاً يا أبى]. قال له: [لا. ولكنى اعلمك أنه بعد ثلاثة أيام سوف تتنيح وتذهب إلى الرب. وسيرسل الملك رسلاً وراء ولديه ليأخذهما إلى القسطنطينية. فاحذر ذلك ومرهما أن ينزلا إلى مصر ليسكنا بالقرب منى. لأن السيد قد عينهما لى أولاداً. وها أنا قد قلت لك]. قال هذا واختفى عنه... وهكذا أوصاهما الأب اغابيوس أن يتتلمذا للأب مقاريوس. وتنيح بسلام بعد أن أقام مكسيموس ودوماديوس معه ستة أعوام.
وما لبث أن كشف أمرهما فى القسطنطينية بواسطة تاجر من انطاكية كان يكتب اسميهما على شراع سفنه تبركاً بهما... وفى احدى المرات كان نائب الملك فى الميناء مع الجند يفتش السفن الداخلة فلاحظ اسمى القديسين على احدى السفن... استفسر من بحارة السفينة وتأكد لديه صحة الخبر... سافرت امهما واختهما لزيارتهما، ورفض مكسيموس ودوماديوس ترك وحدتهما.
ولما تنيح بطريرك القسطنطينية اتجهت أنظار الناس إلى مكسيموس ليخلفه ورحب الملك ثيودوسيوس بذلك، وارسل نائبه ومعه بعض الجنود لاستدعائه، كما كتب إلى والى سوريا بذلك... تسرب الخبر إلى الأخير عن طريق زوجة الوالى التى كانت تقدسهما، ولما علما بذلك هربا واختفيا عند راعى غنم أياماً كثيرة... ثم غيّرا ثيابهما ولبسا ثياباً مدنية وتنكرا حتى لا ينكشف أمرهما وصليا طالبين مشورة الله للوصول للأنبا مقاريوس.
سارا على اقدامهما أياماً كثيرة ولما اعياهما التعب وهما يسيران على شاطئ البحر، افتقدهما الرب برحمته ووجدا نفسيهما فى شيهيت.
لقاؤهما مع أنبا مقاريوس:
دبر الله لقاءهما بالأب مقاريوس وكان مكسيموس وهو الأكبر له لحية بها شعرات قليلة، أما دوماديوس فبدأت لحيته تنبت وسألاه: [أين قلاية الأب مقاريوس]. فقال لهما: [وماذا تريدان منه]. قالا: [لقد سمعنا عن حياته وأعماله وأتينا لنراه]. ولما كشف عن شخصيته صنعا له مطانية وقالا له: [نريد أن نسكن ههنا]... وإذ وجد أنهما تبدو عليهما الرقة والنعومة قال لهما: [لن تطيقا أن تسكنا ههنا]. فقال مكسيموس: [إذا لم نستطع إلى ذلك سبيلاً نمضى إلى موضع آخر]... فقال القديس مقاريوس فى نفسه: [لماذا اصير عثرة لهما، وخشونة الحياة ستدفعهما إلى الفرار]. قال لهما: [هلما فاصنع لكما قلاية إن استطعتما]. قالا له: [يكفى أن ترينا كيف نشرع فى العمل ونحن نكمّل]. فأعطاهما فأساً واداة لحفر الأرض وقفة من الخبز وملحاً، واراهما صخرة ينحتانها. وقال لهما: [إنحتا الصخر واحضرا خشباً من الغابة واقيما سقفاً واسكنا]... وكان يتوقع انهما لن يكملا العمل. ثم سألاه عن العمل اليدوى، فأراهما كيف يصنعا الضفيرة لصنع المقاطف وارشدهما إلى الحارس الذى سيأخذ عمل أيديهما ويحضر لهما خبزاً بدله.
تركهما القديس مقاريوس وعاشا كما قال لهما القديس مقاريوس. وبقيا فى هذا الموضع ثلاث سنوات ولم يقصدا أبداً القديس مقاريوس للسؤال عن شئ... تعجب أبو مقار. وكانا لا يذهبان إلى أى موضع إلاَّ إلى الكنيسة كل يوم أحد لتناول القربان وهما صامتان.
صلى القديس مقاريوس إلى الله وصام أسبوعاً كاملاً حتى يكشف له أمرهما. ثم ذهب إليهما ليفتقدهما. ولما قرع الباب فتحا له وسلّما عليه وظلا صامتين. فصلى معهما وجلس. واومأ مكسيموس لأخيه الأصغر أن يخرج فخرج. وجلس هو يضفر الحبال دون أن يتكلم. وفى وقت الساعة التاسعة حضر دوماديوس وأومأ إليه أخوه الأكبر فطهى قليلاً من الطعام وأعد المائدة ووضع عليها ثلاث خبزات... ولما حان المساء سألاه هل سينصرف فقال: لا بل اقضى الليل هنا]. ففرشا له على جانب حصيراً من الياف النخيل. صلى القديس مقاريوس إلى الله أن يكشف أمرهما، فانفتح السقف وصار المكان منيراً ولكنهما لم يريا النور. وإذ ظنا أنه نام نَخَس الأكبر أخاه الأصغر ونهضا ومنطقا حقويهما ورفعا أيديهما إلى السماء. ويقول القديس مقاريوس: [رفعا أيديهما إلى السماء وكنت أراهما وهما لا يعرفان أنه بالإمكان رؤيتهما. وابصرت الشياطين تحوم حول الشاب الأصغر كالذباب. وكان بعضه يريد أن يستقر على عينيه، والبعض على فمه. ولكن ملاك الرب كان يدور حوله ويطرد الشياطين عنه بسيف من نار. أما الشاب الأكبر فلم تجرؤ الشياطين على الاقتراب منه. وقبيل الصباح انطرح الشابان على الأرض فتظاهرت بأنى استيقظت تواً من النوم، وهما بدورهما تظاهرا كذلك. وقال لى الأكبر: أتشاء أن تتلوا اثنى عشر مزموراً فقط؟. قلت: نعم]... ورأى القديس مقاريوس ودوماديوس وهو يصلى يخرج من فمه مصباح من نار يصعد إلى السماء. أما الأكبر فكان حبل من نار يخرج من فمه صاعداً إلى السماء. وقد ألبسهما القديس أبو مقار فى هذه الزيارة الاسكيم وتركهما بعد أن سألهما أن يصليا لأجله..
وقد أعطى الرب هذين القديسين مكسيموس ودوماديوس موهبة صنع المعجزات. وبالفعل صنعا معجزات كثيرة.
نياحتهما:
فى يوم عيد الغطاس بدأ مكسيموس يمرض بحمى عنيفة. فلما طال عليه المرض طلب إلى أخيه الأصغر أن يستدعى الأب مقاريوس. وذهب الأب مقاريوس، وفى نهاية اليوم بعد الغروب قال مكسيموس: [بعد قليل أنا ذاهب إلى موضع راحتى]. وفى المساء فاضت روحه الطاهرة وانطلقت إلى السماء، وكان يقول: [ارسل نورك وحقك يا إلهى ليهديانى إلى الطريق. قوّم طريقى وانقذنى من سلطان الظلمة فى الهواء. أعدد خطواتى فى طريقك حتى أذهب إليك دون عائق. لتكن رجاء قوتى يا يسوع إلهى لأنك أنت نورى وخلاصى فممن أخاف...] ورأى القديس مقاريوس صفوف القديسين وقد جاءوا ليأخذوه. وهكذا انطلق بفرح وتنيّح بسلام.
ولما دفنوا جسد مكسيموس تأثر أخوه وشريك حياته جداً وطلب إلى الله أن يأخذ روحه. مرض دوماديوس بحمى شديدة هو الآخر. وفى الليلة الثالثة اشتد عليه المرض فاستدعوا له الأب مقاريوس وبينما هو فى الطريق وقف فترة طويلة ينظر نحو المغارة ثم التفت ناحية الشرق. وظن من معه انه كان يصلى ولكنه كان يتأمل خورس القديسين الذين كانوا يتقدمون روح دوماديوس. نظر الأب مقاريوس نحو السماء وهو يبكى ويقرع صدره قائلاً: [الويل لى لأنى لم أعد راهباً بالكلية]. وقال لهم لقد تنيح القديس دوماديوس...
كانت نياحة مكسيموس يوم 14 طوبة ولحقه أخوه دوماديوس فى 17 طوبة... وقال الأب مقاريوس ان الطغمات الذين جاءوا ليأخذوا نفس دوماديوس هم الذين جاءوا لأخذ روح أخيه. وبنى القديس مقاريوس كنيسة فى موضع سكنهما وهى أول كنيسة بنيت فى البرية. كما كان مكسيموس ودوماديوس أول من تنيح من الرهبان فى الأسقيط. وكانت نياحتهما بعد سنة 380م.
الراهب القديس بيسوس Bessus:
يعتبر هذا الراهب بيسوس من الشخصيات العجيبة حقاً... ويبدو انه وصل إلى درجة السياحة أى كان من السواح القديسين، وكانت له موهبة النبوة ومعرفة المستقبل، كما كان مقتدراً فى صلواته وبركته... لا نعرف عن حياته الأولى شيئاً، كل ما نعرفه انه كان راهباً بدير أنبا يحنس كاما الذى اندثر، وكان معاصراً للبابا البطريرك الأنبا خرستوذولوس ال 66 (1046 – 1077م)... ونروى هنا طرفاً من معجزاته وعجائبه.
● فى احدى المرات زاره احدى عشر شخصاً من الاسكندرية بقصد التبرك منه، فاستضافهم وقدّم لهم طعاماً واتاهم بجرة صغيرة من الماء وبارك عليها. وشرب الجميع منها حتى امتلأوا، ولم تنقص الجرة إلى مقدار نصفها. وكانت عادة الأراخنة الأقباط ان يخرجوا إلى البرية فى عيد الغطاس ويزوروا أمثال الأب بيسوس للتبرك منهم. ففى الصباح سألهم ألا يدعوا أحداً من أراخنة مصر أن يأتى إليه، وإلاَّ ترك الدير وذهب إلى مغارة...
وكان موجوداً بدير أبو مقار أرخن يدعى الشيخ أبو البدر بن مينا الزراوى... الحّ هذا الإنسان فى ضرورة الحضور إليه ليعترف بخطاياه... فلما علم بذلك قال انه سيذهب بنفسه إلى دير أبو مقار حتى لا يحضر الجمع الكبير من الأراخنة إليه... وبالفعل ذهب إلى دير أبو مقار وتقابل مع هذا الأرخن. ولما عزم على الانصراف الحوّا عليه بالمبيت حتى ينالوا بركة أكثر... وازاء الحاحهم قَبلَ المبيت. ثم طلب منهم الانفراد للصلاة. فحبسوه فى خزانة واغلقوا عليه، وباتوا أمام بابها ليتباركوا منه، ويسمعوا صلاته ويصلون معه!!... وما أكثر دهشتهم فى صباح اليوم التالى حينما فتحوا الخزانة التى حبسوه فيها فلم يجدوه!! وبالاستعلام من دير أنبا يحنس كاما – وهو دير بيسوس – عُلم انه غادره إلى دير أبو مقار بعد غروب الشمس وعاد قبل صلاة نصف الليل!! كل هذه المفارقات فى وقت خروجه من ديره إلى دير أبو مقار – والعودة إليه فى مدة أقل بكثير جداً من الوقت الذى تستغرقه هذه الرحلة، بالاضافة إلى حبسه فى الخزانة وخروجه منها وبابها مغلق... كل ذلك جعل كاتب سيرته يسأله عن متى ذهب ومتى عاد. فكان جوابه عليه [ما لك إلى هذا حاجة]!!
● وحدث فى سنة 1082م أن عرقاً تصبب من أعمدة دير أنبا موسى، وكذا من عدة صور فى كنيسة الشهيد تادرس بمصر، حتى أن عرقها كان ينحدر منها بغزارة كالماء... وحدث فى تلك السنة أن مرض الجدرى انتشر بصورة وبائية، ومات بسببه – فى أقل من شهر – واحد وعشرون ألف صبى!!... فكتب كاتب سيرة القديس بيسوس إليه أن يصلى من أجل أن يرفع الله هذا الوباء، كما طلب إليه أن يوصى رهبان برية شيهيت بأن يصلوا من أجل هذا الموضوع أيضاً... وحمل الرسالة إليه راهب من دير نهيا كان القديس بيسوس يحبه... وفى صباح يوم عيد الميلاد طلب راهب دير نهبا من القديس بيسوس أن يعطيه رداً على الرسالة حتى يعود إلى ديره... فقال له بيسوس: [الجواب انهم قد تخلّصوا وانعم عليهم السيد المسيح]... وكتب رسالة جاء فيها: [إن السيد المسيح قد خلّصهم فى هذا اليوم]... وحدث أن الوباء رفع فى اليوم الذى حدّده!!
● ومن أمثلة بركة القديس بيسوس، تلك القصة التى رواها الشماس أبو حبيب ميخائيل بن بدير الدمنهورى وهو أحد الذين جمعوا سير البطاركة... قال انه كان مختفياً عند القديس بيسوس بالدير، ومعه جماعة من الأخوة مختفين كذلك. ورآه يضع زيتاً فى المسرجة وبارك عليه واوقدها لهم. وأقام الشماس أبو حبيب عنده خمس عشرة ليلة ينسخ الكتب كل ليلة إلى منتصف الليل، ولم ينقص الزيت الذى فى المسرجة!!
● وفى ذات مرة حضر إليه راهبان متخاصمان من أحد الأديرة. فاجتهد أن يصلح بينهما. فقبل واحد منهما الصلح ورفض الثانى ومضى ولم يُطعه... وبعد ثلاثة أيام وعاد إليه هذا الراهب غير المطيع وقد ضرب جسمه بالبرص... وتوسل إليه أن يُلبسه شيئاً من ثيابه، فألبسه ثوباً ومضى. وعاد فى اليوم التالى ليعيد الثوب بعد أن شفى!!
● ومن معجزاته أن راهباً شاباً ببرية شيهيت اصيب بمرض الفالج وفقد النطق، فحملوه إلى القديس بيسوس فوضعه فى كنيسة العذراء التى بالحصن لمدة ثلاثة أيام... وذكر الراهب بعد ذلك انه أبصر ثلاثة أشخاص خارجين من الهيكل. فقال اثنان منهما للثالث وهو يتقدمهم: [اقض حاجة بيسوس فى هذا الشاب]. فدفعه برجله وقال له قم، فقام صحيحاً تماماً... وفى هذه اللحظة ناداه بيسوس من اسفل – دون أن يراه – وقال له: [يا فلان انزل]... فنزل الشاب وقد برئ، وسجد على قدميه وتحدث بما رآه وسمعه!!
● ومن معجزاته أيضاً أن واحداً من النصارى فى محلة أبو على اصيب بمرض الفالج والخرس، فحملوه على دابة إلى القديس بيسوس بديره، وصلى عليه ثلاثة أيام بلياليها. فخرج من عنده معافى تماماً. وعاد إلى بلدته وهو يمجد الله!!
● روى تلميذه الراهب الشماس يؤنس أن أباه القديس بيسوس صعد إلى الحصن ليصلى. فدخل الدير ثمانية عشر رجلاً سودانياً، فاستولوا على الدير. وامسكوا بواحد من الرهبان واخذوا يعذبونه. فنزل بيسوس من الحصن وامسك رقبة مقدّمهم بيده واخرجه من باب الدير. وفعل ذلك مع الباقين حتى أخرجهم جميعاً من الدير، واغلق الرهبان باب الدير. وحلف أولئك السودانيون أن ابصارهم عميت، وان يد بيسوس كانت على رقابهم مثل حجر ثقيل!!
● وفى مدة المجاعة التى عمت البلاد المصرية فى حكم الخليفة الفاطمى المستنصر وحبرية البابا خرستودولوس، كان البدو يترددون على دير أنبا يحنس كلما – الذى يسكنه بيسوس – ليأخذوا طعاماً من الخبز والقمح. وكان القديس بيسوس لا يرد سائلاً... وظل الأمر على هذا المنوال حتى أنه لم يَتَبَق لرهبان الدير إلاَّ قوت يوم واحد فقط يأكلونه ثم يخرجون من الدير ويهيمون على وجوههم... فأتاهم قوم يطلبون طعاماً. فقال بيسوس للرهبان أن يعطوهم ما عندهم. فتذمر الرهبان واغتاظوا. لكن القديس بيسوس قال لهم فى هدوء: [فى آخر النهار يصلكم من عند المسيح ما يكفيكم لأيام عديدة، فلا تضيق صدوركم]... فدفعوا كل ما عندهم من قمح لهؤلاء القوم. ثم عادوا وقالوا إن ما عندهم طاحونة. ولم يكن بالدير سوى طاحونة واحدة، فأعطاها لهم... فتذمر الرهبان عليه وقالوا له: [قلت إن القمح يجينا عشية وأخذت الطاحونة التى ليس عندنا غيرها ودفعتها لهؤلاء القوم. فهل إذا جاء القمح نقرقشه أو نسلقه]. فقال لهم بيسوس: [لا تقنطوا فإن الرب يأتينا بما نحتاجه. فإنه جل اسمه. يعوزه علم شئ. فطيبّوا نفوسكم]... وفى وقت الغروب وصل جملان محملان قمحاً، وعلى ظهر أحدهما طاحونة جديدة أكبر من التى أعطوها. فسبّح الرهبان الله ومجدوه!!
● وذُكر عنه أيضاً انه صعد ذات مرة إلى الحصن ليصلى صلاة الساعة الثالثة. واصعدوا معه قفة مملوءة خبزاً. فجاء إلى الدير قوم يطلبون طعاماً. فقال بيسوس لتلميذه أعطهم ما فى القفة. فأعطاهم كل ما فيها... فلما فرغ من الصلاة جاء قوم آخرين يطلبون طعاماً. فقال بيسوس لتلميذه أن يعطى هؤلاء القوم الذين يصيحون من الخبز... فقال تلميذه يؤنس – الذى روى هذه القصة – لمعلمه بيسوس: [أما دفعت الخبز لأولئك الذين أتو قبلاً؟]. فأجابه بيسوس: [أما رجعت وملأتها؟]. فقال التلميذ له: [منذ صعدت إلى ههنا وأنت قائم تصلى مكانك ما برحته، فمتى ملأتها؟]. فقال بيسوس له: [قد ملأتها. وهوذا هى مملوءة خبزاً فانزل بعضه للجائعين]... واشهد يؤنس التلميذ الله على نفسه أن بيسوس [لم يمسكها بيده منذ فرغت وكانت فارغة. وكان هو قائم يصلى. وأنا صليت معه الثالثة]!!
● وكان أحد الرهبان ويدعى يسطس قد فقد بصره، فصلى عليه مدة شهر كامل إلى أن رد إليه البصر ثانية!!
● وبعد نياحة البابا خرستودولوس اتجهت الانظار إليه ليجعلوه بطريركاً. فلما همّوا ليمسكوا صاح وأخذ حجارة يضرب بها صدره حتى كاد يؤذى نفسه. وارشدهم إلى مَن سيصبح بطريركاً!!
انستاسية المتوحدة:
نشأت هذه العذراء فى القسطنطينية فى عائلة شريفة. كان والدها ذا مركز ممتاز فى البلاط الامبراطورى وقضت أيام طفولتها فى القصر... وما أن شبت حتى بدأت تشتاق إلى حياة التقوى والعفة. فجمعت بين الفضيلة والجمال البارع... اعجب بها الامبراطور البيزنطى جستنيان (527–565)، وأراد أن يتزوج بها وكانت زوجته العظيمة ثئيودورة على قيد الحياة... لكن انستاسية كانت قد عقدت العزم على التبتل لتكون عروساً للمسيح. ولذا فقد كانت مواظبة على التعبد ليلاً ونهاراً.
كان جستنيان يضيّق عليها الخناق، وبدأت تحسّ بذلك الجو الخانق... وفى نفس هذا الوقت كانت تسمع عن مكسيموس ودوماديوس وعن ارسانيوس العظيم معلّم أركاديوس واونوريوس ولدى الملك ثيئودوسيوس كيف ترك هؤلاء وغيرهم أمجاد العالم ليعيشوا لله وحده... بدأت انستاسية – وقد نذرت بتوليتها للرب – تفكر فى الهرب من القسطنطينية، ولكنها كانت بحاجة إلى مرشد روحى حكيم... ووجدت هذا فى شخص القديس الأنبا ساويرس الانطاكى الذى أخذت تراسله ويرد عليها. وكان لرسائل أبلغ الأثر فى معاونتها.
تحينت الوقت المناسب وابحرت سراً من القسطنطينية وجاءت إلى الاسكندرية، ومضت إلى مكان قريب منها (الدخيلة) إلى دير الإناطون (التسعة أميال)، وكانت أديرة العذارى منتشرة غربى الاسكندرية. استقرت زمانا فى هذا الدير. لكن عَدوَ الأخير كان يلاحقها. فقد توفيت الملكة ثئيودورت سنة 548 وأصبح أمراً مشروعاً أن يتزوج بها جستنيان. لذا ضاعف اهتمامه بها وأخذ يبحث عنها فى كل مكان. واصدر أوامره بذلك. ولما علمت الفتاة بذلك وخشيت من العواقب قررت الذهاب إلى جبل شيهيت...
وفى احدى الليالى تركت الدير وتزّيت بزى الرجال وقطعت المسافات الشاسعة فى الصحراء دون خوف، بل كان قلبها مرفوعاً إلى الله... وظلت هكذا حتى وصلت إلى دير أبو مقار وهناك قابلت الأنبا دانيال أب البرية. كشفت له عن قصتها وظروفها وطلبت أن تعيش تحت إرشاده. ولما وقف على رغبتها الشديدة وروحانيتها وجهادها ونسكها، لم يسكنها داخل الدير، لكنه قادها إلى مغارة بعيدة فى البرية الداخلية وتبعد عن الدير ثمانية عشر ميلاً. وكان تلميذه يذهب إليها مرة كل أسبوع حاملاً لها ما تحتاجه دون أن يعرف شيئاً عن حقيقة أمرها، إنما كان يترك الأِشياء خارج مغارتها. وكانت تضع على باب مغارتها قطعة من الخزف تكتب عليها ما تحتاجه ليحملها التلميذ إلى الأنبا دانيال... وكانت ترى الأنبا دانيال مرة كل أسبوع فى يوم الأحد لتتناول من الأسرار المقدسة...
وفى احد الأيام – بعد 28 سنة – أحضر التلميذ قطعة من الخزف وكان مكتوباً عليها: [احضر الأدوات وتعال هنا إلىَّ]... وبعد أن قرأ أنبا دانيال ما هو مكتوب على قطعة الخزف علم أنها ستفارق العالم. بكى أنبا دانيال كثيراً وقال لتلميذه: [الويل للبرية الداخلية لأن عموداً عظيماً سيسقط فيها. هلم بنا لنلحق بالشيخ لننال بركته لأنه سائراً إلى الرب]... ولما وصلا إليها وجداها مريضة بحمى شديدة... وتبارك منها وطلب إليها أن تبارك تلميذه فصلّت له قائلة: [يا إلهى الذى وفّقت هذه الساعة لتطلقنى من هذا الجسد. الذى يعرف مقدار المسافات وكم تعب من أجل اسمك، أعطه روح آبائه، روح إيليا مع اليشع]... ثم أوصت أنبا دانيال من أجل الرب أن يدفنها فى القبر كما هى بملابسها... وطلبت التناول المقدس. فلما تناولت أشرق وجهها ورسمت على ذاتها علامة الصليب وهى تقول: [فى يديك يا رب اسلّم روحى]... فانتشر للوقت بخور ورائحة عطرة. وبكيا وحفرا قدام المغارة قبراً. وكانت تلبس ثوباً من ليف. وأمر أنبا دنيال تلميذه أن يلبسها الأكفان فوق ملابسها. ولكنه أبصر ثدييها – من شدة النسك – كورق الشجر اليابس. وكانت نياحتها سنة 576. وتعيد لها الكنيسة فى يوم 26 طوبة من كل عام.
القديسة أبولينر Apollinaire:
هى ابنة انثميوس Anthèmius الوصى على الامبراطور ثيئودوسيوس الصغير، وكانت معاصرة للقديس يوحنا ذهبى الفم. ولما بلغت سن الزواج أراد والداها تزويجها فرفضت بكل شدة وفى اصرار، واعلنت رغبتها فى البتولية ودخول أحد الأديرة... ودخل أبوها معها فى نقاش عنيف، فقالت له: [يا أبى لا تصرّ، لأنى لن أتزوج أبداً. وانى على يقين فى قرارة نفسى ان الله سوف يحفظنى فى البتولية دائماً. فحقق لى رغبة واحدة. ان ترسل إلى القصر عذراء مكرّسة للرب كل يوم لتعلمنى التراتيل وقراءة الكتب المقدسة].
ونستطيع أن نتصور مدى الصدمة التى صُدم بها الوالدان، اللذان كان يعشمان فى زوج مرموق لابنتهما... أخيراً سلّم الأب برغبتها واحضر لها فى القصر عذارى مكرسات ليعلّمنها الألحان والكتب المقدسة...
بعد مضى بعض الوقت أرادت أن تتحلل من هذا الوسط الملكى، وارادت أن تتعبد للرب فى البرية... فطلبت إلى والديها أن تزور الأراضى المقدسة فوافقا، وكان معها حاشية من سيدات فضليات ومن خدم القصر والحرس. وحضر القديس يوحنا ذهبى الفم لكى يباركها قبل سفرها. ثم ابحرت فى سفينة متجهة إلى فلسطين وقد كان مسلكها فى الرحلة متواضعاً فقد اعتذرت عن كل الدعوات من المسئولين والأساقفة، وأقامت فقط مع العذارى اللائى نذرن أنفسهن للرب...
وإذ كانت تنفذ خطتها بحكمة – وهى الانطلاق إلى برارى مصر، كانت كل فترة تقلل عدد حاشيتها بعد أن تغدق عليها الأموال... ثم طلبت أن تسافر إلى مصر لتزور قبر الشهيد مارمينا... قصدت الاسكندرية وبعد اقامتها بضعة أيام زارت خلالها الكنائس والأديرة وتوزع الصدقات على الكهنة، طلبت من سيدة عجوز تثق فيها، أن تشترى لها سراً ملابس راهب كاملة. ولما احضرتها قبلت كل قطعة منها ولفتها بعناية بالغة حتى لا يراها أحد.
وصلت إلى مكان مارمينا ودخلت الكنيسة بمفردها بعد أن أوصت من معها بألاَّ يكشفوا عن شخصيتها. وكرّمت جسد الشهيد مارمينا وتوسلت إليه أن يطلب إلى الله لها فيضاً من تلك الشجاعة التى جعلته يَسفك دمه من أجل المسيح، حتى تُقدم على ما فكرت فيه... عُرف أمرها وجاء الكهنة يرحبون بمقدمها وأن تقيم فى الدير، لكنها قالت لهم: [ليس لى مستقر سوى الكنيسة] وطلبت بركتهم وصلواتهم عنها... وهكذا ظلت ثلاثة أيام وثلاث ليال متواصلة تجثو على البلاط أمام رفات مارمينا، فاستجيبت صلواتها... وهنا طلبت من أمين الدير أن يجهز عربة لأنها تريد زيارة المتوحدين الأتقياء فى الاسقيط.
صلت إلى الله أن يعينها وفى الليل – حينما اطمأنت لنوم الجميع – خلعت ملابسها ولبست ثياب الراهب وتسللت على أطراف اصابعها واختفت سريعاً وسط نباتات المستنقع الذى كان هناك... ثم مكثت سنين طويلة فى مكان به نخله تكفى لامدادها بالزاد اللازم. وعندما خرجت من عزلتها كان جلدها خشناً متورماً من لدغات البعوض، وكان جسدها نحيلاً من فرط الأصوام. وفى رؤيا سمعت صوتاً يقول لها بوضوح: [إذا سُئلت عن اسمك فقولى بثبات دوروتى]... ووجه الروح القدس القديس مكاريوس إلى مكانها... ولما عرفته قدمت نفسها باسم دوروتى وطلبت إليه أن يسمح لها بالسكن فى الصحراء لتقتدى بالقديسين... فخصص لها الأنبا مقاريوس مغارة مهجورة على منحدرات نتريا... وهناك جاهدت ضد كل أنواع المحاربات المفزعة، وكانت لا تكلم أحداً وتغطى رأسها حين تذهب إلى الكنيسة...
قطعت ابولنير صلتها بالعالم كلية، وكانت تنمو فى الكمال يوماً فيوماً... نعود إلى انثميوس والدها، وكانت له ابنة أكبر من ابولنير بها روح نجس منذ صغرها... ساءت حالتها وكانت لا تكف عن الصراخ. وكان الروح الذى بها يقول: [إن لم تحملوها إلى برية الاسقيط فلن أتركها أبداً]... وكانت البرية بآبائها ذائعة الصيت، فاقتنع انثميوس بارسالها إلى مصر... ووصل الركب إلى الاسقيط وتقابلوا مع الأنبا مقاريوس. ولم علم بمطلوبهم خطر له خاطر أن يحمل هذه الفتاة إلى الأب دوروتى. وطلب إليها أن تصلى على هذه الفتاة المسكينة. وعبثاً حاولت الاعتذار... تعرفت على اختها وأخذت تذرف الدموع الغزيرة. وبصلاة دوروتى شفيت المريضة...
لكن ما لبثت الأميرة المريضة أن عاودها المرض ثانية، فطلب الامبراطور إلى آباء البرية أن يرسلوا إليه الأب الذى شفاها أولاص. والحّ الجميع عليها أن تذهب إلى القسطنطينية طاعة لأمر الامبراطور المؤمن... وهناك شفت أختها، ولم يتستطيع كتمان أمرها أكثر فكشفت نفسها وحقيقتها لوالديها. وبعدها استأذنت منها عادت إلى البرية ثانية... ولما شعرت بقرب نهايتها استدعت الأنبا مقاريوس واعلنت له انها ستنطلق من العالم، وطلبت إليه أن يدفنوها بملابسها كما هى... وذات يوم اعلم الله الأنبا مقاريوس بحقيقة هذه القديسة الناسكة، ووسط كل الآباء المتوحدين والألحان والمزامير أخرجوا جسدها ووضعوها باكرام شرقى الكنيسة فى مغارتها... وحدثت معجزات شفاء كثيرة من هذا الجسد.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- باقة من أبرار العهد القديم
- شخصية إبراهيم
- شخصية يوسف
- باقة من رسل المسيح وتلاميذهم
- يوحنا الرسول
- باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة
- شخصيات المدافعين عن الإيمان
- نماذج من المدافعين عن العقيدة
- باقة من الشهداء والمعترفين
- نماذج من الشهداء
- نماذج من المعترفين
- باقة من النُسَّاك والنَاسكَات
- باقة من أبرار علمانيين
- نماذج من أبرار علمانيين
- باقة من التائبين والتائبات
- نماذج من التائبين والتائبات