شخصية إبراهيم

شخصية إبراهيم

إن إبراهيم هو.

«أب لجميع الذين يؤمنون» (رو 4: 11)).

.. ونحن ندرس حياته لكى ما ندرس معاملات الله مع البشر، فكل ما كُتب كُتب لأجل تعليمنا (رو 15: 4)... وعلى الرغم من أن إبراهيم هوأعظم من رجل سجلت الأسفار المقدسة ترايخه، لكن لنذكر دائماً أن أمامنا من هو أعظم من إبراهيم، ذاك الذى قال عن نفسه: "قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" – ذاك الذى تهلل إبراهيم أن يرى يومه فرأى وفرح (يوحنا 8: 58، 56)... ولا عجب فالقديس بولس بعد أن سرد قائمة طويلة لأبرار العهد القديم فى الرسالة إلى العبرانيين كسحابة شهود استطرد يقول:

«ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمّله يسوع» (عب 12: 2)).

قصة إبراهيم مع الله:

تبدأ قصة إبراهيم حينما تراءى له إله الجد، وهو مازال بمدينة أور الكلدانيين... ويوضح ذلك الوحى الإلهى على فم استفانوس شهيد المسيحية الأول.

«ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فى ما بين النهرين قبل سكنه فى حاران. وقال له اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلّم إلى الأرض التى أريك. فخرج حينئذ من ارض الكلدانيين وسكن فى حاران. ومن هناك نقله (الله) بعد ما مات أبوه إلى هذه الأرض التى أنتم الآن ساكنون فيها» (أع 7: 2 - 4)).

إذن فلقد تلقى إبراهيم الدعوة بالخروج وهو مازال فى أور الكلدانيين... وكانت دعوة الله لإبراهيم هكذا.

«اذهب من أرضك، ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التى أريك. فأجعلك أمة عظيمة، وأباركك وأعظّم اسمك. وتكون بركة. وأبارك مباركيك ولاعنك العنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (تك12: 1 - 3)).

1 - فى الواقع يبدأ تاريخ إبراهيم

بظهور الله له. والحق أن القيمة الحقيقية فى حياة أى إنسان وتاريخه تبدأ بظهور الله فى حياته. فقد يعيش إنسان عشرات السنين دون أن يكون له اثر. ويظل شقياً وكمّاً مهملاً حتى يقبل دعوة الله ويحيا فى طاعته... والله فى أثناء ذلك يعرض عليه ذاته ويقول له كما قال لملاك كنيسة لاودكية "اشير عليك أن تشترى منى ذهباً مصفى بالنار لكى تستغنى، وثياباً بيضا لكى تلبس فلا يظهر خزى عريتك وكحّل عينيك بكحل لكى تبصر" (رؤ 3: 18).

2 - لنتأمل فى قول الله

لإبراهيم "وتكون بركة"... هنا نلاحظ ظاهرة عجيبة. فبعد أن كان الله يبارك البشر، أصبح هناك بشر يباركون البشر!!

3 - تأملات فى طاعة إبراهيم:

كانت طاعة إبراهيم لله فى أن يخرج من أرضه فما هى كلمة الله فى ذلك؟

● الواقع أن كل انذارات الله القديمة وقصاصاته (الطوفان – بلبلة الألسن فى موضوع برج بابل)، لم تُفلح فى حمل البشر أن يقلعوا عن الشر. لذا لم يكن هناك بدّ من أن يعزل الله فئة من البشر ليكونوا له. لهذا دعا إبراهيم أن يخرج من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه. فالجو الذى عاش فيه إبراهيم فى أور الكلدانيين كان موبوءاً بالوثنية ونجاساتها. كان هناك خوف على إبراهيم. فالإنسان بطبعه ضعيف ومعرض للسقوط. فداود سقط فى الزنا والقتل، وسليمان أحكم أهل زمانه عبد الأوثان بسبب زوجاته الأجنبيات اللائى أملن قلبه. وإبراهيم نفسه – وهو أب المؤمنين – ضعف إيمانه وشك فى قدرة الله على إعالته فى أرض كنعان لما حدثت مجاعة فنزل إلى مصر دون مشورة الله. ثم عاد وضعف إيمانه ثانية وشك فى قدرة الله أن يحفظه فى مصر، فكذب وقال عن زوجته سارة انها اخته خوفا من أن يقتله فرعون... من أجل هذا نفهم حكمة الرب فيما قاله على لسان إشعياء النبى:

«اعتزلوا اعتزلوا. اخرجوا من هناك. لا تمسّوا نجساً» (إش 52: 11)).

.. وبولس ردد نفس هذه الكلمات فى (2كو 6: 17). ويقول يوحنا فى رؤياه: "ثم سمعت صوتاً آخر من السماء قائلاً اخرجوا منها يا شعبى لئلا تشتركوا فى خطاياها ولئلا تأخوا من ضرباتها" (رؤ 18: 4).

● خرج إبراهيم من أور الكلدانيين طاعة لأمر الله، لكن أباه تارح والذين معه خرجوا معه على سبيل الصحبة بالنسبة لصلة القرابة... وهؤلاء كانوا ثقلاً على إبراهيم فى طريق الطاعة الكاملة. لكن ما أن وصلوا إلى حاران حتى حطّوا رحالهم ورفضوا الارتحال أكثر... ظل إبراهيم معهم فى حاران زماناً طويلاً لم يتمتع فيه بظهور الله له، ولم يتمكن من تنفيذ وصية الله له بالخروج، إلاّ بعد أن تخلص من هذه الروابط الجسدية التى ظلت معطلاً له عن السير فى طريق طاعة الله الكاملة (المجوس واختفاء النجم الذى كان يقودهم بعد دخولهم أورشليم).

4 - تارح والد إبراهيم يقود القافلة

(الجسد يتولى قيادة المؤمن).

« وأخذ تارح إبرام ابنه ولوطاً أبن هاران ابن أبنه وساراى كنته امرأة إبرام ابنه. فخرجوا معاً من أور الكدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان» (تك 11: 31)).

..

هنا يطهر تارح كما لو كان هو المدعو من الله ليخرج من أور إلى كنعان، بنيما الدعوة فى الواقع كانت لإبراهيم... ماذا كانت نتيجة قيادة تارح والسير وراءه وتحت قيادته سوى التوقف عن السير... إن تارح هنا هو صورة للجسد عندما يتولى قيادة الإنسان المؤمن. فقد كان تارح عابداً للأوثان (يش 24: 2). وقيادة الجسد للإنسان فى الأمور الروحية المتصلة بالله، لا يُجنى منها سوى التعثر فى الطريق إلى الله...

● كان أمر الله إلى إبراهيم أن يذهب إلى كنعان، أما هو فسكن فى حاران. لكن ما أن مات أبوه حتى اطاع وصية الرب... إن صلات الجسد وروابطه كثيراً ما تعوقنا فى اتمامنا لدعوة الله لنا، فنتقاعد عن الوصول إلى ما دعينا اليه ونرضى بما هو أقل منه!!... من الأهمية بمكان أن يعرف الإنسان حقيقة الدعوة التى دُعى إليها.

«اسألكم أنا الأسير فى الرب أن تسيروا (تسلكوا) كما يحق للدعوة التى دعيتم إليها» (أف 4: 1)).

..

«لذلك أنا أيضاً إذ قد سمعت بإيمانكم بالرب يسوع ومحبتكم نحو جميع القديسين، لا أزال شاكراً لأجلكم، ذاكراً إياكم فى صلواتى كى يعطيكم... ربنا يسوع المسيح... روح الحكمة والاعلان فى معرفته. مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته، وما هوغنى مجد ميراثه فى القديسين» (أف 1: 15 - 18)).

.. فجهلنا لدعوتنا وعدم ادراكها يترتب عليه تقصيرنا فى السلوك كما يحث لهذه الدعوة... علينا أن ندرك جميعاً أننا مدعوون للسماء. وأن وطننا ونصيبنا ورجاءنا جميعها فوق حيث المسيح... لكن بسبب جهلنا لهذه الحقيقة نطلب لأنفسنا اسما ونصيباً، ونكنز لنا كنوزاً فى العالم!!

إن دعوة إبراهيم هى مثال لدعوة الله للإنسان. فكما أن الموت وحده هو الذى هيأ لإبراهيم فرصة الانطلاق، كذلك فإننا بحاجة إلى الموت عن العالم حتى ما ننطلق نحو الله... فى حياة شعب الله كان عبورهم للبحر الأحمر هو نقطة الانطلاق نحو عبادة الله بحرية فى البرية – وعبور البحر الأحمر كان رمزاً للمعمودية (1كو 10: 1، 2)، التى هى رمز لموت المسيح ودفنه وقيامته (كو 2: 12؛ 3: 3)... والإنسان فى المعمودية يموت مع المسيح!!

● كان الدعوة إلى كنعان لكن إبراهيم تخلّف فى حاران... كثيراً ما تأتى معطلات فى حياة الإنسان أثناء سلوكه نحو أورشليم السماوية.. لننتبه ولنحترس!!

● لقد أطاع إبراهيم دعوة الله إليه "أخرج من أرضك..."، دون أن يعلم إلى أين يذهب (عب 11: 8). ولو فض أن سُئل "إلى أين أنت ذاهب يا إبراهيم؟"، ثم أجاب أنه لا يعلم، أفما كان يُعتبر مجنوناً.

«بمجد وهوان. بصيتٍ ردئ وصيت حسن. كمضِلّين ونحن صادقون. كمجهولين ونحن معروفون. كمائتين وها نحن نحيا» (2كو 6: 8).

، 9).

● كان أمر الله لإبراهيم أن يترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه... حسب الظاهر كان إبراهيم قد خسر أرضه وبيته وعشيرته والتمتع بالوجود معهم. لكن فى الواقع كان إبراهيم رابحاً. فالإنسان الخاطئ حينما يترك العالم وملذاته، ما هى خسارته وهو يربح المسيح "ما كان لى ربحاً، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل انى أحسب كل شئ أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى، الذى من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكى أربح المسيح وأوجد فيه" (فى 3: 7، 8).

أراد بطرس مرة أن يفتخر، فقال للرب يسوع: "ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك"، ظاناً أنه قد ضحىّ لأجل المسيح. لكن المسيح أجابه:

«ليس أحد ترك بيتاً أو أخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل، إلاَّ ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً واخوة واخوات وامهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات. وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية» (مر 10: 28 - 30)).

[الشاب الذى يترك رفيقاً شريراً – أو الأخت التى تترك عشرة شريرة من أجل خلاص النفس – الإنسان الذى يترك عملاً يدرّ عليه ربحاً وفيراً لكنه ربح غير مشروع... إن الله سيعوضه أضعاف ما يتركه!!].

●لابد من حدوث العوائق فى طريق الله. لا نتصور أن الطريق أمام المؤمن سهلاً.

● فى دعوة إبراهيم نرى الله يوضح الطريق الروحى الذى ينبغى أن يسلك فيه الإنسان أو ما يمكن أن نسميه طريق التكريس[3].

أولاً – يقول الله لإبراهيم "أخرج من أرضك" – هذه تشير إلى الزهد الخاص بالجسد. فيزهد الإنسان فى الثروة والممتلكات...

ثانياً – "من عشيرتك" – وهذه تشير إلى نبذ وترك اساليب السلوك القديم والرذائل الخاصة بالروح والجسد "اسمعى يا ابنتى وانظرى واميلى اذنكِ، وانسى شعبكِ وبيت أبيكِ" (مز 45).

ثالثاً – "أخرج... إلى الأرض التى أريك"... ما هى هذه الأرض؟ هى الأرض التى عناها المسيح بقوله:

«طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض» (مت 5: 5)).

.. "ثم رأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة. لأن السماء الأولى والأرض الأولى قد مضتا، والبحر لا يوجد فيما بعد" (رؤ 21: 1)... وهذا يؤكده كلام بولس الرسول عن إبراهيم فى العبرانيين.

«بالإيمان تغرّب... لأنه كان ينتظر المدينة التى لها الأساسات التى صانعها وبارئها الله» (عب 11: 9).

، 10).

إبراهيم بعد أن ترك حاران (12: 4 - 9):

"فذهب إبرام كما قال له الرب... خرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى أرض كنعان. واجتاز إبرام فى الأرض إلى مكان شكيم، إلى بولطة مُورة. وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض. وظهر الرب لإبرام وقال لنسلك أعطى هذه الأرض... فبنى هناك مذبحاً للرب، ودعا باسم الرب" (تك 12: 4 - 9).

● أول مكان بلغه إبراهيم بعد أن ترك حاران هو شكيم. ومعنى شكيم كتف وهى كناية عن قوة الله التى تحفظنا فى دائرة الإيمان... ثم جاء إلى بلوطة مورة، ومعناها تعليم. والتعليم والقوة يرتبطان ببعضهما. فالقوة الروحية تقودنا إلى قبول التعليم. والتعليم ينشئ فينا قوة روحية... هذه لفتة إلهية للطائعين!!

● أتى إبراهيم إلى شكيم، لكنه وجد الكنعانيين فى الأرض... كان وجود الكنعانيين هناك امتحاناً لقلب إبراهيم ومدى ثبات إيمانه. لقد أطاع الله لكنه وجد الكنعانيين. لكن لا ننسى أنه مع وجود الكنعانيين، فقد وجد إبراهيم الله هناك.

«ظهر الرب لإبرام» (تك 12: 7)).

.. حينما نطيع الله فهو يعطينا كل الضمانات للمحافظة علينا. فطالما الأمر قد صدر من الله، فلا ينبغى أن نخاف لأننا نتبع المسيح الذى انتصر، والذى به يعظم انتصارنا...

● إبراهيم بين الخيمة والمذبح...

لقد بنى إبراهيم مذبحاً بعد وصوله شكيم. ونبى مذبحاً ثانياً بين بيت إيل وعاى... عاش إبراهيم حياة الغربة فى خيمة متنقلة... والخيمة والمذبح صفتان امتاز بهما إبراهيم. فالخيمة تشير إلى حياة الغربة التى عاشها على الأرض، والمذبح يشير إلى حياة التعبّد والشكر لله. بالخيمة اعترف أن لا شئ له فى الأرض، وبالمذبح اعترف أن الله كان كل شئ له... ففى الوقت الذى لم يعطه الله فيه ميراثاً ولا وطأة قدم (أع 7: 5)، كان الله هو نصيبه وميراثه. وهذا وحده يكفى...

مصاعب فى طريق الله:

لابد وان توجد مصاعب فى طريق الله. ويخطئ من يظن أن الطريق مفروش بالورود والرياحين...

أ - الكنعانيون... لكن مع وجودهم، وجد إبراهيم الله هناك فتراءى له.

ب - جوع فى الأرض.

« وحدث جوع فى الأرض» (تك 12: 10)).

.. ماذا كان شعور إبراهيم لمّا حدث جوع ووجد الكنعانيين؟ هل ظن أنه لم يكن فى الطريق الحقيقية؟ كلا... لأن ذلك كان يعتبر حكماً بحسب العيان وليس بحسب الإيمان. لقد دُعى بولس الرسول إلى مكدونية – بعد رؤيا الرجل المكدونى "اعبر إلى مكدونية واعنا"، لكن أول ما صادفه فيها هو السجن فى فيلبى. فهل شك – كلا، بل كان وسط السجن يسبّح ويصلى (أع 16: 25).

ﺟ -.

« وحدث جوع فى الأرض، فانحدر إبراهيم إلى مصر ليتغرب هناك. لأن الجوع فى الأرض كان شديداً» (تك 12: 10)).

.. كان الجوع الشديد تجربة. وهنا نلاحظ أن التجربة تأتى أولاً من الجسد. فالجوع أمر يرتبط بالجسد. وبسبب هذا الجوع انحدر إبراهيم إلى مصر... نلاحظ كلمة "إنحدر"... هذا الجوع الشديد الذى كان سبباً فى انحدار إبراهيم إلى مصر. نقرأ عنه فى مثل الابن الضال انه كان سبباً فى عودة الابن الضال إلى أبيه!! وهكذا التربة الواحدة التى يسمح بها الله لامتحان البشر، يختلف تأثيرها تبعاً للإنسان!!

نزل إبراهيم إلى مصر دون اعلان أو مشورة من الله... هل فكرّ إبراهيم أن جوع كنعان أفضل من خيرات مصر؟.. ليس هذا ما اختبره موسى بعد ذلك "فقد حسب.

«عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة» (عب 11: 26)).

.. إن الفقر مع المسيح يعتبر غنى "عارا المسيح غنى"!!... هذا، ونلاحظ أن إبراهيم فى مصر عاش بدو مذبح – أى أنه فقد شركته مع الله... وهنا نذكر بالأسى والحزن الأشخاص الذين يخطئون خطأ شنيعاً بتصرفات مرة حينما يريدون أن يتخلصوا من الضيقة أو يهربوا من التجربة اللذين يلازمان طريق الله... كم من أناس باعوا المسيح براحة وقتية... إذا صادفتك تجربة فلا تسرع بالنزول إلى مصر، بل انتظر الله وحلوله حيث أنت، فتصبح التجربة لك – لا سبب عثرة – بل سبب بركة وتزكية.

د - إبراهيم وهو يقترب من مصر قال لسارة امرأته ان تقول انها اخته، لأنها كانت جميلة وخشى أن يأخذها المصريون منه... وليس هذا فحسب بل انه قال لها:

«قولى انك أختى ليكون لى خير بسببكِ وتحيا نفسى من أجلكِ» (تك 12: 13)).

.. عجيب هو ضعف إبراهيم فى إيمانه!! والنتيجة أن سارة اخذت إلى بيت فرعون فصنع إلى إبراهيم خيراً بسببها.. لقد استطاع إبراهيم أن يحصل على فرعون على "غنم وبقر وحمير وعبيد واماء وأتن وجمال" مقابل سارة... لكن ماذا كانت النتيجة لقد حُرم من سارة شريكة حياته!! لكن فرعون لم يمسس سارة، وضرب وبيته ضربات عظيمة حتى أطلقها...

ﻫ - هنا نرى الله يتدخل بقوته لينقذ إبراهيم – لا من فرعون – بل من ضعفه هو... يختفى الإنسان بضعف ليظهر الله بقوته. وهنا نرى أمانة الله وسهره على عبده الضعيف الفاشل. فترجع سارة إليه ويعود هو إلى مكانه بين بيت إيل وعاى حيث سكن أولاً، وبنى مذبحاً للرب...

هكذا يرد الرب إبراهيم إلى مركزه الأول بعد أن أصعده من مصر.

«إلى المكان الذى كانت خيمته فيه فى البداءة بين بيت إيل وعاى، إلى مكان المذبح الذى عمله هناك أولاً. ودعا هناك إبرام باسم الرب» (تك 13: 3).

، 4). إن هذا هو ما يفعله الرب مع الخاطئ، وما تفعله التوبة "وعندما سقط (الإنسان) بغواية العدو ومخالفة وصيتك المقدسة. وأردت أن تجدده وترده إلى رتبته الأولى" (القداس الغريغورى)...

ماذا تفعل التوبة؟ الابن الضال ألبس "الحلة الأولى". وبطرس لما تاب بعد الإنكار تسلّم رعاية الخراف الناطقة "ارع غنمى". واستطاع رغم انكاره الأول أن يقول:

«أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه» (أع 3: 14).

، 15)... ويقول داود.

«الرب يرعانى... يرد نفسى يهدينى إلى سبل البر من أجل اسمه» (مز 23: 3)).

النزاع بين إبراهيم ولوط:

● كان إبراهيم غنياً جداً فى المواشى والفضة والذهب... ولوط السائر مع إبراهيم كان له أيضاً غنم وبقر وخيام. ولم تحتملها الأرض أن يسكنا معاً. فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشى إبراهيم ورعاة مواشى لوط "(تك 13: 2 - 6)... الثروة بركة من الله، ان أحسن الإنسان استخدامها صارت نافعة له ولغيره وللكنيسة. لكن إن أساء استخدامها وتسلطت محبته على قلبه، صارت وبالاً عليه" وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون فى تجربة وفخ وشهوات كثيرة تُفرق الناس فى العطب والهلاك. لأن محبة المال أصل لكل الشرور والذى اذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإميان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة "(1تى 6: 9، 10).

"ولم تحتملين الأرض"... كلمة شديدة يقولها الكتاب. لما كان غناهما قليلاً وعائشين فى فقر كانت الأرض تسعهما. لك الآن كثرت الثروة، واصبحت الأرض لا تكفى فى المرعى فتنازعا على الأرض المخصبة. لم يتشاجرا فى الفقر إنما تشاجرا فى الغنى!!

ما أكثر المآسى التى يتسبب فيها المال... يفرّق بين الأخوة والآباء والأحباء. بل قد تحدث جرائم... كان منشأ النزاع بين إبراهيم ولوط هو المخاصمة بين رعاتهما. وكثيراً ما أدت المنازعات بين الصغار إلى تصادم الكبار. المنازعات البسيطة قد تقود أحياناً إلى جرائم...

شخصية لوط:

● كان لوط سائراً مع إبراهيم بتأثيره وقدرته أكثر من إيمانه الشخصى بالله... مجرد التقليد ضار. وكثيراً ما يحدث هذا فى حياة كثيرين من المترددين على الكنائس والمجتمعات الدينية!!... يؤيد هذه الفكرة ما ذكر عن لوط.

« ولوط السائر مع إبرام... » (تك 13: 5)).

.. فارق كبير بين الاثنين: إبراهيم كان سائراً مع الله، لكن لوطاً كان سائراً مع إبرام!! كانت دعوة الله لإبراهيم أن يترك عشيرته لكنه أخذ اقاربه معه. كان أبوه تارح معطلاً إلى أن مات وأراحه منه. أما لوط فتبعه إلى أن تغلبت عليه شهوات العالم فجذبته إليها. بعض من الذين خرجوا من مصر اشتهوا أكل اللحم (عدد 11: 4)، واشاعوا روح التذمر فى باقى الشعب. لوط فى سيره مع إبراهيم كان مجرد مقلّد، لذا كانت نهايته فى سهول سدوم.

● فى الظاهر كان سبب الفرقة بين لوط وإبراهيم هو ما حدث بين رعاتهما. لكن هذا مرد سبب ظاهرى. أما السبب الحقيقى فكان داخل قلب لوط... إن السبب الحقيقى فى سقوط الإنسان وانحرافه هو فى داخله. كان من السهل الفصل بين رعاة إبراهيم ولوط، لكن الخصام هو الذى أظهر فضيلة إبراهيم ومحبة لوط للعالم!!

قد تحدث عثرات وانقسامات فى الكنيسة مثلاً. يعثر البعض بسببها ويتركون طريق الله، بينما تكون هذه المشكلات عينها حافزاً للبعض الآخر على الالتجاء لله أكثر... السبب هو فى الإنسان نفسه.

● إن الطريقة التى أختار بها لوط المكان الذى يسكنه توضح لنا نفسيته من الداخل... "فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن أن جميعها سقى... كجنة الرب كأرض مصر. فاختار لوط لنفسه كل دائرة الأردن، وارتحل لوط شرقاً"... لقد أختار لوط سدوم. وكان ما جذبه هو خصوبتها بغض النظر عن أى اعتبار آخر... [الشباب الذين ينخدعون بالمظهر الخارجى فى الزواج أو الهجرة أو العمل فى الخارج أو الشهوة، وتكون النتيجة التعاسة!!].

«رفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن... قال الب لإبرام بعد اعتزال لوط عنه. ارفع عينيك وانظر من الموضع الذى أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً» (تك 13: 10).

، 14)... فرق كبير بين أن يرفع الإنسان عينيه لينظر ويختار، وبين أن يقول الرب لإنسان: "ارفع عينيك وانظر"... إن هذه العبارة مازال الله يرددها على سمعنا "ارفع عينك وانظر..." ونتساءل إلى أى شئ يا رب؟ فيجيبنا إلى الأرض الجديدة والسماء الجديدة التى يسكن فيها البر (2بط 3: 13).

● اسلوب إبراهيم فى حلّ المنازعة... "لا تكن مخاصمة بينى وبينك... لأننا نحن أخوان"... لقد فض إبراهيم المنازعة بدون محكمة أو الالتجاء إلى برانيين فى الظاهر كان لوط هو الرابع، لكن الواقع كان عكس ذلك. لقد فقد لوط روحياته وذهب وسكن بجوار سدوم وبعد ذلك دخل سدوم واختلط بأهلها وزوّج بناته منهم، ولم يقدر أن يرفع عينيه فيهم، ولم يستطع أن يبنى مذبحاً للرب فى سدوم، ولا أن يشهد للرب فيها. وكانت نفسه البارة تتعذب كل يوم بالنظر والسمع مع سيرة الأردياء (2بط 2: 8)... حتى بعد ذلك حين كان يكلمهم عن احتراق المدينة، كان "كمازح وسط اصهاره" وضحكوا عليه... لقد فقد هيبته ووقاره الروحى... ثم اذا بحرب كبيرة بين أربعة ملوك يُسبى فيها كل شعب سدوم، ويؤخذ لوط أسيراً هو وأسرته وكل أملاكه. وإبراهيم هو الذى فك أسره واسترد املاكه... كانت هذه نتيجة شهوة قلبه وعينه.

● حينما نقارن بين إبراهيم ولوط، نجد أن إبراهيم اختار له الله، أما لوط فاختار لنفسه. لوط أخذ النصيب الأكبر، وإبراهيم أخذ القفر والبرية المجدبة. لوط بحث عن المادة وإبراهيم بحث عن الله. لوط أخذ أرض العشب والمرعى وإبراهيم أخذ المذبح والخيمة. لوط فقد حريته الشخصية وكيانه الأول، بينما ظل إبراهيم محتفظاً بكيانه حراً لله. لوط جلب لنفسه الهوان والهزيمة، وإبراهيم هو الذى انقذه.

● كان أمر الله إلى إبراهيم أن يمشى فى الأرض طولاً وعرضاً (تك 13: 17)، ليعرف ما امتلكه بواسطة الله... إن الله يأمرنا أن ندرك ما لنا من بركاته.

« وأنتم متأصلون ومتأسسون فى المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة. لكى تمتلئوا إلى كل ملء الله» (أف 3: 18).

، 19).

●.

«فنقل إبرام خيامه، وأتى وأقام عند بلوطات ممرا التى فى حبرون. بنى هناك مذبحاً للرب» (تك 13: 18)).

لنتأمل البركات التى تضمنها نصيب إبراهيم من الله!!

ملاحظة: كلمة "لوط" تعنى (غطاء)، و "بلوطات ممرا" تعنى (دسم) و "حبرون" تعنى (شركة او عشرة).

● سبق أن ذكرنا أن لوطاً أخذ اسيراً هو واسرته، وكان ذلك أثناء أول حرب يذكرها الكتاب المقدس بين أربعة ملوك من منطقة ما بين النهرين، وخمسة ملوك من دائرة الأردن فى منطقة البحر الميت. وكانت النصرة فى هذه الحرب لملوك ما بين النهرين. ولما سمع إبراهيم أن لوطاً وأسرته أسروا، قام بعبيده وحارب الملوك الأربعة وهزمهم... وبطبيعة الحال كانت هذه هى قوة الله.

«هؤلاء بمركبات وهؤلاء بخيل ونحن باسم الرب إلهنا ننمو. هم عثروا وسقطوا ونحن قمنا واستقمنا» (مز 20: 6 - 8)).

بعد نصرة إبراهيم خرج ملك سدوم الذى هزم أولاً لاستقبال إبراهيم وعرض عليه أن يعطيه النفوس وأن يأخذ الغنائم المادية لنفسه... وهنا يظهر تعفف إبراهيم وروحانيته وشهامته "رفعت يدى إلى الرب الإله العلى ما لك السماء والأرض، لا آخزن لا خيطاً ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك. فلا تقول أنا اغنيت إبرام"... والحق أن إبراهيم فى هذه الحرب انتصر نصريتن: نصرة ضد الملوك والنصرة الثانية ضد مغريات العالم (الأسلاب والغنائم). ولعله لم ينل النصرة الأولى إلاَّ لأنه كان يقتنى الثانية.

ملكى صادق:

ملك ساليم كان كاهناً لله العلى فضلاً عن كونه ملك. ويذكر فى المزامير موضوع كهنوته (مز 110: 4) هناك آراء كثيرة بخصوص ملكى صادق وشخصيته. وعلى أى حال فهو شخصية رمزية ترمز للمسيح (عب 7: 1 - 3). تقابل إبراهيم مع ملكى صادق بعد رجوعه من الحرب وانتصاره. وهكذا يظهر لنا السيد الرب بعد أن نجاهد روحياً وننتصر بنعمته... إبراهيم قدم العشور من كل شئ لملكى صادق... والعشور ووجوبها وبركاتها مارسها الإنسان واختبرها قبل عصر الشريعة، وقبل أن يعطى الله وصية مكتوبة عنها.

إبراهيم بعد كسرة الملوك:

● قال الله فى رؤيا إلى إبراهيم.

«لا تخف يا إبرام. أنا ترس لك. اجرك كثير جداً» (تك 15: 1)).

وفى ترجمات أخرى – ومنها ترجمة القديس جيروم "أنا أجرك العظيم جداً" لكن متى صارت كلمات الرب هذه لإبراهيم؟ حينما رفض العالم، وتقدمات ملك سدوم الذى يشير إلى الشيطان رئيس هذا العالم... حينما نرفض العالم يكون الله ترس لنا، ويكون هو أجرنا العظيم جداً.

● فقال إبراهيم.

«أيها السيد الرب ماذا تعطينى وأنا ماض عقيماً، ومالك بيتى هو اليعازر الدمشقى... انك لم تعطنى نسلاً وهوذا ابن بيتى وارث لى» (تك 15: 2).

، 3)... كان كلام إبراهيم إبراهيم هذا لله رغم وعوده السابقة.

«اجعل نسلك كتراب الأرض. حتى إذا استطاع أحد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضاً يُعَدّ» (تك 13: 16).

أين ذهب إيمان إبراهيم؟ لعله نوع من القلق، والله يصنع أموره بطول أناة وحكمة. وهناك مثل آخر نجده فى (ص16)، فنرى سارة – نتيجة عدم صبرها – تدفع إبراهيم لأن يتزوج هاجر جاريته المصرية لينجب منها نسلاً. لكن الله يؤكد وعده لإبراهيم ويقول له: "لا يرثك هذا (اليعازر الدمشقى)، بل الذى يخرج من أحشائك هو يرثك. ثم أخرجه إلى خارج وقال:

«انظر إلى السماء وعدّ النجوم إن استطعت أن تعدّها. وقال له هكذا يكون نسلك. فآمن بالرب فحسبه له براً» (تك 15: 4 - 6)).

الله يدخل فى عهد مع إبراهيم:

فى (تك 15: 7، 8) نرى الله يؤكد وعده لإبراهيم "أنا الرب الذى أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها". فكان تعليق إبراهيم على ذلك "أيها السيد الرب بماذا أعلم أنى ارثها" - ليس هذا شكاً بل هو طلب إيضاح من الله على نحو ما فعلت العذراء مريم وسألت الملاك: "كيف يكون هذا لى"... هنا أمر الله إبراهيم.

«خذ لى عجلة ثلاثية، وعنزة ثلاثية، وكبشاً ثلاثياً، ويمامة وحمامة. فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط، وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه. وأما الطير فلم يشقّه» (تك 15: 9).

، 10)...

اعتاد القدماء فى بعض الأحيان أن يقطعوا عهودهم على ذبيحة يشقونها نصفين، ويجوز كل طرف بين الشقين دليلاً على تعهده بحفظ العهد، وانه يقبل أن يشقه الله – مثل هذه الذبائح – إذا خان ذلك العهد... وهكذا قطع الله عهده مع إبراهيم بهذه الصورة المألوفة... ويشير ارميا النبى إلى تلك العادة المألوفة فيقول:

«يقول الرب... وادفع الناس الذين تعهدوا عهدى، الذين لم يقيموا كلام العهد الذى قطعوه أمامى. العجل الذى قطعوه إلى اثنين، وجازوا بين قطعتيه. رؤساء يهوذا ورؤساء أورشليم الخصيان والكهنة وكل شعب الأرض الذين جازوا بين قطعتى العجل» (ارميا 34: 18).

، 19)... ونلاحظ هنا أن العجول والعنزة والكباش واليمام والحمام من الحيوانات التى كانت تقدم ذبائح فى العهد القديم... انظر:

العجول فى (تك 15: 9؛ عدد 19: 2؛ تث 21: 3؛ عب 9: 13.

العنزة فى (تك 15: 9؛ لا 4: 24؛ 16: 5؛ قض 13: 19؛ 2 أى 29: 23).

الكباش فى (تك 15: 9؛ 22: 13؛ خر 29: 15؛ لا 5: 15؛ عدد 5: 8).

اليمام فى (تك 15: 9؛ لا 1: 14؛ عدد 6: 10؛ لوقا 2: 24).

الحمام فى (تك 15: 9؛ لا 1: 14؛ 5: 7؛ 12: 8؛ 14: 22؛ لوقا 2: 24).

● كم سياق الكلام نرى أن أمر الذبائح الدموية كان أمراً معروفاً لإبراهيم، ولم يكن بحاجة إلى أن يعرفه الله بتفاصيله... كان أمراً معروفاً بالتقليد مثل موضوع العشور.

● اختبار ثلاثة حيوانات وتكون ثلاثية (عمرها 3 سنوات)، حتى ما تكون كاملة النمو. فإن هذا أمر يليق بالله الكامل. كما يشير إلى كمال العهد واهميته... وهو يشير أيضاً من طرف خفى إلى الثالوث القدوس. أما ابقاء الحمامة واليمامة بدون شقّ فربما إشارة إلى طرفى الميثاق.

● نلاحظ اهمية الدم فى العهد الذى قطعه الله مع إبراهيم... فحينما سأل إبراهيم الله عن الأرض "بماذا أعلم انى أرثها"، كان أمر الله له بهذه الذبائح. وهكذا نفهم أننا نرث الأرض الجديدة التى يسكن فيها البرّ عن طريق الدم والذبيحة (المسيح).

● كانت الطيور الجارحة تنزل على جثث الذبائح، لكن إبراهيم كان يزجرها (تك 15: 11). وهى بحسب تفسير الآباء والمعلمين تشير إلى الشياطين. وهكذا ينبغى أن نحفظ الذبائح الروحية التى نقدمها لله من أقتراب الشياطين منها، ومن الأفكار الشريرة التى تهاجمنا.

نسل إبراهيم:

● أورد الرب تشبيهين لنسل إبراهيم: الأول فى (تك 13: 16) "وأجعل نسلك كتراب الأرض حتى إذا استطاع أحد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضاً يُعدّ"... والثانى فى (تك 15: 5) "ثم أخرجه إلى خارج وقال أنظر إلى السماء وعدّ النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له هكذا يكون نسلك"... التشبيهان هم تراب الأرض، ونجوم السماء... أبناء إبراهيم حسب الجسد كتراب الأرض، لكن نسله الروحى كنجوم السماء. ليسوا فقط عديدين بل ممجدين ومضيئين ومرتفعين كنجوم السماء... يقول بولس الرسول:

«كان لإبراهيم ابنان، واحد من الجارية والآخر من الحرّة. لكن الذى من الجارية ولد حسب الجسد، وأما الذى من الحرّة فبالموعد» (غل 4: 22).

، 23)... وعن أبناء إبراهيم بالموعد يقول:

«لهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد، ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد، الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين» (رو 9: 4).

، 5).

الله يُنبئ إبراهيم بما سيحلّ بنسله:

● وبعد العهد الذى قطعه الله مع إبراهيم قال له فى حلم:

«اعلم يقيناً أن نسلك سيكون غريباً فى أرض ليست لهم ويُستعبدون لهم. فيذلونهم اربعمائة سنة... وبعد ذلك يخرجون بأملاك جزيلة» (تك 15: 13).

، 14)... وهذا إشارة إلى غربة نسله فى مصر، ونلاحظ أن حقيقة المدة التى استعبد الشعب فيها فى مصر هى 430 سنة وليس 400 (خر 12: 40؛ غل 3: 17). وذكرت هنا المئات وتركت السنوات من باب التقريب.

● ونلاحظ أن الله تحدث أولاً عن الضيقة ثم بعدها عن الفرج – التعب ثم الراحة، الاذلال والسلب ثم الحرية والامتلاك... وهذا هو طريق الله: نتألم اولاً ثم نملك. العبودية أولاً ثم الحرية – أى عبودية الخطية ثم حرية مجد أولاد الله... سيكون نسله غريباً ثم بعد فترة غربة يمتلكون الأرض – هكذا ورثة الملكوت يجب أن يعيشوا فى غربة أولاً ثم يمتلكون السماء...

● وبعد ان تحدث الرب عن غربة نسل إبراهيم واستعبادهم وإذلالهم يقول:

«ثم الأمة التى يستعبدون لها أنا أدينها» (تك 15: 14)).

.. وهنا نرى نعمة الله لأولاده:

كأفراد...

«لى النقمة أنا أجازى يقول الرب» (رو 12: 19).

؛ عب 10: 30)...

«إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً. وإياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء» (2تس 1: 6).

، 7).

ككنيسة... والأمثلة على ذلك لا تُحصى. كيف أن الله ينتقم من الذين يضطهدون الكنيسة، حتى أن أحد المدافعين المسيحيين ويدعى لكتانتيوس، وكان معاصراً لدقلديانوس واضطهاده (وكان وثنياً وآمن بالمسيح – كان فيلسوفاً واستاذاً للبلاغة، واشتهر بتنوّع معارفه ورقة أسلوبه حتى دعاه معاصروه شيشيرون المسيحى). كتب لكتانتيوس هذا كتاباً بعد موت دقلديانوس أسماه "موت المضطهدين" أو "الطريقة التى مات بها المُضطهدُون". استعرض ما انتهى إليه مضطهدو الكنيسة... وجاء فى صدر كتابه:

[والآن، لقد أقام الله – سامع الدعاء، بمعونته الإلهية – خدامه المنطرحين والمتضايقين أقامهم من الحضيض، مع نهاية لكل مكايد الأشرار، وكفكف دموع النائحين. أما الذين جدفوا على اللاهوت، فقد طرحهم إلى أسفل. والذين هدموا الهيكل المقدس، سقطوا سقوطاً شنيعاً. والذين عذبوا الأبرار، ماتوا وسط الضربات الإلهية بعذابات يستحقونها. فالله قد تأنىّ فى عقابهم حتى – بالنموذجات العظيمة والعجيبة – يُعلّم نسلهم، أنه وحده هو الله. وأنه بالنقمة المناسبة، ينفّذ قضاءه على المستكبرين الكافرين المضطهدين].

● ويضيف الله فى كلامه لإبراهيم عن نسله الذى يتغرب 400 سنة.

« وفى الجيل الرابع يرجعون إلى ههنا» (تك 15: 16)).

.. إن شعب الله – من ناحية – هو رمز للمسيح.

«هكذا يقول الرب إسرائيل ابنى البكر» (خر 4: 22).

والمسيح ظل متغرباً فى عالمنا 33 سنة = 400 شهراً. ومن ناحية أخرى، فإن أورشليم الأرضية هى رمز لأورشليم السمائية. ويرى الآباء – فيما يختص بالأربعة أجيال التى أشار إليها الله – أن الجيل الأول هو عصر ما قبل الناموس، والجيل الثانى هو عصر الناموس (الشريعة)، والجيل الثالث هو عصر الأنبياء، والجيل الرابع هو عصر السيد المسيح. وحينما يقول: "وفى الجيل الرابع يرجعون إلى ههنا"، يعنى أن الجنس البشرى – الذى يرمز إليه نسل إبراهيم – يرجع إلى السماء بالمسيح وفى عصره.

الرؤيا التى رآها إبراهيم:

بعد الكلام السابق عن غربة الشعب 400 سنة، يقول الكتاب المقدس:

«ثم غابت الشمس فصارت العتمة. وإذا تنوّر دخان، ومصباح نار (متّقد) يجوز بين تلك القطع» (تك 15: 17)).

..

● إبراهيم ظل فى حالة إنتظار لله طوال اليوم حتى مغيب الشمس... ربما تسرب إليه اليأس أن الله – بانقضاء اليوم – لن يأتى إليه... لكن مع مغيب الشمس، ومع الظلام، يأتى الله... فى الهزيع الأخير، وسط الظلمة يأتى الله فيصير نور... المؤمنون عليهم أن ينتظروا، ويكونون فى حالة انتظار دائماً.

● الرب وحده – فى صورة تنور دخان ومصباح نار متّقد – هو الذى جاز بين القطع دون إبراهيم. وهذا يدل على أن الميثاق كان انعاماً من جانب الله نحو الإنسان الضعيف. ومصالحتنا مع الله بموت المسيح، كانت على هذا النحو من طرف واحد، وانعاماً منه. فإلى آخر لحظة – حتى الصليب – كان البشر يضمرون له العداوة "اصلبه اصلبه".

● تنوّر الدخان يشير إلى ما سيحلّ بنسل إبراهيم من اضطهادات فى مصر. وهكذا يقول موسى النبى:

« وأنتم قد أخذكم الرب واخرجكم من كور الحديد من مصر لكى تكونوا له شعب ميراث» (تث 4: 20)).

ويقول الله بفم إشعياء النبى:

«هأنذا قد نقيتُكَ وليس بفضة. أخترتُك فى كور المشقة» (إش 48: 10).

وكأنى بنسل إبراهيم وهم وسط الضيقات كأنهم فى الدخان الذى يضايق التنفس ويُدمع العيون، بل ويجعل الجو قاتماً، حتى أنهم ما كانوا يرون نهاية لمتاعبهم... لقد كانت الظلمة تلّفهم!!

● أما "مصباح النار المتقد"، فيشير إلى وجود الله وتعزيته لهم فى الضيقات. فالله تجلّى فى العليقة بشبه النار (خر 3)، ورأى شعبه مجده فى هيئة عمود سحاب وعمود نار (خر 14: 24). وعموماً فإنه كما هو مكتوب ان إلهنا نار آكلة (عب 12: 29).

هاجر الجارية والزوجة:

فى الأصحاح الخامس عشر من سفر التكوين – وهو الذى كنا نتكلم عن أحداثه – نرى إبراهيم يظهر إيماناً. لكنه فى الأصحاح التالى – السادس عشر – نراه لا يظهر صبراً... لكن تحقيق الإيمان يحتاج إلى الصبر.

«متمثلين بالذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد» (عب 6: 12)).

.. إن الله يعطى الوعد، والإيمان يقبله، والرجاء يتوقعه، والصبر ينتظره بسكوت!!

● لإبراهيم بعض العذر لأنه قبل الزواج بهاجر، لكنه بلا أدنى شك كان مخطئاً... فالسيد المسيح يقول للفريسيين فى جوابه الخاص بالطلاق:

«من البدء لم يكن هكذا» (مت 19: 8)).

.. ففكرة الله الأولى هى الزوجة الواحدة... فى بدء الخليقة لم يخلق الله لآدم سوى زوجة واحدة، على الرغم من انه كان يريدهم أن "يثمروا ويكثروا ويملأوا الأرض"... يقول العلامة ترتليانوس فى كتابه "الحث على العفة": [إن أصل الجنس البشرى يمدنا بفكرة عن وحدة الزواج. فقد وضع الله فى البدء مثلاً تحتذيه الأجيال المقبلة، إذ خلق امرأة واحدة للرجل، على الرغم من أن المادة لم تكن تنقصه لصنع أخريات، ولا كانت تعوزة القدرة]!! وحينما تم الجمع بأكثر من زيجة واحدة كانت نتيجة رغبة الاكثار من النسل. لكن تعدد الزوجات كان امراً شاذاً.

● سبب زواج إبراهيم بهاجر كانت سارة... ونلاحظ:

+ أن سارة هى التى اضعفت إيمان إبراهيم بعد أن "آمن بالرب فحسبه له براً".

+ خطة الشيطان أن يستخدم أقرب الناس وأكثرهم مودة لدينا فى تجربتنا وأضعافنا... وهنا تصبح التجربة فى غاية الخطورة، لأن الإنسان لا يتطرق إليه الشك بالنسبة لقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه. وهكذا كانت سارة بالنسبة لإبراهيم.

+ "سمع إبراهيم لقول ساراى" – خطورة الاستماع بدون تعقل... وكم من مشاكل جرها أحد الزوجين بسبب كونه سماعاً للطرف الآخر أو إلى أناس من الخارج. وكم من بيوت خربت بسبب ذلك.

+ خطة سارة فى اقناع إبراهيم زوجها، هى اقناعه بأن الأمر من الله.

«هوذا الرب قد امسكنى عن الولادة» (تك 16: 2).

– اليست نسبة بعض الأمور لله هى خطة إبليس فى بعض الأحيان، على نحو ما فعل مع حواء، وأيضاً مع الرب يسوع فى تجربته؟!!

سارة والشيخوخة:

● هناك الإيمان والعيان... العيان هو المقياس المادى. كالشيخوخة مثلاً فى حالة الانجاب. هكذا نظرت سارة. ولذا دفعت جاريتها هاجر إلى حضن زوجها!! ومن هذا المنطلق قالت سارة للرب – فى صورة الثلاثة رجال: "أبعد فنائى يكون لى تنعّم"... وهكذا قال زكريا الكاهن للملاك:

«كيف أعلم هذا لأنى شيخ وامرأتى متقدمة فى أيامها» (لو 1: 18)).

.. لكن الأمر، ليس هل يستطيع الإنسان أم لا يستطيع، بل "هل يستطيع الله أم لا يستطيع"!!... وقف شاول الملك – وقت محنة جليات الجبار، ونظر إلى داود ثم إلى الفلسطينى وقال لداود: "لا تستطيع أن تذهب إلى هذا الفلسطينى لتحاربه لأنك غلام وهو رجل حرب منذ صباه". لكن المسألة بالنسبة لداود لم تكن هكذا، بل إن هذا الفلسطينى "عبّر صفوف الله الحى... الرب ينقذنى من هذا الفلسطينى". وكان كلام داود لجليات العملاق: "أنت تأتى إلىَّ بسيف وبرمح وبترس. وأنا آتى إليك باسم رب الجنود" (1صم 17).

● حكمة الله من غلق الاحشاء وتأخير الاستجابة: أمامنا عدة أمثلة على ذلك: سارة أنجبت إسحق الذى من نسله تباركت كل أمم الأرض (المسيح). حنة أم صموئيل، حتى أنها بعد أن رزقت به قالت مترنمة.

«العاقر ولدت سبعة، وكثيرة البنين ذبلت» (1صم 2: 5)).

اليصابات العاقر ولدت أعظم مواليد النساء يوحنا المعمدان!!... إن حكمة الله هى فى أنه يعطى بصورة أفضل. إن التأخير فى صالح الإنسان من وجوه كثيرة ومنها التدرّب على الفضيلة. ولذا يقول فى العبرانيين:

«متمثلين بالذين بالإيمان والأناة يرثون المواعيد» (عب 6: 12)).

.. يقول مار إسحق من كبار المتوحدين: [إذا أنت طلبت ولم تأخذ، فلست أحكم من الله].

إبراهيم وهاجر وسارة:

● كانت زيجة إبراهيم بهاجر زيجة غير متكافئة. فإبراهيم كان غنياً جداً، وهاجر كانت جارية (كلمة هاجر معناها هروب).

● كان للزوجة أن تهب جاريتها لزوجها لتكون له زوجة فى المرتبة الثانية. وكان نسل الجارية يُحسب لمولاتها، حيث أن الأمَة وكل ما لها يعتبر ملكاً لسيدتها.

● أظهرت هاجر الجارية كبرياء... نسيت نفسها ووضعها كأمة، وصغرت مولاتها سارة فى عينيها. ما أعجب كلمات المرتل: "إليك رفعت عينى يا ساكن السماء، فهاهما مثل عيون العبيد إلى أيدى مواليهم، مثل عينى الأمة إلى يدىّ سيدتها"!! الإنسان الذى يرفعه الله من المذلّة، وبعد ذلك يتنكر لماضيه ويستعلى على من كانوا سبب نعمته!!

● كانت نتيجة تعالى هاجر أن "أذلتها ساراى فهربت من وجهها"... لكن ملاك الرب ظهر له على عين ماء فى البرية وأمرها أن ترجع إلى مولاتها وتخضع لها... إن هروب هاجر كان عملاً خاطئاً لذا أمرها ملاك الرب بالعودة إلى مولاتها والخضوع لها... ونلاحظ أن الملاك حين ناداها قال لها: "يا هاجر جارية ساراى". انه يذكرها بوضعها انها جارية سارة. ليس معنى أنها تزوجت من إبراهيم أن تتعالى. وحين أمرها الملاك أن ترجع، لم يأمرها بالرجوع إلى بيت سارة، بل قال لها: "ارجعى إلى مولاتكِ واخضعى تحت يديها"!!

هاجر وسارة يمثلان العهدين القديم والجديد:

فى رسالته الأولى إلى غلاطية يوضح القديس بولس أن هاجر كانت ترمز إلى عهد الناموس (عهد الأعمال) بينما سارة ترمز إلى عهد النعمة... يقول:

«فإنه مكتوب انه كان لإبراهيم ابنان. واحد من الجارية والآخر من الحرّة. لكن الذى من الجارية ولد حسب الجسد. وأما الذى من الحرّة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذى هو هاجر، لأن هاجر جبل سيناء فى العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التى هى أمنا جميعاً فهى حرة. لأنه مكتوب افرحى أيتها العاقر التى لم تلد. اهتفى واصرخى أيتها التى لم تتمخض. فإن أولاد الموحشة أكثر من التى لها زوج. وأما نحن أيها الأخوة فنظير إسحق أولاد الموعد... إذاً أيها الأخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد الحرّة» (غل 4: 22 - 31)).

عهد الناموس وعهد النعمة:

● على نحو ما خلق الله الإنسان من عنصرين جسدانى وروحانى، وعلى نحو ما دبرّ الحياة الدنيا والحياة الآخرة (الأبدية): الحياة الدنيا يحيا فيها الإنسان بالجسد، والحياة الأخرى يحيا فيها بالروح.

«ليس الروحانى أولاً بل الجسدانى وبعد ذلك الروحانى» (1كو 15: 46)).

كذلك يوجد عهدان وشريعتان: عهد الناموس أو الأعمال الجسدية، وعهد النعمة أو الحياة بحسب الروح...

● شريعة العهد القديم تأمر بأوامر جسدانية وتعد بمواعيد جسدانية. وهذا يشابه الميلاد الجسدانى الذى صار من هاجر... إنها تغفر الخطايا بذبائح دموية، وعلامة العهد هى الختان الجسدى، ومواعيدها جسدية "أرض تفيض لبناً وعسلاً". لكن شريعة العهد الجديد كلها روحانية على مثال سارة التى لم تلد إسحق كالولادة الجسدية المعروفة. فقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء (تك 18: 11). بل أكثر من هذا فمنذ البداية كانت سارة عاقراً، وبلغت التسعين من عمرها، بينما كان إبراهيم فى سن المائة. وعلى ذلك فلم تكن ولادتها لإسحق بالعادة شأن بقية النساء بل بوعد الله.

● على هذا النحو كانت الأمم الوثنية عاقرة وغير مثمرة. لكن ما أن دخلوا فى شريعة الإنجيل وآمنوا بالمسيح حتى أثمروا كثيراً. وكان هذا بالوعد "اذهبوا إلى العالم أجمع، اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها".

● كانت ولادة ابن هاجر نتيجة لنشاط الجسد، بينما كانت ولادة إسحق بقوة الله.

● فى ولادة إبن هاجر كان الإنسان هو العامل، أما فى ولادة اسحق فكان الله هو العامل، إذ لم يكن فى قدرة الإنسان أن يعمل شيئاً.

● بحسب الناموس ينظر الله ماذا يستطيع الإنسان أن يعمل، ولكن بحسب النعمة يقف الإنسان لينظر ما عمله الله وما يعمله من خلال التجسد والفداء.

● العهد القديم – هاجر – يشير إلى الفرائض الجسدية... وسارة فى نصيحتها لإبراهيم أن يأخذ الجارية، إنما يمثل الالتجاء إلى الطبيعة التى تجد فى اللحم والدم ما يريحها ويلذ لها.

عهد الله مع إبراهيم بولادة إسحق:

ولد إسماعيل لإبراهيم وهو فى سن السادسة والثمانين، وبعدها بثلاثة عشر عاماً، ظهر الرب له وقال:

«أنا الله القدير. سر أمامى وكن كاملاً، فأجعل عهدى بينى وبينك أكثرك كثيراً جداً» (تك 17: 2)).

هذا الكلام "كن كاملاً"، يعنى ضمنياً أن الله يسمح بالضيفة من أجل تكميل الإنسان. ما أروع ما قاله بولس الرسول فى هذا الصدد.

«يُكمل رئيس خلاصهم بالآلام» (عب 2: 10)).

أما الوعد فكان "وأعطى لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكاً أبدياً" (17: 8) ما معنى كلمة ملكاً أبدياً؟ كلمة "إلى الأبد" أو "أبدياً" لها فى الكتاب المقدس معنيان:

المعنى الأول: ويفيد الزمن الانهائى، وهذا يختص بالأمور العتيدة.

والمعنى الثانى: ويفيد مدة محدودة من الزمن يغلب أن تكون طويلة نسبياً، مثال ذلك قول الكتاب عن العبد الذى يجب أن يبقى فى خدمة سيده بعد سنى الإبراء.

«... فيخدمه إلى الأبد» (خر 21: 6).

أى مدى حياته. وقول حنة عن صموئيل:

«متى فُطم الصبى آتى به ليتراءى أمام الرب ويقيم هناك إلى الأبد» (1صم 1: 22).

أى مدى حياته. وفى (تك 14: 15) حينما يقول الله لإبراهيم: "لأن جميع الأرض التى أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد"، إنما مدة بقاء الشعب القديم كشعب خاص لله. وقد انتهى هذا بمجئ المسيح ورفضهم الإيمان به رباً وإلهاً ومخلصاً.

والموعد بتمليك الأرض إنما يشير روحياً إلى الميراث السماوى للمؤمنين من جميع الشعوب – فليس شئ أبدى إلاَّ ما هو روحى...

هنا نرى أن الله يغير إسم إبرام (أب عظيم) إلى إبراهيم (أب لجمهور كبير)، ويغير اسم ساراى (اميرتى) إلى سارة (أميرة) (تك 17: 5، 15)... لقد صار إسم إبرام إبراهيم أى أب لجمهور كبير بالإيمان وليس من جهة الجسد. وتغيير اسم سارة فإنه مناسب جداً، فهى لم تعد تنتسب لإبراهيم وحده (اميرتى – ياء الملكية للمتكلم)، بل سنتسب إليها جميع الذين يرثون إيمان إبراهيم.

الختان علامة العهد:

● كان الختان قاصراً على الذكور، ومع ذلك فالاناث اعتبرن من نسل إبراهيم مشتركات فى العهد المقدس باعتبار أن الرجل رأس المرأة... وكان العبيد – سواء المولودين فى البيت أو المبتاعين بالفضة – وبذا اعتبروا روحياً من أولاد إبراهيم – وقول الله عن العهد الذى بالختان انه عهد أبدى (تك 17: 13)، فذلك يعنى انه لمدة طويلة لحين ابطاله بعهد آخر فى المسيح...

● لكن ما هو الختان؟... الختان الجسدى رمز للمعمودية من ناحية، وهو تعبير عن الختان الروحى. وهو كما عبّر بولس عنه أنه ختم لبرّ الإيمان (رو 4: 7). وفكرة الختان الروحية موجودة منذ القديم.

«فاختنوا غرلة قلوبكم، ولا تصلّبوا رقابكم بعد» (تث 10: 16)).

نفس المعنى أورده بولس الرسول.

«لأن اليهودى فى الظاهر ليس هو يهودياً، ولا الختان الذى فى الظاهر فى اللحم ختاناً. بل اليهودى فى الخفاء هو اليهودى. وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان» (رو 2: 28).

، 29).

كان الختان رمزاً للمعمودية. ولما كان الرمز يبطل بحلول المرموز إليه، فقد بطل الختان فى المسيحية.

«لأنه فى المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الإيمان العامل بالمحبة» (غل 5: 6)).

.. أما كونه رمزاً للمعمودية فهذا واضح من كلام بولس الرسول:

«انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس، حسب أركان العالم، وليس حسب المسيح... به أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح. مدفونين معه فى المعمودية التى أقمتم أيضاً معه... » (كو 2: 8).

: 12).

أما عن أوجه الشبه بين الختان والمعمودية، فإن الختان علامة للتمييز بين شعب الله من ابناء إبراهيم والأمم الوثنية. وهكذا المعمودية تميّز أولاد الله من غيرهم... والختان كان عهد دم (يقطع جزء من الجسم ويسيل الدم)، والعهد الجديد بالدم... الختان يرمز إلى موت الجسد أو جزء منه، وكذلك المعمودية هى موت مع المسيح... جاءت ولادة إسحق بعد ختان إبراهيم، والختان رمز للمعمودية، وهكذا يتضح الرمز أن النفس البشرية لا تثمر إلاَّ بالمعمودية التى هى مثال لموتنا مع المسيح...

ظهور الله لإبراهيم عند بلوطات ممرا:

« وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس فى باب الخيمة وقت حرّ النهار. فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض» (تك 18: 1).

، 2) وبلوطات ممرا هذه كانت فى حبرون (تك 13: 18)...

هناك ثلاثة آراء بخصوص الرجال الثلاثة الذين استقبلهم إبراهيم:

بعض الآباء يرون أن الله الواحد المثلث الأقانيم ظهر فى هيئة ثلاث رجال. وحينما كان يسجد إبراهيم، كان يسجد للثلاثة أقانيم. وعند التخاطب كان بصفة المفرد إشارة إلى وحدانية الله المثلث الأقانيم.

والبعض يرى أنهم كانوا مجرد ثلاثة ملائكة، ودعى اسم الرب على أحدهم لكونه نائباً وممثلاً له.

والرأى الأرجح أن "الرب" هنا هو الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس، ظهر بصورة إنسان تدبيرياً لكى يهئ عقول البشر لسرّ التجسد. أما الاثنان اللذان معه فكانا ملاكين ظهرا معه لتنفيذ مقاصده فى سدوم وعمورة بعد هذه الزيارة... هذا الرأى كان اعتقاد الكنيسة الأولى... يرجح هذا الرأى ما جاء فى (تك 18: 22) "وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم. وأما إبراهيم فكان لم يزل قائماً أمام الرب". وفى (تك 19: 1) يقول: "فجاء الملاكان إلى سدوم"... وفى كلام الرب بخصوص سارة ما يوضح ذلك (تك 18: 13، 14).

● ومن الأمور التى نلاحظها فى زيارة الثلاثة رجال كرم إبراهيم وحسن ضايفته... كانت الضيافة عبارة عن عجل رخص وثلاثة كيلات دقيق وزبد ولبن. كل هذا يسميه إبراهيم "كسرة خبز فتسندون قلوبكم". وقد أشار بولس إلى هذه الضيافة:

«لا تنسوا اضافة الغرباء لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون» (عب 13: 1)).

● فى هذه الزيارة أعطى الله وعدا نهائياً لسارة بأن تنجب ابناً "إنى أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة إمرأتك ابن"... ضحكت سارة فى قلبها. لقد أخطأت سارة عدة أخطاء منها طردها لهاجر، ولومها لإبراهيم بدون مبرر، وعدم إيمانها أن يكون لها ابن. ومع ذلك لما ضحكت لم يمنع الله عنها النسل. فالله فى عطاياه بلا ندامة. ولا يعطى بناء على استحقاق الإنسان، وإنما يعطى بناءً عن غناه فى العطاء والمجد... وقد عادت سارة وآمنت.

«بالإيمان سارة نفسها أيضاً أخذت قدرة على انشاء نسل وبعد وقت السن ولدت، إذ حسبت الذى وعد صادقاً» (عب 11: 11)).

● بعد انتهاء الزيارة بدأ الله يتحدث مع إبراهيم عما هو عتيد أن يفعله بسدوم... ونتعجب فى الطريقة التى كلم بها الله إبراهيم:

«هل اخفى عن إبراهيم ما أنا فاعله» (تك 18: 17)).

.. وهنا تبدأ شفاعة إبراهيم فى سدوم.

«افتهلك البار مع الاثيم» (تك 18: 23)).

.. وقبل الله شفاعة إبراهيم وظل عدد الأبرار يتناقص حتى لم يوجد فى المدينة عشرة أبرار يصفح الله بسببهم ومن أجلهم فى المدينة (تك 18: 24 - 32). إن هذا يظهر مكانه أولا الله فى نظره. يقول داود:

«سرّ الرب لخائفيه» (مز 25: 14)).

.. ولدينا فى الكتاب المقدس قصة إيليا النبى الذى بصلاته أغلق السماء مدة ثلاث سنين ونصف وبصلاته فتحها (1مل 17، 18).

إبراهيم وأبيمالك ملك جرار:

بعد ذلك تغرّب إبراهيم فى جَرار. وقال إبراهيم عن سارة امرأته أنها أخته. فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة (تك 20: 1، 2)... لقد كذب إبراهيم وهى نقطة ضعف فى حياته. أخطأ بها هنا فى جرار وأخطأ فى مصر أيضاً... إبراهيم خاف أن يأخذوا منه سارة وعمرها 90 سنة!! وفى تعليله لكذبه قال إبراهيم انى قلت:

«ليس فى هذا الموضع خوف الله البتة فيقتلوننى لأجل امرأتى» (تك 20: 11)).

والسؤال إذا كان إبراهيم يعلم أن هذا المكان ليس فيه خوف الله فلماذا ذهب إليه؟ وجاء الله فى حلم إلى أبيمالك وهدده بالموت من أجل سارة رغم أنه لم يمسسها. وعلى الرغم من أن أبيمالك أخذ سارة على أنها أخت إبراهيم، ومع ذلك فقد أعتبره الله مخطئاً... وهكذا تعلمنا الكنيسة أن نصلى من أجل الخطايا "التى صنعناها بمعرفة والتى صنعناها بغير معرفة"...

وعلى الرغم من خطا إبراهيم فإن الله لم يوبخه، وإنما وبخ أبيمالك، وقال عن إبراهيم:

«انه نبى فيصلى لأجلك فتحيا» (تك 20: 7)).

.. الله الحنون نظر إلى قلب إبراهيم، على نحو ما نظر إلى قلب شاول الطرسوسى رغم كل ما كان يعمله!!

ولادة إسحق (تك 21):

●.

« وافتقد الرب سارة كما قال: وفعل الرب لسارة كما تكلم. فحبلت سارة وولدت لإبراهيم إبناً فى شيخوخته فى الوقت الذى تكلم الله عنه» (تك 21: 1).

، 2)... هذا يعود بنا إلى (تك 18: 10) حينما قال الله فى شخص الثلاثة رجال: "انى ارجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة إمرأتك ابن"... هنا نجد ثمر الانتظار والصبر. والله فى حكمته عنده ما يعبرّ عنه "بالوقت المعيّن" أو "ملء الزمان".

وإذا كان الرب قد "افتقد سارة"... فإن افتقاد الرب قد يكون مادياً أو روحياً أو معنوياً... هكذا عبرّ زكريا الكاهن بعد ولادة يوحنا المعمدان: "مبارك الرب إله اسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه" (1: 67)... إن الرب يفتقد أولاده. قال بفم حزقيال النبى: "هأنذا أسأل عن غنمى وافتقدها كما يفتقد الراعى قطيعه... هكذا افتقد غنمى واخلصها" (حز 34: 11، 12).

●.

« وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحق» (تك 21: 8)).

.. ونلاحظ أن الوليمة لم تصنع يوم الولادة بل يوم الفطام... إن هذا بالمفهوم الروحى ينى أن الفرح الحقيقى يكون يوم الفطام عن العالم وشهواته والخطية وتوابعها.

طرد هاجر وابنها:

إسحق معناه (الضحك)، واسماعيل معناه (الله يسمع)...

«رأت سارة ابن هاجر المصرية الذى ولدته لإبراهيم يمزح. فقالت لإبراهيم اطرد هذه الجارية وابنها لان ابن هذه الجارية لا يرث مع ابنى اسحق. فقبح الكلام فى عينى إبراهيم لسبب ابنه. فقال الله لإبراهيم لا يقبح فى عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. فى كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها. لأنه باسحق يدعى لك نسل» (تك 21: 9 - 12)).

● العجيب أن إسماعيل هنا لا يذكر باسمه أبداً بل "الغلام – الولد – ابن الجارية...". وأما تفسير ذلك أن الإنسان حسب الجسد ليس له ذكر على الاطلاق... كان إسماعيل يمزح أى يستهزئ. وهذا ما يفعله ابناء إبليس وأولاد العالم، فانهم يستهزئون بأولاد الله... علينا ألاّ نتضايق بل لننتظر الأمر بالخلاص كما حدث مع إبراهيم... وإذا كانت هاجر رمزاً لعهد الناموس، فإن ابنها رمز لكل الذين هم من أعمال الناموس!!

● كان ابن هاجر يضطهد اسحق ويضايقه. هكذا يوضح بولس الرسول.

« ولكن كما كان حينئذ الذى وُلد حسب الجسد يضطهد الذى حسب الروح. هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة» (غل 4: 29).

، 30).

● كان كلام الرب لإبراهيم "اطرد الجارية وابنها"... لماذا؟ انهما يمثلان الطبيعة العتيقة.

«المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح» (يو 3: 6)).

.. سياسة الترقيع لا تصلح... "اطرد" المطلوب الحياة الجديدة فى المسيح.

● موضوع هاجر منذ البداية خطأ... فيه على الأقل غلطتان روحيتان: الغلطة الأولى، حمىّ الاسراع وسبق الوقت. والله قال لإبراهيم انه سيعطيه نسلاً، لكن إبراهيم لم يستطع الانتظار... اليأس وعدم الإيمان قاداه إلى الاسراع. والاسراع قاده إلى الخطأ... أما الغلطة الثانية، فهى اللجوء إلى الطرق البشرية فى علاج الموضوع. وما هى الطرق البشرية؟... إنه يتخذ هاجر زوجة. وفعلاً أتت الطرق البشرية بنتيجة سريعة. فما لم تستطعه سارة فى 83 سنة، استطاعته هاجر من أول سنة. لكن الله ظل على موقفه... الابن يكون من سارة!!

● طُردت هاجر من البيت، وجهّز لها إبراهيم الخبز والماء وصرفها مع ابنها وكان عمره أربع عشرة سنة. تاهت فى برية بئر سبع (جنوب فلسطين – إلى الجنوب الشرقى من مدينة غزة)... وهناك افتقدها الرب إله المساكين والضعفاء والمعوزين. وكبر اسماعيل وزوّجته امه من مصرية وسكن فى برية فاران بسيناء... وولد اسماعيل 12 ولداً، وصاروا رؤساء قبائل (تك 25: 12 - 16). وعاش اسماعيل 137 سنة (تك 25: 17).

ذبح إسحق (تك 22):

« وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له يا إبراهيم هأنذا. فقال خذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحق، واذهب إلى أرض المُريّا وأصعده هناك محرقة على احد الجبال الذى أقول لك» (تك 22: 1).

، 2)... ولنا تأملات فى تجربة ذبح إسحق...

● الله يريد أن نكون له، ويريد أن يكون هو كل شئ فى حياتنا. ومن أجل تحقيق ذلك يتبع معنا سياسة التجريد... اتبع هذه السياسة مع إبراهيم لكن خطوة خطوة: جردّه أولاً من أهله ووطنه فتركهما إلى بلاد عاش فيها غريباً... ثم جردّه من ابيه تارح الذى كان معطلاً له فى الانطلاق... ثم جرده من لوط ومن سكناه معه... ثم جرده من هاجر وابنها حتى لا تكون له محبة حسب الجسد، وبقى مع امرأته العجوز سارة وفلذة كبده إسحق الذى كان كل شهوة قلبه... وهنا – فى هذه التجربة – يريد الله أن يجرد إبراهيم من محبته لإسحق، وكان فى ذلك الوقت شاباً يبلغ من العمر نحو خمس وعشرين سنة... وتجريد الله لإبراهيم من محبته لإسحق هو التجريد الكامل... وإذا جُرد من هذه المحبة تبقى محبته لله وحده... هذا يذكرنا بكلام السيد المسيح.

«من أحب ابناً أو ابنه أكثر منى فلا يستحقنى» (مت 10: 37)).

● الله حينما يريد ان يمتحنا يضع يده على أعزّ شئ لقلوبنا. ولذا قال لإبراهيم: "خذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحق...". هذا امتحان شديد لإبراهيم. لكن إبراهيم سبق له أن اجتاز امتحانات أخرى. كان الامتحان شديداً، لكن لكى تكون تزكية إيمانه، وهى أثمن من الذهب الفانى مع أنه يمتحن بالنار توجد للمدح والكرامة والمجد (1بط 1: 7).

● كانت التجربة امتحاناً مثلثاً لإبراهيم... كانت امتحاناً لمحبته، وامتحاناً لإيمانه، وامتحاناً لطاعته لله. وقد نجح فيها جميعاً... وفى ذلك يقول بولس الرسول:

«بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مجرّب، قدّم الذى قبل المواعيد وحيده، الذى قيل له بإسحق يُدعى لك نسل. إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات» (عب 11: 17 - 19)).

● بقدر ما كانت التجربة شديدة وصعبة، فإن الله لكى يبرهن على فضيلة إبراهيم زادها صعوبة، إذ لم يعلن له عن مكان تقديم الذبيحة بالضبط، ولكن اكتفى بقوله: "أرض المريا... اصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذى أقول لك"... وليس هذا فحسب، بل إن المكان كان مسيرة ثلاثة أيام... وبرغم كل ذلك "بكّر إبراهيم صباحاً" دليل عدم التراخى والاستعداد. ولأن الإيمان لا ينتظر حتى يلاحظ الظروف أو يتأمل النتائج. لذلك يقول بولس:

«لما سُرَّ الله الذى افرزنى من بطن أمى ودعانى بنعمته أن يعلن ابنه فىَّ لأبشر به بين الأمم للوقت لم استشر لحماً ودماً» (غل 1: 15).

، 16)... ولماذا يقول الرسول انه لم يستشر لحماً ودماً؟ لأننا عندما نقف لنستشير اللحم والدم تتعطل خدمتنا وشهادتنا للمسيح... فاللحم والدم (الجسد) لا يعرف الطاعة الله، لذا يجب أن نبكرّ. وهكذا فعل إبراهيم.

● احتفظ إبراهيم بالأمر سراً حتى لا يتدخل أحد لتعويقه... وكون إبراهيم يكتم السرّ فإن ذلك يدل على استعداده الكامل... حتى الغلامين اللذين أخذهما معه، بعد أن وصل إلى المكان واقترب منه، قال لهما:

«اجلسا انتما ههنا مع الحمار. وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما» (تك 22: 5)).

.. ونحن هنا نقارن بين جدية إبراهيم فى طاعته لله وبين أنفسنا حينما نختلق المعاذير ونتعلل بها. وقول إبراهيم لغلاميه: "ثم نرجع إليكما" لا يعتبر كذباً، لأنه كان يؤمن أن الله قادر على الإقامة من الأموات حتى بعد أن يذبحه (عب 11: 19).

● العجيب فى الأمر هو طاعة إسحق العجيبة... رأى كل شئ معداً للذبيحة: النار، الحطب، السكين، بناء المذبح... كان إسحق شاباً، وكان يمكنه أن يهرب، لكنه أطاع مستسلماً... فى ذلك كان إسحق رمزاً للمسيح. كان كشاة تساق إلى الذبح لم يفتح فاه. استسلم لأبيه ليضعه فوق الحطب، واستسلم له وهو يرفع السكين فى صمت. لكن الله لم يستطع أن يصمت أكثر، فكان الصوت.

«لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً» (تك 22: 12)).

.. كان إسحق مثالاً للطاعة ورمزاً للمسيح الذى قال عنه الرسول: "وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب" (فى 2: 8).

موت سارة (تك 23):

عاشت سارة مائة وسبع وعشرين سنة ثم ماتت... وهى المرأة الوحيدة فى الكتاب المقدس التى ذكر عمرها. ماتت سارة فى قرية أربع وهى حبرون، وتدعى أيضاً ممرا – وهى الآن مدينة الخليل. وأقام فيها إبراهيم زماناً طويلاً حيث ماتت سارة ودفنت فى حقل المكفيلة... وفى نفس المغارة دفن إبراهيم وإسحق ويعقوب ورفقة وليئة. ويقال إن عظام يوسف نقلت إليها (أنظر تك 23: 4 - 20؛ 25: 9؛ 35: 27 - 29؛ 37: 14؛ 49: 25 - 33؛ 50: 13)... وهى على بعد عشرين ميلاً جنوبى أورشليم. وسميت الخليل نسبة إلى إبراهيم خليل الله. وفيها الحرم (مسجد الخليل) الذى يقال انه قائم على مغارة المكفيلة، وكانت قبلاً كنيسة مسيحية. وإلى الشمال منها على بعد ميلين موقع بلوطات ممرا.

التمس إبراهيم من نبى حث (هم نسل حث بن كنعان بن نوح)، أن يبيعوه مكاناً ليجعله قبراً لسارة. لكن لم يشتر أرضاً ليبنى لنفسه بيتاً لسكناه، إنما عاش متغرباً فى خيام.

ومن الناحية الرمزية نرى فى موت سارة، إسرائيل – الأمة التى جاء منها المسيح – تختفى لتفسح المجال للعروس، التى هى الكنيسة المسيحية.

سنى إبراهيم الأخير (تك 25):

● بعد موت سارة.

«عاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قَطُورة» (تك 25: 1)).

وكان سنّه مائة واربعين سنة... ولعله فعل ذلك لأنه وصل إلى هذه السن، ولم يصبح نسله كنجوم السماء كما وعده الله... وولدت له قطورة ستة بنين... وعلى نحو ما كان الحال مع هاجر، كذلك كان مع قطورة... لم يكن بنوها الستة من الله، لأن الأمر لم يكن من هو.

● من أجل ذلك.

«أعطى إبراهيم إسحق كل ما كان له. وأما بنو السرارى اللواتى كن لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحق إبنه شرقاً إلى أرض المشرق وهو بعد حىّ» (تك 25: 5).

، 6)... كان إسحق ابن الموعد، لذا أعطاه إبراهيم كل أمواله ليكون وارثه الوحيد!!

● وفى سن المائة خمسة وسبعين.

«أسلم إبراهيم روحه ومات بشيبة صالحة شيخاً وشبعان أياماً وانضم إلى قومه» (تك 25: 7).

، 8).

● هناك بعض تأملات...

● قطورة الزوجة الثالثة والأخيرة لإبراهيم، إنما تشير إلى الأمة التى تتسلط على الناس فى آخر الزمان من نسل إبراهيم أيضاً... وكما لم يظهر لهذه المرأة ملاك من الله ولا رسالة ولا ذكر ولا عناية مثل امرأتى إبراهيم الأولتين هاجر وسارة المشبهتين بالشريعتين القديمة والجديدة. فكذلك هذه الأمة الأخيرة ليس لها شريعة من الله ولا ناموس ولا ذكر، بل ملك دنيوى وتسلط أرضى.

● حينما أعطى إبراهيم إسحق "كان ما كان له"، إنما تصرف بعدل، وساوى بين هاجر وقطورة، ودعا الاثنتين جاريتين، فطرد أبنائهما عن إسحق... لماذا؟ هذه الأمة الأخيرة التى تشبه قطورة تصبح نظير أمة اليهود (هاجر). وتكون الاثنتان متساويتين فى البعد والتنحىّ عن الميراث الحقيقى الذى للمسيح بن إسحق بن إبراهيم الوارث كوعد الله...

وكون إبراهيم يعطى إسحق "كل ما كان له" له معنى بعيد وعميق، فهو يشمل كل شئ، ولا يقتصر على الأمور المادية... أما الآخرون فصرفهم بعطايا مادية... هذا هو عين ما يفعله الله مع أهل العالم. أما أولاده فيتعامل معهم على أساس آخر...


[3] - الأب بفنوتيوس من الأسقيط. مناظرات يوحنا كاسيان المترجم عربياً ص 80.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

شخصية يوسف

‹

باقة من أبرار العهد القديم

المحتويات
المحتويات