شخصيات المدافعين عن الإيمان

شخصيات المدافعين عن الإيمان

بدأت كتابات الدفاع تظهر فى عهد الامبراطور الومانى هدريان (117 - 138). ومعظم كتابات الدفاع الأولى، إما أنها فقدت تماماً، أو تبقى منها بعض شذرات وعبارات متفرقة حفظها لنا يوسابيوس القيصرى فى تاريخه الكنسى... ولكن ما زال بين أيدينا بعض دفاعات كاملة لمدافعين من القرن الثانى... كان معظم المدافعين من الفلاسفة. وبعضهم كتب باللغة اليونانية والبعض كتب باللغة اللاتينية وكما عانت الكنيسة المسيحية من اضطهاد دموى يهودى وآخر وثنى، كذلك كانت هناك كتابات يهودية تهاجم المسيحية فضلاً عن كتابات الفلاسفة الوثنيين... وإن كانت كتابات اليهود العدائية لا تقارن من جهة الكمّ والخطورة بكتابات الفلاسفة الوثنيين... والآن نذكر بعض مشاهير المدافعين...

1 - كوادراتس:

لعله أول المدافعين. ذكره اوسابيوس القيصرى فى تاريخه الكنسى (4: 3) فقال: [بعد أن حكم تراجان تسع عشرة سنة ونصف (98 – 117)، خلفه على الامبراطورية اليوس هدريان. وقد وجّه إليه كوادراتس حديثاً متضمناً الدفاع عن ديانتنا، لأن بعض الأشرار حاولوا ازعاج المسيحيين. ولا يزال هذا المؤلف بين ايدى الكثيرين من الاخوة، وفى أيدينا أيضاً. وهو برهان قوى على ذكاء الرجل وعلمه وعلى أرثوذكسيته الرسولية. وهو يظهر قدم عهده وذلك فى الكلمات التالية... "واعمال مخلصنا كانت دائماً ماثلة أمامنا لأنها حق. فالذين نالوا الشفاء، والذين اقيموا من بين الأموا، شوهدوا – ليس حينما نالوا الشفاء واقيموا فحسب – بل أنهم ظلوا دائماً موجودين فى أثناء حياة المخلّص وبعد موته مدة طويلة من الزمن. وبعضهم ظل عائشاً حتى عصرنا"]... ونحن لا نعلم على وجه الدقة موطن كوادراتس، وإن كان البعض يرجح أنه من رجالات آسيا الصغرى. أما تاريخ كتابة هذا الدفاع فهو فى الفترة من سنة 123 إلى سنة 129.

2 - ارستيديس الأثينى:

أشار إليه اوسابيوس أيضاً فى تاريخه الكنسى (4: 3)... فبعد أن ذكر كوادراتس قال... [كذلك ترك لنا ارستيديس وهو مؤمن غيور، دفاعاً عن الإيمان مثل كوادراتس موجهاً إلى هدريان (117 - 138). ولا يزال مؤلفه باقياً إلى الآن أيضاً لدى أشخاص كثيرين]...

يقول ارستيديس فى دفاعه أن الرأى الصحيح فى الله هو عند المسيحيين وحدهم فإنهم يقولون بإله خالق صنع كل شئ بالابن الوحيد والروح القدس، ولا يعبدون غيره. والدليل على أنهم يعبدون الإله الأحد ظاهر فى طهارة سيرتهم... ثم يستطرد قائلاً: [إن وصايا السيد يسوع المسيح نفسه محفورة فى قلوبهم، وهى التى يعملون بموجبها راجيين قيامة الموتى فى الدهر العتيد. هم لا يزنون ولا ينافقون ولا يشهدون شهادة زور، ولا يشتهون ما لغيرهم. يكرمون الوالدين ويحبون القريب. يحكمون بالحق، ولا يفعلون للغير ما لا يريدون أن يفعل الغير بهم. يُعزون الذين يسيئون إليهم ويصادقونهم. يتوقون لعمل الخير مع أعدائهم. وهم ودعاء لطفاء ويمتنعون عن كل علاقة غير شرعية، وعن كل إثم وشر. ولا يحتقرون الأرملة ولا يظلمون اليتيم. ومن عنده يعطى من ليس عنده بسرور. وإذا رأوا غريباً آووه فى بيوتهم وفرحوا به كأن أخ لهم. يدعون أنفسهم اخوة لا بالجسد بل بالروح. وهم على استعداد لتقديم حياتهم لأجل المسيح. يحفظون الوصايا بدون زيغ، ويعيشون بالتقوى والطهارة كما أوصاهم السيد إلههم. وهم يقدمون الشكر له فى كل ساعة لأجل المأكل والمشرب وعطاياه الأخرى. حقاً إذاً هذا هو الطريق الحق الذى يقود من يسلك فيه إلى الملكوت الأبدى الذى وعد به المسيح فى الحياة الآتية].

ويستمر ارستيديس فى دفاعه فينظر إلى البشر نظرة شاملة ويعتبرهم وحدة واحدة، ويشعر بأهمية الرسالة الجديدة، فيرى فى المسيحيين – على قلة عددهم – شعباً جديداً هدفه اخراج العالم من وهدة الدعارة والفساد، يقول: [لقد ضلّت الأمم جميعها وخدعت نفسها فسلكت سبل الظلام مترنجة كالسكارى. وانى لواثق انها لم تبق كائنة إلاّ بصلوات المسيحيين وتضرعاتهم].

3 - ارسطوا البلاوى Aristo of Peela:

وهو يهودى متنصر من بلا Pella (خربة فحل الحالية قرب بيان بفلسطين). ويرع إلى النصف الأول من القرن الثانى – نشأ وتلقى علومه بالاسكندرية... صنف حوالى سنة 140م دفاعاً عن المسيحية ضد تهجمات اليهود وانتقاداتهم. ولعله أول من ردّ عليهم. وهو معنون "حوار جاسون Jason اليهودى المتنصر وبابسكوس Papiscus اليهودى الاسكندرى عن المسيح ومكانته فى تاريخ اليهود.. ز وظل هذا الكتاب معروفاً حتى القرن السابع الميلادى. وكان يهدف إلى اظهار اتمام النبوات القديمة فى المسيح... وينتهى هذا الحوار باقتنع بابسكوس اليهودى وعماده.

4 - اثيناغوراس الأثينى:

هو رجل اثينى أو ينتسب إلى أصل اثينى. وليس من ينكر صحة انتسابه إلى أثينا التى ربما ولد فيها. ومهما يكن من أمر فقد أقام بمدينة الاسكندرية وكان يشغل وظيفة خطيرة بمتحفها. وكان من اساطين الديانة الوثنية، ومن أنصار الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، حيث كان يدير بالاسكندرية مدرسة فلسفية وثنية تنهج نهج الأفلاطونية المحدثة...

كان كغيره من الأفلاطونيين يكره الديانة المسيحية ويعمل على مقاومتها، حتى أنه توفر على دراسة الكتاب المقدس لعله يجد فيها منفذاً للطعن والنقد... ولكنه ما كاد ينتهى من قراءته حتى ترك فيه أثراً عميقاً جعله يؤثر الدين المسيحى. وقد تحول إليه فعلاً نحو سنة 176م، وصار من انصار المسيحية ومن أكبر المدافعين عنها ولذا لُقّب "باثيناغوراس المدافع"...

فلما وثق به المسيحيون قبلوه وعمدّوه، وعهدوا إليه بمهمة التعليم فى مدرسة الاسكندرية اللاهوتية. وظل مع ذلك يرتدى زى الفلاسفة كما كان قبل اعتناقه المسيحية... أما عن زمان ومكان وملابسات موت اثيناغوراس فلا نعرف عنها شيئاً...

له أكثر من مؤلف ولكن ما يعنينا هنا هو كتابه الدفاع الذى وجهه إلى الامبراطورين مرقس اوريلسيوس وابنه كومودوس حوالى سنة 177م... ويشتمل دفاع اثيناغوراس على فاتحة وثلاثة أقسامن نتناول فيها الرد على الاتهامات الثلاثة التى وجهت إلى المسيحيين، وهى الالحاد، والمعاشرات الأدبية وولائم ثيستين (أكل لحوم البشر).

ويعتبر أثيناغوراس أول مفكر مسيحى حاولأن يبرهن على وحدانية الله بطريقة فلسفية علمية، مستشهداً بأدلة من الفلاسفة عن وحدانية الله التى شهد عنها الأنبياء... وفيما هو يتحدث عن الله خالق العالم، الروح البسيط غير المركب، السرمدى الكامل، والقادر على كل شئ، يتحدث عن الثالوث القدوس كجوهر واحد، الآب هو العقل والابن اللوغوس الكلمة غير المخلوق والروح القدس. تحدث بإدراك كامل ودقيق لوحدانية الله، ووحدانية الثالوث... ويتحدث اثيناغوراس بوضوح واستفاضة عن الوحى الإلهى والأنبياء ويمتدح البتولية كإحدى ثمار الحياة المسيحية العظمى، بل أجمل ثمارها. والزواج فى نره وسيلة للتوالد فقط.

ويشهد المؤرخون بأن اثيناغوراس يمتاز عن جميع المدافعين المسيحيين فى القرن الثامن امتيازاً واضحاً بأدلته السديدة وحججه الدامغة. وهو كاتب مُجيد رقيق العبارة سلسل الأسلوب، منطقى التفكير، له مقدرة ممتازة على الوصف، وله تأثير رائع يشهد بعلمه الواسع بمشاعر النفس البشرية. ولا نجد فى دفاع اثيناغوراس قولا نابياً ولا لفظاً جارحاً. أفاض فيه مظهراً صدق رأى المسيحيين وبهتان معتقد الوثنيين، بأدلة عقلية ومنطق فلسفى سليم مؤيداً قوله بأسانيد من نصوص الشعراء والفلاسفة. ويقرر اثيناغوراس فى لهجة صادقة ان الكتاب المقدس كتاب موحى به من الله. وهو من نفثات الروح القدس فى روح الأنبياء... وكثيراً ما يقتبس آياس من الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

5 - الرسالة إلى ديوجنيتس Diognetus:

كاتب هذه الرسالة مجهول، ويبدو انه شاء متعمداً أن يضع اسمه لأنه يؤمن أن الحياة الحقيقية هى نمو داخلى... ومهما يكن من أمر فإن الرسالة اسكندرية الأصل والمعنى واللفظ والاتجاه الفكرى. ونحن لا نعرف شيئاً عن شخصية ديوجنيتس الذى وجهت إليه الرسالة... هل هى رسالة رمزية تهدف إلى اظهار جمال المسيحية وتبشير الوثنيين؟! أو هل دفاع عن المسيحية غُفل من اسم كاتبه؟! ونقتطف بعض مقتطفات من هذه الرسالة:

[أنا عالم باهتمامك الشديد الذى يدفعك لأن تتعلم... عن تقوى المسيحيين، ولا سيما وانك تسأل أسئلة منتقاة واضحة عنهم وعن الإله الذى يؤمنون به وكيف يعبدونه، وعما يدفعهم إلى عدم التكالب على العالم وإلى الاستهانة بالموت. ويهمك أن تعرف لماذا لا يعترفون بالآلهة التى يعترف بها اليونانيون، ولا يلتفتون إلى خرافات اليهود؟ ما هو سرحبهم بعضهم لبعض؟...

يا ليتك تُطَهر عقلك من التعصب الذى يمنعك من التفكير... انظر ليس بعينيك فقط بل بعقلك ما هى حقيقة وشكل تلك التى تدعونها وتعاملونها كآلهة. أليس الواحد منها حجراً كالذى نسير عليه بأقدامنا، والآخر معدناً لا يسمو فى قيمته على أى آنية مصنوعة من نفس المعدن نستخدمها لقضاء الحاجة... أليس ما يحملكم على اضمار البغض للمسيحيين هو أنهم لا يعتقدون أن هذه التماثيل آلهة؟!

يقيم كل من المسيحيين فى وطنه، لكن كما لو كان غريبا. يتممون واجباتهم كمواطنين ويتحملون كل الأعباء كغرباء. كل أرض غريبة (خارج الامبراطورية) هى وطن لهم، وكل وطن أرض غريبة. يحبون فى الجسد، ولكنهم لا يعيشون حسب السد. يصرفون العمر على الأرض، ألاَّ أنهم من مواطنى السماء. يطيعون الشرائع الوضعية، لكنهم يسمون على كل هذه الشرائع. يحبون جميع البشر، والجميع يضطهدونهم... فقراء وبفقرهم يغنون كثيرين. يفتقرون إلى كل شئ، وكل شئ فائض لديهم. يحتقرهم الناس، ولكن احتقار الناس هو مجدهم. يتكلم الناس عليهم بافتراء ولكنهم يتبررون.

وبلك اختصار، مثل النفس بالنسبة للجسد، هكذا المسيحيون بالنسبة للعالم. النفس منتشرة فى أعضاء الجسد، والمسيحيون فى مدن العالم. النفس تقيم فى الجسد، إلاَّ أنها ليست من الجسد، والمسيحيون موجودون فى العالم، لكنهم ليسوا من العالم. النفس غير مرئية، ولكنها تعمل وتظهر فى جسد مرئى. والمسيحيون تراهم عندما يعملون، فيظهرهم عملهم فى العالم، إلاَّ أن صلاحهم يظل مخفياً. الجسد يحارب النفس، رغم انها لا تؤذيه، إنما هى تحول دون انغماسه فى الملذات والعالم يكره المسيحيين لا لأنهم اساءوا إليه، وإنما لأنهم يعارضون ما فيه من لذات. النفس تحب الجسد الذى يكرهها، وهكذا المسيحيون يحبون من يبغضونهم. النفس سجينة الجسد، وبدونها لا حياة للجسد، والمسيحيون موثوقون فى العالم، كما لو كانوا فى سجن، ولكنهم سبب حياة العالم. بإماتة النفس عن شهوة الطعام والشراب تنمو، والمسيحيون بمضايقتهم يزدادون عدداً...

ألا ترى كيف يُلقى المسيحيون للوحوش الضارية بغية حملهم على إنكار الرب، ولكنهم بالموت ينتصرون. ألاَّ ترى أنهم كلما عوقبوا كلما ازداد عدد الذين يعتنقون إيمانهم. كل هذه ليست أعمال البشر، بل هى معجزة الله وهى دليل ظهوره فى الجسد]!!

6 - يوستينوس الشهيد:

ولنا معرفة عنه تكاد تكون كاملة مما دونه هو عن حياته سواء فى دفاعه أو حواره مع تريفو...

ولد آخر القرن الأول (سنة 100م) أو أوائل الثانى فى بلدة شكيم القديمة وهى مدينة نابلس الحالية كبرى مدن السامرة، من ابوين وثنيين، ونشأ هو نفسه وثنيا. كان منذ حداثته يميل إلى التفكير العميق والبحث عن الله ومبدأ العالم... تتلمذ أولاً لأحد الفلاسفة الرواقيين اتباع الفيلسوف زينون، فلم تشبع تعاليمه عقله، فانصرف عنه. وتبع فيلسوفاً آخر من جماعة الرواقيين المشائين الذى أخذ يساومه على أجر تعليمه، الأمر ا لذى دفع يوستينوس إلى الازدراء به. ومازال يسعى فى طلب المعرفة واشباع عقله، حتى اهتدى إلى أحد الفلاسفة الأفلاطونيين، فتعلّق به وأحبه...

على أن هذه الفلسفات كلها مجتمعة لم تكن لتشبع عقل وقلب هذا الإنسان العجيب. فلم يكن له عقل متفتح وحسب، لكن كانت له روح جائعة متعطشة للنور والحق... ومما هو جدير بالذكر أنه وهو فى وثنيته لم يكن متعصباً تعصباً أعمى لها، بل كان له العقل الذى يزن به الأمور. فقد كتب فى دفاعه الثانى عن التأثر العميق الذى طبعه فى نفسه رؤية الشهداء المسيحيين... قال: [فى الوقت الذى كنت استمتع فيه بمبادئ أفلاطون. وفى الوقت الذى كنت استمع إلى المصائب التى يكابدها المسيحيون، قلت لنفسى: حيث انى رأيتهم لا يرهبون الموت حتى وسط الأخطار، التى يعتبرها العالم مرعبة، فمن المستحيل أن يكونوا أناساً يعيشون فى الشهوة والجرائم] (الدفاع الثانى: 12، 13)... ولا شك أن مثل هذا القلب أهّله لقبول دعوة الله.

أما قصة إيمانه فهى قصة لقاء مع الله... فبينما كان يسعى وراء الوحدة، حتى يتمكن من التأمل بعقل غير مرتبط بالأشياء الخارجية. وبينما كان مستغرقاً فى تأملاته، يسير على شاطئ البحر فى بلده، قابله شيخ مهيب يبدو على محياه الجاذبية والعذوبة... بدا كما لو كان فيلسوفاً وجد الراحة والسلام فى فلسفته. حيّاه واخذ يباحثه فى شئون الفلسفة. وبيّن له أن الفلسفة الأفلاطونية التى كان معجباً بها ناقصة، إذ لا تأثير لها على حياته الأدبية (الأخلاقية).

فسأله يوستينوس فى لهفة وتعجب [أين إذن أجد الحق إذا لم أجده بين الفلاسفة؟]. أجابه الشيخ: [قبل الفلاسفة بزمان طويل عاش فى الأزمنة الغابرة رجال سعداء أبرار، هم رجال الله، نطقوا بروحه، وسُمّوا أنبياء. هؤلاء نقلوا إلى البشر ما سمعوه وما تعلموه من الروح القدس. كانوا يعبدون الله الخالق أب جميع الموجودات، وعبدوا ابنه يسوع المسيح فاطلب أنت حتى ما تنفتح لك أبواب النور الآن] (حواره مع تريفو 2: 8).

قال له الشيخ هذا الكلام وتوارى عنه... ولا شك أن هذا الطريق الذى أرشده إليه ذلك الشيخ بكلامه، كان هو أمل يوستينوس. منذ شبابه. الآن بعد أن استمع يوستينوس إلى الفلاسفة، تحوّل إلى الأنبياء... بل إلى ذاك الذى هو أعلى من أعظم الأنبياء علو السموات عن الأرض... الكلمة الأزلى، الذى سيصبح يوستينوس، منذ ذلك الوقت، الشاهد الأمين له..

أكبّ يوستينوس على قراءة تلك الكتب التى أرشده إليها ذلك الشيخ المجهول. فتوصل إلى أن الفلسفة المسيحية هى الوحيدة التى استطاعت أن تشبع عقله. فآمن بالسيد المسيح واعتمد. وبدأ منذ ذلك الحين حياة الفيلسوف الحقة، كما يقول هو عن نفسه. وكان دائماً يعتبر أن الفلسفة الأفلاطونية هى بمثابة اعداد العالم الوقنى لقبول المسيحية... وهكذا فإن يوستينوس كمسيحى لم يكفّ عن تقدير الفلسفة، بل ظلّ بعد إيمانه يرتدى زى الفلاسفة. ولم يفعل ذلك هروباً من أن يظهر كتلميذ للمسيح، فهو يقول عن نفسه: [لقد طرحت جانباً كل الرغبات البشرية الباطلة. ومجدى الآن فى أن أكون مسيحياً. ولا شئ اشتهيه أكثر من أن أواجه العالم كمسيحى...].

كان سعيه الطويل الجاد بحثاً عن الحق سبباً فى تقدير هذا الحق. لقد جرّب كل النضالات الفكرية لمعاصريه. وهكذا إذ عرف المرض والعلاج، كان مستعداً بصورة فائقة، أن يكون ذا رسالة فعالة، بل وأحد المعزيين الحقيقيين الذين تعلموا من خبرتهم الخاصة فى الألم كيف يعزىّ الآخرين. لم يَنس أو يتناسى – ولو ليوم واحد – مسئوليته العميقة التى ترتكز على الشهادة للحق. وكان شعوره هذا على السواء بالنسبة لليهود والوثنيين والهراطقة...

وهكذا كرّس يوستينوس ذاته لنشر الديانة المسيحية والدفاع عنها. فذهب إلى روما حيث فتح هناك مدرسة، وكان يتخذ الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحية والدفاع عنها... وكان يعقد مقابلات متكررة مع اليهود والوثنيين حيثما التقى بهم، وكذلك مع الهراطقة. وفى هذه المناقشات اظهر صبراً وثباتاص عجيبين. ولعل أهم أعماله التى قدمها للمسيحية فى ذلك الوقت دفاعية الأول والثانى، وحواره مع تريفوا اليهودى...

لقد رفع دفاعه الأول (68 فصلاً)، والثانى (25 فصلاً) إلى الامبراطور أنطونيوس بيوس وابنائه. ويرجح أنه كتبه سنة 147م إن لم يكن قبل ذلك. ودفاعه ملئ الشجاعة والكرامة والإنسانية. فقد كان اتجاهه فى دفاعه هو عدم التوسل والخوف من القوة الغاشمة. ويقول فى دفاعه موجهاً الكلام للإمبراطور أنطونيوس بيوس: [أنتم تدعون فى كل مكان بيوس (تقى)، حارس العدالة، صديق الحق. وستظهر أعمالكم، إذا كنتم جديرين بهذه الألقاب. ولست أقصد من وراء ذلك اتملقكم، أو أحصل منكم على احسان ما. إنى ببساطة أسألكم أن تعاملوننا بقوانين العدالة المدققة المستنيرة، وليس بمجرد الحدث، أو تحت تأثير خرافة تصدقونها بقصد ادخال السرور على الناس.. فإن هذا يدينكم...]. وإذ كان مقتنعاً اقتناعاً صادقاً بعدالة قضيته، قدمها بسلطان باسم قانون العدالة الأزلى، الذى باسمها يستخدم العنف ضد المسيحيين!! فى سنة 254 فى مدينة صور بفلسطين وكان له من العمر 69عاماً... وقد اظهر مسيحيو صور اهتماماً كبيراً بجسده فدفنوه بجوار المذبح وغطوا قبره بباب من الرخام نقشوا عليه [هنا يرقد العظيم أوريجينوس].

أما عن مؤلفات ومصنفات أوريجينوس فلا تحصى لكثرتها ولكن للأسف ضاع الكثير منها. ولكن ما يهمنا فى موضوعنا هذا هو أعمال الدفاعية، وما يتعلق بالاستشهاد... ولعل أهم أعمال الدفاعية هو كتابه "ضد كلسون Celsum Contra"، بل لعله يأتى فى مقدمة كل ما كتب من كتب الدفاع عن المسيحية فى القرنين الثانى والثالث... كتب أوريجينوس مؤلفه هذا فى ثمانية كتب رداً على فيلسوف ابيقورى يدى كلسوس كتب كتاباً ضد المسيحية أسماه "التعليم الصادق". ولم يكن كلسوس معاصراً لأوريجينوس بل قبله بكثير ولم يره لكن وقع كتابه الذى يرجح انه كتبه حوالى سنة 180 فى يد أوريجينوس ومن ثم كتب مؤلفه مفنداً جميع الترهات التى حشاها به كلسوس...

بدأ كلسوس حملته على المسيحية بالقول إن الكنيسة هيئة غير شرعية يجب أن لا تعيش لأنها جماعة سرية. وان الجماعات المسيحية يعتدون على القانون العام. وإلاّ فما هى مميزات هذه الجماعة السرية القوية بتماسكها القوى فى وجه الأخطار العامة... وبعد أن تهكم على المسيحية قال: [فليرجع المسيحيون إلى طرقهم القديمة، ويكفوا عن اتباع هذه السخافة التى اخترعت حديثاً، وهى عبادة يهودى صلب حدثياً فى ظروف مشينة. ليرجعوا إلى العبادة القديمة، عبادة الآلهة الكثيرة، إلى عادات آبائهم. فالمسيحية بدعة خطرة حديثة. وإن لم توقف صارت نكبة على الامبراطورية الرومانية].

وقد استفتح اوريجينوس مؤلفه ضد كلسوس بقوله: [عندما شهد شاهداً زور على ربنا ومخلصنا يسوع المسيح لزم الصمت. وعندما اتهم باطلاً لم يجب بشئ. لقد كان مقتنعاً بأن كل حياته وأعماله بين اليهود، أفضل من أى كلام لدحض شهادة الزور، واسمى من أى كلام يقوله للرد على الاتهامات... وعلى أى حال فإن يسوع يهاجمه شهود الزور فى كل الأوقات. وطالما ظل الشر باقياً فى العالم، فهو معرض للاتهامات بصفة دائمة. ومع ذلك فإنه لا يزال صامتاً أمام هذه، دون أن يقدم إجابة مسموعة، بل يضع دفاعه فى حياة تلاميذه الحقيقيين. وهذه الحياة تعتبر شهادة سامية جداً، وتسموا على كل شهادة زور، وتفنّد وتهدك كل الهجمات وكل التهم التى لا أساس لها].

كتب أوريجينوس كتاباً أسماه "الحث على الاستشهاد" حوالى سنة 235 وسط الاضطهادات المستعرة فى ذلك الوقت وقد افرغ فيه خلاصه حماسه واشواقه وخبرته – شاباً وشيخاً وأرسله إلى أثنين من اصدقائه الحميمين... ومما كتبه فى هذا الكتاب قوله لهما:

[أود خلال التجربة الحاضرة أن تذكرا المجازاة العظيمة المعدة فى السماء للمضطهدين والمعيّرين لأجل البّر... افرحا وتهللان كما فعل الرسل حينما حسبوا أهلاً أن يهانوا لأجل اسمه. وإذا حدث أن شعرت نفساكما ببعض الحزن، فدعا روح المسيح الذى فينا يقول لتلك النفس:

«لماذا أنتِ حزينة يا نفسى ولماذا تزعجيننى. ترجّى الله لأنى أحمده» (مز 43: 5)).

.. جمهرة كبيرة مجتمعة لمشاهدتكما حينما تجاهدان، وتدعيان للاستشهاد... إن ألافاً آلافاً يحتشدون لمشاهدة نزال يشترك فيه بعض من ذوى الشهرة البارزة. حينما تدخلان المعركة يمكن أن تقولا مع بولس "صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس". إذن فالعالم كله. الملائكة جميعاً عن اليمين واليسار. الناس طُرّأ الذين هم إلى جوار الله، والآخرين، الجميع سيسمعوننا ونحن نقاتل من أجل المسيحية. فإما ان الملائكة تبتهج والأنهار تصفّق بالأيدى، والجبال ترنم معاً، وكل أشجار الحقل تصفّق بأغصانها، وإما لا سمح الله تحدث قوات العالم السفلى فى جريمتنا وتشمت (مز 98: 8 مع إش 55: 12)].

9 - العلامة ترتليانوس:

يعتبر ترتليانوس أب علم اللاهوت فى الكنيسة اللاتينية، من حيث فضله على تقدم المصطلحات اللاهوتية. ومن اعلام المسيحية القدماء. نعرف القليل عن حياته مما تصمنته كتبه، وما ذكره عنه القديس جيروم فى كتابه "مشاهير الرجال". ولد نحو منتصف القرن الثانى المسيحى فى قرطاجنة بشمال أفريقية حيث كان والده يشغل منصب قائد فرقة رومانية تحت امرة حاكم أفريقيا... تثقف ثقافة يونانية ولاتينية عالية. وتظهر كتاباته معرفة كبيرة بالتاريخ والفلسفة والشعر والأدب القديم والمصطلحات القضائيلة وكل فنون المحاماة. ويبدو أنه اشتغل بالسياسة والمحاماة إما فى قرطاجنة أو فى روما.

عاش وثنياً حتى سن الثلاثين أو الأربعين ثم أعتنق المسيحية. وإن كنا نجهل الظروف التى قادته إلى هذا التحول، لكن الأمر الذى لا شك فيه أن هذا تم عن اقتناع عميق... ومنذ ذلك الوقت دافع عن المسيحية بلا أدنى خوف ضد هجمات الوثنيين واليهود والهراطقة... لكن للأٍف الشديد فقد أعتنق هرطقة المونتانيين Montanism بين سنتى 199، 203. ونحن نجهل تاريخ وفاته على وجه الدقة، لكنها على أى حال كانت بعد سنة 220م. ويتضح جلياً من مؤلفاته احتقاره للديانة الوثنية وللثقافة الوثنية، وحماسه الشديد للمسيحية. وله مصنفات كثيرة، لكن ما يهمنا فى موضوعنا هو مصنفاته الدفاعية عن المسيحية وكتاباته فى الحث على الاستشهاد والرد على اليهود. فيما يختص بكتاباته الدفاعية فقد كتب "رسالة إلى الأمميين الوثنيين"، "رسالة الدفاع أو الاحتجاج"، "والرد على اليهود". وله فى الدفاع عن الاستشهاد رسالة دعاها "ترياق العقرب". وحض على الاستشهاد والصبر على الاضطهاد فى رسالة دعاها "إلى الشهداء Ad Martyras"... وعند وفاة الامبراطور سبتميوس ساويرس وزع ابناؤه مالاً على الجنود. وتقدم الجنود فى المعسكرات لتناول نصيبهم من المال واضعين الأكاليل على رؤوسهم. ولكن أحدهم تقدم ممسكاً باكليله بيده ممتنعاً عن وضعه على رأسه، فلفت نظر السلطات. ولما استجوبوه قال انه امتنع عن وضع الاكليل على راسه لأنه مسيحى. فحكم عليه بالاعدام ونال اكليل الشهادة فكتب ترتليانوس رسالة "فى الأكاليل". وتفَرع عن رسالة الأكاليل رسالة أخرى فى الفرار من الاضطهاد أجاب ترتليانوس فيها عن السؤال: ايجوز للمسيحى أن يفرّ ويختبئ فى أثناء الأضطهاد؟

ومما جاء فى رسالته "إلى الشهداء" قوله: [لا تجعلوا انفصالكم عن العالم يخيفكم. فلو امعنا النظر فى أن العالم هو فى الواقع السجن الحقيقى فسنعرف أنكم لم تدخلوا سجناً، بل بالأحرى خرجتم من سجن... وإن كنتم تنتظرون المحاكمة كل يوم، لكنكم ستدينون القضاة أنفسهم... لا يهم أين تكونون فى العالم، أنتم الذين لستم من العالم].

10 - الشهيد كبريانوس:

ولد وثنياً حوالى سنة 200م او قبل ذلك، من أسرة شريفة ثرية. تثقف ثقافة عالية حسب مقتضيات عصره ووضعه الاجتماعى. ويبدو انه عاش منغماً فى الرذيلة شأن معظم شباب عصره. لكنه اهتدى إلى المسيحية وآمن على يد أحد الكهنة، وانضم إلى صفوف الموعوظين. ثم باع أملاكه ووزعها على الفقراء، مستبقياً القليل منها لسد احتياجاته. نذر العفة ونال نعمة العماد سنة 245. ثم رسم أسقفاً على قرطاجنة بناء على رغبة شعبها سنة 249. وأخيراً بعد جهاد حافل فى تلك الفترة الصعبة بسبب الاضطهاد، نال إكليل الشهادة سنة 258.

بدأ كبريانوس أسقفيته مع الاضطهاد المروّع الذى اثاره الامبراطور داكيوس (249 – 251) على الكنيسة المسيحية، وهو أول الضطهاد شامل عمّ أنحاء الامبراطور الرومانية كلها... اختبأ بعض الوقت حتى زال الاضطهاد. ويبدو أنه فعل ذلك باعلان إلهى. لكنه كان يرعى شعبه من مخبأه. وكتب رسائل كثيرة أرسلها من مخبأه تشديداً للمعترفين فى السجون والمناجم، واظهاراً لمجد الاستشهاد وتوصية للخدام والاكليروس بالعناية بالمعترفين والشهداء مادياً ونفسياً وروحياً...

كتب رسالة عنوانها "الرد على ديمتريانوس" يؤكد فيها أن المسيحيين ليسوا مسئولين عما حلّ بالعالم من ويلات الحروب والأوبئة. فالعالم أسن وشاخ وفسد وانحط فقل خصبة ونتاجه. والذنب فى ذلك ليس ذنب المسيحيين، بل هو ذنب الوثنيين الذين أخطأوا وارتكبوا الموبقات واضطهدوا المسيحيين، فأثاروا بذلك غضب الله واستحقوا القصاص.

وكتب مقالة معنونة "حث على الاستشهاد" موجهة إلى فورتوناتوس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلاً يقول فيها: [نحن الذين – بسلطان من الرب – مَنحنا المؤمنين العماد الأول، علينا أن نعد كلاً منهم للعماد الثانى، بحثهم وتعليمهم إن هذا العماد أعظم فى النعمة وأسمى فى القوة وارفع فى الشرف... بمعمودية الماء ننال مغفرة الخطايا، وبمعمودية الدم نظفر باكليل الفضائل... فى سفر الخروج قال موسى للشعب (لما خاف واشتهى الرجوع) "لا تخافوا. قفوا ونظروا خلاص الرب. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون". والرب فى إنجيله يحذرنا من أن نعود ثانية للشيطان وللعالم الذى رفضناه. وحيثما ننجو يقول: "ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله". وأيضاً: "والذى فى الحقل لا يرجع إلى الوراء. اذكروا امرأة لوط"... إننا على أبواب حرب اقسى وأشد. وعلى جنود المسيح أن يُعدوا ذواتهم لها بإيمان حىّ وشجاعة قوية، واضعين فى أعتبارهم أنهم يشربون يومياً كأس دم المسيح، حتى بذلك يمكنهم أن يسفكوا دماءهم لأجله].

دفاعات المدافعين

عرضنا لبعض شخصيات من مشاهير المدافعين عن المسيحية... والآن نتقدم لنلقى نظرة عامة على الاتهامات التى كان هؤلاء المدافعون يدفعونها عن المسيحية... نستطيع أن نحمل الاتهامات التى وجهها الوثنيين ضد المسيحيين فى ثلاثة اتهامات رئيسية ومن حيث النوع:

- اتهام اخلاقى، ادعوا فيه ان المسيحيين يحيون حياة فاسدة فاجرة.

- اتهام دينى، فقد قالوا ان المسيحيين كفرة بلا دين، أو يدينون بدين فاسد. وبسببهم تحل الكوارث نتيجة غضب الآلهة، لأنهم أعداؤها.

- اتهام سياسى، ادعوا فيه أنهم غير أوفياء للامبراطور، وأعداء للصالح العام، وانهم يؤلفون جماعة سرية.

والاتهامان الأول والثانى، اثارا كراهية عامة الناس، وكانا سبباً فى قيام اضطرابات وهياج شعبى. أما الاتهام الثالث فكان اخطرها وهو أساس الاتهام الرسمى حينما كانوا يقدمون للمحاكمات.

والآن نعرض لهذه الاتهامات الثلاثة، وملخص بردود المدافعين المسيحيين بشأنها...

أولاً – الاتهام الأخلاقى:

كان هو الاتهام البارز، وأساسه الغيرة التى تولدت عن الشك الذى كان يُنظر به إلى اجتماعات المسيحيين السرية التى كانت تعقد ليلاً بسبب عدم الحرية الدينية... كان يحدث مثلاً انه بينما الظلام باق – كان الوثنى يبحث عن زوجته التى آمنت بالمسيح فلا يجدها إلى جواره. فكان يساوره الشك الغامض... وقياساً على ما كان يحدث فى الطقوس الوثنية، اعتبرت الاجتماعات السرية المسيحية اجتماعات غير مقدسة.

كما سرت شائعات بخصوص مائدة العشاء الربانى... قالوا إن المتنثر حديثاً كان يطعن طفلاً بسكين حتى الموت، وبعد ذلك ينقض عليه الجميع بسرعة وشراهة، ويمزقونه إرباً إرباً ويلتهمونه. وتستمر اللذة فى التزايد. وعند اعطاء إشارة معينة تطفأ الأنوار، وينغمس الجميع فى شهوة بلا تمييز... ويذكر لنا أوريجينوس أن اليهود هم أصحاب هذه الشائعات ومروجوها... كانت هذه الشائعات تشويهاً لمائدة الافخارستيا.

وسمعوا أيضاً عن ولائم الأغابى (المحبة) ولم يكن لها سوى معنى بالنسبة لتخيلهم الدنس... فالحب والشهوة الجسدية بالنسبة للوثنى فى ذلك الوقت، كانا المفهومين المسيطرين على فكره... كانت الاحتفالات الدينية الوثنية، والفساد الشنيع هى المسيطرة على فكر الوثنيين. وكانت الطهارة أمراً نادراً لدرجة الشك فى امكان وجودها!! ومن هنا فقد شوّه الوثنيون ولائم المحبة المسيحية واعتبروها تهتكاً متطرفاً. وحسبوا الاغتذاء بجسد المسيح ودمه قتل طفل والتهامه.

ويرد على ذلك ترتليانوس فيقول: [يضيّق علينا الأعداء كل يوم، ويخوّنوننا كل يوم. وكثيراً ما نفاجأ فى اجتماعاتنا. ومع ذلك هل رأى أحد طفلاً يولول، او اكتشف أحد أى أثر للدنس فى زوجته؟! أين الإنسان الذى بعد أن اكتشف مثل هذه الفظاعة تستر عليها؟ أم انه بينما كان يُساق المتهم أمام القاضى ارتشى ليلوذ بالصمت...].

وكحقيقة نقول ان السلطات – من وقت للآخر – بذلت قصارى جهدها لتجمع أدلة على هذه الشائعات، لكنها فشلت... ويقول يوستينوس الشهيد ان بعض الإماء ارغمن تحت التعذيب ان يعترفن كذباً بهذه الاتهامات كأمور واقعية تحدث... استجوبت السلطات المرتدين، وكانوا بطبيعة الحال على استعداد تام من أجل نجاتهم أن يجدفوا على اسم المسيح، ومع ذلك لم يجرأوا أن يلطخوا سمعة المسيحيين الطيبة. وتلخصت شهادتهم فى أن المسيحيين يجتمعون معاً قبل طلوع الفجر للصلاة للمسيح، وليرتبطوا جميعاً معاً بواسطة سر مقدس ليمتنعوا عن كل الشرور، وليأكلوا معاً أكلة غير ضارة...

وفى النصف الثانى من القرن الثانى حدث اضطهاد شديد فى بلاد الغال (فرنسا)، وانتشرت تقارير عن رذائل المسيحيين بين عامة الناس، فثاروا عليهم كالمجانين... وللأسف دفع التعذيب الشديد بعض الإماء الوثنيات ان يتهمن سادتهن كذباً وزوراً بأكل لحوم البشر والفسق بالمحارم!! وكانت احداهن تدعى ببلياس Biblias، قد انكرت الإيمان أولاً، ثم استعادت قوتها تحت الآلام بصلوات الشهداء المجاهدين... هذه وقفت فى وجه المجدفين وقالت بشجاعة: [كيف يستطيع هؤلاء أن يأكلوا الأطفال، وهم يحرمون أن يذوقوا حتى دماء الحيوانات غير القاتلة].

وشخص يدعى اتاللوس Atallos من برغامس، وفيما كانوا يعذبونه وضعوه على كرسى حديدى وأشعلوا النار تحته، وتصاعد الدخان من جسده المشوى، فقال للشعب: [إن هذا الذى تفعلونه انتم هو التهام لأجسام البشر، أما فإننا لا نأكل البشر ولا نرتكب أى شئ آخر].

ويقول ترتليانوس فى دفاعه متسائلاً عما إذا كان من الممكن أن [أناساً يموتون كما ترونهم يفعلون، يعيشون على نحو ما تقولون أنهم يفعلون؟!]...

والحق أن ميتات المسيحيين كانت شهادة تثبت طهارة الحياة المسيحية. فحياة التساهل مع النفس ليست اعداداً لموت شهيد، لكن أولئك الذين كانوا يصلبون الجسد مع الأهواء والشهوات، بناء على طريقة روحية، هم الذين يحتمل – فى ساعة التجربة – أن يحتملوا فى شجاعة أكثر الآلام رعباً.

لقد رأى يوستينوس – وهو مازال وثنياً – فى شجاعة المسيحيين واستعدادهم لتحمل العذاب والموت دليلاً قوياً على خلو حياتهم من الشر والخلاعة والدنس...

وقال اثيناغوراس: [إن اخلاق المسيحيين العالية تدرأ عنهم مثل هذه الأتهام الظالم. لأن المسيحيين يعتقدون فى الله انه رقيب على أفكارهم وحركات قلوبهم، وانهم سيدانون عن كل فكر شرير. وهم يصونون ذواتهم عن النظرة الشريرة، فكم بالأولى يعفون عن الأفعال الدنسة. كما أن شريعتهم تفيدهم باعتبار الاقرباء كنفوسهم. فمن ثم يطالبون بأن يصونوا أجسام اخوتهم فى المسيح. ثم هم يزدرون بشهوات الحياة الحاضرة. والبعض منهم يحيون حياة طهر كامل، إذ نذروا أنفسهم لله واختاروا البتولية، واتجهوا إلى الله بالكلية. وبعضهم الآخر – وإن تزوج فبقصد انجاب البنين فقط، ويبغضون الزيجات الثانية، ويعتبرونها نوعاً من الزنى المتستّر، أى أنهم يقتنعون بالزيجة الواحدة. فليس عند المسيحيين اختلاط اوديبى. وهو فى الحقيقة يصدق على الوثنيين، وآلهة الوثنيين لا على المسيحيين. وكأنهم فى اتهامهم المسيحيين أيدّوا صدق المثل القائل: [العاهرة تعيّر العفيفة].

والمدافعون المسيحيون – وهم بصدد دفع مثلا هذه الاتهامات – استشهدوا بحياة المسيحيين الخالية من الشر. كما اشاروا إلى التغيير الذى احدثته المسيحية فى حياة الكثيرين. يقول يوستينوس: [الوثنيون يحسبوننا مجانين لأننا نعبد هذا المسيح الذى صلب فى عهد بيلاطس البنطى كإله مع الآب. لكنهم لو عرفوا سرّ الصليب، لما قالوا ذلك. لكنهم يكنهم أن يعرفوه عن طريق ثماره. فنحن الذين عشنا قبلاً فى الفجور نتعلم الآن العفة. نحن الذين استخدمنا السر، كرّسنا ذواتنا للخير – الإله المتأنس. نحن الذين احببنا المال والمقتنيات أكثر من أى شئ آخر، نقدّم ما نملك عن رضى للخير العالم، ونعطى كل محتاج. نحن الذين حاربنا وقتلنا بعضنا بعضاً نصلى الآن لأجل أعدائنا. أولئك الذين يضطهدوننا عن كراهية، نحاول برفق أن نهدئهم، على رجاء أن يشتركوا فى نفس البركات التى نتمتع بها]... وعن نفس هذا المعنى يقول ترتليانوس: [إن الاسم المكروه (مسيحى) يُطلق على الشخصية التى أصلحت... لقد أبغض الوثنيون المسيحية أكثر مما أحبوا الصلاح... أنك لن تجد مسيحياً فى السجون إلاّ بسبب اسمه. وإذا وجد لأى سبب آخر فهو لم يعد مسيحياً]...

يمضى ترتليانوس وهو يشرح كيف أن المسيحيين ابرياء من أية جريمة فيقول: [فضيلتهم مؤسسة على ديانتهم. مفهومهم للفضيلة تعلموه من معلمهم الإلهى. شريعتهم الاخلاقية تعلموها من شفاه الإلهية. ويتوقعون أن يحاكموا أمام قاض إلهى. وعقيدتهم فى العذاب الأبدى انه جزاء الخطية، وإن الحياة الأبدية مجازاة عن الصلاح. وفضلاً عن ذلك، فالوصايا التى وضعت عليهم متسعة داً حتى انها تشمل كلمات الشفاة وأفكار القلب...].

ويقول المدافع المسيحى ارنوبيوس: [لماذا تستحق كتبنا أن تلقى فى النار، وان تمنع اجتماعاتنا بالقوة؟ فى هذه الاجتماعات ترفع صلوات للإله الواحد، ونسأل السلام والغفران لكل من له سلطان: للجنود والملوك للأصدقاء والأعداء، لأجل الأحباء والذين اعتقوا من رباطات الجسد. كل ما يقال فى هذه الاجتماعات يتجه إلى جعل الناس خيرين، لطفاء، متواضعين، فضلاء، أطهاراً، أسخياء فى معاملاتهم المادية].

ومن الانصاف القول إن هذا الاتهام لم يصدقه الوثنيون النابهون فى أى وقت من الأوقات، لكن عامة الشعب اعتقدوا فى صحتها بناء على الشائعات الكثيرة. وان كانت السلطات اعتمدتها من أجل خدمة اغراضهم. ومن أمثلة ذلك انه فى اضطهاد دقلديانوس كانوا يحكمون على العذراى بأن يودعن بيوت الدعارة، وذلك لعلم المضطهدين أن وصمة العار للطهارة والعفة المسيحية لهى أكثر رعباً لهن من أية عقوبة أو ميتة!!

ثانيا – الاتهام الدينى:

اتهم المسيحيون أنهم إما كفرة وبلا إله على الاطلاق، وإما انهم يعبدون أشياء شاذة... ومن ذلك قولهم ان المسيحيين يعبدون الشمس. ولعل ما شجع على ذلك أن يوم الأحد Sunday هو يوم عبادة المسيحيين وكذلك اتجاههم نحو الشرق فى صلواتهم... والبعض ظنوا أنهم يعبدون الصليب، لأن المسيحيين كانوا يعتزون بالصليب ويرسمونه على ذواتهم.

ويقول يوستينوس الشهيد فى دفاعه عن هذا الاتهام: [حقاً اننا ملاحدة (فى نظر الوثنيين)!... نحن كذلك بالنسبة لآلهتكم. لكننا لسنا كذلك بالنسبة لإله الحق، أب البرّ والحكمة والفضائل جميعاً، الكلى القداسة]... وقال اثيناغوراس فى دفع هذا الاتهام: [إن المسيحيين يعبدون إلهاً يختلف فى صفاته عن آلهة الوثنيين فهو روح سرمدى (أزلى أبدى)، بسيط متميز عن المادة. وهو الخالق الواجب الوجود المسيطر على الكون. فهو إذن واحد وليس غيره إله. والمسيحيون مؤمنون بالله وليسوا ملحدين، وإنما هم يعفون عن ضحاياكم الدموية، لأن إلههم لا يطلب غير ضحية القلب والطهر وحسن السلوك].

كان هذا الاتهام – الكفر – أكثر رواجاً بين عامة الناس. وربما تهمة الكفر كان لها ما يؤيدها فى نظر الوثنيين. فقد كانت اماكن عبادة المسيحيين خالية من متطلبات العبادة التى اعتادوا رؤيتها فى معابد كافة الديانات. وعلى هذا الأساس قال الفيلسوف الوثنى كلسوس: [فطالما أن المسيحيين ليس لهم معبد، فبالتالى ليس لهم آلهة].

ومما زاد الأمر صعوبة بالنسبة للمسيحيين أن الخرافات كانت تسيطر على عامة الناس فى زمن الكوارث كالزلازل والفيضانات والقحط والمجاعات والأوبئة... فكانت الصيحات تتعالى بأن هذه الكوارث بسبب غضب الآلهة لأن معابدها اهملت بسبب المسيحيين...

كان هذا الاعتقاد سائداً ومسيطراً على العقلية الرومانية، لذا اهتم كثير من المدافعين بدحض هذا الاتهام واظهار أن لا أساس له...

يقول المدافع ا لمسيحى ارنوبيوس أن هذه الكوارث كنت تحدث قبل ظهور المسيحيين بزمان طويل [انها ثلثمائة سنة منذ أن بدأنا نحن المسيحيين فى الظهور. كم من حروب توالتن وكم من محاصيل خابت؟ ثم ألم يحدث فى أيامنا سلام غامر على الأرض؟ على عكس ذلك، لقد كانت هناك دائماً أوفر محاصيل القمح ومواسم الرخاء. واحرزت الدولة انتصارات لا حصر لها. واتسعت رقعة الامبراطورية وامتدت حدودها. انه من الانصاف ان تنسبوا نجاحكم لنا، كما تحاولوا ذلك فى كوارثكم. وفضلاً عن ذلك، فهل من المناسب أن تنسبوا الغضب والحقد للآلهة الخالدة. اتوجد هذه الانفعالات فى عقول الآلهة؟!. ثم إذا كنا نحن الذين نكدرها، فهل تحتاج الآلهة إلى محاماتكم العنيفة عنها لتنتقموا بالاهانات الموجهة إليها؟ كان فى امكانها أن تبيدنا وتمحونا عن وجه الأرض بالحرارة والبرد، بالعواصف والأمراض. لماذا لا تظهر قوتها إن كانت غاضبة حقاً؟ وإلى جانب ذلك، إذا كنا نحن وحدنا نكدرها، فلمَ لا يحل الانتقام بنا وحدنا؟].

ونفس المعنى ردده ترتليانوس وقال: [كل ذلك حدث قبل أن يذكر اسم مسيحى بزمان طويل... وكحقيقة فإن المسيحيين يخففون من الكوارث التى تأتى على الأرض. فبينما يتوسل الوثنيون فى زمان الكوارث والفزع طالبين من الآلهة النجاة بتقريب القرابين والمواكب الدينية، فإن المسيحيين بالصوم والصلاة والامتناع عن الشر والمتع المادية يفتحون السماء بلجاجتهم. انهم يمسّون قلب الله، وهو يترأف، لكن جوبتر هو الذى يحظى بالكرامة].

ثالثاً – الاتهام السياسى:

وهو أهم الاتهامات واخطرها جميعاً. ويتلخص فى أن المسيحيين يؤلفون جماعة سرية، ويتبعون ديانة جديدة محرمة، وهم غير أوفياء للامبراطور، وغير منتجين للدولة!!

من جهة الجماعات السرية، كان حماس الرومان ضدها شديداً جداً... ولعل هذا الاحساس تولد نتيجة أن ثمة سرية كانت تحوط المسيحيين وديانتهم، وكانت هناك أمور كثيرة تثير الشك... كان المسيحيون جماعة من الناس من كل الشعوب تنمو وتنتشر كل يوم، ويرتبطون برباط معين لغرض غير معروف... عدم محبتهم للعالم والازدراء بكراماته ومباهجه كانت تظهرهم بمظهر يضاد بقية الناس... وكانت تشيع شائعات عن مملكة يؤسسونها، وهى ليست شئ غير ملكوت المسيح على الأرض وهو ملك روحى.

من جهة ان المسيحية ديانة جديدة محرمة:

قد يبدو لأول وهلة أن اضافة ديانة جديدة إلى الديانات القائمة أمر ليس خطيراً. وماذا يضر الدولة فى ذلك... لكن المسألة أن المسيحية من حيث طبيعتها ورسالتها، كان التقاؤها بالوثنية على صعيد واحد أمراً مستحيلاً لأن كلاهما خصم للآخر: ولعل ذلك يتضح من استعراض بعض النقاط:

[المسيحية جاءت كديانة مسكونية على عكس المعبودات المحلية وعلى عكس اليهودية أيضاً].

[المسيحية نادت بانها الديانة الوحيدة الحقة].

[المسيحية علمت بفصل الدين عن الدولة].

[الحماس الشديد للروحانية بالمقارنة مع النشاط الاجتماعى].

فالمسيحية أتت بمفاهيم جديدة تماماً من جهة العبادة – لم تعد الديانة مجموعة من العبادات تتكرر أو صيغ غير مفهومة لم تعد مادة بل روحاً – غيرت المسيحية طبيعة العبادة وشكلها لم يعد الإنسان يعطى الإله المأكل والمشرب. ولم تعد الصلاة صيغة لعزيمة سحرية بل أصبحت عملاً من أعمال الإيمان، وحلت المحبة محل الخوف من الإله المعبود – لم يعد أجانب أو غرباء بالنسبة لإله المسيحيين، ولم يعد الاجنبى يدنس المعبد أو ينجس القربان لمجرد حضوره، بل صار إلى المسيحيين أباً لكل من يؤمن. ولم تعد الديانة تأمر ببغضاء الأجنبى بل علمته محبة الأعداء. هكذا خفضت المسيحية الحواجز بين الشعوب والاجناس، وعلمت أن جميع الشعوب انحدروا عن أب واحد.

فالمسيحية فى صميمها ديانة تبشيرية تسعى نحو الآخرين، وكان هذا موضع سخرية أن تدعو جميع الشعوب فى آسيا واروبا وافريقيا، من اليونان والبربرة والساكنين فى أقصى الأرض، وضمّهم إليها تحت شريعة واحدة. وأكثر من ذلك أنها انكرت عبادة الامبراطور التى قصد بها الرومان توحيد العالم برباط دينى واحد. وهكذا بدت المسيحية كديانة مسكونية تشكل منافساً خطراً.

وقد رد المدافعون المسيحيون على حداثة المسيحية كديانة أن ظهورها كان يحتاج الإعداد تاريخى به يتدرب الجنس البشرى تقوياً لاقتبال المسيح... وقيل ان المسيحية كانت فى علم الله وحكمته منذ الأزل وهذا يظهر فى نبوات الأنبياء. وقد اثبتت المدافعون قَدم كتابات موسى وما حوته عن كل الكتابات الوثنية. وبذا استطاع المدافعون أن يرجعوا المسيحية إلى ما قبل الطوفان بل إلى جنة عدن!! واثبتوا حداثة الآلهة الوثنية بالمقارنة مع المسيحية بأصولها وجذورها.

وارنوبيوس المدافع المسيحى يشير إلى التحسينات فى العلم والفن والحضارة. ويتساءل هل فى هذا شئ ردئ لأنها جديدة؟ ويقول ان المسألة نسبية [ان معتقدنا الذى نتمسك به جديد، وسيصبح يوماً ما قديماً. ومعتقدكم الآن قديم، لكنه حين ظهوره كان جديداً ولم يسمع به. وصحة الديانة لا تقرر بناء عن عمرها بل عن طبيعتها. اننا نعترف أن ديانتنا لم يكن لها وجود منذ اربعمائة سنة، ولكن منذ الفى سنة أيضاً لم يكون لآلهتكم وجود].

من جهة عدم الولاء للامبراطور:

اعتبر المسيحيون غير موالين للامبراطور لأنهم رفضوا أن يقدموا له احترام العبادة ورفضوا أن يجعلوا منه إلهاً، فاعتبروا خونة!!

ويدافع يوستينوس الشهيد عن هذا الاتهام فيقول: [إننا نعبد الله وحده، لكن ليس ما يمنع أن نطيعكم بسرور، ونعترف بكم كملوكنا وحكامنا، ونطلب لأجلكم أن تضاف الحكمة إلى السلطة الجليلة التى تتقلدونها حتى ما تحسنوا استخدامها]. ويخبرنا المدافعون بأن المسيحيين كانوا على أتم استعداد لتقديم كل الاكرام اللائق بالبشر للامبراطور كرعايا أتقياء أوفياء. واوضحوا انه لا وجود للمسيحيين بين المتآمرين، لأن ديانتهم تمنعهم من أن يريدوا الشر لأى أحد سواء بالعمل أو الكلام أو الفكر.

أما القول بعدم نفع المسيحيين للدولة...

ولعل ذلك نشأ نتيجة اهتمام المسيحيين بالروحيات بالمقارنة بالنشاط الاجتماعى، واحساسهم بأنهم ليسوا من العالم ويجب عليهم ألا يحبوا العالم وكل ما فيه... ولذا كان المسيحيون يعزفون عن العالم ومباهجه ولا يرتاحون إليها، ولا يشاركون مواطنيهم الرومان فى حفلاتهم العامة التى فيها من الأمور ما يتنافى مع مبادئهم وسلوكهم.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

نماذج من المدافعين عن العقيدة

‹

باقة من المدافعين عن الإيمان والعقيدة

المحتويات
المحتويات