هذا الفصل هو جزء من كتاب: إيماننا الأقدس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
(أ) كنيسة مضطهدة:
الكنيسة المسيحية هى جسد المسيح غير المنظور أو جسد المسيح السرى. هذا الجسد الذى يتألف من المؤمنين بالمسيح فى كل مكان فى العالم... والكنيسة كما أنها جسد المسيح غير المنظور هى أيضاً عروس المسيح الملك... والمسيح هو الكرمة والمؤمنون متحدين به كالأغصان (يوحنا 15: 5)...
فكل ما حل بالمسيح وهو بالجسد فى العالم يستمر حدوثه لكنيسته... فالآلام والضيقات هى سمات الرب يسوع (غلاطية 6: 17)
أى العلامات المميزة للرب يسوع، وهى الآلام... فقد شهد عنه الكتاب المقدس أنه "رجل أوجاع ومختبر الحزن" (إشعياء 53: 3)... لنستمع إلى ما قاله المسيح له المجد قبيل آلامه: "إن كان العالم يبغضكم، فاعلموا أنه قد أبغضنى قبلكم. ولو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم. اذكروا الكلام الذى قلته لكم. ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا قد اضطهدونى فسيضطهدونكم. وإن كانوا قد حفظوا كلامى فسيحفظون كلامكم لكنهم إنما يفعلون بكم هذا كله من أجل اسمى..." (يوحنا 15: 18 - 21)... "لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون بالياس" (لوقا 23: 31)... ويعنى بالعود الجاف البشر الخاليين من الصلاح.
وفى إرسالية السيد المسيح التدريبية لتلاميذه سواء الاثنى عشر او السبعين، يحدد لهم معالم الطريق. فيقول لهم: "ها أنا أرسلكم كغنم (كحملان) فى وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحمام. ولكن إحذروا من الناس. لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس. وفى مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم... وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت، والأب ولده. ويقوم الأولاد على والديهم ويقتلونهم. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى" (متى 10: 16 - 22؛ لوقا 10)...
بل يصل الأمر فى نظر العالم إلى مفهوم عجيب. وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولاعرفونى "(يوحنا 16: 2، 3)... ما هذا؟! من يقتل المسيحيين يظن أنه يقدم خدمة لله؟! لكن لعلنا جيمعا ً نذكر قول المسيح:" فى العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم "(يوحنا 16: 2، 3).
مبدأ الباب الضيق:
وضع السيد المسيح مبدأ هاماً للحياة الروحية لأولاده.
هذا المبدأ الهام هو مبدأ الباب الضيق...
هذا المبدأ واضح فى تعاليمه الأساسية التى ضمنها عظته الخالدة على الجبل... "إدخلوا من الباب الضيق لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذى يؤدى إلى الهلاك وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذى يؤدى إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه" (متى 7: 13، 14).
ومبدأ الباب الضيق مبدأ نفذ وينفذ ويجب أن ينفذ على مستوى المؤمن العادى وعلى مستوى جماعة المؤمنين الذين يؤلفون كنيسة المسيح... لقد ولد المسيح بالجسد وهو يحتضن الصليب... لم يكن الصليب حدثاً إستخدث فى فكر المسيح. ولكنه من أجل هذا الصليب أتى إلى العالم لفداء البشر وخلاصهم. فلم يكن الصليب إذاً شيئاً مستحدثاً حدث نتيجة التطورات التى أعتملت فى قلوب اليهود ورؤساء الكهنة. ربما كان هذا من زاويتهم. لكن بالنسبة للمسيح كان هذا الأمر مقرراً منذ الأزل.
ففى الوقت الذى أعلنت فيه السماء مجده وقت ولادته. كان هيرودس يدبر لقتله، وأحداث مذبحة مروعة بأطفال بيت لحم الابرياء... على أن الصليب لم يبرح مخيلة السيد. وعن ذلك يقول داود النبى متنبئاً: "وجعى مقابلى دائماً" (مزمور 38: 17). وكمثل السيد هكذا أولاده. وكمثل المسيح كذلك كنيسته التى هى جسده. لقد ولدت هى الأخرى وجاءت إلى العالم وهى تحتضن الصليب.
وما أكثر الضيقات التى صبت على الكنيسة الناشئة. فى شخص قادتها الرسل وشمامستها ومؤمنيها منذ تأسيسها فى يوم الخمسين وعبر الأجيال... هكذا يتكلم الوحى الإلهى فى سفر الخروج: "للرب حرب مع عماليق من دور فدور" (خروج 17: 16). ويعبر عن ذلك معلمنا بولس فيقول: "الخليقة كلها تئن وتتمخض معاً"...
إن آلام المخاض تتوقف فقط بنزول المولود من أحشاء أمه. وعلى هذا القياس، سوف نل نتمخض حتى نخلع الجسد...
الخليقة كلها تئن تتمخض معاً، ونحن الذين لنا باكورة الروح نئن فى أنفسنا متوقعين التبنى فداء أجسادنا (رومية 8: 22، 23).
هذه هى طبيعة الكنيسة... أنها كنيسة جاءت إلى العالم نتيجة ضقة عظيمة، هى صلب المسيح. وحياتها تستمر فى الضيقة وتنمو بالضيقة. فالضيقات ليست غريبة على الكنيسة سواء بالمفهوم العالم أو بمفهوم المؤمنين.
من أجل هذا نرى معلمى المسيحية الأوائل يعتبرون الاضطهادات والضيقات والآلام أمراً طبيعياً...
أى ليس جديداً هذا النصح أقدمه لبعض أولادنا الذين يشكون متألمين... لابد أن نعرف وضعنا فى العالم... وضعنا أننا لابد أن لنا أن نحمل الصليب "إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى"... هذه هى معالم الطريق الذى أسلكه. وعلىَّ حينما اصطدم بضيقة ألاَّ أتضايق. وأظل أتساءل لماذا حدث هذا؟! ماذا فعلت حتى أدركتنى هذه الضيقة؟ هذا أمر طبيعى... لنسمع إلى ما قاله الآباء الرسل والقديسون فى هذا الشأن:
يقول معلمنا القديس بولس الرسول: "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فيلبى 3: 10). كان على الرسل أن يشرحوا هذا الأمر للمؤمنين... فبولس بعد أن رجم فى مدينة لسترة حتى ظن أنه مات كان مع برنابا.
"يشددان أنفس التلاميذ (المؤمنين). ويعظانهم أن يثبتوا فى الإيمان وأنه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكتوت السموات" (أعمال الرسل 14: 19 - 22)...
وكلمة ينبغى أى يتحتم علينا شئ ضرورى ولازم.
ويكتب نفس الرسول إلى أهل تسالونيكى يقول: "أرسلنا تيموثاوس أخانا وخادم الله والعامل معنا فى إنجيل المسيح حتى يثبتكم ويعظكم لأجل إيمانكم. كى لا يتزعزع أحد فى هذه الضيقات فإنكم أنتم تعلمون أننا موضوعون لهذا. لأننا لما كنا عندكم سبقنا فقلنا لكم إننا عتيدون أن نتضايق كما حصل أيضاً" (تسالونيكى الأولى 3: 2 - 4). إننا موضوعون لهذا... أننا موضوعون للألم والضيقات. من أجل هذا قلت لكم إنها طبيعة الكنيسة بالمفهوم العام والكنيسة بمفهومنا نحن جماعة المؤمنين. ثم يعود بولس الرسول ويكتب إلى أهل تسالونيكى فيقول لهم: "إن الاضطهادات والضيقات التى تحتملونها مبنية على قضاء الله العادل أنكم تؤهلون لملكوت الله الذى لأجله تتألمون أيضاً. إذ هو عادل عند لله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً. وإياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته" (تسالونيكى الثانية 1: 4 - 7).
وهكذا فهمت الكنيسة – كنيسة المسيح – حقيقة وطبيعة رسالتها وأين تسير... لقد أيقنت الكنيسة أنها تسير فى طريق الجلجثة عبر جثسيمانى. وكان لابد لنا على المستوى الفردى أن نقطع الطريق مع المسيح من مذود بيت لحم إلى الجلجثة عبر جثسيمانى الذى يمثل بستان الدموع...
من أجل هذا نستمع إلى القديس بطرس الرسول فيما كان يتكلم عن آلام المسيح يقول للمؤمنين: "إذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد تسلحوا أنتم أيضاً بهذه النية" (بهذا المثال حسب الترجمة القبطية) ثم يستطرد ويقول: "أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التى بينكم حادثة لأجل إمتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب. بل كما إشتركتم فى آلام المسيح افرحوا لكى تفرحوا فى إستعلان مجده أيضاً مبتهجين إن عيّرتم باسم المسيح فطوبى لكم" (بطرس الأولى 4: 1، 12 - 14)...
انتم تعلمون أنى أذهب مساء كل يوم خميس إلى مدينة المحلة الكبرى لأعطى عظة أسبوعية. فإذا حدث أنى فى إحدى المرات عدت إلى طنطا دون أن ينهال علىَّ أحد الإخوة الخارجين بالسب والشتيمة، كنت أقول لنفسى: [اليوم لم أنل البركة المعتادة]... كانت ترن فى أذنى كلمات الرسول بطرس:
"إن عيّرتم باسم المسيح فطوباكم".
إنسان يريد أن يأخذ هذا التطويب عليه أن يحتمل إذا شُتم أو أهين...
عليك أن تعرف أنك موضوع لهذا. وعليك أن تعد نفسك لهذا الأمر، حتى إذا ما حدث لا تكون مفاجأة لك. اعدد نفسك فى هذا المجال على كل المستويات... إنسان يقول أنا مستعد لتقبل الإهانة لكن لا يقربوا مرتبى [عض قلبى ولا تعض رغيفى]... لا... ليس هذا صحيحاً... كن مستعداً لعض رغيفك (أى رزقك) وعض كل جزء فيك ليحدث ما يحدث أذكر أنك موضوع لهذا. أنت تأخذ إهانة، إنما مقابلها تنال بركات. ولو كانت المسيحية ضيقات دون فرح أو تعزية، ما كان أحد يتبع المسيح... لكن مبارك هو الله الذى لا يعطى فقط مع التجربة المنفذ، بل يعطى تعزيات روحية عجيبة، "عند كثرة همومى فى داخلى تعزياتك تلذذ نفسى"!! هذا ما هو إختبره المعترفون والشهداء...
ويصف القديس يوحنا فى سفر الرؤيا الكنيسة والمفديين من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة وهم واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفى أيديهم سعف النخل، علامة النصرة، بقوله:
"هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة
، وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم فى دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهاراً وليلاً فى هيكله، والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس، ولا شئ من الحر، لأن الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم، ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم "(رؤيا 7: 9 - 17). وفى أكثر من موضع يتناول سفر الرؤيا الحرب الدائرة بين التنين (الشيطان) وبين الكنيسة والقوات الإلهية، معبراً عنها برموز مختلفة...
هذا كله أيها الإخوة الأحباء عن طبيعة الكنيسة من جهة الضيقات والاضطهادات والآلام بصفة عامة. أما هذه الضيقات والاضطهادات فقد أخذت مظهرين: مظهر إضطهاد المؤمنين من أجل إيمانهم المسيحى بالرب يسوع بكل ما يحويه هذا الإيمان ومظهر الإنقسام داخل كنيسة المسيح وتحريك المبتدعين والهراطقة وزرع الآراء الفاسدة المنحرفة، وما يحدثه ذلك من بلبلة كبيرة تنتهى إلى إنقسام كنيسة المسيح إلى شيع ومذاهب. وسوف نتكلم عن هذا فيما بعد.
لكن ما هى حكمة الله فى أن يسمح أن تحيا كنيسته فى الضيق مضطهدة متألمة؟
إن الضيقات التى كثيراً ما تأتى على الكنيسة بصفة عامة وعلى المؤمنين بصفة خاصة، تدفع كثيرين إلى التساؤل والدهئة بل أحياناً إلى التشكيك. وللأجابة على ذلك نقول:
أولاً – التضييق يتناسب مع طبيعة البشر الذين منهم تتألف الكنيسة.
الإنسان منذ البدء – أتى إلى عالم بنبت له شوكاً وحسكاً. كان الإنسان يعيش داخل الفردوس وطُرد منه... لكن عصيانه طرده وأبعده عن الجنة... وحالما سمع آدم وحواء صوت الرب الإله ماشياً فى الجنة أختبأ كلاهما... نادى الله آدم، وحينما سأله "أين أنت؟" كان جوابه "سمعت صوتك فى الجنة فخشيت لأنى عريان فاختبأت"... ولنا أن نعجب من تصرف آدم وحواء من جهة خوفهم واختبائهما. فالظلام لا يجتمع مع النور، والحق ينفر من الباطل، والقداسة لا وجود لها مع الشر، والعرى لا يتناسب مع النعمة... إبتدأ الإنسان يخاف الله ويخشاه... ومعنى ذلك أن الإنسان فقد محبته لله لأنه كما يقول يوحنا الرسول: "لا خوف فى المحبة، بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج. لأن الخوف له عذاب. أما من خاف فلم يتكمل فى المحبة" (يوحنا الأولى 4: 18).
إن تألم الإنسان فضلاً عن أنه تنفيذ لعقوبة، فهو مناسب لطبيعة الإنسان الذى له روح وجسد. فهذا الجسد يتشهى دائماً ما هو ضد الروح... كان الإنسان فى الفردوس وسط الراحة بكل ما فى هذا الكلمة من معنى، ومع ذلك أخطأ وطرد... لذا فإن طبيعته تتطلب إنضباطاً وتضييقاً...
الله الكلى الحب والحنان لا يكلفه شيئاً إن هو أعطى الإنسان كل ما يريد ويشتهى...
إنى أتذكر هنا قول القديس بولس الرائع عن الله: "الذى لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين، كيف لا يهبنا أيضاً معه كل شئ" (رومية 8: 32)... إنه لا يكلف الله أن يهبنا مع المسيح كل شئ... لكن ذلك لا يتناسب مع طبيعة الإنسان المتقلبة المترددة الميالة للشر... لقد خلق الله الإنسان حراً مريداً، وحرية الإرادة هذه التى هى ميزة كبرى، هى فى نفس الوقت سر البلاء والحزن والشقاء للإنسان. لذا لا علاج للإنسان من هذه الزاوية إلاَّ ضبط النفس والتضييق عليها. من هنا نفهم سر وصية المسيح التى قالها "إجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق". وتدرك لماذا قال القديس بولس الرسول، ذلك العملاق الروحى: "أقمع جسدى وأستعبده، حتى بعدما كرزت للآخين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" (كورنثوس الأولى 9: 27)... عجباً على ذلك الرجل بولس الذى رغم كل ثقل النعمة التى عملت فيه، والمعجزات الكثيرة التى أتاها، والرؤى الروحية التى أعلنت له، يخاف على خلاص نفسه... يخشى أنه يصير مرفوضاً!!
لكنه حرص القديسين ومعرفتهم لخبايا النفس البشرية، وسر ضعفها، هو الذى حملهم أن يلقوا بأنفسهم وبكامل إرادتهم وسط الضيقات... كانوا يتركون الراحة سعياً وراء المشقة، وكانوا يبحثون عن كل باب ضيق ليدخلوا منه... إن سياسة التدليل فى تربية الطفل تفسده... بهذا المنطق يتعامل الله معنا... إنه – فى الوقت الذى يحبنا للغاية، لا يريد أن يدللنا فتفسد حياتنا... إنه لا يعطينا ما نشتهيه، لكن ما نحتاجه... ما اصدق كلمات الرسول بولس عن الأرملة "أما المتنعمة فقد ماتت وهى حيّة" (تيموثاوس الأولى 5: 6)... وما يُقال عن الأرملة يناسب كل إنسان.
ثانياً – التضييق يتناسب مع حياة الجهاد واليقظة اللذين يجب أن تحياهما الكنيسة فى شخص أعضائها.
الجهاد يا أحبائى عنصر لا يتجزأ من مكونات الحياة المسيحية. فالمسيح له المجد بعد أن تكلم عن شخصية يوحنا المعمدان الصارمة ممتدحاً إياه أمام الجموع، لأنه ليس قصبة تحركها الريح أو إنساناً لابساً ثياباً ناعمة كمَن هم فى قصور الملوك. وبعد أن إمتدح صرامته ونسكه، قال معقباً:
"ملكوت السموات يُغصب، والغاصبون يختطفونه" (متى 11: 7، 8، 12)...
أى أن الأمر يحتاج إلى غصب النفس والإرادة... مفروض فى الإنسان أن يجاهد ضد كل شهواته وميوله الرديئة المنحرفة... ذلك الجهاد الذى يصفه بولس الرسول بأنه جهاد قانونى "ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكى يرضى مَنْ جنده. وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً" (تيموثاوس الثانية 2: 4، 5).
لكن إلى أى حد يصل جهاد الإنسان... يجيب عن ذلك الرسول بولس...
"لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية" (عبرانيين 12: 4)...
وهذا هو عين ما عبر به مار إسحق المتوحد الناسك رداً على سؤال لتلميذ له: [تسألنى إلى أى حد تجاهد. وأنا أقول لك جاهد حتى الموت. لأنه خير لنا أن نموت فى الجهاد من أن نحيا فى السقوط].
ثالثاً – إن التضييق والألم وإحتمالهما هو تعبير عن الحب:
يقول رب المجد يسوع: "ليس حب أعظم من هذا أن يضع واحد نفسه لأجل أحبائه" (يوحنا 15: 13)... فالألم هو شركة مع الرب الذى تألم لأجلنا "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فيلبى 3: 10)... شركة آلامه...!! هل تظن أحد أنه ينال المجد دون مقابل...؟ لا... لابد من الثمن، الذى هو ليس شئ آخر سوى الإشتراك مع رب المجد فى آلامه...
"إن كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضاً معه" (رومية 8: 17)...
"نتألم معه"... أين نتألم معه... بل أين هو حتى ما نتألم معه؟! التفتوا يا أحبائى إلى ما يقوله الرسول... إن الرسول بولس لم ير المسيح بالجسد. ومع ذلك يقول: "إن كنا نتألم معه"... إن كل ما يقابل الإنسان المؤمن من ضيقات وآلام، بينما هو يسير فى طريقه مع الله، إنما هو ألم لأجل المسيح. بل أكثر من هذا... حينما نتألم نحن، فالمسيح يتألم معنا... وحينما التقى المسيح بشاول الطرسوسى (بولس الرسول) على مقربة من دمشق، قال له معاتباً "لماذا تضطهدونى"؟!...
وأتصور شاول يقول فى نفسه بعد أن سمع هذه الكلمات: [أين رأيتك أيها الرب حتى أضطهدك، بل هل حدث أن تقابلت معك؟!]... لكن جواب الرب: "بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم" (متى 25: 40). يقول معلمنا بولس الرسول أيضاً: "أكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة" (كولوسى 1: 24). ما معنى هذا الكلام؟ هل شدائد المسيح ناقصة حتى أكملها؟! فإن كان الأمر كذلك فكيف قال المسيح على الصليب "قد أكمل"... كلام السيد المسيح على الصليب يتعلق بالفداء الذى أتمه وأكمله على الصليب... لكن المسيح مازال يعمل حتى الآن "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل"... "تكونون لى شهوداً فى أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض" (أعمال الرسل 1: 8). من جهة تقديم المسيح لكل نفس والكرازة باسمه، فهذا العمل لم يكمل حتى الآن، بل سيستمر إلى نهاية العالم حتى يأتى المسيح الديان... وعلى ذلك فنحن الآن نقوم بعمل المسيح ونقدم الشهادة عنه، ونحاول أن ننشر ملكوته... وفيما نحن نفعل هذا فنحن نكمل نقائص شدائد المسيح فى أجسامنا لأجل جسده الذى هو الكنيسة...
رابعاً – كون الإيمان المسيحى ينتشر أفقياً ورأسياً رغم الاضطهادات والضيقات الشديدة التى صادفت المسيحية والتى وصلت إلى موت الشهادة لأعضائها إنما هو دليل على أن المسيحية هى عمل إلهى بالدرجة الأولى وليست من صنع البشر.
يقول المؤرخ الكبير فيليب شاف: [نحن لا نعرف ديانة أخرى – غير المسيحية – إستطاعت أن تصمد لفترة طويلة – قرابة ثلاثة قرون – من الزمان فى مقاومة متصلة من التعصب اليهودى والفلسفة الأغريقية، والسياسة الرومانية وقوتها. ما من ديانة أخرى كان يمكنها أن تنتصر فى النهاية على أعداء كثيرين، بالقوة الأدبية الروحية وحدها، ودون الاستعانة بأية وسائل مادية لمساندتها].
من أين نبدأ فى إستعراض هذا اللون من الاضطهاد وما يقابله من ثبات وبقاء؟
المسيح له المجد جرد أتباعه من كل شئ ليس السلاح وحده بل وحتى الطعام وعمله التعامل والثياب... لا تحملوا لكم كيساً ولا مذوداً ولا نحاساً فى مناطقكم ولا عصا للطريق ولا ثوبين... وبالجملة لا تأخذوا شيئاً على الاطلاق... وعوض هذه كلها، خذونى أنا زاداً للطريق تغتذون عليه، وثياباً تستترون بها، وعوناً لسد كل إحتياجاتكم (انظر متى 10: 9، 15؛ مرقس 6: 8؛ لوقا 9: 10: 4) هكذا عاشت الكنيسة المسيحية خاصة فى تاريخها المبكر...
نقرأ عن التطبيق العملى لهذه التعاليم والوصايا فى معجزة شفاء الرسولين بطرس ويوحنا للرجل المقعد الذى كان يجلس يستعطى عند باب الهيكل الجميل... كان لهذا الرجل المقعد أكثر من أربعين سنة يُحمل كل يوم إلى ذلك المكان. وفيما كان بطرس ويوحنا داخلين الهيكل فى أحد الأيام فى وقت صلاة الساعة التاسعة، تفرس فيهما ذلك المقعد أملاً أن يأخذ منهما صدقة... لكن بطرس قال له: "ليس لى فضة ولا ذهب. ولكن الذى لى فإياه أعطيك. باسم يسوع المسيح الناصرى قم وامشى". ثم أمسكه بيده اليمنى وأقامه "ففى الحال تشددت رجلاه كعباه، فوثب ووقف وصار يمشى". ودخل إلى الهيكل مع الرسولين وكان يسبح الله (أعمال الرسل 3: 1 - 10)...
وإذا تأملنا فى تلك المعجزة يظهر أمامنا تطبيق الرسل العملى لتعاليم معلمهم ومخلصهم الرب يسوع... حينما تفرس المقعد فى الرسولين طالباً لصدقة، كانت إجابة بطرس: "ليس لى فضة ولا ذهب" وكأنه يقول بعبارة أخرى: أنت تريد منى صدقة من المال. أنا لا أحمل عملة مالية. لكنى أحمل شيئاً آخر، أحمل المسيح نفسه، وباسمه قم وامشى... كانت تلك هى عدة الكنيسة فى كل أجيالها...
نعم... بقوة فائقة للطبيعة ولدت الكنيسة فى يوم الخمسين، وبتلك القوة عينها نمت واستمرت حتى اليوم، وستستمر إلى نهاية العالم... ليس لها سند من قوة زمنية، بل سندها وعدتها وسائل روحية خالصة...
يقول معلمنا القديس بولس: "لأننا وإن كنا نسلك فى الجسد، لسنا حسب الجسد نحارب. إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون" (كورنثوس الثانية 10: 3، 4) ويقول لأهل تسالونيكى: "فلنصح لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هى رجاء الخلاص" (تسالونيكى الأولى 5: 8)... ويكتب لأهل أفسس معلّماً "أخيراً يا إخوتى تقووا فى الرب وفى شدة قوته. إلبسوا سلاح الله الكامل لكى تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس. فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية فى السماويات. من أجل ذلك إحملوا سلاح الله الكامل لكى تقدروا أن تقاوموا فى اليوم الشرير... لابسين درع البر... حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذى به تقدرون أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة. وخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذى هو كلمة الله" (أفسس 6: 10 - 17).
لعلكم جميعاً تذكرون موقف السيد المسيح من تصرف بطرس وقت القبض عليه. لقد إنتهر بطرس حينما إستل سيف وضرب به عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه، وقال له فى هدوء:
"رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون. أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى فيقدم لى أكثر من أثنى عشر جيشاً من الملائكة. فكيف تكمل الكتب إنه هكذا ينبغى أن يكون" (متى 26: 51 - 54)...
معنى هذا الكلام... إن حمل السيف ليس أسلوبنا... لكن أسلوبنا هو الكلام الهادئ اللين، ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالبرهان.
يا لحلاوة المسيحية وعظمتها وقوتها... إن قوة المسيحية تختبئ فى ضعفها الظاهر ووداعتها البادية. إن قوتها مخبأة فى الداخل على نحو ما كان المسيح يخفى لاهوته بالجسد البشرى الذى كان يلبسه... هكذا قوة المسيحى أيضاً فى داخله يخفيها بتواضعه ووداعته.
إن تاريخ المسيحية المبكر فى الثلاثة قرون الأولى إنما يثبت أنها ديانة من الله وليست من صنع البشر. فالمسيحيون الأوائل ممن اعتنقوا المسيحية كانوا من الطبقات الفقيرة الكادحة بل والمعدومة... كانوا جماعة من الجهلاء والضعفاء أو بحسب تعبير الرسول بولس "المزدرى وغير الموجود"... هؤلاء لم يكن لهم حول ولا طول.
كان على الكنيسة المسيحية الناشئة بأعضائها من الفقراء والضعفاء والمزدرى وغير الموجود، أن تواجه الدولة الرومانية بتعاليم المسيحية التى تنهى عن إستخدام العنف والقوة... ولماذا هذه المواجهة بين المسيحية والدولة الرومانية؟! كان ذلك أمراً حتمياً حيث أن الدولة الرومانية كانت هى حامية الديانات الوثنية... ولذا فقد دار الصراع بين الدولة الروماينة الوثنية القوية وبين الكنيسة المسيحية الوديعة المتواضعة الناشئة... كانت المعادلة غير متكافئة، فالدولة الرومانية كانت كعملاق مدجج بالسلاح، بينما كانت المسيحية كطفل وليد يحبو على الأشواك... كان منظراً عجيباً فريداً يدعوا إلى الدهشة وإلى العجب. كيف إستطاع هؤلاء البسطاء، العزل من كل سلاح، الذين لا يملكوا قوة ولا مركزاً إجتماعياً خطيراً أن يثبتوا أمام الدولة كلها.
كانت الوثنية هى العدو الأكبر الذى تصدى للمسيحية. وقاومتها ومقاومة مستميتة، وحاربتها حرب الإبادة. حرب الحياة أو الموت. إن التاريخ لا يسجل صداماً أقوى وأطول وأكثر وحشية من ذل الصراع الذى إحتدم بين الوثنية ممثلة فى الإمبراطورية الرومانية بآلهتها. وأباطرتها وجحافلها وبين المسيحية التى ظهرت على مسرح الحياة بلا سند من قوة زمنية وبلا سلاح حربى.
كانت المعركة تبدو غير متكافئة. معركة السيف مع الصليب والقوة المادية مع المثاليات الأدبية الروحية ويستتر خلف هذه المعارك المتطورة قوات العالم غير المنظور: الله فى ناحية وسلطان الظلمة فى ناحية أخرى. وأخيراً مدت الدولة يدها فى شخص الملك قسطنطين – وهو أول ملك مسيحى – لتصافح الكنيسة المتواضعة بعد أنهار من الدماء سالت على أديم هذه المسكونة. تلك الدماء التى يقول عنها العلامة ترتليانوس الذى عاش وسط الاضطهادات دون أن يرى نهايتها، أنها كانت بذار الكنيسة.
كان موت المسيحيين الذين سقطوا كأبطال فى حلبة الاستشهاد مقروناً بألوان من المعجزات والآيات والعجائب الفائقة لقدرات البشر وطبيعتهم... ومن الإنصاف القول إن المسيح هو الذى كان يتألم عنهم. لقد قدموا هم الإرادة لأن الآلام التى صبت عليهم وأنواع التعذيب التى تفننوا فيها كانت فوق إحتمال البشر. إنسان يسلخوا جلده، وآخر ينزلوه فى زيت مغلى أو زفت مغلى، وثالث يقطعوا أعضاءه، ورابع يسيل الشحم من جسده بعد أن يوقدوا تحته ناراً... وخامس يعصرونه فى هنبازين...
يسجل لنا التاريخ.
سيرة شهيدة من قرطاجة
(بجوار مدينة تونس حالياً) اسمها بربيتوا... كانت متزوجة حديثاً وحاملاً حينما قبض عليها بينما كانت لا تزال فى صفوف الموعوظين، ولم تنل بعد سر العماد المقدس... كان القانون الرومانى يحرم إعدام المرأة الحامل... كان عليها الإنتظار حتى تضع مولودها... وحدث أنه تقرر إعدام رفقائها وتحدد موعده... أما هى فكان عليها أن تنتظر... حزنت لأنها تود أن يسُفك دمها برفقتهم. فطلبت إليهم أن يصلوا لكى يعجل الرب بموعد ولادتها. صلى الجميع وفعلاً أتتها آلام المخاض... وكانت تئن متوجعة، فهذا أمر طبيعى. وحينما رآها أحد حراس السجن تصرخ وتتألم قال لها مستهزئاً: [كيف إذن ستتحملين عذاب الاستشهاد]. لكنها أجابته: [اليوم أتألم من أجل الطبيعة، لكن غداً سيتألم عنى آخر].
وما أكثر القصص التى نقرأها عن هؤلاء الشهداء وكيف كانوا يشاهدون السيد المسيح فى رؤى جميلة مشجعة، والشهداء الذين سبقوهم يقوونهم ويثبتونهم. كون المسيحية يا أحبائى تنتشر بهذه الصورة بدون مساعدة وبدون أى قوى زمنية، هذا يقطع بأن هذا هو عمل الله.
خامساً – لقد أثبتت الاضطهادات فى كل الظروف التى واجهتها الكنيسة أنها عامل قوة لها وأنها أثمرت بركات كثيرة.
كيف يمكن أن يكون الاضطهاد عامل قوة للكنيسة؟! الاضطهاد الذى ينشر ألوية الارهاب ويحمل الخراب والدمار والأذى لبعض النفوس، والموت لنفوس أخرى، فينكر الإيمان من ينكر... كيف يمكن أن يكون هذا الاضطهاد عامل قوة؟! إنها معجزة المسيحية، والمسيحية المعجزة، التى تجمع ما يبدو أنه من المتناقضات... أمل تسمعوا ما قاله الرسول بولس: "كحزانى ونحن دائماً فرحون. كفقراء ونحن نغنى كثيرين. كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ" (كورنثوس الثانية 6: 10)... أما الآن لنعد إلى الكنيسة الأولى... كنيسة الرسل...
لقد إمتلأت نفوس اليهود بغضة وحقداً بسبب نشاط الرسل الكرازى بعد مولد الكنيسة فى يم الخمسين... لقد آمن بالمسيح فى ساعة واحدة ثلاثة آلاف نفس من اليهود (أعمال الرسل 2: 41)... وبسبب خدمة الرسل الكرازية "كان الرب كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون" (أعمال الرسل 2: 47)... وبعد معجزة شفاء مقعد باب الهيكل الجميل آمن كثيرون من اليهود "وصار عدد الرجال نحو خمسة آلاف" (أعمال الرسل 4: 4).
لقد أخذت سحب الحقد والأنانية والغيرة الهوجاء تتجمع منذرة بشر مستطير... كانت العداوة حتى ذلك الوقت تأخذ صورة القبض على الرسل وحبسهم ومحاكمتهم وجلدهم والتأكيد عليهم إلاَّ يبشروا باسم الرب يسوع... لكن الأمر تطور حين لم يعد فى قوس الصبر منزع كان الرسل من جانبهم يقولون: "نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا... وينبغى أن يُطاع الله أكثر من الناس"... بينما الكهنة ورؤساؤهم يقولون لهم: "ها أنتم قد ملأتهم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان (يسوع)" (أعمال الرسل 4: 20؛ 5: 28، 29)... لقد كانت نتيجة تعبئة الحقد المستمر أن إمتدت بعض الأيادى الأثيمة لترجم شهيد المسيحية الأول استفانوس، الذى كان وجهه يضئ كأنه وجه ملاك (أعمال الرسل 6، 7).
كان مقتل استفانوس رئيس الشمامسة بمثابة الشرارة التى أعقبها إنفجار عظيم... لقد فجر مقتل استفانوس كل العداوة الكامنة فى قلوب اليهود بسبب نشاط الرسل الكرازى... ويرسم لنا القديس لوقا فى سفر أعمال الرسل صورة قاتمة مزعجة عن الكنيسة فى تلك الفترة المبكرة "وحدث فى ذلك اليوم إضطهاد عظيم على الكنيسة التى فى أورشليم فتشتت الجميع فى كوراليهودية والسامرة ما عدا الرسل" (أعمال الرسل 8: 1)... صورة قاتمة مزعجة حقاً... لكن ما يلبث بعدها حتى يقدم القديس لوقا أيضاً عبارة قصيرة لكنها تحوى جماع فلسفة المسيحية وسر قوتها وتكشف عن مبادئها "الذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة" (أعمال الرسل 8: 4)...
هذه الكلمات القليلة هى التعبير العملى الدائم عن حقيقة المسيحية وطبيعة رسالتها... إنها تكشف أن المسيحية هى دائماً ديانة الصليب – تظهر أصالتها وسط الضيقات وتزدهر بالضغطات... هى ليست ديانة السيف، بل ديانة الروح والوداعة والحق... لقد أثبتت الأحداث أن الاضطهاد كان دائماً بكرة للكنيسة. فهو يستأصل العناصر الكاذبة، ويقصى ذوى القلوب الضعيفة، ويضع خاتمة للحياة اللينة، وينشر الإيمان... إن الاضطهاد هو عملية غربلة للمسيحيين... إنه كالغربال الذى يسمح للحبة الرفيعة أن تسقط من فتحاته بينما يحتفظ بالحبة الكبيرة الممتلئة... هكذا الاضطهاد فى كنيسة المسيح!!
والآن ننتقل إلى نقطة أخرى فى موضوعنا، نستعرض فيها صوراً مشرقة للكنيسة.
عرض تاريخى لثبات الكنيسة إزاء الإضطهادات
كلنا يذكر وعد المسيح المبارك أن أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة.
... ونود الآن أن نرى مدى صدق هذا الوعد المبارك منذ فجر المسحية عبر الأجيال...
والحق أنه يعوزنا الوقت إن أرادنا أن نعدد أو نحصى أو نعطى امثلة نوعية للاضطهادات التى حلت بكنيسة المسيح فى العالم كله، على مدى عشرين قرناً من الزمان تقريباً... فالحرب لا تنتهى والصراع ما أن يهدأ حتى يتجدد... إنه سلسلة طويلة متصلة الحلقات، مختلفة الألوان... وإن كانت الكنيسة المسيحية قد تمتعت ببعض فترات راحة فى تاريخها الطويل... لكن لم يكن معنى ذلك أن الاضطهاد قد زال، لكن ذلك لم يكن سوى فترة هدنة تسترد خلالها الكنيسة أنفاسها وتجمع شملها وتنظم صفوفها وترتب أمورها الداخلية... والآن فى عجالة قصيرة وموجزة جداً نعرض لبعض الأمثلة:
صراع الكنيسة مع اليهودية
ظهرت المسيحية على مسرح الحياة، وكان العالم – من الناحية الدينية – ينقسم إلى قسمين: قسم صغير جداً يشمل اليهود الذين عبدوا الإله الحقيقى، وقسم كبير جداً هو العالم كله – باستثناء اليهود – ويشمل الوثنيين أو الأمم... وكان على الكنيسة أن تواجه اليهود والأمم على السواء إتماماً لوصية المسيح لرسله وتلاميذه: "إذهبوا إلى العالم أجمع. إكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها" (مرقس 16: 15)...
كان اليهود بطبيعتهم مملوئين من كل حقد وعداوة وإحساس بالتعالى على شعوب الأرض كلها باعتبارهم شعب الله المختار فكم يكون موقفهم من المسيحيين.. ولعل هذا الأمر يتضح من موقفهم بعد معجزة شفاء المقعد من بطن أمه الذى كان يجلس يستعطى عند أحد أبواب الهيكل المسمى الجميل، وقد أشرنا إلى هذا الأمر (انظر اعمال الرسل ص 3، 4، 5)...
وكمثال قوى لما حدث فى تلك الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، نقدم شاول الطرسوسى (القديس بولس الرسول فيما بعد)، الذى قال هو عن نفسه إنه كان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها (غلاطية 1: 13)... وقال عنه القديس لوقا كاتب سفر الأعمال: "وأما شاول فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءاً ويسلمهم إلى السجن" (أعمال الرسل 8: 3)... ولم يكتف شاول يتعقب اليهود المتنصرين فى أورشليم وحدها، لكنه أراد أن يتعقبهم أينما وجدوا... إذ سمع بإيمان بعض اليهود فى مدينة دمشق، شد رحاله إليها، حاملاً معه رسائل من رئيس الكهنة حتى يعود بهؤلاء المتنصرين موثقين إلى أورشليم ليحاكموا أولاً ثم توقع عليهم العقوبة المناسبة... لكن الرب كان فى إنتظاره على مقربة من دمشق وأظهر له ذاته ودعاه إليه...
وكمثال قوى آخر نذكر شهداء بنى حمير ببلاد اليمن، الذين إستشهدوا على يد الملك اليهودى ذى نواس وبلغ عددهم أربعة آلاف، وذلك فى أوائل القرن السادس الميلادى.
وبعد أن إنتهت قصة شاول مضطهد الكنيسة، بدأت صفحة جديدة من حياة بولس أسير يسوع المسيح (أعمال الرسل 9: 1 - 9)... وهنا نذكر ما فعله اليهود مع بولس الرسول نفسه حينما رجموه فى مدينة لسترة، وجروه خارج المدينة ظانين أنه مات (أعمال الرسل 14: 19)... ونذكر المؤامرة التى حاكها بعض يهود أورشليم بقصد قتل بولس الرسول، الأمر الذى دفع أكثر من أربعين رجلاً يهودياً أن يتعاهدوا ألاَّ يذوقوا طعاماً او شراباً حتى يقتلوه (أعمال السل 21، 22، 23).
ومما هو جدير بالذكر أن اليهود كانوا لا يتورعون عن الانتقام بأية وسيلة إذا ملكوا الفرصة... لكن حينما كانت تعوزهم الوسيلة كانوا يلجأون إلى مسالك الوشاية (انظر أعمال الرسل 6: 9 - 14؛ 9: 23 - 25؛ 17: 6 - 8؛ كورنثوس الثانية 11: 32، 33).
على أن شوكة اليهود ضعفت بعد خراب أورشليم وهيكلها سنة 70م، الأمر الذى أذلهم حيث أن الهيكل كان رمزاً لمجدهم وفخرهم... لقد سحقت الدولة الرومانية اليهود سحقاً نتيجة الثورة الأهلية التى قاموا بها... قام اليهود بثورة أخرى كبيرة ضد الرومان فى الفترة من سنة 132 إلى سنة 135م بزعامة باركوكبا، وكانت نتيجة كسابقتها... ولكن ما يهمنا هنا أن اليهود فى هذه الثورة الأخيرة قتلوا عدداً كبيراً من المسيحيين بدافع الإنتقام...
صراع الكنيسة مع الوثنية
كان بداية هذا الاضطهاد على عهد الإمبراطورية الرومانى نيرون
الذى لجنونه أحرق روما سنة 54م، ونسب حرقها للمسيحيين، ومثل بجثثهم أبشع تمثيل، إذ كان يدهنها بالقار ويعلقها على السوارى ثم يشعل فيها النار لتضئ الحدائق الإمبراطورية، أو يلقيهم للوحوش الكاسرة...
وكان نهاية سلسلة الاضطهادات الوثنية على عهد دقلديانوس وأعوانه
الذين بذلوا قصارى جهدهم لاستئصال المسيحية وبعث الوثنية، وأفرغوا كل ما فى جعبتهم لمحو المسيحية بإحراق كتبهم المقدسة وهدم كنائسها وسجن خدامها وكهنتها، وطرد المسيحيين من ذوى المناصب الرفيعة من وظائفهم، وحرمانهم من حقوقهم المدنية، وحرمان العبيد من حريتهم إذا هم أصروا على الاعتراف بالمسيحية ووصل الأمر إلى حد أنهم كانوا يدنسون الأطعمة المعروضة فى الأسواق بسكائب الذبائح التى تقدم للأوثان فيمتنع المسيحيون من شرائها. وكان الحراس يقفون أمام الحمامات ويدنسون بالذبائح الوثنية كل من يدخل للإغتسال فيها. ولم يكن أمام المسيحيين والحال هذه إلاَّ أن يموتوا شهداء، أو يموتوا جوعاً، أو يجحدوا إيمانهم.
بلغت بطول المسيحيين حداً فائقاً، يصوره كبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد. الذى إستشهد بعد منتصف القرن الثالث بقليل فى إضطهاد الإمبراطور ديسيوس يقول: [لقد إنذهلت الجموع المشاهدة للحرب السمائية، الحرب الإلهية الحرب الروحية معركة يسوع. لقد رأوا خدام يسوع ثابتين فى جرأة بفكر مستسلم.. محتملين سيوف العالم، لكنهم مؤمنون ومحصنون بأسلحة الإيمان. لقد كان المعذبون أكثر شجاعة من معذبيهم. إذ غلبت الأعضاء المضروبة الممزقة الآلات التى ضربتها ومزقتها. لقد كانت السياط تكرر الجلدات بكل ما فى قوتها، لكنها لم تقدر أن تهزم الإيمان غير المنظور. لقد كان الدم يتدفق ليطفئ لهيب الاضطهاد ويبطل نيران جهنم، ويروى بذار الإيمان المسيحى...].
صراع الكنيسة مع حكم الدولة غير المسيحية
وكمثال نذكر ما حل بأقباط مصر من إضطهادات ومصائب وضغوط نفسية وأدبية قصد بها التحقير إنتهت بهدم كثير من الكنائس والأديرة.
واستشهد خلالها كثيرون خاصة فى عهد بعض الحكام المتطرفين المتهوسين، كالحاكم
بأمر الله الخليقة الفاطمى (996 – 1020م)، والملك الناصر محمد بن قلاوون من دولة الممالك البحرية (1293 – 1341م).
الأمر الذى يجل عن الوصف حتى قيل إن الأقباط فى حكم هذا الرجل الأخير لم يروا إضطهاداً كاضطهاده منذ عصر دقلديانوس. وقد لا يصدق المرء ما أحدثه هذا السلطان من دمار للأديرة والكنائس، لولا أن مؤرخاً مسلماً هو المقريزى فى القرن الخامس عشر الميلادى دون لنا هذه الأحداث. يقول المقريزى عن قلاوون: [وخرب من الديارات (الأديرة) شيئاً كثيراً... وكانت هذه الخطوب الجليلة فى مدة يسيرة قلما يقع مثلها فى الأزمان المتطالة. هلك فيها من الأنفس، وتلف فيها من الأموال، وخرب من الأماكن ما لا يمكن وصفه لكثرته]... مؤرخ مسلم هو الذى يذكر هذه الحقائق المحزنة!! لا أود أن أعيد هذا الكلام لأنه موجع. إنه كأس المرارة نتجرعه حينما نذكره. لذا أنا لا أريد أن أقلب المواجع إنما من أجل الحق ذكرنا هذا كمثال.
ونذكر أيضاً المذابح المروعة التى حصدت آلاف الآلاف من الأرمن بواسطة الأتراك العثمانيين فى أنحاء الدولة العثمانية وخاصة فى إقليم أرمينيا فى مدة الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918م). والحق أن المصائب والنكبات التى حلت بالأرمن على يد الأتراك – بلا أدنى مبالغة – لا يمكن وصفها لا تسامها بالوحشية والبربرية والهمجية... لكن رغم الأعداء التى لا تُحصى من الأرمن المسيحيين الأرثوذكس الذين حصدهم الأتراك وفتكوا بهم – والذين قيل إن عددهم بلغ المليون قتيل – على الرغم من كل ذلك ظلت كنيستهم باقية!!
وخاضت الكنيسة المسيحية فى روسيا صراعاً دموياً منذ قيام الثورة الشيوعية سنة 1917.
لقد قتل رجال الثورة الشيوعية الكهنة والأساقفة وغيرهم من المسيحيين. حكم على البعض بالنفى إلى سيبيريا وجردوا الكنائس من جميع ممتلكاتها وثروتها وحتى من آنيتها المقدسة. وحولوا الأديرة إلى متاحف، وأبنية الكنائس إلى فنادق ومسارح ومطاعم وصالات رقص!! ومنع المسيحيون من طبع كتبهم المقدسة أو تعليم دينهم فى المدارس...
ومن داخل روسيا – تلك البلاد المترامية الأطراف – رويت المآسى التى تدل على بطش الحكام ورجال الثورة من ناحية، وعلى آلام المسيحيين واستبسالهم من ناحية آخر... واستطاع الرجال والنساء أن يفتحوا الكنائس ويهربوا الدقيق الأبيض – وهم أنفس جياع – لصنع القربان المقدس... ورويت قصص بطولة عن المسيحيين المنفيين فى ربوع سيبيريا يمارسون شعائر دينهم... قيل إن كاهناً شيخاً قبض عليه الجنود الحمر وسألوه عن علة شجاعته وبسالته أمام التعذيب والموت فكانت إجابته: [إن القوة التى فينا من الله، والاستشهاد زهرة جديدة فى تاج المسيح]... وروى عن فريق من المسيحيين المتسكين بدينهم فى روسيا، كيف كانوا وهم مساقون إلى المنفى يحملون الشموع بأيديهم كأنهم فى عيد، وينشدون الأناشيد الدينية القديمة التى تشيد بقوة المسيح وإنتصاره على الموت والهاوية... وعلى الرغم مما الحقته الشيوعية بالكنيسة المسيحية فى روسيا من أضرار ومصائب جسيمة لكنها لم تفلح فى ملاشاة المسيحية من تلك البلاد التى كانت فى وقت من الأوقات أكبر دولة أرثوذكسية فى العالم. واضطرت الدولة فى السنوات الآخيرة أن تمنح الكنيسة بعض حرياتها المسلوبة وحقوقها المغتصبة.
صراع الكنيسة ضد الهراطقة
ولا ينبغى أن يقلل أحد من أهمية هذه النقطة الخاصة بالهراطقة والصراع ضدهم. فلولا وقفة الكنيسة لوصلتنا المسيحية فى صورة أخرى، غير التى سلمها السيد المسيح لرسله القديسين، صورة ممسوخة مشوهة..!!
لقد خاضت المسيحية صراعاً ضخماً ضد الهرطقة المبتدعين على مختلف آرائهم الفاسدة فى مختلف عصور التاريخ.
ومما جعل هذا الصراع عنيفاً فى بعض الفترات أن بعض الملوك المسيحيين أنفسهم كانوا ينحازون لبعض هؤلاء الهراطقة. ويضطهدون خصومهم فى المعتقد بالنفى والقتل.
ولا ينبغى أن نقلل من شأن هذا الصراع فقد أنهك الكنيسة فى بعض فترات تاريخها، واستشهد كثيرون لأجل الحفاظ لا على الإيمان وحده بل على المعتقد السليم أيضاً... ومع كل ذلك فإن أبواب الجحيم لم تقو على كنيسة المسيح، بل خرجت من كل هذه الصراعات قوية متماسكة محتفظة بإيمانها السليم. ومازالت الكنيسة حتى الآن تجاهد وتصارع مستندة إلى وعد مخلصها "إن أبواب الجحيم لن تقوى عليها".
يد الله القوية المنتقمة
والان ننتقل إلى خاتمة موضوعنا لنرى يد الله المنتقمة القوية.
"لى النقمة أنا أجازى يقول الرب" (تثنية 32: 35)... وقد أقتبس معلمنا بولس هذه الكلمات وأوردها فى (رومية 12: 19) كما يتحدث فى رسالته الثانية إلى تسالونيكى فيقول: "جميع إضطهاداتكم والضيقات التى تحتملونها بيّنة على قضاء الله العادل، أنكم تؤهلون لملكوت الله الذى لأجله تتألمون أيضاً.
إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً.
وإياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند إستعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته "(تسالونيكى الثانية 1: 4 - 7).
ولقد تمت هذه الكلمات حرفياً فيما مضى أيها الإخوة ومازالت تتم حتى الآن. فكل مَنْ تألموا من أجل الرب إنتقلوا إلى المجد الذى كان ينتظرهم. أما الذين اتعبوا كنيسة المسيح وتصدوا لاضطهاد أولاده المسيحيين، فقد حل عليهم الضيق، وانتهوا إلى نهايات سيئة.
كانت هذه نتيجة طبيعية...
فالحرب لم تكن بين غير المسيحيين والمسيحيين. لكن الحرب كانت بين الشيطان والله...
ولم يكن أعداء الكنيسة إلاَّ طيعة فى يد الشيطان، إستخدمها لتثبيت سلطانه فى العالم... أما المسيحيون فكانوا آلات بر فى يمين الله لمجد اسمه. نعم... كانت الحرب بين المسيح نفسه وبين أعدائه... ولنا مثال واضح عن ذلك فى حياة شاول الطرسوسى الذى صار القديس بولس الرسول... فحينما كان يسطو على الكنيسة، وحينما كان يجر النساء والرجال المسيحيين ويملأ السجون بهم، وحينما أراد أن يوسع رقعة نفوذه وسلطانه وذهب محملاً بأوامر من رؤساء كهنة اليهود إلى دمشق لكى يقبض على المسيحيين هناك، ويجرهم إلى سجون أورشليم. وحينما كان يقترب من مدينة دمشق وبدأت تلوح أسوارها أمامه، كان يمنى نفسه بصيد كبير سمين يشفى غليله ويشبع ما فى نفسه من حقد وكراهية ليسوع الناصرى... فى ذلك الوقت أبرق من حوله نور عظيم وكانت كلمات الرب يسوع له: "شاول شاول لماذا تضطهدنى... من أنت يا سيد. فقال الرب أنا يسوع الذى أنت تضطهده. صعب عليك أن ترفس مناخس" (أعمال الرسل 9: 4، 5). كان المتكلم هو الرب يسوع المسيح الذى قال لشاول: "لماذا تضطهدنى". كان شاول يضطهد ويعذب المؤمنين باسم الرب يسوع. لكن المسيح اعتبر هذا الاضطهاد موجهاً ضده شخصياً!!
يذكر تاريخ الكنيسة أن البابا أثناسيون الرسولى الذى إضطهد كثيراً وطويلاً من أجل الحفاظ على سلامة الإيمان المسيحى، كثيراً ما كان يردد كلمات المزمور "قم أيها الرب الإله وليتبدد جميع أعدائك. وليهرب من قدام وجهك كل مبغضى اسمك القدوس"... وكأنه يقول: [هؤلاء ليسوا أعداءنا ومبغضينا، لكنهم أعداؤك، ومبغضوا اسمك القدوس]... هكذا كانت المعركة بين الله من ناحية، والشيطان وأعوانه من ناحية أخرى. ولذا فحينما كانت تنتهى الحرب بالنصرة كان الله هو الذى ينتصر. أما الكنيسة فهى جسده وعروسه.
إنه أمر جاذب للأنظار بقدر ما هو مثير للدهشة ولتمجيد اسم الله، أن جميع الذين قاموا على المسيحية بقصد ملاشاتها واضطهدوا أتباعها وأتعبوها وعذبوها وأذلوها وقتلوهم، هؤلاء جميعاً إنتهوا إلى نهايات سيئة، وبعضهم ماتوا ميتات بشعة كما سوف نذكر.
ولدينا تسجيل هام وعجيب للفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة المسيحية دوّنه لنا لكتانتيوس الفيلسوف المسيحى الذى ولد ونشأ وثنياً أواخر القرن الثالث الميلادى، ثم آمن بالمسيح. عاصر دقلديانوس واضطهاداته، والملك قسطنطين الذى اعتنق المسيحية وشايع الكنيسة. لكتانتيوس هذا كتب لنا كتاباً باللغة اللاتينية مازال موجود بين أيدينا أسماه "موت المضطهدين".
يقول لكتانتيوس فى صدر كتابه – وكان قد كتبه لأحد أصدقائه – [لقد استمع الرب إلى التوسلات التى رفعها باقى إخوتنا، الذين باعتراف مجيد نالوا إكليلاً مكافأة عن إيمانهم. انظر! لقد باد جميع الأعداء، وعاد الهدوء ثانية... والكنيسة التى أضطهدت قبلاً نهضت ثانية. وهيكل الله الذى خربه الأشرار، بنى بمجد أكثر من ذى قبل... والآن لقد أقام الله سامع الدعاء، بمعونته الإلهية، خدامه المنطرحين والمتضايقين، أقامهم من الحضيض، مع نهاية لكل مكايد الأشرار، وكفكف دموع النائحين. أما الذين جدفوا على اللاهوت، فقد طرحهم إلى أسفل. والذين هدموا الهيكل المقدس، سقطوا سقوطاً شنيعاً. والذين عذبوا الأبرار، ماتوا وسط الضربات الإلهية، بعذابات يستحقونها. فالله قد تأنى فى عقابهم حتى – بالنموذجات العظيمة والعجيبة يعلم نسلهم أنه وحده هو الله. وأنه بالنقمة المناسبة، ينفذ قضاءه على المستكبرين الكافرين المضطهدين!!] تلك كانت كلمات لكتانتيوس، وأود أن أقدم لكم مجرد أمثلة قليلة لكى ما نعرف صحة هذا الكلام.
† الإمبراطور نيرون
الذى مثل بالمسيحيين شر تمثيل إنتهى أمره بأن انتحر وهو فى سن الثانية والثلاثين ولم يعثر له على جثة أو قبر.
† والإمبراطور فالريان الذى سقى المسيحيين كأس العذاب مترعاً،
أسره أعدائه الفرس الذين كان يحاربهم. وأمضى بقية حياته كعبد فى مذلة شنيعة حتى قيل أن سابور ملك الفرس الذى أسره، كان يأتى به – حينما يريد أن يركب عربته أو يمتطى صهوة جواده ليضع قدمه على ظهره ليركب وكثيراً ما كان يحضره أمامه ليسخر منه. وأنهى حياته أسيراً وأخيراص أمر سابور بسلخ جلده!!
† اما الإمبراطور دقلديانوس
ذلك الاسم الشهير الذى يعرفه جميع المسيحيين فقد إعتزل الحكم تحت وطأة المرض، واللوثة العقلية التى اصابته. وحطمت تماثيله وأزيلت صوره وعاش ليرى بعينيه أحتقاراً لم يشهده أحد من الأباطرة السابقين... فقد بصره وأصيب بالجنون وأخيراً فى موجة يأس وجنون أنهى حياته منتحراً سنة 313. وهى نفس السنة التى أصدر فيها قسطنطين أول الملوك منشور التسامح الدينى مع المسيحيين من مدينة ميلان.
† ومكسميانوس شريك ديوكلتيانوس (دقلديانوس)
وحاكم القسم الغربى من الامبراطورية الرومانية شنق نفسه ومات منتحراً سنة 310م.
† أما جاليريوس زوج ابنة ديوكلتيانوس ومعاونه فى حكم القسم الشرقى من الامبراطورية فقد مرض مرضاً خطيراً كريهاً أواخر سنة 310 وضرب بقروح بشعة فى مواضع حساسة من جسمه سرعان ما إنتشرت فى كل جسمه وبعدها أخذ الدود يأكل جسمه. وكانت تنبعث منه رائحة نتنة جداً. وما كان أحد يستطيع أن يقترب منه بسببها. وإزاء هذه الحالة المؤلمة اضطر إلى الإلتجاء إلى إله المسيحيين فأصدر مرسوم تسامح للمسيحيين وطلب منهم أن يتضرعوا لإلهم من أجل سلامته.
† أيها الإخوة الأحباء نحن لا نتبع خرافات مصنعة كما يقول معلمنا بطرس فى رسالته. وكلمات الله ثابتة لا يسقط حرف واحد منها. فزوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط كلمة واحدة من كلام الله... لقد بنيت الكنيسة على الإيمان بأن المسيح هو ابن الله الحى، ووعد أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها... إن هذا الوعد أيها الإخوة ليس متعلقاً بقداسة المسيحيين ولا باستحقاقهم، ولكنه متعلق بمَن وعد ووعده صادق وأمين "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" وإذا كان وعد المسيح لا يتعلق ببر المسيحيين ولا بقداستهم ولا بتقواهم فنحن نؤمن أن هذا الوعد سوف يظل مستمراً إلى أن يزول هذا العالم وينتهى، ويأتى الديان العادل ليعطى كل واحد حسبما كان فى الجسد خيراً كان أم شراً.
لكننا نحن نشفق على مَنْ يتعبون الكنيسة وأولاد المسيح. نحن نشفق عليهم ونصلى من أجلهم لعل الله يعطيهم استفاقة فيعرفون ما هم صانعون... نحن نرفع قلوبنا إلى الله الذى أحبنا وبذلك ذاته عنا وأعطانا هذه النعم التى لا نستحقها وحفظنا فى هذا الإيمان الأقدس، أن يتحنن ويعلن ذاته لمن لم يعرفه حتى الآن... "ليعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته... الذى ليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص" (يوحنا 17: 3؛ أعمال الرسل 4: 12)... ولإلهنا كل مجد وكرامة فى كنيسته كل حين، وإلى الأبد آمين.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح