المسيحية ديانة التوحيد

المسيحية ديانة التوحيد

يقف الإنسان مندهشاً حينما يُرمى المسيحيون بالكفر والشرك. وهم الذين علموا العالم التوحيد، ويبدأون عبادتهم ويستفتحون صلواتهم قائلين: "باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد". ومع كل ذلك مازالت التهمة معلقة على رؤوسنا. ليس لأنها تهمة حقيقية، لكن لأنه هكذا شاء أعداء المسيحية... المسيحية أيها الاخوة لم تؤمن بالوحدانية فحسب بل هى التى علّمت العالم التوحيد، وأن الله لا يمكن إلاّ أن يكون واحداً...

فالمسيحية حينما ظهرت وبدأت تكرز بمبادئها كان العالم من الناحية الدينية ينقسم إلى قسمين: اليهود والأمم أو اليهود والوثنيين أو كما يدعوهم بولس الرسول فى رسائله الختان والغرلة. العالم كله كان غارقاً فى الوثنية باستثناء قلة قليلة جداً جداً، بالنسبة لمجموع سكان العالم فى ذلك الوقت وهم اليهود. رأت المسيحية أن هناك ضرورة موضوعة عليها، ألاّ وهى تعليم التوحيد للوثنيين فى العالم، وأن الله واحد... والوثنيون كما تعلمون جميعاً عبدوا آلهة مختلفة متعددة.

ففى مصر مثلاً أيام قدماء المصريين كان هناك آلهة عامة مثل الإله رع والإله آمون. وكانت هناك آلهة إقليمية لكل إقليم، بل كان هناك إله لكل مدينة، وكانت هناك آلهة شخصية، وأحياناً للأسرة. وقد جمع الوثنيون فى عبادتهم بين الآلهة الخيرة والآلهة الشريرة. وقد عبدوا الآلهة الخيرة إستجلاباً لرضاها، والآلهة الشريرة دفعاً لأذاها.

وإذا كنا نتكلم عن ديانة قدماء المصريين. فلنعلم أنها ديانة أرقى من ديانات كثيرة عبدها الناس فى أماكن أخرى من العالم فى تلك الأزمنة. كانت هناك بلا شك تعدد فى الآلهة. وكان على المسيحية أن تواجه الوثنية وتواجه هذا التعدد من ناحية أخرى. ونحن نستطيع القول دون ما أحساس أننا تجاوزنا الحقيقة أن المسيحية هى التى حاربت الوثنية فى كل صورها ومفاهيمها ومن ضمنها تعدد الآلهة.

حقيقة أن اليهود كانوا يعبدون الله الواحد. ولكن اليهود فى تاريخهم المبكر كانوا من حين إلى حين يتركون عبادة الإله الواحد إلى عبادة الآلهة الأخرى. سفر القضاة – وهو من أسفار العهد القديم – شاهد حق على هذا الكلام، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن اليهودية كانت ديانة متحوصلة على ذاتها، ولم تكن بحال ديانة كارزة. فقد منعهم الله من الإتصال بالشعوب الأخرى والتزاوج منها خوفاً عليهم من إنتقال عدوى الوثنية إليهم.

ولم يعرف اليهود نظام التبشير أو الكرازة إلاَّ فى القرن الأول قبل الميلاد. الأمر الذى لأجله قال المسيح له المجد موبخاً الكتبة والفريسيين: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيين المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم أكثر منكم مضاعفاً" (متى 23: 15). ولعل القارئ فى كتاب العهد الجديد يلمس العداوة التقليدية بين الكتبة والفريسيين من ناحية، والصدوقيين من ناحية أخرى. أما سر العداوة فكان إتصال الصدوقيين بالاغريق الوثنيين بقصد التحضر. وعلى أية حال فلم يكن لليهودية نصيب يذكر فى محاربة الوثنية وتعدد الآلهة والتبشير بالإله الواحد. أما الذين فعلوا ذلك فهم المسيحيون.

لقد حارب آباء المسيحية ومعلموها وفلاسفتها ومدافعوها الأثنينية التى علمت بوجود إلهين، إله للخير وإله للشر. وكانت هذه العبادة سائدة على وجه الخصوص فى بلاد فارس. كما حاربوا تعدد الآلهة التى آمن بها اليونان والرومان ومعهم سائر شعوب العالم. وفى الفترة المبكرة فى حياة الكنيسة تعرضت المسيحية لنوعين من الحرب حرب السيف. وحرب القلم. وقد صمدت أمام الاثنين... لقد ثبتت أمام حرب السيف بالإيمان البطولى الذى تحلى به الشهداء والمعترفون المسيحيون. أما حرب القلم فقد جابهته بكتابات أولادها من الفلاسفة المسيحيين الذين كرسوا أنفسهم لهذا الأمر. كرّس هؤلاء المدافعون المسيحيون أقلامهم للدفاع عن مبدأ التوحيد. ومنهم يوستينوس الشهيد والعلامة أثيناغوراس وأكليمنضس الاسكندرى من القرن الثانى الميلادى، والعلامة ترتليانوس والعلامة أوريجينوس من القرنين الثانى والثالث وغيرهم كثيرون.

كانت مقاومة المسيحية للعبادة الوثنية بكل صورها ومفاهيمها كإقامة المعابد والتماثيل والضحايا الحيوانية والسكائب التى تسكب كل ذلك كان سبباً من أسباب سلسلة الاضطهادات التى حلت بالكنيسة والمسيحيين قرابة ثلاثة قرون من الزمان.

والخطأ الذى يقع فيه من يهاجم المسيحية من زاوية التثليث، أنهم يفصلون عن التوحيد، فيصبح هذا الاعتقاد فى نظرهم لوناٌ من الشرك. أى أن المسيحيين يشركون مع الله آخرين فى العبادة هم يقرأون أو يسمعون أو يعرفون أن المسيحيين يقولون: "باسم الآب والابن والروح القدس" لكنهم يقفون عند هذا الحد ولا يستمعون إلى التكملة: "الإله الواحد". والحق أننا معشر المسيحيين نؤمن بإله واحد وليس بثلاثة آلهة. وفى رأيى إن موضوع التوحيد أى الاعتقاد بالله بديهة من البديهات حتى أن يعقوب الرسول يقول: "أنت تؤمن أن الله واحد حسناً تفعل. والشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يعقوب 2: 19). أى أنك لست وحدك الذى تؤمن بالله واحد بل إن الشياطين يؤمنون بنفس هذا الإيمان. وإذا كانت الشياطين تؤمن وتقشعر، ونحن نُتهم بأننا نعبد ثلاثة آلهة، فمعنى ذلك أننا فى نظر هؤلاء الناس لم نصل بعد إلى إيمان الشياطين!!

لندخل إلى صلب الموضوع ولنرجع إلى الكتاب المقدس – كتاب المسيحيين – لنرى ماذا يقول فى هذه القضية...

قال موسى النبى:

"أعلم اليوم وردد فى قلبك أن الرب هو الإله فى السماء من فوق، وعلى الأرض من أسفل، ليس سواه" (تثنية 6: 39).

وقال أيضاً: "إسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" (تثنية 6: 24). ويقول الرب: "أنا أنا هو وليس إله معى. أنا أميت وأحيى" (تثنية 32: 39). وقال الرب بلسان إشعياء النبى "أنا الرب ولا إله غيرى. إله بار ومخلّص ليس سواى" (إشعياء 45: 21). هذا الكلام وارد فى كتاب العهد القديم، والمسيحيون ملتزمون به، فهو جزء من كتابهم المقدس.

فإذا أتينا إلى العهد الجديد، نجد أن السيد المسيح يقول: "ليس أحد صالح إلاّ واحد وهو الله" (متى 19: 17)... "إن اول كل الوصايا، اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد" (مرقس 12: 29؛ تثنية 6: 24)... ويقول معلمنا القديس بولس الرسول: "ليس إله آخر إلاّ واحد" (كورنثوس الأولى 8: 4). وفى نفس الاصحاح يقول: "لنا إله واحد، الآب الذى منه جميع الأشياء ونحن له" (كورنثوس الأولى 8: 6)... "أنواع خدم (أعمال) موجودة ولكن الله واحد الذى يعمل الكل فى الكل" (كورنثوس الأولى 12: 6). ويقول القديس يعقوب الرسول:

"أنت تؤمن أن الله واحد حسناً تفعل" (يعقوب 2: 19).

وفاتحة قانون الإيمان الذى يؤمن به كافة المسيحيين من كل الكنائس والطوائف والمذاهب، والذى يتلونه فى صلواتهم الخاصة والعامة يصرح بالحق، "بالحقيقة نؤمن بإله واحد" وهذا القانون وضع فى مجمع نيقية المسكونى فى سنة 325م. أما البسملة التى نستفتح بها صلواتنا وعبادتنا وطقوس كنيستنا فنقول فيها: "باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد" أى أننا حين نقول: "باسم الآب والإبن والروح القدس"، نتبعه بالقول: "الإله الواحد". ونحن توكيداً لهذا الوحدانية نبدأ البسملة "باسم" ولا نقول: "بأسماء" لأننا نشير إلى إسم الإله الواحد. هذه هى عقيدتنا نحن المسيحيين.

ننتقل الآن لدراسة موضوع التثليث من زاويتين: زاوية العقل وزاوية الدين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

حقيقة التثليث

المسيح يعمل جميع أعمال الله

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح