حقيقة التثليث

حقيقة التثليث

1 - أمام العقل:

يواجه العقل المسيحى عقيدة الثالوث باعتبارها سراً من أعمق أسرار الوجود. ولا عجب فى ذلك فهى تتناول طبيعة الله وشخصه. ونحن المسيحيون نتقبلها كما نتقبل أى سر آخر من أسرار الحياة والكون بمزيج من التأمل والتسليم، دون محاولة رفضها أو الانتقاص منها لمجرد عدم القدرة على فهمها وسر أعماقها!! وموضوع التثليث يا أحبائى ليس فلسفة عقلية، أو نتاج عقول بشرية... لكنها عقيدة أعلنت بواسطة الوحى الإلهى فى الكتاب المقدس.

فلماذا نرفض الإيمان والاعتقاد بالثالوث؟! هناك فى الطبيعة أمور لا نفهمها ومع ذلك لا نرفضها.. فنحن لا نرفض مثلاً نظرية الجاذبية الأرضية أو الكهرباء أو تحطيم الذرة. ونحن جميعاً لا نملك أن نرفض أى إختراع علمى لمجرد أننا لا نستطيع أن نستوعب ما نراه أو نلمسه... من منا مثلاً يأبى أن يقبل معجزات العلم الحديث كالراديو والتليفزيون لمجرد أنه لا يستطيع أن يفهم كيف ينتقل الصوت أو الضوء أو الصورة أو الكهرباء فى الأثير؟!! فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نتقبل أسرار الطبيعة برضى ونرفض الإيمان والتسليم بأسرار الله؟!!

ونقول لإخواننا المسلمين الذين يتهموننا بالشرك بسبب هذه العقيدة إن هناك أموراً مادية وسماوية لا يقدر العقل البشرى أن يدركها من ذاته. دون نور الوحى الإلهى... وإلاّ فكيف يسلّمون ونحن معهم بما جاء فى قصة الخلق – خلق العالم؟! الله عندما خلق العالم بكل الكائنات، هل كان يوجد وقتها شاهد عيان دون هذه القصة؟!... ومع ذلك فنحن جميعاً مسيحيون ومسلمون ويهود نسلّم بها. كيف نصدق مثلاً رسالات الأنبياء وأنها من عند الله... وكيف نصدق ما سُجلَ عنهم من معجزات. كيف نقبل ونؤمن بعقيدة البعث والقيامة وأن هناك قيامة ودينونة وحساب. كيف سيقف جميع البشر أمام الله من آدم إلى نهاية العالم للدينونة... الذين ماتوا ميتة طبيعية، والذين أكلتهم الوحوش، والذين حرقوا بالنار والذين غرقوا فى أعماق البحار والمحيطات. كيف نصدق أنهم سيأتون ويلبسون أجساداً حية ويقفون أمام الله للدينونة؟ كيف نصدق كل ذلك؟ نحن لا نسلّم بهذه العقائد الإيمانية لأن عقولنا تقبلها، لكننا سلّمنا بها رغم عجز إدراكنا.

وفى القرآن نفسه أمور لم يعط تفسير لها مثل موضوع الروح وكنهها. جاء فى سورة الإسراء: "يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى، وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً". وقد فسرها البيضاوى والجلالين وفخر الرازى بأن الروح إما أن يكون الروح الذى يحيا به بدن الإنسان. وإما أن يكون الروح هو جبريل وقيل خلق أعظم من الملاك، وقيل هو القرآن وقيل خلق عظيم روحانى.

هناك أمور يعجز الإنسان عن تفسيرها، حتى أن الخليفة أبو بكر قال: [سبحان من الجهل بذاته هو عين العلم] كما قال [البحث عن ذات الله إشراك والجهل بذات الله إدراك]. سأل الزمخشرى الإمام الغزالى عن الآية: "الرحمن على العرش أستوى" ( = الاستواء على الشئ الإستقرار عليه) فأجاب: [إذا إستحال ان تعرف نفسك بكيف وأين فكيف يليق بعبوديتك أن تصف البوبية بأن أو كيف، وهو مقدس عن الأين والكيف]. لماذا ينكر إخواننا علينا هذه العقيدة الخاصة بسر التثليث؟!..

أيها الإخوة، إن سر التثليث ليس هو مستحيلاً، ولا فيه ما هو مضاد للعقل لأننا لا نقول إن الله ثلاثة جواهر، بل ثلاثة أقانيم فى جوهر واحد. فيه وحدة وتعدد. وحدة فى الجوهر وتعدد فى الأقانيم، والأقنوم غير الجوهر. نحن نقول إن الله واحد بالنظر إلى ذاته، وثلاثة بالنظر إلى أقانيمه.

2 - على ضوء الدين:

موضوع التثليث حقيقة مسيحية معروفة. وهى حقيقة دينية وليست فلسفية، جاءتنا من الوحى الإلهى. ولم نأت بها من بنات أفكارنا، أو إبتكار عقولنا... فهو تعليم إلهى، وحقيقة من حقائق الديانة المسلّمة لنا من الله. ومَن يرفضها فقد رفض الله وأنكر الحق الإلهى. يقول أثناسيوس الرسولى: [كل مَن يروم أن يخلص يتحتم عليه أولاً وقبل كل شئ، أن يحفظ الإيمان... ومن لا يحفظه بأكمله ومن غير تعديل فيه يموت موتاً أبدياً]. فمن أين جاء التعليم بالثالوث؟

نثبت هذه القضية من الكتاب المقدس والتقليد الكنسى، وقوانين الإيمان، والمجامع المسكونية، ومن أقوال آباء الكنيسة، وسنكتفى بنقطة احدة هى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد...

الكتاب المقدس:

(أ) فى العهد القديم:

لم يكن معقولاً أن الله يكشف عن التعدد فى ذاته الإلهية، حينما كان الشعب فى مرحلة البداوة الروحية، محاطين بكثرة وثنية...

ولعلنا نستطيع أن ندرك ذلك جيداً من تاريخ شعب إسرائيل... فبعد كل المعجزات التى أظهرها الله معهم – سواء فى مصر وخروجهم منها، أو فى البرية أثناء إرتحالهم – نجد أنه بينما كان موسى النبى فوق الجبل يستلم الشريعة من الله،.

صنع الشعب لهم عجلاً ذهبياً ليعبدونه... والذى صنعه لهم هو شقيقه هارون...

وكانوا يقولون عن العجل المسبوك: "هذه آلهتك يا إسرائيل التى أصعدتك من أرض مصر". كان الأمر مثيراً للغاية حتى أن الله قال لموسى: "إذهب إنزل. لأنه قد فسد شعبك الذى أصعدته من أرض مصر. زاغوا سريعاً عن الطريق الذى أوصيتهم به. صنعوا لهم عجلاً مسبوكاً وسجدوا له وذبحوا له وقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التى أصعدتك من أرض مصر" (خروج 32: 1 - 8).

لكن هناك إشارات إلى هذا التعدد فى الذات الإلهية. فاسم الجلالة "الله" باللغة العبرية هو "الوهيم"، هو فى صيغة الجمع. فإن ال "يم" فى العبرية هى علامة الجمع... كلمة الله فى اللغة العربية لا تظهر كلمة الوهيم بصيغة الجمع. وفى الوقت الذى كتبت كلمة "الوهيم – الله" بصيغة الجمع، تأتى الأفعال والصفات المستعملة مع هذه الكلمة بصيغة المفرد!! هذا الإعلان جاء يوم خلقة الإنسان، وكتب فى أول آية فى الكتاب المقدس: "فى البدء خلق الله (الوهيم) والسموات والأرض" (تكوين 1: 1). ويوم سقط الإنسان إستخدمت. يقول الله: "هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر" (تكوين 3: 22).. وفى بناء برج بابل. قال الله:

"هلّم ننزل ونبلبل هناك لسانهم" (تكوين 11: 8).

لقد ورد اسم الوهيم فى اللغة العبرية (2555) مرة فى العهد القديم منها (2310). مرة عن الإله الحقيقى ومعها ورد الفعل والصفات بصيغة المفرد. وورد (245) مرة بمعنى الآلهة المتعددة (الأصنام). وجاء معها الفعل الصفة فى صيغة الجمع... فما معنى ذلك؟

نعطى مثلاً: "ثم قال الله ليعقوب قم اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك واصنع هناك مذبحاً لله (الوهيم)، الذى ظهر لك حين هربت من وجه عيسو أخيك. فقال يعقوب لبيته ولكل من كان معه، إعزلوا الآلهة الغريبة (الوهيم) التى بينكم، وتطهروا وأبدلوا ثيابكم" (تكوين 35: 1، 2)... ونلاحظ أن الفعل الخاص، بالوهيم الأولى "ظهر" ورد بصغية المفرد، لأنه يتكلم عن الإله الحقيقى، بينما الفعل الخاص بالوهيم الثانية "إعزلوا" ورد بصيغة الجمع لأنه يتكلم عن الأصنام الكثيرة...

ومما يؤيد التعدد فى الذات الإلهية أن حديثاً جرى بين أقانيم الثالوث القدوس عن الخلق والأمور الأخرى...

يقول داود بروح النبوة:

"قال الرب لربى إجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك" (مزمور 110: 1).

قال الرب لربى أى هناك إثنان. وقد ذكر السيد المسيح هذا المزمور، على أنه يشير إليه هو... قال المسيح لليهود فى إحدى المرات وهو يعلّم فى الهيكل: "كيف يقول الكتبة إن المسيح ابن داود. لأن داود نفسه قال بالروح القدس قال الرب لربى إجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فداود نفسه يدعوه رباً، فمن أين هو ابنه" (مرقس 12: 35 - 37). هذا حديث فى داخل الثالوث القدوس.

وفى نفس المزمور يقول:

"أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق" (مزمور 110: 4).

والقديس بولس فى الرسالة إلى العبرانيين يطبق كلام هذا المزمور على المسيح فيقول: "لأنه يشهد أنك كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق" (عبرانيين 7: 17).

والقديس بولس يتكلم فى الرسالة إلى كولوسى عن المسيح فيقول: ".

فإنه فيه قد خلق الكل ما فى السموات وعلى الأرض ما يُرى وما لا يُرى... الكل به وله قد خُلق "(كولوسى 1: 16)...

وهذه هى نفس كلمات يوحنا "كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان" (يوحنا 1: 3). ومن هنا نرى أن الله حين قال: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تكوين 1: 26)، كان المسيح هناك خالقاً. لأن "به عمل العالمين". هو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عبرانيين 1: 2، 3).

نعود إلى استخدام صيغة الجمع فى لفظ الجلالة... إن استخدام صيغة الجمع ليس نوعاً من التفخيم كما يتبادر إلى ذهن البعض. وعلى نحو ما درج عليه بعض ملوك تلك الأزمنة الحديثة والمعاصرة. فإن هذا التقليد لم يكن مستخدماً فى العصور القديمة. فالتاريخ وعلماء اللغات يقطعون بأن ملوك تلك الأزمنة لم تكن لهم تلك العادة... ونسوق ثلاثة أمثلة على ذلك من كتاب العهد القديم، الأول من مصر والثانى من بابل والثالث من فارس وهى بلاد الحضارات القديمة...

فرعون ملك مصر يتحدث إلى يوسف فيقول: "قد جعلتك على كل أرض مصر..." (تكوين 41: 41)... ونبوخذ نصر ملك بابل العظيم يقول: "أنا نبوخذ نصر... قد صدر أمر منى بأحضار جميع حكماء بابل قدامى" (دانيال 4: 6)... وداريوس ملك مملكة مادى يقول: "أنا داريوس قد أمرت فليفعل عاجلاً" (عزرا 6: 12) ولم يقل نحن داريوس قد امرنا.

هذا ونلاحظ إعلان الله للثالوث أكثر من مرة فى سفر إشعياء.

كان إشعياء فى الهيكل ورأى السيد الب فى مجده، والملائكة تهتف لجلاله "قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الأرض". وبعد أن إعترف إشعياء بنجسته، وطهره ملاك بجمرة نار من على المذبح يقول: "ثم سمعت صوت السيد قائلاً: مَن أُرسل ومَن يذهب لأجلنا" (إشعياء 6: 8). نلاحظ كلمة أرسل بصيغة المفرد، ولأجلنا بصيغة الجمع...

ثم إلى أى شئ تشير هذه التقديسات الثلاثة قدوس قدوس قدوس؟!

ويقول الله بلسان إشعياء النبى أيضاً: "اسمع لى يا يعقوب وإسرائيل الذى دعوته. أنا هو. أنا الأول وأنا الآخر... يدى أسست الأرض ويمينى نشرت السموات. أنا أدعوهن فيقفن معاً. تقدموا إلىّ اسمعوا هذا.

لم أتكلم من البدء فى الخفاء. منذ وجوده أنا هناك. والآن السيد الرب أرسلنى وروحه "(إشعياء 48: 12 - 16)...

نلاحظ أن هنا ثالوث... "الله أرسلنى وروحه". المهم فى بدء هذه الآية يقول: "اسمعوا هذا. لم أتكلم من البدء فى الخفاء". وقد قلنا أن الله منذ بدء الخليقة كان يتكلم بإشارات. وجدير بالذكر أن يوحنا الإنجيلى وكذلك بولس الرسول أشارا إلى نبوات إشعياء عن المسيح (انظر يوحنا 12: 41؛ أعمال 28: 25).

(ب) فى العهد الجديد:

إذا أتينا إلى العهد الجديد نجد الأمر بدأ يتضح

ويكمل كالشمس التى يكون ضوؤها وحرارتها وقت الظهيرة أشد من وقت شروقها... فالناموس القديم "له ظل الخيرات العتيدة، لا نفس صورة الأشياء" (عبرانيين 10: 1). ففى بشارة الملاك جبرائيل للعذارء مريم يقول: "الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلى تظللكِ. فلذلك أيضاً القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" (لوقا 1: 35). وهنا نلاحظ فى بشارة الملاك أنه يشير إلى "العلى"، "القدوس – ابن الله"، "الروح القدس". والقدوس من الأسماء التى لا تطلق إلاَّ على الله وحده...

ومرة ثانية فى وقت عماد المسيح

رأى يوحنا المعمدان "السموات قد انفتحت له فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه. وصوت من السماء قائلاً: هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت" (متى 3: 15، 17)... وهنا نرى الثالوث ظاهراً. الآب من السماء يُعلن عن ابنه، والابن فى مياه الأردن، والروح القدس فى هيئة جسمية كحمامة. ولذا فإن الكنيسة تسمى هذاالعيد، عيد الثيئوفانيا أى الظهور الإلهى، لأن الله ظهر بأقانيمه الثلاثة...

ونصل إلى الإعلان الأكمل قبيل صعود السيد المسيح له المجد إلى السماء

قال لتلاميذه: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم إلى السماء قال لتلاميذه:" إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس "(متى 28: 19). قال لهم:" باسم الآب... "وليس: باسماء الآب والابن والروح القدس لأنهم إله واحد.

وفى البركة الرسولية التى منحها بولس الرسول للكورنثيين يقول: "نعمة ربنا يسوع ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم آمين" (كورنثوس الثانية 13: 14)... وجدير بالملاحظة أن هذه البركة المثلثة فى العهد الجديد تقابل البركة المثلثة فى العهد القديم التى أمر الله أن يبارك بها هارون وبنيه الشعب "يبارك الرب ويحرسك. يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاماً" (عدد 6: 24، 25، 26) وواضح من كلمات هذه البركة المثلثة عمل الأقانيم... فالله الآب يبارك... والله الابن يضئ، فهو النور الذى يضئ لكل إنسان أت إلى العالم، وهو أقنوم الرحمة أيضاً "الرحمة والحق التقيا" (مزمور 85: 10)... والله الروح القدس يمنح سلاماً إذ انه يأخذ مما للمسيح ويعطينا بواسطة أسرار الكنيسة المقدسة، والمسيح هو ملك السلام ورئيس السلام (يوحنا 16: 14)... يقول يوحنا الرسول: "الذين يشهدون فى السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس. هؤلاء الثلاثة هم واحد" (رسالة يوحنا الأولى 5: 7).

ماهية الثالوث فى الواحد

ليس هناك تناقض فى الإيمان المسيحى بين القول بالوحدانية والقول بالثالوث القدوس فالله واحد فى جوهره وذاته. ولكن يوجد فى هذا الجوهر الواحد ثلاثة أقانيم.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

فما هو الأقنوم؟

المسيحية ديانة التوحيد

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح