المسيح يتصف بجميع صفات الله

المسيح يتصف بجميع صفات الله

1 - أزلى أبدى:

الإنسان محدود له بداية ونهاية. له تاريخ ميلاد وله تاريخ وفاة. لكن المسيح له المجد له ميلادان. ميلاد فى الزمان وميلاد قبل الزمان. ميلاد فى الزمان حينما وُلد من العذراء الطاهرة مريم. وميلاد قبل الزمان وهو ولادته من الآب قبل كل الدهور، وهذه هى الأزلية. فالمسيح أزلى أبدى. لا بداية أيام له ولا نهاية حياة هذه الصفة يتصف بها الله وحده. وقد نسبها المسيح إلى ذاته فقال لليهود: "أبوكم إبراهيم تهلل أن يرى يومى فرأى وفرح فقال له اليهود ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيت إبراهيم فقال لهم يسوع الحق الحق أقول لكم قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن" (يوحنا 8: 8).

وفى اللغة الأصلية إذا رجعنا إلى كلمة "أنا كائن"، نجد أن لها مفهوم الكينونة الدائمة التى لا يتصف بها غير الله. والمعنى الحرفى لعبارة "أنا كائن" هو أنا الموجود دائماً. أنا الموجود دائماً فى الماضى وفى الحاضر وفى المستقبل. والمعنى الحرفى لاسم الله قديماً "يهوه" هو "الكائن دائماً" او "الدائم" (خروج 3: 14، 15). وهو نفس التعبير الذى استخدمه يوحنا الرسول عن المسيح فى سفر الرؤيا "يوحنا إلى السبع الكنائس التى فى آسيا نعمة لكم وسلام من الكائن والذى كان والذى يأتى" (رؤيا 1: 4؛ 4: 8؛ 11: 16، 17؛ 16: 5). من الكائن أى فى الوقت الحاضر والذى كان أى فى الماضى، والذى يأتى أى فى المستقبل وهذا هو المعنى الحرفى لكلمة "يهوه" فى العهد القديم أو "أنا كائن" التى استخدمها السيد المسيح. فى العهد الجديد.

قال السيد المسيح فى إحدى مناجاته للآب:

"والآن مجدنى أنت ايها الآب عند ذاتك بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم" (يوحنا 17: 5).

وقال أيضاً: "أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حين أكون أنا لينظروا مجدى الذى أعطيتنى، لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم" (يوحنا 17: 24)...

وفى سفر الرؤيا يقول المسيح له المجد: "أنا هو الألف والياء والبداية والنهاية. يقول الرب الكائن والذى كان والذى يأتى، القادر على كل شئ" (رؤيا 1: 8). إن هذه الصفة لا يتصف بها غير الله حتى أنه يقول بلسان إشعياء النبى: "أنا الأول والآخر ولا إله غيرى" (إشعياء 44: 6) فكون المسيح يتصف بهذه الصفة: فإن ذلك يعنى أنه هو الله.

2 - المسيح هو الحياة ومعطى الحياة:

الله وحده هو الحىّ بذاته، واصل الحياة، وواهب الحياة لجميع الكائنات. لذلك يقول الله قديماً:

"أنا هو وليس إله معى. أنا أميت وأحيى... أقول حى أنا إلى الأبد" (تثنية 32: 39، 40).

هذه الصفة التى ينفرد به االله ينسبها المسيح لذاته. فيقول فى معجزة إقامة لعازر من الموت: "أنا هو القيامة والحياة" (يوحنا 11: 25). ويقول فى موضع آخر: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 6) مَن يجرؤ – سواء من الملائكة أو البشر – أن يقول "أنا هو الحياة" فالمسيح يُعلن أنه ليس حياً فقط، بل هو الحياة عنيها. الحياة معرّفة بأل التعريف... ويقول لمرثا ومريم أختى لعازر: "أنا هو القيامة والحياة، مَن آمن بى ولو مات فسيحيا. وكل مَن كان حياً وآمن بى فلن يموت إلى الأبد" (يوحنا 11: 25، 26)... من أجل كل هذا يقول يوحنا عن المسيح فى فاتحة إنجيله: "فيه كانت الحياة" (يوحنا 1: 4).

وثمة ملاحظة ثانية:

يقول المسيح له المجد: "كما أن الآب له حياة فى ذاته، كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة فى ذاته" (يوحنا 5: 26). ومعنى أن المسيح له حياة فى ذاته، أن الحياة ليست معطاة له من الخارج، بل هى من ذاته تماماً مثل الآب. معنى ذلك أنه ليس مخلوقاً. والفرق بين الخالق والمخلوق، هو أن المخلوق بعثت فيه الحياة من الله، ولم يكن قبل ذلك حياً. أما الخالق فهو حى منذ الأزل والحياة فيه من ذاته.

وليس فقط أن المسيح هو الحياة بل هو معطى الحياة الروحية فحينما عقد مقارنة بينه وبين المن الذى أكله اليهود فى البرية قديماً بعد خروجهم من مصر، قال: "خبز الله هو النازل من السماء الواحب حياة للعالم... أنا هو خبز الحياة" (يوحنا 6: 32 - 35). والمقصود بالحياة هنا الحياة الروحية، حياة الشركة مع الله... وعلى ذلك يكون المسيح هو مُعطى الحياة بمعانيها المتعددة، بمعنى الوجود من العدم أى الخلق، وبمعنى أنه غذاء الحياة. وعن هذا المعنى الأخير يقول: "أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" (يوحنا 10: 10).

3 - يغفر الخطايا:

من المعلوم والمقرر أن الله وحده هو الذى يملك أن يغفر الخطية (خروج 34: 7). لكن المسيح غفر الخطايا... غفر خطايا المفلوج الذى حمله أربعة رجال ودلوه من سقف البيت (متى 9: 1 - 8؛ مرقس 2: 1 - 12؛ لوقا 5: 17 - 26)... وغفر خطايا المرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى حتى أن المتكئين تذمروا فى أنفسهم وقالوا: "مَنْ هذا الذى يغفر خطايا أيضاً" (لوقا 7: 48، 49).

ولئلا يظن أحد أن قول المسيح عن غفران الخطايا، ما هو إلاّ مجرد كلام وادعاء لا يمكن التحقق من صدقه، إذ مَنْ يدرى هل غُفرت الخطايا أم لا!! وإذ كان يعلم المسيح ما يفكرون به فى قلوبهم، أقرن قوله بمعجزة هى شفاء المفلوج الذى حمله الأربعة، كدليل عملى وفعلى على أنه بالفعل قد غفر خطايا ذلك المفلوج هكذا قال لليهود الموتورين: "أيما أيسر أن يُقال قم وامشى. ولكن لكى تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض ان يغفر الخطايا، قال للمفلوك لك أقول قم واحمل فراشك واذهب إلى بيتك".

4 - يعلم الخفايا والسرائر:

معلوم أن الله وحده هو عالم الخفايا والسرائر، وفاحص القلوب والكلى، كما يقول المرنم:

"فاحص القلوب والكلى هو الله البار" (مزمور 7: 9).

وقال سليمان فى صلاة تدشين الهيكل:

"أنت وحدك تعرف قلوب بنى البشر" (ملوك الأول 8: 39)...

فى حياة السيد المسيح بالجسد نراه يعرف ما يدور فى الخفاء. فلقد كشف للمرأة السامرية ما خفى على الناس. قال لها: "إذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا. أجابت المرأة وقالت ليس لى زوج. قال لها يسوع حسناً قلت ليس لى زوج. لأنه كان لك خمسة أزواج والذى لكِ الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المراة يا سيد أرى أنك نبى"... ومن أجل أنها اكتشفت أنه عرف ما خفى على الناس، ذهبت لأهل مدينتها تدعوهم إليه: "هلّموا انظروا إنساناً قال لى كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح" (يوحنا 4: 16 - 29)... وكان يعرف أفكار التلاميذ، وكثيراً ما نقرأ فى الإنجيل هذه العبارة: "وعلم يسوع أفكارهم" (انظر متى 9: 4، 12، 25؛ لوقا 5: 22؛ 6: 8؛ 11: 17)...

ومن هذا القبيل.

عرف أفكار سمعان الفريسى

الذى دعاه إلى بيته. وأخذ يدينه فى داخله لما رآه يترك المرأة الخاطئة تبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها، وتقبّل قدميه وتدهنهما بالطيب. وقال فى نفسه لو كان هذا (يسوع) نبياً لعلم مَن هذه المرأة التى تلمسه وما هى. أنها خاطئة (لوقا 7: 36 - 40).

كما أنه كشف لنثنائيل أمر حدث فى طفولته.

فحينما قال عنه: "هوذا إسرائيلى حقاً لا غش فيه"، قال له نثنائيل: "من أين تعرفنى" أجابه: "قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك" وإذ تملكت الدهشة نثنائيل قال للمسيح: "يا معلم أنت ابن الله. أنت ملك إسرائيل"... حينئذ قال له الرب يسوع: "هل آمنت لأنى قلت لك أنى رأيتك تحت التينة. سوف ترى أعظم من هذا" (يوحنا1: 47 - 50).

ويقدم التقليد الكنسى تفسيراً لدهشة نثنائيل الكبيرة حينما قال له المسيح: "قبل أن دعاك فيلبس وأنت تحت التينة رأيتك"... لم يكن المقصود أن نثنائيل كان جالساً تحت التينة قبل أن يدعوه فيلبس مباشرة... لكن لهذا المر قصة ترتبط بطفولة نثنائيل... حينما أصدر هيرودس الملك أمره بقتل أطفال بيت لحم وكل تخومها من سن سنتين فما دون، كان هذا الأمر ينطبق على نثنائيل. فوضعته أمه فى سفط وأخفته بين أغصان إحدى أشجار التين. فلما جاء جند هيرودس لم يعثروا على أطفال وانصرفوا... هذه القصة ربما لم يكن أحد يعرفها، وكشفها المسيح، ولذا كانت دهشة نثنائيل عظيمة.

وقد أنبأ المسيح بطرس بما كان عتيداً أن يلحقه من ضعف وإنكار:

"الحق أقول لك أنك اليوم فى هذه الليلة قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرنى ثلاث مرات. فقال (بطرس) بأكثر تشديد ولو أضطررت أن أموت معك لا أنكرك" (مرقس 14: 29 - 31).

والمسيح حينما أراد أن يوفى ضريبة الدرهمين كجزية ولم يكن له، امر بطرس أن يذهب إلى البحر ويلقى صنارته والسمكة التى يصطادها اولاً سيجد فيها إستاراً يدفع منه عن المسيح وعن نفسه (متى 17: 24 - 27)... فكيف علم المسيح بأمر السمكة والإستار الذى فيها؟!

والسيد المسيح بعد قيامته ظهر لتلاميذه فى وقت الصباح عند بحر طبرية، وكانوا قد أمضوا ليلة لم يمسكوا فيها شيئاً من السمك... قال لهم: "القوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن فتجدوا. فألقوا ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السمك" (يوحنا 21: 3 - 6)... ما هذا؟ إنه يعلم على وجه التحديد... جانب السفينة الأيمن!!

والسيد المسيح على لسان يوحنا الرسول يوجه الكلام إلى ملاك كنيسة ثياتيرا (خادم كنيسة ثياتيرا) "هذا يقوله ابن الله الذى له عينان كلهيب نار، ورجلاه مثل النحاس النقى، فستعرف جميع الكنائس أنى أنا فاحص الكلى والقلوب، وسأعطى كل واحد منكم بحسب أعماله" (رؤيا 2: 23).

من يكون هذا الذى يعرف الخفايا ويفحص القلوب والكلى ويعرف ما فيهما؟! من هو هذا، إلاّ الذى قال فيه موسى: "السرائر للرب إلهنا، والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد" (تثنية 29: 29)... ومن قال عنه دانيال النبى: "ليكن اسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد... هو يكشف العمائق والأسرار. يعلم ما هو فى الظلمة وعنده يسكن النور" (دانيال 2: 20، 22).

5 - هو الديان:

من المعلوم أن الله وحده هو ديان البشر وليس سواه يقول المرتل: "لأن الله هو الديان" (مزمور 49: 6). ويقول: "ارتفع يا ديان الأرض" (مزمور 93: 2)...

والسيد المسيح فى حديثه عن نهاية العالم، الذى سجله متى فى إنجيله، يرسم صورة للدينونة، والمسيح هو الديان.

"ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه. فحينئذ يجلس على كرسى مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعى الخراف من الجداء" (متى 25: 31 - 33).

ويقول فى موضع آخر: "إن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازى كل واحد حسب عمله" (متى 16: 27)... بل إنه يقولها صراحة: "لأن الآب لا يدين أحداً، بل أعطى كل الدينونة للابن" (يوحنا 5: 22)... ابن الله يسوع المسيح ربنا هو الذى سيدين العالم. ويقول الرب يسوع فى ختام سفر الرؤيا:

"ها أنا آتى سريعاً وأجرتى ( = جزائى) معى، لأجازى كل واحد كما يكون عمله" (رؤيا 22: 12).

6 - بيده سلطان الحياة والموت:

من المعلوم أن سلطان الحياة والموت هو بيد الله وحده. يقول الله قديماً: "أنا هو ولا إله معى. أنا أميت وأحيى" (تثنية 32: 39). والسيد المسيح ينسب لذاته هذا السلطان فيقول: "كما أن الآب يقيم الموتى ويحييهم. كذلك الابن أيضاً يحيى من يشاء" (يوحنا 5: 21). إن كلمة "من يشاء" تعنى أن المسيح ليس مكلفاً بل هذا فى سلطانه.

وفى نفس الموضوع يقول: "تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين فى القبور صوته ( = صوت ابن الإنسان). فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يوحنا 5: 28، 29). ومعنى عبارة: "يسمعون صوته" أى يسمعون قوة الأمر الصادر من فمه الإلهى المبارك، مثل صوته الآمر للعازر: "هلّم خارجاً"، ومثل صوته الآمر لابن أرملة نايين: "أيها الشاب لك أقول قم"... هذا الصوت الآم يجعل الذين فى القبور يقومون بقدرة وقوة الكلمة التى أصدرها اليهم... يقول السيد المسيح: "خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى، وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد" (يوحنا 10: 27، 28)... وفى كلامه عن الإفخارستيا ومفعولها يقول رب المجد: "من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير" (يوحنا 6: 54).

7 - العصمة من الخطأ:

ليس أحد معصوماً من الخطأ إلاَّ الله وحده. يقولون: [العصمة لله وحده]. الجميع أخطأوا وزاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله. ليس من يصنع صلاحاً ليس ولا واحد. لكن السيد المسيح قال متحدياً اليهود:

"مَنْ منكم يبكتنى على خطية" (يوحنا 8: 46)

. أى مَنْ منكم يثبت علىَّ خطأ. وقد قال السيد المسيح هذه العبارة لليهود بعد أن وبخهم وقال لهم: "أنتم من أب هو إبليس. وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا"... ولا شك أن هذه الكلمات عبأت فيهم مشاعر الغضب، ومع ذلك لم يستطع ولا واحد فيهم أن يثبت عليه خطأ واحداً. رغم أنهم كانوا يرصدون حياته وخطواته وكلماته؟!

مَنْ مِنَ القديسين والأنبياء تجرأ على أن ينطق بمثل هذه الكلمات حتى العذراء مريم، الممتلئة نعمة تظهر حاجتها إلى مخلّص وتقول: "تبتهج روحى بالله مخلصى... هوذا أنا أمة الرب".

إن جميع البشر يهتفون مع أيوب فى حضرة الله:

"أأخطأت. ماذا أفعل لك يا رقيب الناس، ولماذا لا تغفر ذنبى ولا تزيل إثمى لأنى الآن أضطجع فى التراب. تطلبنى فلا أكون" (أيوب 7: 20، 21)... والبشر جميعاً يفزعون مع داود: "لك وحدك أخطأت والشر قدامك صنعت لكى تتبرر فى أقوالك وتزكو فى قضائك. هأنذا بالإثم حُبل بى وبالخطية ولدتنى أمى" (مزمور 51). والبشر جميعاً يهتفون مع إشعياء: "ويل لى إنى هلكت لأنى إنسان نجس الشفتين. وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين، ولأن عينى قد رأتا الملك رب الجنود". والبشر الضعفاء الخطاة يرددون مع يوحنا الرسول: "إن قلنا إننا بلا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (يوحنا الأولى 1: 8).

لكن المسيح وحده هو الذى نسب لذاته العصمة: "مَن منكم يبكتنى على خطية" (يوحنا 8: 46). ويشير إلى أحداث الصليب فيقول: "رئيس هذا العالم ( = الشيطان) يأتى وليس له فىَّ شئ" (يوحنا 14: 30). ويقول القديس بطرس عن المسيح: "الذى لم يفعل خطية ولا وجد فى فمه مكر" (بطرس الأولى 2: 22). ولا عجب فلقد قال الملاك للعذراء مريم: "القدوس المولود منكِ يدعى ابن الله" (لوقا 1: 35) وكلمة قدوس لا تُطلق إلاّ على الله، أما البشر فقديسون ويقول معلمنا بولس الرسول عن المسيح الرب:

"قدوس بلا شر ولا دنس قد إنفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عبرانيين 7: 26).

8 - المسيح هو رب الشريعة ( = معطى الشريعة):

من من الأنبياء أو الرسل أو المبشرين له سلطان أن يضع تشريعاً يجدد به تشريعاً إلهياً قديماً قائماً إلاّ الله نفسه.

لكن المسيح أظهر بأقواله وتصرفاته أنه رب الشريعة

"سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. أما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم... سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن أما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه. وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلاّ لعلة الزنى يجعلها تزنى. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى... إلخ" (متى 5).

وفى أحد السبوت إذ كان الرب يسوع يسير مع تلاميذه بين الزروع جاعوا وقطفوا سنابل القمح وأكلوا، فتذمروا الفريسيون معترضين على التلاميذ أنهم كسروا السبت. فقال لهم المسيح له المجد: "أما قرأتم فى التوراة أن الكهنة فى السبت يدنسون الهيكل وهم أبرياء. ولكن أقول لكم إن ههنا أعظم من الهيكل... إن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً" (متى 12: 1 - 8)؛ مرقس 2: 27، 28؛ 6: 5). ويعنى بقوله: "ابن الإنسان ورب السبت" أنه رب الشريعة. إذ من يكون المسيح الذى يعدل الشريعة القديمة التى أعطاها الله لموسى، إلاَّ إذا كان هو الله نفسه...

9 - المسيح الابن مساو للآب:

ونستطيع ان نلمس هذه المساواة فى النقاط الآتية:

المسيح مساو للآب فى الجوهر وفى القدرة على كل شئ، وفى المعرفة الكائنة بينه وبين الآب، وفى الكرامة نتكلم عن كل نقطة من هذه النقاط.

فى الجوهر:

لقد أوضح المسيح فى أحاديثه أنه واحد مع أبيه فى الجوهر.

فبينما كان يتحدث إلى تلاميذه ويقول لهم: "أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى. لو كنتم قد عرفتمونى لعرفتم أبى أيضاً. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه، قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفنى يا فيلبس. الذى رآنى فقد رأى الآب. فكيف تقول أنت أرنا الآب ألست تؤمن أنى أنا فى الآب والآب فىَّ الكلام الذى أكلمكم به لست أتكلم به من نفسى، لكن الآب الحال فىَّ هو يعمل الأعمال. صدقونى أنى فى الآب والآب فىّ. وإلاّ فصدقونى لسبب الأعمال نفسها" (يوحنا 14: 6 - 11).

فى المعرفة الكائنة بينه وبين الآب:

إن المسيح يعرف الآب معرفة عيانية يقينية، ليست كمعرفة الإنسان لله ولا حتى معرفة الأنبياء الملهمين بالروح القدس. قال له المجد: "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلاَّ الابن، ومَن أراد الابن أن يعلن له" (متى 11: 27)... هنا نرى المسيح يسوى بين معرفته للآب ومعرفة الآب له بصورة لا نظير لها. ثم إن هذه المعرفة موقوفة على الابن أى قاصرة على الابن "من أراد الابن أن يعلن له".

فى القدرة على كل شئ:

واضح أن المسيح نسب إلى نفسه القدرة على كل شئ وإلاَّ لما قال لتلاميذه: "لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يوحنا 15: 5). كما يقول أيضاً: "لأنه كما أن الآب يقيم الموتى ويحييهم كذلك الابن أيضاً يحيى مَن يشاء" (يوحنا 5: 21)... ويقول فى سفر الرؤيا: "أنا هو الألف والياء. البداية والنهاية، يقول الرب الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شئ" (رؤيا 1: 8). ويتحدث عنه القديس بولس الرسول فيقول: "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عبرانيين 1: 3).

فى الكرامة:

السيد المسيح بعد شفاء مريض بيت حسدا، قال لليهود إن الابن يعمل نفس أعمال الآب. ثم ختم كلامه بقوله: "ليكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. ومَنْ لا يكرم الابن لا يكرم الآب" (يوحنا 5: 23).

10 - الحضور فى كل مكان وزمان:

معلوم أن الله وحده، باعتباره غير محدود، هو الذى يملأ كل مكان، لأن الله روح غير محدود وليس مادة... حديث المسيح له المجد إلى نيقوديموس عن الولادة الثانية بالمعمودية قال له: "إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات. و.

ليس أحد صعد إلى السماء إلاّ الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء "(يوحنا 3: 12، 13)

صعد ونزل وهو فى السماء. وكأنه يقول لنيقوديموس: "وانا أكلمك الآن، أنا فى السماء".

وقبيل صعوده إلى السماء قال لتلاميذه القديسين:

"وها أنا معكم كل الأيام حتى إنقضاء الدهر" (متى 28: 20).

كما يقول: "حيثما إجتمع إثنان أو ثلاثة باسمى فهناك أكون فى وسطهم" (متى 18: 20). أى أنه لو إجتمع إثنان فى إستراليا أو جنوب أفريقيا أو أمريكا أو عند خط الاستواء أو فى أى مكان، هناك يكون المسيح فى وسطهم.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

المسيح يعمل جميع أعمال الله

حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح