هذا الفصل هو جزء من كتاب: إيماننا الأقدس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
لماذا المسيح.. ومن يكون؟
والمقصود بالموضوع، هل من داع للمسيح؟ هل من لزوم له؟ سنتحدث فى هذا الموضوع فى هذا الأسبوع والأسبوع القادم، حتى نستطيع – بقدر ما يتسع الوقت – أن نوفى الموضوع حقه من الكلام، على قدر إستطاعتنا – لا أقول فى الكلام – بل فى التركيز مع الإيجاز غير المخل.
أيها الإخوة الأحباء يا مَن دعيتم على اسم المسيح. ويا مَنْ أتيتم اليوم إلى بيته المقدس وتستمعون الآن إلى صوته. إن نفسى تصغر عندما أحاول الكلام عن شخص المسيح. إذ كيف يستطيع التراب والرماد لا أن يتكلم بل مجرد أن يدرك هذا السر العظيم الذى لتجسد ابن الله، الذى يدعوه الرسول بولس "سر التقوى" (تيموثاوس الأولى 3: 16). ولهذا السبب يقول الكاهن فى صلاة تقديس سر الإفخارستيا: "ووضع لنا هذا السر العظيم الذى للتقوى" وما ذلك إلاَّ لأنه يعطينا جسده. فنحن فى هذا السر نأخذ جسد المسيح.
إن شخصية المسيح لهى شخصية مهابة، يحوطها الإجلال والإكبار. ولم يحدث فى تاريخ العالم والبشية أن التف حول زعيم مثل ما التف حوله من أتباع، تعلقت به قلوبهم ورحبوا بالموت حباً فيه على أن ينكروه أو يتخلوا عن محبته. ولم يحدث أن شخصاً أحدث تغييرات فى العالم وفى نفوس البشر مثلما أحدث السيد المسيح بتعاليمه... وفى الناحية المقابلة لم يحدث أن شخصاً جرد عليه أعداؤه حملات مسعورة وشنوا عليه حروباً محمومة بالسيف والقلب – دامت واستمرت ومازالت قائمة – مثلما تعرض السيد المسيح وأتباعه... إذن فنحن أمام شخصية عجيبة بحق، ويتعين علينا دراسة كل ما يتعلق بها!! لكن لا يخفى أن الباطل دائماً محارب. وأن الشخص الناجح له حساده العديدون الذين يكيدون له فى الظلام!! وها نحن نرى المسيح منذ ولادته مجيئه إلى عالمنا، يكيد له اليهود. والمسيحية منذ نشأتها وظهورها صارت هدفاً لهجمات وانتقادات ومقاومات – قديماً من اليهود والعالم الوثنى، وحالياً من المعاصرين. فالمسيح وهو بعد جنين فى أحشاء أمه العذراء مريم ثارت شكوك حولها. حتى أن القديس يوسف خطيبها اعتزم على تخليتها سراً لما عاين آثار الحبل دون أن يقربها (متى 1: 19)... وما أن وُلدّ المسيح حتى هاج هيرودس ملك اليهود وصمم على قتله وإذ اوحى إلى المجوس – الذين أتوا من بلاد المشرق ليسجدوا للمسيح الطفل ويقدموا له هدايا – ألاّ يعودوا إليه ليخبروه بمكان مولده، قتل كل صبيان بيت لحم. حيث ولد المسيح حتى يضمن أن لا يفلت هذا الطفل يسوع من قبضته (متى 2: 12، 16)، ثم هرب المسيح إلى مصر محمولاً بواسطة مريم وخطيبها. وتغرب بها متنقلاً بين أرجائها حتى مات هيرودس. فعادن إلى أرض اليهودية بإعلان ملاك الرب ليوسف (متى 2: 19 - 21). ثم ما تلى ذلك من مقاومات وتكتلات إنتهت بصلبه وموته. ثم ما لحق بدعاة المسيحية وأتباعها من أهوال وحشية خضبت بدمائهم أديم المسكونة.
لعلنا نعجب لهذا يا أحبائى؟! ولماذا كل هذا العداء، ولماذا كل هذه المقاومة، التى بلا أدنى سبب مقبول!!
على أن المرتل رأى بروح النبوة كل ذلك فهتف قائلاً: "لماذا إرتجت الأمم وتفكرت الشعوب فى الباطل قام ملوك الأرض، وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه قائلين: لنقطع أغلالهما ونطرح عنا نيرهما" (مزمور 2: 1 - 3). لكن حيرة المرتل لم تستمر طويلاً، ولم يظل سؤال دون جواب فقد تلقى الجواب من الله وسجله. قال بعد ذلك مباشرة: "الساكن فى السماء يضحك منهم والرب يستهزئ بهم. حينئذ يكلمهم بغضبه وبرجزه يقلقهم. إنى مسحت ملكاً منه على صهيون جبل قدسى، لأخبر بأمر الرب. الب قال لى أنت ابنى. أنا اليوم ولدتك. إسألنى فأعطيك الأمم ميراثاً لك، وسلطانك إلى أقاصى الأرض لترعاهم بقضيب من حديد. ومثل آنية الفخار تسحقهم. الآن أيها الملوك إفهموا وتأدبوا يا جميع قضاة الأرض. إعبدوا الرب بخشية، هللوا له برعدة. الزموا الأدب لئلا يغضب الرب، فتضلوا عن سبيل الحق" (مزمور 2).
وإذا أردنا أن نوفى هذا الموضوع حقه من الكلام، نحتاج إلى سلسلة متكاملة من المحاضرات تدور حول هذا الموضوع، الذى هو بلا شك بمثابة القلب فى الديانة المسيحية. لكننا بقدر ما تسمح به الفرصة فى آحاد هذا الصوم المقدس، نحاول أن نوجز ونركز.
لماذا المسيح..؟
هل كان البشر بحاجة حقاً إلى المسيح؟ نقول إجابة على السؤال نعم... ولأسباب ثلاثة على الأقل:
الفداء والخلاص:
لما سقط الإنسان فى المعصية وطرد من الفردوس محكوماً عليه بالموت، بدأ يظهر الندم وعبر عن ذلك بالاعتراف والصلوات وتقديم الذبائح...
ومعنى الذبيحة التى قدمها الإنسان أنه أحس بحاجته إلى فادى... هذا الفادى كان دوره هو دور الوسيط بينه وبين الله.
لكنه كان مستحيلاً أن يكون الحيوان وسيطاً بين الإنسان والله. لأنه يفترض فى الوسيط أن يكون فى مكانة أسمى وأرفع من الإنسان، وله دالة عند الله. وهكذا أدرك أدم وذريته أنهم بحاجة إلى وسيط لم يأتِ زمانه بعد... وما الذبائح التى كانت تقدم باستمرار إلاَّ مجرد تذكرة للإنسان بحاجته إلى هذا الوسيط بالذات، الذى أُعطى آدم عنه وعداً أن نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15)... ونسل المرأة هو المسيح الذى لم يأتِ بطريقة طبيعية كسائر البشر، عن طريق زواج رجل بامرأة. وحتى لا ينسى الإنسان حاجته إلى هذا الوسيط أمرت الشريعة بتقديم الذبائح. وفى ذلك يقول القديس بولس الرسول: "لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا... لأن الناموس... لا يقدر أبداً بنفس الذبائح كل سنة التى يقدمونها على الدوام أن يكمل الذين يتقدمون" (عبرانيين 10: 4، 1). "لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا"، ومع ذلك إستمروا يقدمونها،.
للتذكرة الدائمة المتكررة أن الإنسان بحاجة لا إلى وسيط، بل إلى هذا الوسيط، الذى كانت ترمز إليه هذه الذبائح الدموية.
كانت الذبائح التى أمرت بها شريعة العهد القديم فى جملتها ترمز إلى ذبيحة المسيح الذى أتى وقدم ذاته "ليبطل الخطية بذبيحة نفسه" (عبرانيين 9: 26). هكذا آتى المسيح من أجل فداء الإنسان... ومعنى الفداء أن هناك وسيطاً ينقذ آخر. بهذا المعنى كان المسيح وسيطاً وفادياً "الرب وضع عليه إثم جميعنا" (إشعياء 53: 6)... "لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات فى الوقت المعين لأجل الفجار... الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن خطاة مات المسيح لأجلنا" (رومية 5: 6، 8)... "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يوحنا 15: 13).
لكن يقول قائل: ألم يكن ممكنا أن الله يرحم الإنسان ويخلصه ويفديه بكلمة واحدة من فيه دون أن يلجأ إلى أن يأخذ جسداً بشرياً ويتألم ويُصلب ويموت؟! والرد على هذا، أن فداء الإنسان ورحمته بكلمة واحدة من الله يتعارض مع إحترامه لعدله، والحكم الذى نطق به للإنسان الأول "موتاً تموت" (تكوين 2: 17). إن الله يحترم كلمته والحكم الذى صدر منه. فالسماء والأرض تزولان أيسر من أن تسقط كلمة واحدة أو حرف واحد مما نطق به الله (متى 24: 35؛ مرقس 13: 31؛ لوقا 21: 33).
من هنا كان الحل الوحيد هو أن يأخذ الله صورة الإنسان ويتخذ شكله محتجباً فى جسد، ويقبل فى هذا الجسد نفس الحكم الصادر على الإنسان... وفى هذا كل الرحمة وكل العدل... كل الرحمة لأنه ليس حب أعظم، ولا رحمة أوسع من أن يقبل الله على ذاته القدوسة أن يتخذ له جسداً ترابياً ويقبل فيه كل صنوف الضعف والهوان والمذلة والألم والصلب والموت... وكل العدل لأن ليس أدل على هذه العدالة المطلقة من أن يقبل علىنفسه تنفيذ الحكم الذى أصدره هو بنفسه على الإنسان، ولا شك أن فى قبول الله ذلك معنى العدالة واحترام الحكم الصدر منه على الإنسان، حتى أنه لما لم يجد ما يصلح أن يكون بديلاً للإنسان المذنب، قام هو بنفسه بتنفيذ هذا الحكم فى جسده الذى اتخذه.
وخلاصة القول يا أحبائى أن الفداء كان ضرورة. والخلاص بالصورة التى تم بها بالصليب كان ضرورة. ولو كان هناك طريق آخر غير هذا لما كان هناك داع لذلك. أو بحسب تعبير القديس بولس الرسول: "فالمسيح إذن مات بلا سبب" (غلاطية 2: 21) أى بدون داع... هكذا نفهم كلمات القديس بولس الرسول عن المسيح كالوسيط الوحيد.
"لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع" (تيموثاوس الأول 2: 5، 6).
ولعلنا نلاحظ هنا أن الرسول يقول: "الإنسان يسوع المسيح". وهذا التعبير لتأكيد المفهوم أن المسيح له المجد إقتبل الآلام فى جسده، وأتم الفداء حينما قبل بإرادته أن ينفذ العقوبة فى جسده أيضاً. هذه أول نقطة عن لماذا المسيح وننتقل إلى نقطة ثانية على جانب كبير جداً من الأهمية هى تجديد الخليقة.
تجديد الخليقة
بعد مخالفة الإنسان الأول آدم عرف الشر طريقه إلى البشرية كلها. وظل يتفاقم ويستشرى جيلاً بعد جيل. وكانت النتيجة ما نراها الآن ماثلة أمام عيوننا من خراب ودمار وصراعات أصابت البشرية فى كل مكان، سواء على مستوى الأفراد أو الشعوب.
تشوهت صورة الإنسان الذى خُلق يوماً على صورة الله فى البرّ وقداسة الحق (أفسس 4: 24). وسيطر على هذا الإنسان مرض اسمه الشر!!
فماذا فعل الإنسان لعلاج هذا الشر، وماذا فعل هذا الإنسان ليجتث جذور هذا الشر؟. بطبيعة الحال لم يقف الإنسان مكتوف اليدين أمام الشر. فلقد بذل – ومازال يبذل – جهوداً مضنية من أجل علاجه والبرء منه. فأوجد الشرطة (البوليس) والقضاء والسجون والمستشفيات لهذا المغرض. أوجد الشرطة والسجون لكى يهابها ويخشاها ويرتعب منها الأشرار. لكن كل النتائج التى وصلوا إليها تؤكد أنهم فى حكم الفشل فى علاج المصابين بالشر. وضعوا قوانين للعقوبات واستحدثوا التشريعات... لكن العقاب لم ولن يستأصل الشر. ومهما كان العقاب مخيفاً ورهيباً كالإعدام العلنى وقطع بعض أطراف الجسم مثلاً، فإن ذلك لم ولن يستأصل الشر. ربما كان العقاب العنيف رادعاً للبضع، فتختفى بعض الجرائم، لكن الشر يظل كامناً داخل الإنسان. يتوقف الإنسان عن أقتراف جريمة يعاقب عليها القانون ليرتكب جرائم مستحدقة لم يضع القانون لها عقوبات لحداثة نوعيتها!! وكأنهم يحاورون الدولة والقانون... لماذا؟ لأن الشر موجود داخلهم. ولا يوجد شئ يستطيع أن يقوم مقام ضمير الإنسان حتى لو عينوا حارساً يقف إلى جوار كل إنسان!!
لقد ظن بعض الفلاسفة والمصلحين الإجتماعيين فى القرن الثامن عشر أن علاج المشاكل الإجتماعية كالفقر مثلاً، سوف يؤدى إلى إختفاء الجرائم تماماً. لكن على نحو ما نرى اليوم، فإن الشر يتزايد بقدر ما تتزايد جهود المصلحين!! فما السر فى هذا الفشل؟! السر فى فشل القوانيين الوضعية فى إستئصال الشر، أن الشر كامن داخل الإنسان، ولا يمكن إنتزاعه بالقوة المادية. فالشر يصيب كل قوى الإنسان الروحية والفكرية وحتى الجسدية... وكل المحاولات الحسية والمادية لاستئصاله، والقضاء عليه هى أشبه بمحاولة علاج مرض عضوى كالحمى مثلاً بالعقل والحوار والمنطق!! لا علاج لهذا المرض العضوى إلاَّ باستئصال أسباب هذا المرض.
أيها الإخوة الأحباء. إن جميع الأديان غير المسيحية بلا إستثناء علمت أن قهر الخطيئة هو فى طاعة الله، وحفظ أحكامه وشرائعه. والتدين السليم عن هذه الأديان يتمثل فى سعى الإنسان نحو الله.
لكن المسيحية تعلم غير ذلك هى ترى أن الخطية والشر هما مرض الروح، وأن الإنسان بدون الله مريض
ولقد أتى المسيح إلى البشرية كالطبيب الحقيقى الوحيد ولعلنا نذكر كلمات المسيح: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (متى 9: 12؛ مرقس 2: 17؛ لوقا 5: 31)... حين ذهب إلى مريض بيت حسدا، كان سؤاله: "أتريد أن تبرأ" (يوحنا 5: 6). فالإنسان بدون الله مريض، ويحتاج إلى الطبيب. من أجل هذا جاء ربنا يسوع المسيح الطبيب الحقيقى إليه. جاء الطبيب إلى المريض يسعى إليه دون أن يطلبه "وجدت من الذين لم يطلبونى، وصرت ظاهراً للذين لم يسألوا عنى" (رومية 10: 2)... فى معجزة تفتيح عينى المولود أعمى نلاحظ أن هذا الإنسان لم يطلب من المسيح أن يشفيه، لكن المسيح هو الذى تقدم نحوه ليشفيه مؤكداً أن ذلك الرجل ولد بهذه العلة "لكى تظهر أعمال الله فيه" (يوحنا 9: 3). كان هذا الرجل مريضاً بمرض عضوى. ولدينا مثل آخر لإنسان كان مريضاً بمرض روحى وسعى إليه المسيح دون أن يطلبه كان هذا الإنسان هو زكا. زكا لم يطلب من المسيح شيئاً ولا حتى دنا منه، لكن المسيح هو الذى كلمه، قائلاً له: "يا زكا إسرع وانزل لأنه ينبغى أن أمكث اليوم فى بيتك" أسرع الرجل وقبل المسيح فرحاً فى بيته. وفى نهاية ذلك اللقاء يقول المسيح:
"اليوم حصل خلاص لهذا البيت إذ هو أيضاً ابن إبراهيم. لأن ابن الإنسان قد جاء لكى يطلب ويخلّص ما قد هلك" (لوقا 19: 1 - 10).
هكذا يظهر لنا السيد المسيح من خلال معاملاته مع المولود أعمى وزكا سعى الله نحو الإنسان ليشفيه ويعافيه وينقذه من كل وجه...
يا أحبائى... إن البشرية بكل شرورها تشابه إنساناً ينزف دماً غزيراً ويحتاج على الفور إلى نقل دم، ومن نفس فصيلة دم هذا المريض لكى يستمر حياً.
فماذا كانت طريقة الله فى العلاج؟
ماذا كانت طريقة الله لعلاج الإنسان المريض الذى شوه الشر صورته الأولى؟ كإعداد للعلاج الحقيقى والناجح، أرسل الله الأنبياء "أنت الذى أرسلت لى الأنبياء من أجلى أنا المريض" (القداس الغريغورى)... أرسل الله الأنبياء لكى ما يهيئوا البشرية ويعدوها لمجئ المخلّص الحقيقى ربنا يسوع المسيح. ولقد نجح الأنبياء فى شئ واحد... نجحوا فى تشخيص مرض البشرية وتعريفهم بعظم خطاياهم وبشاعتها وسوء أحوالها. هذا هو كل ما إستطاعوا أن يعملوه. والحقيقة أن وصايا الله كانت معروفة لدى البشر، وكانوا يحفظونها، لكنهم كانوا فى حالة عجز تام عن الإستفادة منها!! ويقول القديس بولس الرسول فى ذلك:
"لأن بالناموس معرفة الخطية" (رومية 3: 20)..
.
"وأما الناموس فدخل لكى تكثر الخطية" (رومية 5: 20).
والناموس فى هذه الحالة يشبه المرآة التى تظهر للإنسان صورته وما بها من عيوب، لكن لا قدر لها على إصلاح هذه العيوب. نعم كانت وصايا الله موجودة لدى البشر وكانوا على علم بها بل كانوا يحفظونها. فالشاب الغنى الذى ركض نحو المسيح يسأله فى لهفة عما يعمل ليرث الحياة الأبدية، لما علم بأن عليه أن يحفظ الوصايا أجاب: "هذه كلها حفظتها منذ حداثتى"، ومع ذلك فقد كان حفظه للوصايا حفظاً تلقينياً لم يستطع أن يغيّر من حياته. إذ لما نصحه المسيح بأن يوزع أمواله على الفقراء "مضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة" (متى 19: 16 - 22؛ مرقس 10: 17 - 22؛ لوقا 18: 18 - 22).
على أنه لا ينبغى أن يفهم من قول الرسول بولس: "لأن بالناموس معرفة الخطية... وأما الناموس فدخل لكى تكثر الخطية". ان المشكلة كانت فى الناموس والوصايا الإلهية. فنفس الرسول بولس يقول: "هل الناموس خطية. حاشا. بل لم أعرف الخطية إلاّ بالناموس... إذاً الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة" (رومية 7: 7، 12). لكن المشكلة الحقيقية هى فى مدخل الإنسان، وفى عجزه عن إتيان الصلاح. يقول معلمنا بولس: "فإننا نعلم أن الناموس روحى وأما أنا فجسدى مبيع تحت الخطية لأنى لست أعرف ما أنا أفعله. إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل... فإنى أعلم أنه ليس ساكن فىَّ أى فى جسدى شئ صالح. لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده بل الشر الذى لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فىَّ... أرى ناموساً آخراً فى أعضائى يحارب ناموس ذهنى ويسبينى إلى ناموس الخطية الكائن فى أعضائى. وَيحِى أنا الإنسان الشقى. من ينقذنى من جسد هذا الموت" (رومية 7: 14 - 24).
أيها الإخوة هذه هى مأساة البشرية!! فلدينا كتب جميع الأنبياء التى تشخص المرض، لكننا نحتاج إلى العلاج. كيف نقهر الشر فينا؟! ولا يفوتنا أن نذكر أنه ليس بدون حكمة قد سجل الكتاب المقدس سير هؤلاء الأنبياء، وضمنها أخطاءهم... إنهم بشر كسائر البشر يخطئون... وعلى الرغم من الرسالة المقدسة التى قام بها هؤلاء الأنبياء، لكن تكرار ظهور الأنبياء – فى حد ذاته – كان يعنى أن البشرية تحتاج إلى شئ أقوى من مجرد رسالات هؤلاء الأنبياء الشفوية والمكتوبة... كانت تحتاج إلى الله ذاته!!
ولقد تنبأ عن ذلك ارميا النبى
فقال: "ها أيام تأتى يقول الرب، وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً. ليس كالعهد الذى قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر، حين نقضوا عهدى، فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذى أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. أجعل شريعتى فى داخلهم، وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً" (ارميا 31: 31 - 33)... ونلاحظ كلام السيد الرب عن هذا العهد الجديد، إنه يجعل شريعته فى داخل البشر، يكتبها على قلوبهم!!. كانت شريعة الله قديماً مجرد نواهى ووصايا من الخارج، أما بالمسيح وفيه فقد تجددت طبيعة الخليقة، وصارت الشريعة والوصية ليست شيئاً مفروضاً من الخارج بل مكتوبة على القلب من الداخل... وهنا تظهر إمكانية حياة القداسة وغلبة الشر فى العهد الجديد، عهد النعمة... وإلى ذلك أشار بولس الرسول فى (عبرانيين 8: 8 - 10) مقتبساً نفس كلمات ارميا النبى.
وفى عظة السيد المسيح على الجبل، نلاحظ قوله: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومَنْ قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل مَنْ يغضب على أخيه باطلاً يكون مستوجب الحكم – قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. وأما أنا فأقول لكم إن كل مَنْ ينظر إلى إمراة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه... وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلاّ لعلة الزنى يجعلها تزنى. ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى. أيضاً سمعتم أنه قيل للقدماء لا تحنث بل اوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم لا تحلفوا البتة... سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر... سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم (متى 5)... لقد قال السيد المسيح كل هذه التعاليم بعد أن قال:" لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس والأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإنى الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل "(متى 5: 17، 18)... معنى هذا الكلام أن شريعة العهد القديم كانت صالحة لبناء الإنسان وتقويمه، لكن الإنسان بطبيعته التى أفسدتها الخطية ما كان يستطيع أن يحيا حياة الكمال الإنجيلى. ومن أجل هذا راع الله ظروف الإنسان القديم. لكن المسيح أتى ليجدد طبيعة البشر، حتى ما يستطيعوا أن يحيوا حياة الكمال النسبى (الكمال الإنسانى).
هكذا جاء الله إلينا فى المسيح يسوع عندما حل فى أحشاء البتول العذراء الطاهرة مريم، وأخذ منها جسداً، وُولد مثل سائر البشر... فى المسيح يسوع حدث إتحاد بين كل ما لله (اللاهوت) بكل ما للإنسان أى الجسد والنفس. وعندما اتخذ الله له جسد، جعل قوة الحياة الإلهية تتحد بهذا الجسد إتحاداً كاملاً، "الكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده" (يوحنا 1: 14).
لقد إتحد الله بكل ما للطبيعة البشرية – ما خلا الخطية
(الخطية شئ دخيل على الإنسان. والخطية ليست من صنع الله ولكنها من صنع الإنسان). كان هذا الإتحاد – إتحاد اللاهوت بالطبيعة الإنسانية – هو أهم إعلانات الله عن محبته للإنسان محبة فائقة المعرفة. لأنه إرتضى أن يتحد بالعنصر الإنسانى، بكل ما فيه من جسد ونفس. وعندما إتحد اللاهت بطبيعتنا البشرية، إكتسبت هذه الطبيعة خواص جديدة. يقول القداس الغريغورى: "لكن وضعت ذاتك وأخذت شكل العبد. وباركت طبيعتى فيك، وأكملت ناموسك عنى. أريتنى القيام من سقطتى... أزلت لعنة الناموس. أبطلت الخطية بالجسد. أريتنى قوة سلطانك... أنهضت الطبيعة بالكلمة"... ولما حدث هذا الإتحاد وصار جسد ابن الله حياً، وقهر الموت بالقيامة، أصبح كل مَن يريد أن يحصل على حياة جديدة، عليه أن يتحد به فى المعمودية، لينال التجديد والقيامة، ويتحد به سرياً فى الأفخارستيا (التناول المقدس) فيعطى عناصر الحياة وعدم الفساد والقيامة من الموت. وبذا تتم كلمات القديس بطرس عن الإنسان، أنه يصير شريك الطبيعة الإلهية (بطرس الثانية 1: 4). أو كما تقول ثاؤطوكية الجمعة فى الأبصلمودية السنوية المقدسة: "هو أخذ الذى لنا وأعطانا الذى له، نسبحه ونمجده ونزيده علواً". اخذ الجسد وأعطانا بركات الطبيعة الإلهية.
يا أحبائى هذه هى الطريقة الوحيدة لعودة الإنسان إلى الله بتجديد طبيعته وهذه العودة العودة ليست مثل عودة الإنسان فى الأزمنة السابقة بالتوبة وإطاعة الوصية، بل هى عودة فيها إقتراب الله من الإنسان، وإتحاده به لعلاج الفساد الذى أصاب الطبيعة الإنسانية.
ولنلاحظ هنا، أن الدور الذى قام به المسيح لم يكن كدور موسى مثلاً وباقى الأنبياء. فلقد جاء بعلاقة جديدة لا يمكن للشر ان يهددها أو يقصمها ولا تقوى الخطية عليها... وفى ذلك يقول القديس بولس: "لأن الخطية ليست مثل النعمة" (رومية 5: 15)... يقول القديس كيرلس الكبير: [إن الطبيعة الإنسانية أسرت وصارت فى قبضة الموت، وساد عليها الفساد، لذلك فمن الضرورى لكى تقوم علاقة جديدة لا يهددها الفساد، أن يتم لقاء بين الله والإنسان تجد فيه المشاكل القائمة بين الاثنين حلها النهائى والأخير. فكان الحل الإلهى. لأن المبادرة بيد الصالح وحده، أن يأخذ لنفسه جسداً من هذا الطبيعة الفاسدة، ويجعله واحداً مع لاهوته، فى إتحاد لا إنفصال فيه أو إختلاط مثل إتحاد النار بالحديد].
وأود أن أنتقل من هذه النقطة إلى غيرها فى هذا الموضوع، أن أجيب على بعض التساؤلات والاعتراضات، التى قد تعرض للعقل البشرى...
كيف يستطيع الله غير المحدود أن يسكن فى الإنسان المحدود؟
وكيف يتحد الله القدوس الفائق السمو بالإنسان الدنئ الخاطئ؟
وكيف يستطيع البشر أن يروا الله الذى لا يُرى؟
الله غير المحدود وكيف يسكن فى الإنسان المحدود؟...
حقيقة أن الله غير محدود، لكنه يمكنه أن يحل فى كل البشر، ويظل هو الله غير المحدود. نضرب مثلاً من الهواء الذى يغلف الكرة الأرضية كلها... هذا الهواء نفسه موجود فى رئات البشر. وعن طريقه يتنفسون فى اليقظة أو النوم لكن وجود الهواء فى رئات البشر، لا يمكن أن يكون مالئاً لكل الغلاف الجوى للأرض. مثال آخر. أوانى كثيرة فارغة تضعها فى مياه بحر أو مياه محيط. إنها جميعها تمتلئ بالماء، ومع ذلك يظل الماء يملأ الماء من البحر أو الميحط ويحيط بتلك الأوانى. هكذا الله يمكن أن يسكن فينا، وفى نفس الوقت يكون مالئاً لكل مكان لأنه غير محدود.
نأتى إلى السخرية من إتحاد المسيح بالطبيعة الإنسانية الدنيئة...
يقولون إن الإنسان يأكل ويشرب ويمارس عمليات الإخراج (التبرز والتبول)... إلخ. فكيف يتحد الله بمثل هذه الطبيعة الإنسانية، وكأن هذا الأمر إهانة لله وطبيعته؟! ونحن نقول إن ممارسة الإنسان للأكل الشرب وعمليات إخراج البول والبراز ليست دليلاً على الدناءة... وبالتالى لا تعتبر خطية... أليس جسد الإنسان هو من صنع الله؟ فهل يخلق الله شيئاً حقيراً دنيئاً؟. الله الكامل خلق كل شئ كاملاً وطاهراً ومقدساً وبعد ما أكمل الله خلقه الإنسان فى اليوم السادس يذكر الكتاب المقدس هذه العبارة "ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً" (تكوين 1: 31). ومن جهة أخرى كيف يغفل هؤلاء المعترضون ما فى الإنسان من أجهزة غاية فى الدقة والسمو والتعقيد، كالمخ والجهاز العصبى والدورى والتنفسى، ليذكروا فقط عمليات الإخراج؟!
اما عن إمكانية رؤية الله
نقول حقيقة أن الكتاب المقدس يقول: "الذى لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه" (تيموثاوس الأول 6: 16). وقال الله لموسى قديماً: "لأن الإنسان لا يرانى ويعيش" (خروج 33: 20). كيف بعد هذا يُقال أن المسيح هو الله ورآه كل الناس؟ 1! جوابنا على ذلك أن الكلام فى كلتا الآيتين عن رؤية اللاهوت مجرداً. وهذا بطبيعة الحال أمر مستحيل. لذا حينما أراد الله أن ينزل إلى البشر ليتمم عملية الفداء ويصبح عمانوئيل ( = الله معنا)، كان لابد أن يأخذ جسداً يخفى به هذا اللاهوت... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نقول لماذا يحتجب الله عن البشر، ويحدثهم من خلال الأنبياء فقط. إن مثل هذا الإله هو إله أرستقراطى، إختار له صفوة من البشر هم الأنبياء يتحدث معهم ويكشف لهم أسراره ويترك البشر يعيشون على ما يعلنه لهم هؤلاء الأنبياء. كان إختيار الله للوحى للتعريف عنه سواء بواسطة الأنبياء أو الكتب المقدسة إنما هو بمثابة تمهيد للإعلان الأكبر والأكمل عندما يحل بيننا، ويصير كواحد من البشر، ويصبح عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا.
قدم للبشرية مثلاً للكمال الإنسانى
وهذه تعتبر نقطة ثانوية بالقياس إلى النقطتين الأول والثانية.
أتى المسيح لكى يقدم للبشرية مثلاً للكمال الإنسانى. ولكى ما يعرّفهم ويسلّمهم تسليماً أن هذا الكمال الإنسانى – الذى يُسمى الكمال النسبى بالنسبة لكمال الله المطلق – إنما هو شئ ممكن.
كمالات الله وكمال الفضيلة الإنسانى كانا منذ القديم معروفين للإنسان معرفة نظرية عن طريق الكتب المقدسة. لكن أمكن للإنسان فى العهد الجديد وفى شخص المسيح أن يعرف صفات الله وكمالاته معرفة مباشرة فى المسيح، الذى هو صورة الله غير المنظور (كولوسى 1: 15)... "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر" (يوحنا 1: 18). لقد علّم السيد المسيح الفضيلة بشخصه وليس بكلامه كما فعل كل المعلمين الذين سبقوه. عاش بالجسد كاملاً حياة الكمال الإنسانى، لكى ما يثبت للإنسان أن هذا الكمال النسبى أو الكمال الإنسانى فى إستطاعته أن يحياه وقدم ذاته كاملاً فى كل سيرة متحدياً مقاوميه. هؤلاء المقاومين الذين حاولوا فى كل مناسبة أن يصطادوه ولو بكلمة (لوقا 11: 54). تحدى هؤلاء المغرضين الأشرار أن يثبتوا عليه خطية "من منكم يبكتنى على خطية" (يوحنا 8: 46). وهكذا ترك لنا المسيح مثالاً لكى نتبع خطواته (رسالة بطرس الأولى 2: 21). كل ذلك دعا القديس أوغسطينوس لأن يهتف ويقول: [مباركة هى خطية آدم التى جلبت للإنسان كل هذا الخير]... ومعنى هذا الكلمات أنه لولا خطية آدم وما ترتب عليها، وما نتج عنها، لما أتى المسيح إلينا ولبس جسدنا الترابى، وعاش بين البشر كواحد منهم...!!
تكلمنا فيما سبق عن السؤال الذى طرحناه "لماذا المسيح"،.
والان ننتقل للإجابة على الشطر الثانى من السؤال "مَن يكون المسيح".
أولاً: عقيدة المسيحيين فى المسيح
ماهى عقيدتنا نحن المسيحيين فى المسيح؟
1 - يؤمن المسيحيون منذ ان قامت المسيحية وحتى اليوم أن المسيح هو "ابن الله الحى"
"ولما جاء يسوع إلى نواحى قيصرية فيلبس سأل تلاميذه قائلاً: مَن يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان. فقالوا قوم يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وىخرون ارميا او واحد من الأنبياء.
قال لهم وأنتم من تقولون إنى أنا
. فأجاب سمعان بطرس وقال.
أنت هو المسيح ابن الله الحى.
فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان ابن يونا. إن لحماً ودماً لم يعلن لك، لكن أبى الذى فى السموات. وأنا أقول لك أيضاً أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها "(متى 16: 13 - 18)... ومعنى تعليق المسيح على إجابة بطرس أن حقيقة لاهوت المسيح يخفيها ناسوته... فالناظر إلى المسيح لا يرى فيه إلاَّ إنساناً. أما كنه" ابن الله الحى "فهذا أمر جاء نتيجة إعلان الآب السماوى أى أنك لم تحضر هذا الكلام من عندك وواضح من الكلام أن الصخرة التى يشير إليها المسيح أنه يبنى عليها كنيسته هى المسيح نفسه هذا ما أوضحه القديس بولس" الصخرة هى المسيح "(كورنثوس الأولى 10: 4). ويقول داود النبى عن ذلك:" لأنه من هو إله غير الرب. ومن هو صخرة سوى إلهنا "(مزمور 18: 3)... ومعنى ذلك أن المسيح والإيمان بلاهوته والاعتراف بأنه ابن الله الحى، هو الصخرة التى بنى المسيح كنيسته عليها. والحق إنها الحقيقة الأولى وفى الإيمان المسيحى، وبدونها لا يُحسب الإنسان مسيحياً.
2 - ويؤمن المسيحيون.
أنه إلى جانب كون المسيح ابن الله الحى، أنه هو الله الظاهر فى الجسد. هو الله الذى لم يكن منظوراً فى العهد القديم، وصار منظوراً فى العهد الجديد فى المسيح. بمعنى أنه هو الله غير المنظور وقد صار منظوراً فى المسيح. فالمسيح هو كلمة الله أو الله الكلمة أى اللوغوس. نقرأ فى بدء إنجيل يوحنا: "فى البدء كان الكلمة". وعلى الرغم من أن الكلمة فى اللغة العربية مؤنثة فنحن لا نقول فى البدء كانت الكلمة. لأن الكلمة هنا تعبير عن ابن الله الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس. فى النص الأصلى اليونانى الذى كُتب به العهد الجديد نقرأ هكذا: "فى البدء كان اللوغوس". فما هو اللوغوس؟ اللوغوس كلمة يونانية تعنى العقل الإلهى الكائن فى الذات الإلهية منذ الأزل. ولم تمر لحظة من الزمان كانت الذات الإلهية بدون هذا العقل[1] وحينما يقول الإنجيلى: "فى البدء كان الكلمة" فإنما يعنى الأزل. فلم تمر لحظة من الزمان كانت الذات الإلهية بدون لوغوس أى بدون عقل، فإن العقل فى الله ليس جزء منه لأن الله لا يتجزأ. فالله كلمة عقل ولا مادة فيه.
فالمسيح هو الله الكلمة، والكلمة الفاعلة أى الخالقة "
فإن فيه خلق الكل ما فى السموات وما على الأرض وما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خُلق "(كولوسى 1: 16). والمسيح هو الذى" به كان كل شئ، وبغيره لم يكن شئ مما كان... كان فى العالم، والعالم به كُون (يوحنا 1: 3، 10). وهو الله الكلمة الذى تكلم على أفواه الأنبياء القديسين جميعاً. وهو الله الكلمة، لأن الله غير المنظور كلمنا فى المسيح المنظور "الله بعد ما كلّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى ابنه الذى جعله وارثاً لكل شئ. الذى به أيضاً عمل العالمين" (عبرانيين 1: 1، 2).
3 - ويؤمن المسيحيون أيضاً أن المسيح ليس نبياً أو رئيس أنبياء.
وهو إن كان قد أشير إليه فى بعض المواضع على أنه "النبى" معرف بالألف واللام[2]. كما أنه حال كونه فى الجسد – أخذ وظيفة نبى، فليس معنى ذلك أنه نظير باقى الأنبياء الذين عرفتهم البشرية. ولكن المسيح دُعى نبياً لأنه أخبرنا بأمور ما كان ممكناً للبشر أن يعرفوها بدونه، على نحو ما يقول يوحنا فى صدر إنجيله: "الله لم يره أحد قط الابن الوحيد الذى فى حضن الآب هو خبّر" (يوحنا 1: 18) "هو خبّر" أى أنه هو الذى قال لنا عن الله. كما أخبرنا بأمور مستقبلة عتيدة أن تحدث كخراب أورشليم وهيكلها ونهاية العالم وما يسبقها من علامات وأحداث...
هكذا نرى أن المسيح ليس نبياً بمفهوم الأنبياء الذين عرفتهم البشرية
.
4 - ويؤمن المسيحيون أن المسيح ليس هو عبد الله وإن كان فى تجسده أخذ صورة عبد حجب بها لاهوته. يقول القديس بولس الرسول عن المسيح الذى "إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله ( = لم يحسب مساواته لله إختلاساً أى أنه لم يأخذ شيئاً ليس له). لكنه آخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس". وهنا لابد وأن نقف وقفة طويلة عند تعبير "صورة الله" الذى يستخدمه بولس الرسول عن المسيح فى هذه الآية.
حتى لا يظن أحد أن المسيح مجرد صورة وليس الأصل.
أسفار العهد الجديد كُتبت باللغة اليونانية. وفى اللغة اليونانية كلماتنا تترجمان فى اللغة العربية "صورة" الكلمة الأولى مورفى morvh MORPHI والكلمة الثانية ايكون ELKWY ومنها كلمة ايقونة بالعربية. الكلمة الأولى (مورفى) المستخدمة هنا لا تعنى الشكل الجسدى. بل كانت تعبيراً يونانياً فلسفياً يعبّر به عن الكائن الذى يحمل فى ذاته الطبيعة والصفة المميزتين للكائن الذى يُنسب إليه. فهذه الكلمة – والحال هذه – تدل على الوصف الخارجى الذى ينبع من الداخل، والذى يعبّر به الكائن عن طبيعته فى أعمق أعماقها. كان ربنا يسوع المسيح فى صورة الله بهذا المعنى. كما أن لفظ الله فى هذه الآية فى النص اليونانى بدون أداة تعريف ولهذا فهو يشير إلى الجوهر الإلهى. وعلى ذلك فإن المعنى المقصود بتعبير "صورة الله" فى هذه الآية، أن تعبير الرب يسوع الخارجى لأعمق أعماقه الداخلية بالنسبة لطبيعته، إنما هو تعبير عن جوهر اللاهوت الإلهى. وحيث أن ذلك التعبير الخارجى – الذى يدل عليه لفظ مورفى أى صورة – نابع من الكيان الداخلى ويصوره تصويراً حقيقياً، فيتبع ذلك، أن ربنا يسوع من جهة طبيعته يملك جوهر اللاهوت الإلهى، ويشترك مع الله الآب، والله الروح القدس فى نفس جوهر اللاهوت. أما الكلمة اليونانية الثانية التى تترجم فى اللغة العربية صورة فهى كلمة ELKWY "ايقونة" وتعنى المماثلة، وأنها نموذج مطابق للأصل تماماً.
وثمة ملاحظة فى نفس الآية السابقة... إن عبارة "الذى إذ كان..." فى أصلها اليونانى لا تشير إلى الزمان الماضى الذى تم وانقضى. بل هى مكتوبة فى صيغة تعبر عن حالة فى الماضى تمتد إلى الحاضر. وعلى ذلك فإن المعنى فى الآية السابقة يصبح كالآتى: إن الرب يسوع – من جهة حوزته لجوهر اللاهوت – لم يتوقف عن ذلك حينما أخلى ذاته بالتجسد وبعبارة أخرى: إن الرب يسوع كان بجوهر اللاهوت – ليس فقط قبل تجسده – بل بعد هذا التجسد أيضاً. ويوضح ويؤكد هذا المعنى قول المسيح له المجد لنيقوديموس: "ليس أحد صعد إلى السماء إلاَّ الذى نزل من السماء، ابن الإنسان الذى هو فى السماء" (يوحنا 3: 13)... ابن الإنسان صعد ونزل وهو الذى يكلمك.
5 - ويؤمن المسيحيون أن المسيح ليس رسولاً بمفهوم الرسل الآخرين المعروفين.
فإن كان المسيح قد قال فى بعض المواضع أن الآب أرسله مثل قوله: "لا يقدر أحد أن يقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى.. كما أرسلنى الآب الحى، وأنا حى بالآب فمن يأكلنى فهو يحيا بى" (يوحنا 6: 44، 57)... فما ذلك إلاَّ لأن المسيح هو صاحب رسالة أتى من السماء ليبلغها وتممها... على أن هناك فارق كبير جداً بين إرسالية المسيح بالمعنى الذى قصده والإرسالية بالنسبة للأنبياء والرسل من البشر. إرسالية المسيح من الآب. إرسالية باطنية فى داخل وحدة الثالوث القدوس. أما إرسالية الأنبياء والرسل فهى إرسالية خارجية من الله إلى البشر.
6 - إيمان المسيحيين بالمسيح اليوم هو بعينه الإيمان الرسولى الذى عاشه المسيحيون الأوائل.
ولا صحة مطلقاً لما يحاول بعض أعداء المسيحية أن يشيعوه من أن الإيمان الأصلى للمسيحيين حتى أوائل القرن الرابع المسيحى كان هو إيمان آريوس الهرطوقى المبتدع الذى نادى بأن المسيح غير مساو للآب فى الجوهر. وأن أثناسيوس البابا الاسكندرى هو الذى فرض فكرة الإيمان بألوهة المسيح بالقوة. هذا الكلام غير صحيح ومحض إفتراء. لكن المسيح هو الذى تكلم عن نفسه معلناً عن لاهوته وشهد لألوهته بأعماله: "الأعمال اتى أنا أعملها باسم أبى هى تشهد لى" (يوحنا 10: 25).
7 - جميع المسيحيين أمس واليوم مجمعون على الاعتقاد بلاهوت المسيح.
فعلى الرغم من الإختلافات العقائدية بين الكنائس والمذاهب المختلفة فى نطاق المسيحية، فالمسيحيون على إتفاق تام فيما يختص بلاهوت المسيح. لا فرق فى ذلك بين أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت. وأية طائفة تنتسب إلى المسيحية ولا تعترف بلاهوت المسيح هى ليست مسيحية على الإطلاق، مثل الذين يسمون أنفسهم "شهود يهوه"...
[1] - اللوغوس هو تعبير يونانى عرفه الفلاسفة الرواقيون الذين دعوا إلى الحياة بمقتضى الطبيعة، والطبيعة فى اعتقادهم هى اللوغوس أو العقل الكونى.
[2] - إشارة إلى نبوة موسى عن المسيح الواردة فى (تثنية 18: 15 - 19)، ويدعو المسيح فيها "نبياً مثلى". وقد كانت هذه النبوءة عن المسيح معروفة معرفة كاملة لدى اليهود. وكلمة "النبى" معرفة بالألف واللام إنما تشير إلى المسيح الذى تنبأ عنه موسى وقال بلسان الرب: "ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا اطالبه".
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح