المسيحية صانعة القديسين

المسيحية صانعة القديسين

[Place Image #07 here].

قداسة المسيح:

ماذا عسانا نستطيع أن نقوله عن هذا الموضوع الضخم... إنه سجل حافل امتد قرابة عشرين قرناً من الزمان. ونحن نستطيع أن نمد أبصارنا لنتأمل.

سحابة الشهود من القديسين الذين يحيطون بنا...

الشهود الذين صنعتهم المسيحية. إتماماً لقول المسيح: "وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الرض" (أعمال الرسل 1: 8). نمد أبصارنا لنعاين فئات هذه السحابة... الرسل القديسين والتلاميذ الأطهار... الشهداء بأكاليلهم... النساك ببهائهم... الأبرار فى كل الأجيال بجهاداتهم. كيف نستطيع فى محاضرة واحدة أن نستوفى هذا الموضوع حقه ولكننا نحاول يا أحبائى بقدر ما يتسع الوقت. وبقدر ما تسعفنا الفرصة وبقدر ما تؤازرنا النعمة. أن نتناول هذا الموضوع من بعض جوانبه.

يا أحبائى... ربما كان موضوع شخص المسيح مسألة جدل ونقاش بين مَنْ يعتقدون بلاهوته ومَن ينكرون عقيدة ألوهته. لكن.

الموضوع الذى يسلّم به الجميع هو قداسة المسيحيين أتباع المسيح...

وربما تضاربت الآراء فى مدى ملاءمة تعاليم المسيح لحياة البشر. لكن الأمر الذى لا جدال فيه.

هو سمو هذه المبادئ وروحانيتها.

ونحن لا نستطيع أن نتحدث عن قداسة المسيحيين دون أن نتطرق بالحديث إلى كمال السيد المسيح فى قداسته وكل صفاته... فليس المسيحيون سوى أغصان فى الكرمة الحقيقة ربنا يسوع المسيح (يوحنا 15: 5)... هم أعضاء فى جسد المسيح السرى غير المنظور. والمسيحيون هم نور العالم لأن المسيح هو النور الحقيقى الذى يضئ لكل إنسان آت إلى العالم... إن مصدر قداسة المسيحيين هو السيد المسيح نفسه. والروح القدس هو الذى يهب المؤمنين باسم المسيح كل ما له (يوحنا 16: 14). المسيح له المجد هو الذى دعا المؤمنين به أن يتعلموا منه لأنه وديع ومتواضع القلب (متى 11: 29). ويؤكد نفس المعنى الرسول بولس بقوله: "تمثلوا بى كما أنا المسيح" (كورنثوس الأولى 11: 1). "كونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء" (أفسس 5: 1). وإذا كان مصدر قداسة المسيحيين هو المسيح نفسه، فيجدر بنا أن نقف ولو قليلاً لنتأمل هذه القداسة، وبعض جوانب العظمة الروحية فيها... جوانب العظمة الروحية أو كل الكمال الروحى فى شخص المسيح له المجد.

قداسة المسيح

كانت حياة السيد المسيح بالجسد على الأرض عزوفاً عن الدنيا ومباهجها. فلم يهتم بما يتكالب عليه الناس ويقتتلون، من غنى ومجد وسلطان. لم يحفل بما هو للزواج.

فقد أتى ليؤسس مملكة روحية قوامها قلوب البشر فى المسكونة كلها

. ويؤلف المؤمنين به فى العالم كله جسده غير المنظور... لذا لم نسمع عنه أنه حارب أو غزا أو غنم غنائم أو سلب أو أخذ مال أحد أو إغتصب زوجة أحد... كانت هذه هى مبادئه التى ألزم بها كل مَنْ أراد أن يصير له تلميذاً، ويسير وراءه كتابع مؤمن...

عاش المسيح له المجد كاملاً فى كل فضيلة.

وحتى أولئك الذين كانوا يضمرون له العداء، من الكتبة والفريسيين وغيرهم، وحاولوا مراراً أن يصطادوه بكلمة قال لهم متحدياً: "(يوحنا 8: 46). وتعبير يبكتنى يعنى يثبت علىَّ خطية... مَنْ الذى يجرؤ أن يتحدى مقاوميه الذى يناصبونه العداء بهذه الصورة؟!... هو الذى سبق وتنبأ عنه إشعياء النبى:" هوذا فتاى الذى أخترته. حبيبى الذى سرت به نفسى. أضع روحى عليه فيخبر الأمم بالحق.

لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمح أحد فى الشارع صوته

. قصة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق إلى النصرة "(إشعياء 42: 1 - 3؛ متى 12: 17 - 21)...

ظلت البشرية منذ قيامها تفتش باجتهاد وتبحث لاهثة عن "الإنسان الكامل". وتخرج مع ديوجين الذى حمل مصباحه فى وضح النهار ليفتش فى أثينا عاصمة الفلسفة عن هذا الرجل، دون أن يعثر عليه. لكن فى ملء الزمان ظهرمشتهى كل الشعوب إلى عالمنا وديعاً متواضعاً. المسيح هو الوحيد بين معلمى العالم وحكمائه الذى علّم عن الكمال الإنسانى وعاش هو هذا الكمال. أما بقى الحكماء والمعلمين والمشرعين فما طابقت تعاليمهم حياتهم وما طابقت حياتهم تعاليمهم.

فمثلاً أمامنا.

كونفوشيوس حكيم الصين

الذى يتعبد له ملايين يقول: [كيف اجرؤ ان أحسب نفسى واحداً من رجال الحكمة والفضيلة!! يسوغ أن يُقال عنى إنى أجاهد لكى أصير فى حال أفضل. يمكن أن يُقال إنى لا أكل من تعاليم الآخرين. وربما عادلت أفضلهم فى معرفة الآداب! ولكن أقر أنى فشلت فى الوصول إلى خلق الإنسان السامى، الإنسان الذى يرى فى تصرفه الأمور التى يعلّم بها. إن هذا هو ما يرعبنى. إنى لم أصل إلى مستوى الفضيلة، الذى أريده. ولا أحيا تماماً حسبما علّمت. ولست قادراً على السير فى حياة البر وعمله، فى الوقت الذى أعرف فيه أن هذا هو البر. آه إنى لا أستطيع عمل الخير، ولست قادراً على تغيير ما فى نفسى من شر].

نحاول الآن أن نتتبع المسيح فى بعض كمالاته:

المحبة والدعوة إلى عدم العنف

المسيح يا أحبائى هو مَنْ لم تعرف البشرية نظيراً له فى المحبة. ولا عجب فهو المحبة المتجسدة بين البشر... جاء المسيح إلى عالم تفرقه البغضاء، وتمزقه العداوة والكراهية. فاليهود الذين كان لهم العهود والاشتراع والمواعيد – شعب الله القديم – كانوا لا يتعاملون مع غيرهم من الشعوب الوثنية لأنهم كانوا يتعالون عليهم. وعلى أية الحالات فهم لم يكونوا أحسن حالاً من بقية الشعوب الوثنية التى ظلت تتفاخر.

جاء المسيح إلى عالم إنعدمت فيه المحبة أو كادت... لذا حينما تحدث عن المحبة كان حديثه هو اللحن العذب وإن كان غريباً على مسامع الناس "سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عودك أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" (متى 5: 43، 44). لا شك أن هذا كلام غريباً، على سمع البشر، ولكنه كان صوت الحكم الأزلى يشخص الداء ويصف الدواء. الدعوة إلى محبة الأعداء هى دعوة لم يألفها البشر من قبل، لكنها تتمشى مع طبيعة المسيح ورسالته ودعوته...

يقول أحد الحكماء: [إن مقابلة الإحسان بالإساءة عمل شيطانى. ومقابلة الإساءة بالإساءة عمل حيوانى. ومقابلة الإحسان بالإحسان عمل إنسان. أما مقابلة الإساءة بالإحسان فعمل إلهى]... وفى ذلك يقول رينان المفكر الفرنسى الملحد (1823 – 1892) [إن لم يكن المسيح إلهاً، لوجب أن يكون إلهاً عند الصليب لأجل صفحه عن أعدائه الألداء]!! هذا كلام رجل ملحد كتب كتاباً عن المسيح أحدث دوياً كبيراً فى العالم وقت ذاك... حينما وضع المسيح مبدأ محبة الأعداء إنما وضعه ليجتث العداوة من القلوب ويستأصل جذورها، ويحول الأعداء إلى أحباء "إن جاع عدوك فاطعمه. وإن عطش فاسقه لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه لا يغلبنك الشر بل إغلب الشر بالخير" (رومية 12: 20).

هكذا فعل المسيح مع شاول الطرسوى الذى كان يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها) غلاطية 1: 13). هذا الرجل كما نعلم فى قصة إهتدائه للمسيحية أن المسيح تراءى له على مقربة من دمشق فى نور عظيم وقال له معاتباً:

"شاول شاول لماذا تضطهدنى"...

ربنا يعاتب إنسان بالقول: "لماذا تضطهدنى"!! هل يمكن أن يضطهد الإنسان الله؟! ومع ذلك فالله يتكلم برفق وحنو.

وهكذا فعل المسيح له المجد مع السامريين الذين كانت بينهم وبين اليهود عداوة تقليدية عنيفة، حتى أن من أكبر الشتائم التى كان اليهود يرمون بها إنساناً قولهم عنه إنه سامرى. وقد وجهوا هذه الشتيمة للمسيح (يوحنا 8: 48)...

فى إحدى المرات فيما كان السيد المسيح منطلقاً إلى أورشليم أرسل أمام وجهه رسلاً فذهبوا ودخلوا قرية للسامريين حتى ما يعدوا لمجيئه لتلك القرية... لكن السامريين فى تلك القرية رفضوا مجئ المسيح إليهم... أخذت الحمية تلميذاه يعقوب ويوحنا إذ كيف يُرفض معلّمهم، إنها إهانة كبيرة!! فقالا له: "يا رب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم كما فعل إيليا أيضاً". فانتهرهما المسيح وقال:

"لستما تعلمان من أى روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص" (لوقا 9: 51 - 56)...

وإن كان السامريون فى تلك القرية رفضوا المسيح ولم يقبلوه، لكنه لم يتركهم... لقد دخل إليهم، وإلى قلوبهم من خلال المرأة السامرية الخاطئة، التى سعى إليها وأظهر نحوها عطفاً لخلاص نفسها... والعجيب أن المسيح دعى "مخلص العالم" لأول مرة فى العهد الجديد بواسطة السامريين (يوحنا 4: 42)!!

هذه هى المحبة التى تستطيع أن تحول العداوة إلى حب وتحول الأعداء إلى أصدقاء.

كان هذا هو سلوك المسيحيين دائماً لقد أخذوا من معلمهم فضيلة محبة الأعداء ومباركة المسيئين والصلاة لأجل الذين يضطهدونهم. والمحبة التى نادى بها المسيح ليست محبة الكلام بل محبة العمل والبذل كما يقول رسول المحبة يوحنا: "يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق" (يوحنا الأولى 3: 18).

كان العالم وقتذاك ينقسم إلى أشراف وعامة، أحرار وعبيد. كانت الخدمة يقوم بها العبيد. اما السادة فكانت لهم السيادة... أما المسيح فقد قدم نفسه كالخادم "ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليِخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (متى 20: 28). هذه هى محبة المسيح فى نقائها.

ننتقل إلى صفة أخرى، وإلى كمال آخر من كمالات المسيح، وهو طهارته.

طهارته

فى إحدى صلوات القسمة بالقداس الإلهى نسمع هذه العبارة: "معلم الطهارة مؤسس الدهور قابل الصلوات النقية"... "معلم الطهارة" يقف الإنسان طويلاً طويلاً عند هذه العبارة... فالمسيح والمسيح وحده – لا أقول هو الطاهر – بل هو معلم الطهارة... هو البتول ابن البتول الذى اعتبر مجرد النظر بشهوة كأنه زنى "إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه" (متى 5: 28)...

لقد سما المسيح بالإنسان من هذه الزاوية سمواً لا حد له.

فى المسيحية ليست الأفعال وحدها هى الخطايا بل مجرد الفكر أو الشهوة يعتبر خطية. وحين أراد المسيح أن يعالج البشرية عالجها علاجاً جذرياً... عالج القتل باسئصال جذور الغضب، وعالج الزنى باستئصال النظرة الرديئة ومجرد الشهوة القلبية. هو الذى أعطانا فكرة سامية عن السماء بطهارته حينما قال: "فى السماء لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله فى السماء" (متى 22: 30).

كان كلام المسيح هذا فى وقت إمتلأ العالم بالرذيلة وبالدنس. وكانت خطايا الزنى والعهارة والدعارة خطايا شائعة. (كل كلمة من هذه المسميات لها معناها فى اللغة اليونانية الأصلية) كانت خطايا شائعة ولذا يشدد بولس الرسول كثيراً فى رسائله على هذه الخطايا. وللسبب نفسه جاء النهى عن الزنى قراراً لأول مجمع كنيسى فى تاريخ الكنيسة المسيحية وهو مجمع أورشليم سنة 50م (أعمال الرسل 15)...

وليس أدل على إنحطاط مفهوم الطهارة عند الوثنيين فى ذلك الوقت من أن بعض العبادات الوثنية القديمة كان يرتكب الزنى فيها، كجزء من العبادة التى تقدم إرضاء لبعض الآلهة. ومن الأمثلة على ذلك الآلهة افروديت التى أقيم لها معبد فى مدينة كورنثوس ببلاد اليونان، كان يضم ألف زانية يرتكبن الزنى إرضاء لتلك الآلهة!!

قداسة سيرته

أما من جهة قداسة سيرة السيد المسي فنقول.

إن قداسته ما خانته أو تخلت عنه فى أدق ظروف حياته الجسدية.

فحينما خرج يهوذا التلميذ الخائن مع شرذمة من الرعاع والجند وبعض خدام رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة، وقبّله قبلة غاشة كعلامة للقبض عليه، لم يعنفه بل عاتبه برفق: "يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان" (لوقا 22: 48)... وحينما إستل بطرس سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه، قال له الرب معلّماً: "رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون" (متى 26: 52)... ولمس الأذن المقطوعة وأبرأها (لوقا 22: 51). وفى دار رئيس الكهنة حيناً لطمه واحد من الخدم، وكان كل ما قاله له: "إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردى. وإن حسناً فلماذا تضربنى" (يوحنا 18: 23).

إتضاعه:

كان المجتمع اليهودى القديم ينقسم فى نظر معلمى اليهود إلى أبرار وخطاة. وكان المعتبرون أبراراً لا يخالطون المعتبرين خطاة خشية أن يتنجسوا... أما المسيح فخرج على مألوف معاصريه وكان يعامل الجميع كخليقته التى جاء ليخلصها... كان يجالس الجميع. وكانت مجالسته هذه موضع إنتقاد ومساءلة من جانب مقاوميه وأعدائه "لماذا يأكل معلمكم ويشرب مع عشارين وخطاة"؟... وكان رد المسيح مفحماً: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. لم آت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة"...

بهذا المفهوم الخاطئ لدى اليهود ترك مريض كذاك الذى التقى به المسيح مطروحاً عند بركة بيت حسدا، وكان له ثمان وثلاثون سنة مريضاً!! ويبدو أن هذا المريض، كان مرضه قصاصاً عن الخطية، حتى أن المسيح بعد شفائه، التقى به وقال له: "ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر". هذا الإنسان قصده المسيح وهو طريح فراشه على حافة البركة، وسأله سؤالاً عجيباً، "أتريد أن تبرأ؟" فكان جواب المريض: "يا سيد ليس لى إنسان" (يوحنا 5: 2 - 14)... وواضح أنه لكونه خاطئاً، لم يكن له إنسان!! كان هذا المفهوم الخاطئ بلا شك سبباً فى أن يظل الشرير شريراص والفاسد فاسداً.

ويصل إتضاع السيد مداه حين إنحنى وغسل أرجل تلاميذه. وأوجب عليهم أن يتمثلوا به "أنتم تدعوننى معلماً وسيداً وحسناً تقولون، لأنى أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فانتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً. الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله" (يوحنا 13: 13 - 16). وحينما استكثر بطرس التلميذ أن يغسل المسيح رجليه، وحاول أن يستعفى من ذلك كان رد المسيح عليه: "إن كنت لا أغسلك فليس لك معى نصيب".

لطفه ورقته فى معاملة الخطاة

كم كان المسيح لطيفاً رقيقاً فى معاملته للخطاة... فالمرأة التى قدمها إليه شيوخ اليهود بتهمة إمساكها فى ذات فعل الزنى، بعد أن أوسعوها هزء وأشبعوها فضيحة... أظهر نحوها عطفاً... وأبعد عنها متهميها، حينما كشف لهم خطاياهم بالكتابة بأصبعه على الأرض، فأخذوا ينسحبون الواحد إثر الآخر...

عرف كيف يقتادها إلى التوبة بدون تشهير أو تعنيف

"يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك. أما دانكِ أحد. فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أدينكِ إذهبى ولا تخطئ أيضاً" (يوحنا 8: 3 - 11). ولا شك أن هذه الرقة، وذلك اللطف، وتلك الكلمات الهادئة المعبرة التى خرجت من فم ذاك الذى كل شئ مكشوف أمامه، قد أذابت قلب المرأة فى داخلها، وهذه مقدمة طيبة للتوبة. فالعنف لا يُنشئ صلاحاً.

ولم يكن المسيح رقيقاً مع تلك المرأة الخاطئة وحدها، بل كان رقيقاً أيضاً مع مَنْ أساءوا إليها من شيوخ اليهود...

إن أسلوبه فى المعاملة لم يتغير. فإن كان لم يوافق على التشهير بالمراة، فبالمثل لم يكشف خطايا مَنْ إتهموها واقتادوها إليه. بل إكتفى بالكتابة بأصبعه على الأرض... مظهراً فى صمت وكتمان خطاياهم وأنهم ليسوا أبراراً كما يظنون... ومن يدربنا لعل بعضهم كان ملتصقاً بنفس الخطية التى نسبوها لتلك المرأة الخاطئة!! وكان كل مَنْ يقرأ خطيته منهم ينسحب فى خجل، يجر أذيال الخزى والخيبة!!

والمرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى...

تلك المرأة كانت معروفة فى كل مدينتها إذ سمعت أن يسوع متكئ فى بيت ذلك الفريسى احضرت قارورة طيب، وجاءت من وراءه وأخذت تبل قدميه بدموعها وتمسحهما بشعر رأسها، وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب... ولقد استسلم الرب يسوع لهذا التصرف. فقد أحس أن تلك المرأة الخاطئة أذابت خطاياها بدموع توبتها... وانفتح قلبها التائب، وفاح منه رائحة طيب توبتها أكثر مما فاح من قارورة الطيب التى أحضرتها!! لكن إقتراب تلك المراة الخاطئة من المسيح ولمسه على هذا النحو، لم بعجب ذلك الفريسى المضيف، ولا كل المدعوين فأخذ ينتقده فى قلبه منكراً عليه معرفة الخفايا!! لكن المسيح حامى عن المرأة، مظهراً توبتها، كاشفاً لحبها العميق "لأنها أحبت أكثر"... وأعطاها مغفرة خطاياها وسلاماً لنفسها... (لوقا 7: 36 - 50).

وثمة مثل ثالث يوضح لنا لطف المسيح ورقته فى معاملة الخطاة، هو قصة لقائه مع المرأة السامرية (يوحنا 4)... لقد كان المسيح رقيقاً لم يحاول أن يجرح تلك المرأة الخاطئة ويكشف لها خبيئة قلبها وماضيها المشين. لكنه بدأ الحديث معها كمَنْ له إحتياج: "اعطنى لأشرب"... وعلى الرغم من امتناعها فقد أخذ المسيح يكلمها عن "الماء الحى"، حتى وصل من ذلك إلى كونه هو "المسيا"... وفى رقة وحب ولطف إقتاد تلك المرأة الخاطئة إلى التوبة. بل لقد أصبحت أول مبشرة بالمسيح فى العهد الجديد... لقد دعت أهل مدينتها إلى المسيح: "هلّموا انظروا إنساناً قال لى كل ما فعلت ألعل هذا هو المسيح. فخرجوا من المدينة وأتوا إليه".

وإذا كان المسيح قد ملك العالم كله فقد ملكه بالحب، ولا شئ غير الحب.

فحينما أتى ليصالح البشرية مع الله الآب، لم يحاول البشر التجاوب مع دعوته للصلح والسلام، بل أظهروا عداوة عجيبة وإصراراً قوياً على الاستمرار فى شرورهم، ومناصبته العداء... وكانت بلسان اليهود تصرخ أمام بيلاطس الوالى الرومانى: "أصلبه أصلبه دمه علينا وعلى أولادنا"... لكن المسيح الفادى أحبهم إلى المنتهى (يوحنا 13: 1)، وأظهر نحوهم عطفاً عجيباً وطلب لهم الغفران: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23: 34)...

شجاعته وغيرته

إن محبة المسيح ووداعته وإتضاعه لم يمنعاه من إظهار الحزم فى المواقف التى تتطلب ذلك... ولأنه رأى مثلاً أن آفة المجتمع اليهودى هو العبادة الريائية، حمل على الكتبة والفريسين رياءهم (انظر متى 23). هذا فى الوقت الذى كان لهؤلاء الكتبة والفريسيين المرائين اليد الطولى فى المجتمع اليهودى أكثر من الكهنة أنفسهم لكن المسيح لم يخشى بأسهم، لأنه هو "الحق".

وعندما وجد هيكل الرب منتهكاً صنع سوطاً من حبال وطرد منه كل الباعة والصيارفة لم يبال بالكهنة ولا برؤسائهم وقال لهم موبخاً: "بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص" (متى 21: 13)...

وأخيراً حينما مثل أمام بيلاطس الوالى الرومانى الذى كان بيده أن يبرئه أو يحكم عليه، قال له بيلاطس – وقد رآه صامتاً – "أما تكلمنى. ألست تعلم أن لى سلطاناً أن أصلبك، وسلطاناً أن أطلقك". هنا أجاب المسيح وقال لبيلاطس: "لم يكن لك علىَّ سلطان البتة لو لم تكن قط أعطيت من فوق" (يوحنا 19: 10، 11).

نخلص من كل هذا إلى القول إن السيد المسيح عاش كاملاً فى القداسة وفى كل فضيلة. حتى أن بيلاطس بعد أن فحص التهم المنسوبة إليه قال للكهنة والعظماء والشعب: "قدمتم إلىَّ هذا الإنسان كمَنْ يفسد الشعب وها أنا قد فحصت قدامكم ولم أجد فى هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه، ولا هيرودس أيضاً لأنى أرسلتكم إليه. وها لا شئ يستحق الموت صنع منه". وقد أعاد بيلاطس هذا الكلام على أولئك الموتورين ثلاث دفعات (لوقا 23: 13 - 15).

ولم يكن بيلاطس وهيرودس وحدهما هما اللذان شهدا ببراءة الرب يسوع، بل شهد بذلك يهوذا الاسخريوطى الخائن. قال لرؤساء الكهنة والشيوخ: "أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً" (متى 27: 4).

واللص اليمين شهد ببراءة المسيح المصلوب

حينما عاين كمال خلقه، إزاء إستهزاءات اليهود. فقال للص الآخر الذى كان مصلوباً معه: "أولاً أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. أما نحن فبعدل لأننا ننال إستحقاق ما فعلنا. وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس فى محله" ثم قال للرب يسوع: "اذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك"... وكان رد المسيح عليه: "الحق أوقل لك إنك اليوم تكون معى فى الفردوس" (لوقا 23: 39 - 43).

ولم يكن هؤلاء وحدهم هم الذين شهدوا ببراءة المخلص بل إن قائد المائة، الذى وكل إليه، تنفيذ حكم الموت صلباً، بعد أن عاين كل مظاهر الطبيعة معلنة غضبتها لصلب المسيح، قال: "حقاً كان هذا الإنسان ابن الله" (مرقس 15: 39).

كل هذا يا أحبائى دعا الناس على إختلاف درجاتهم وأوضاعهم الاجتماعية فى كل زمان ومكان إلى الشهادة. بسمو تعاليم المسيح وقداسة سيرته، وأنها فائقة عن أن يأتى بمثلها عقل بشرى... ومن بين هؤلاء بعض الوثنيين والفلاسفة الملاحدة...

قال الفيلسوف الوثنى فورفريون: [كان يسوع رجل تقياً صعد إلى السماء لأنه كان محبوباً لدى الآلهة]. وقال ستراوس وهو من منكرى الوحى: [إن المسيح باق إلى الأبد عنوان الدين الأسمى ونموذج الكمال المطلق]. وقال رينان الملحد الفرنسى حال موته: [أسترح الآن فى مجدك أيها المؤسس الشريف. فقد إنتهى عملك وتأيد لاهوتك وليس بينك وبين الله فرق]. اما العلامة اليهودى نوح فقال: [أى حق لمَنْ يدعونه دجالاً. ونحن نرى اكثر من 500 مليون يعتقدون بلاهوته!! ومن حولنا أدلة لا عدد لها من السعادة والإيمان والحكم الصحيح والإحسان الحى العامل للخير الذى ينبعث من تعاليمه ويتبع ديانته]. وقال الفيلسوف الملحد ستيوارت مل: [مَنْ مِنَ البشر يقدر أن يخترع الأقوال المنسوبة إلى يسوع أو يستطيع أن يتصور الحياة والصفات السامية المعلنة فى الإنجيل]!!

ننتقل إلى نقطة أخرى فى موضوعنا ونقول:

ولو كانت المسيحية مجرد تعاليم نظرية أو فلسفة عقلية لما صنعت قديسين:

إن المسيحية يا أحبائى هى الحياة الجديدة فى المسيح... لقد ظهرت على مسرح الحياة تدعو لحياة جديدة روحية متميزة عن الحياة الفكرية والأدبية، بكونها حياة القداسة والسلام، وحياة الشركة مع الله والاتحاد به... هذه الحياة الجديدة فى المسيح تمسك بزمام أعماق الإنسان، وتعتقه من سلطان الخطية، وتحضره فى وحدة حية مع الله فى المسيح... ومن هذه الأعماق هى تعمل كقوة مطهرة مجددة ومنظمة لكل قدرات الإنسان وعواطفه وإرادته وأفكاره. بل وحتى الجسد تحول إلى هيكل للروح القدس...

لم تستطع أعظم أساليب الفكر والفلسفة أن تجدد العالم وتغلبه، لكن هذا ما فعله وما زال يعمله إنجيل المسيح "وهذه هى الغلبة التى تغلب العالم إيماننا. مَن هو الذى يغلب العالم إلاَّ الذى يؤمن أن يسوع هو ابن الله" (يوحنا الأولى 5: 4، 5).

لقد أجاز حكماء وفلاسفة اليونان والرومان ألواناً من الشرور وناقضوا مبادئهم بسلوكهم... واليهود على الرغم من أنهم كانوا فى مستوى أرفع من مستوى الوثنيين من جهة الفضيلة – لكن أحداً من بطاركتهم (الآباء الأوائل) أو أنبيائهم لم يصل إلى الكمال... ويروى الكتاب المقدس فى أمانة أخطاء هؤلاء جميعاً إلى جانب فضائلهم...

أما المسيحية فبلسان رسولها العظيم القديس بولس تنادى منذرة كل إنسان ومعلمة كل إنسان بكل حكمة لكى تحضر كل إنسان كاملاً فى المسيح يسوع (كولوسى 1: 28). فالحياة المسيحية هى إقتداء بحياة المسيح... ومن كلمته وروحه الذى يعمل فى أسرار الكنيسة المقدسة، يتدفق سيل لم يتوقف من القوة المقدسة على الافراد والأسرات والشعوب لنحو عشرين قرناً من الزمان. وسيظل الأمر على هذا النحو حتى يصبح الله الكل فى الكل...

فكم من أشرار إنحطوا فى الرذيلة إلى أعماقها، رفعتهم المسيحية إلى علو الفضيلة. وكم من قتلة ولصوص وزناة وأشرار، تبدلت حياتهم بقوة المسيحية ونعمتها، وصاروا قديسين نطلب شفاعتهم... من أمثال أغسطينوس وموسى الأسود ومريم المصرية وغيرهم كثيرون وكثيرون. لقد أستطاعت المسيحية بقوتها الفائقة للطبيعة. وفعالية نعمتها، وسمو مبادئها أن تحول الذئاب المفترسة إلى حملان وديعة!! ونحن نقول:

لو لم تكن المسيحية ديانة القداسة لما إنتشرت فى العالم، ولو لم تستند المسيحية إلى عوامل فائقة للطبيعة لما إستطاعت أن تحقق ما حققته، لأنها لاقت مقاومات عنيفة، بل الموت نفسه.

لقد إنتشرت المسيحية فى أمم عريقة لها حضاراتها وبها فلاسفتها كاليونان والرومان، وفى عصر إزدهرت فيه العلوم والآداب والمعرفة، وكان الحكم فيه للعقل الإنسانى. والمناداة بدين ينادى بعبادة إنسان صُلب ومات – فى عالم يمجد القوة – يكاد يكون أمراً مستحيلاً... لكن الأمر كان يرجع لعمل روح الله الذى قدس المسيحيين، وكان يعمل فى غير المؤمنين مصاحباً كلمة التبشير، الأمر الذى يقطع بأن هذا كله من الله.

يقول كاتب الرسالة إلى ديوجنيتس

التى ترجع إلى أواخر القرن الأول أو أوائل الثانى: [على نحو ما توجد الروح فى الجسد هكذا المسيحيون فى العالم... الجسد يبغض الروح ويحاربها لكن الروح تحب الجسد الذى يبغضها... وهكذا المسيحيون يحبون مَنْ يبغضونهم... ألاَّ ترى المسيحيين يتعرضون للوحوش المفترسة لينكروا إلههم، ومع ذلك لم يقهروا؟! ألاَّ ترى أنه كلما كثر عدد من يُعذب منهم كثرت البقية الباقية؟!...

يبدو أن هذا ليس من صنع الناس، بل هو قوة الله

].

كانت المسيحية وحيدة أمام كل شعوب الأرض، اليهود وعداوتهم والوثنيون ومفاسدهمز كان على المسيحية أن تناضل ضد كل المفاسد الأدبية والشرور ومع كل ذلك شقت طريقها وسط دروب إمتلأت بالأشواك، بينما كانت ما تزال فى طور طفولتها... كانت كطفل يحبو على الأشواك... مع كل ذلك آمن بالمسيحية أناس من كل الطبقات والثقافات والأجناس وليس البسطاء أو الفقراء وحدهم.

ولم يحمل المسيحيون سيفاً ولا سلاحاً لأن المسيحية علمتهم أن أسلحة محاربتهم ليست جسدية، ومع ذلك فهى قادرة بالله على هدم حصون (كورنثوس الثانية 10: 4). لقد استعاضوا عن الترس المادى بترس الإيمان، وعن الدرع المادى بدرع البر، وعن الخوذة الحديدية بخوذة الخلاص، وعن السيف المادى البتار الذى يقتل ويدمى بسيف الروح الذى هو كلمة الله.

العالم يا أحبائى كان وما يزال يحيا فى فراغ وليس من يملأ قلب الإنسان الفارغ سوى الله، الذى حوّل الإنسان فى المسيحية إلى هيكل مقدس له وموضع راحة لسكناه "إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى وإليه نأتى وعنده نصنع منزلاً" (يوحنا 14: 23)... يقول القديس أغسطينوس الذى كان غارقاً فى الخطية إلى أعماقها، ثم رفعته النعمة إلى أسمى درجاتها، يقول فى كتاب إعترافاته: [لقد خلقتنا لك يا الله ونفوسنا سوف تظل قلقة ( = حائرة وبلا راحة) حتى ترتاح فيك].

فضائل المسيحيين الأوائل

لا شك فى أن قداسة المسيحيين الأوائل كانت هى الكارز الأول بالمسيحية... أولئك الذين قال عنهم القديس بولس:

"صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس" (كورنثوس الأولى 4: 9)...

الذين سلكوا بموجب الناموس الملوكى: "تحب قريبك كنفسك" (متى 32: 39؛ يعقوب 2: 8)... "كل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، إفعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم" (متى 7: 12).

يقول العلامة أوريجينوس (من القرن الثانى والثالث) فى فاتحة كتابه الأول ضد كلسوس: [لما أحضروا شاهد زور ليشهد على مخلصنا المبارك – يسوع الذى بلا خطية – كان محتفظاً بسلامه. ولما أتهم لم يجب، إذ كان مقتنعاً تماماً أن حياته وسلوكه بين اليهود كانا هما أبلغ إحتجاج يمكن أن يقدم لصالحه... ومازال حتى الآن يحتفظ بنفس الصمت.

ولا يقدم إجابة أخرى سوى الحياة الطاهرة التى يحياها أتباعه المخلصون، فهم أكثر مدافعيه نجاحاً وبهجة. ولهم صوت عال، به يسكتون ضجة أكثر أعدائهم حماساً وتعصباً].

ويقول العلامة ترتليانوس (من القرن الثانى والثالث) وهو يشرح كيف أن المسيحيين أبرياء من أية جريمة... [فضيلتهم مؤسسة على ديانتهم. مفهومهم للفضيلة تعلموه من معلمهم الإلهى. شريعتهم الأخلاقية تعلموها من شفاه إلهية. ويتوقعون أن يحاكموا أمام قاضٍ إلهى. وعقيدتهم فى العذاب الأبدى، أنه جزاء الخطية وأن الحياة الأبدية مجازاة عن الصلاح وفضلاً عن ذلك، فالوصايا التى وضعت عليهم متسعة جداً، حتى أنها تشمل كلمات الشفاة وأفكار القلب]، ويقول أيضاً: [لقد أبغض الوثنيون المسيحية أكثر مما أحبوا الصلاح. إنك لن تجد مسيحياً فى السجون إلاَّ بسبب اسمه. وإذا وجد لأى سبب آخر فإنه لم يعد مسيحياً].

ونسوق على ذلك بعض الأمثلة:

† يوسينوس الفيلسوف المسيحى الشهيد

الذى وُلد أواخر القرن الأول الميلادى فى السامرة واستشهد سنة 166م. درس الفلسفة وأعجب بها وظل ينتقل من مدرسة فلسفية إلى أخرى حتى إستراح إلى الفلسفة الأفلاطونية وتعلق بها وأحبها. لكن الفلسفة لم تكن لتشبع عقله وقلبه.

. فلم يكن له عقل متفتح فحسب، بل كانت له روح جائعة متعطشة للنور والحق.

ولم يكن متعصباً بل كان يزن الأمور بتعقل وحياد.

تأثر من إستمساك الشهداء بإيمانهم فيما كان الوثنيون يعذبونهم.

كتب بعد ذلك – بعد أن اعتنق المسيحية وصار واحداً من كبار المدافعين عنها، يقول: [فى الوقت الذى كنت استمتع فيه بمبادئ أفلاطون. وفى الوقت الذى كنت استمع فيه إلى المصائب التى يكابدها المسيحيون، قلت لنفسى: حيث أنى رأيتهم لا يرهبون الموت حتى وسط الأخطار التى يعتبرها العالم مرعبة، فمن المستحيل أن يكونوا أناساً يعيشون فى الشهوة والجرائم]... لا يمكن أن تتمشى حياة الإنحلال الخلقى مع المسيحية بأية صورة من الصور، إذ لا موضع لها فى كنيسة المسيح.

إيمان المسيحيين وأمانتهم

ويناقش يوستينوس الفيلسوف والشهيد السؤال [لماذا يرفض المسيحيون تقديم الذبائح للآلهة الوثنية] مع أنه من الممكن أن يدعى إنسان إنه ضحى للآلهة الوثنية أو يتظاهر بذلك حتى ينجوا بحياته... يقول: [نحن نرفض أن يكون الكذب هو ثمن إستمرارنا فى الحياة. نحن نشتهى الحياة الأبدية غير الفاسدة ونفضل الحياة مع خالق الكون].

† وعن زهد المسيحيين فى العالميات

يقول يوستينوس: [نحن ننتظر ملكوتاً – تفترضون بغير تدقيق أنه يتعلق بمملكة بشرية ولكننا نتكلم عن ملكوت الله. وليس أدل على ذلك من أننا نرد على أسئلتكم بأننا مسيحيون فى حين أننا نعرف أن هذا الاعتراف سوف يؤدى بنا إلى الموت. فلو كنا ننتظر ملكوتاً أرضياً لكنا ننكر، من أجل إنقاذ حياتنا، ونختبئ حتى لا تخيب آمالنا. لكن رجاءنا ليس فى هذا الزمان الحاضر].

† وعن طبيعة الحياة المسيحية وعن التغيير الذى تحدثه المسيحية فى الإنسان:

يقول يوستينوس: [الوثنيون يحسبوننا مجانين لأننا نعبد هذا المسيح الذى صُلب فى عهد بيلاطس البنطى كإله مع الآب. لكنهم لو عرفوا سر الصليب، لما قالوا ذلك. لكنهم يمكنهم أن يعرفوه عن طريق ثماره. فنحن الذين عشنا قبلاً فى الفجور نتعلم الآن العفة. نحن الذين إستخدمنا السحر، كرسنا ذواتنا للخير – الإله المتأنس. نحن الذين أحببنا المال والمقتنيات أكثر من أى شئ آخر. نقدم ما نملك عن رضى للخير العام، ونعطى كل محتاج. نحن الذين حاربنا وقتلنا بعضنا بعضاً، نصلى الآن لأجل أعدائنا. أولئك الذين يضطهدوننا عن كراهية نحاول برفق أن نهدئهم على رجاء أن يشتركوا فى نفس البركات التى نتمتع بها].

طهارة المسيحيين وعفتهم

يقول المدافع المسيحيى يوستينوس: [إن رجالاً ونساء كثيرين إذ تعلموا منذ الصبا فى ناموس المسيح. ظلوا أنقياء حتى سن الستين والسبعين وإنى أفتخر بأن أذكر لكم بعض أمثلة من هؤلاء فى كل الطبقات.

وهل يلزم أن أذكركم أيضاً بالعدد الغفير من أولئك الذين تركوا الرذيلة لكى يخضعوا لهذا التعليم؟

والمسيح لم يدع الأبرار والأطهار للتوبة بل الكفرة والمرزولين والأشرار. ألم يقل: "لم آت لأدعوا أبراراً بل خطاة إلى التوبة". فالآب السماوى يفضل توبة الخاطئ عن معاقبته].

والفيلسوف المسيحى أثيناغورس الأثينى الذى كتب دفاعاً عن المسيحية والمسيحيين حوالى سنة 177م، قدمه للإمبراطور الرومانى مرقس أوريليوس، يقول: [إن أخلاق المسيحيين العالية تدرأ عنهم مثل هذا الاتهام الظالم (يقصد الفساد الخلقى). لأن المسيحيين يعتقدون فى الله أنه رقيب على أفكارهم وحركات قلوبهم. وأنهم سيدانون عن كل فكر شرير. وهم يصونون ذواتهم عن النظرة الشريرة فكم بالأولى يعفون عن الأفعال الدنسة. كما أن شريعتهم تفيدهم باعتبار الأقرباء كنفوسهم. فمن ثم يطالبون بأن يصونوا جسوم أخواتهم فى المسيح. ثم هم يزدرون بشهوات الحياة الحاضرة. والبعض منهم يحيون حياة طهر كامل إذا نذورا أنفسهم لله، وإختاروا البتولية، واتجهوا إلى الله بالكلية. وبعضهم الآخر وإن تزوج فبقصد إنجاب البنين فقط، ويبغضون الزيجات الثانية، ويعتبرونها نوعاً من الزنى المتستر. أى أنهم يقنعون بالزيجة الواحدة... إن إتهام الوثنيين للمسيحيين إنما يؤيد صدق المثل القائل العاهرة تعير العفيفة].

وداعة المسيحيين وابتعادهم عن العنف

يقول يوستينوس: [لا يجب أن نأتى أعمال العنف. فالله لا يريد منا أن نقلد الأشرار، لكنه يدعونا إلى الصبر والوداعة لكى ننتزع الناس من دناءة الأهواء الشريرة. ويمكننا أن نذكر لكم عديداً من المثلة لأشخاص عاشوا بينكم، نبذوا عاداتهم العنيفة الاستبدادية، إذ غلبهم منظر فضيلة جيرانهم (المسيحيين) الذى يرونه كل يوم. غالبهم صبر زملائهم العجيب فى إحتمال الظلم. وغلبتهم الخبرة التى إكتسبوها من علاقاتهم بهم].

نماذج من فضائل المسيحيين

نقدم بعض نماذج من فضائل المسيحيين وهم وجهاً لوجه أمام الموت، بينما كانوا يعذبون من أجل إيمانهم بالمسيح، ويساقون إلى ساحات الاستشهاد. كان هؤلاء المسيحيون الذين يعذبون بطرق شتى وبأساليب بشعة فى إستطاعتهم أن ينقذوا حياتهم بكلمة أو تصرف يرضى معذبيهم... لكنه أبوا أن ينقذوا أرواحهم على حساب المبدأ والفضيلة، وفضلوا أن يضحوا بحياتهم على أن يتخلوا عن الفضيلة.

(أ) محبة العفة والطهارة:

من جهة العفة والطهارة هناك أمثلة رائعة لأبطال الطهارة والعفة الذين إستشهدوا حفاظاً عليها. ونحن هنا لا نسوق أمثلة لرهبان وراهبات ومتبتلين ومتبتلات... فقد يتبادر إلى الأذهان أن هؤلاء إنقطعوا عن الحياة وعاشوا حياتهم الخاصة لكننا نقدم أمثلة لبعض الشهداء والشهيدات ممَن فضلوا أن يواجهوا الموت عن أن يدنسوا أجسادهم...

وأهمية تقديم أمثلة من هؤلاء الشهداء أنهم مارسوا هذه الفضيلة وسيف الموت مشهر على رقابهم... لقد تملكت على الوثنيين شهوة دنسة بصورة مزرية مخجلة. وكانوا يعجبون لطهارة المسيحيين والمسيحيات، اللأئى – بحسب تعبير يوسابيوس المؤرخ الكنسى [لم يستطعن مجرد الإصغاء إلى تهديد الحكام الوثنيين بهتك أعراضهن، فتحملن كل أنواع التعذيب والتنكيل والقصاص المميت]...

وفى سيطرة محبة الطهارة والعفة على المسيحيين والمسيحيات ما يكشف عن الروحانية العميقة التى عاشوها. والسمو العجيب الذى حققوه باحتقار الجسد... فلا نتصور أنه يمكن أن تكون هناك طهارة مع حياة الإنحلال!!

إحدى مراحل التعذيب التى إجتازتاه.

الشهيدة بربيتوا الشهيرة من قرطاجنة

أنها ألقيت لثور هائج أخذ يضربها بقرونه فسقطت على الأرض نصف ميتة... لكنها لم تنس وهى فى هذه الحالة أن تستر جسدها بردائها الممزق!! فماذا عسانا الآن نقول عن بعض المسيحيات اللائى لا يراعين الحشمة فى ثيابهن، ويكشفن عن أجزاء من أجسادهن؟!!

والشهيدة بوتامينا

التى نالت إكليل الشهادة فى الاضطهاد الذى أثاره الإمبراطور سبتميوس ساويرس (193 – 211م).

تحملت آلاماً شديدة وعديدة فى سبيل الاحتفاظ بعفتها وعذراويتها..

فبعد أن عذب الوالى كل جسمها تعذيباً قاسياً هددها أخيراً بتسليمها إلى المصارعين للإساءة إلى جسدها!! وإذ سئلت عما إستقر عليه رأيها، فكرت قليلاً وقدمت إجابة إعتبرت خارجة عن حدود اللياقة. وللحال صدر الحكم بموتها، وساقها ضابط يدعى باسيليدس إلى ساحة تنفيذ حكم الموت... كانت الطريقة التى تقرر أعدمها بها. أن يصب الماء المغلى على أعضائها!! فصاحت نحو الوالى قائلة: [أستحلفك برأس الإمبراطور الذى تهابه ألاَّ تجعلهم يجردوننى من ثيابى بل يدعونى أنزل إلى القار قليلاً حتى ترى أى قوة إحتمال أعطانيها المسيح الذى لست تعرفه!!] إلى هذه الدرجة من التحفظ والحياء ومحبة الطهارة، كانت هذه العذراء التى أبت أن تخلع ثيابها وينكشف جسدها!!

والعذراء الصغيرة فبرونيا التى كانت بدير للعذارى قرب أخميم،

حاول إغتصابها جنود مروان بن محمد سنة 749م بعد أن نهبوا الدير مدة الاضطرابات التى حدثت بين الأموريين والعباسيين... هذه العذراء وجدت نفسها فى قبضة الجنود وعرفت مصيرها، فكرت فى حيلة لتنجو بنفسها من الدنس... استمهلتهم قليلاً، ودخلت قلايتها وألقت بذاتها بين يدى الله باكية، طالبة النجاة من الدنس.. وسرعان ما خرجت إلى الجند بحيلة... توسلت إليهم أن يتركوها لعبادتها، مقابل جميل تسديه إليهم، تعلمته من أسلافها... وكان هذا الجميل زيتاً تقتنيه، إذا دهن به أى جزء من الجسم، لا تعمل فيه السيوف. ولكى تبرهن على صدق كلامها، دهنت عنقها بالزيت وطلبت أن يهوى أقواهم بسيفه على عنقها... وما أن فعل ذلك حتى إنفصل رأس العذراء العفيفة عن جسدها... أما الجند فاعتراهم خوف شديد، وأسرعوا بمغادرة الدير، بعد أن تركوا كل ما كانوا قد نبهوه!!

(ب) الوداعة:

صفة أخرى من الصفات التى تحلى بها المسيحيون الأوائل، صفة الوداعة...

لقد أثبت المعترفون والشهداء بلا إستثناء وداعتهم مقابل أعدائهم...

فلم يثوروا أو يتمردوا على معذبيهم ومنهم الجنود والقواد والحكام... كان يمكنهم أن يفعلوا شيئاً لكنهم لم يفعلوا. وكانت أعدادهم فى بعض الأحيان ضخمة، تكفى لإثارة شغب، ومع ذلك فقد تمثلوا بمعلمهم المسيح الذى قيل عنه: "كشاة تساق إلى الذبح وكخروف صامت أمام الذى يجزه، هكذا لم يفتح فاه" (إشعياء 53: 7)...

نسوق لذلك ما ذكر عن الكتيبة الطيبية... كانت هذه الكتيبة قوامها نحو ستة آلاف جندى... وحينما طُلب إليهم أن يضحوا للأوثان بموجب الأوامر الامبراطورية، كتبوا رسالة وقعوها ورفعوها إلى القيصر الرومانى مكسيميانوس... [أيها القيصر العظيم نحن جنودك لكن فى الوقت ذاته نحن عبيد الله... لسنا ثواراً، فالأسلحة بأيدينا، وبها نستطيع أن ندافع عن أنفسنا ونعصاك. لكننا نفضل أن نموت أبرياء على أن نعيش ملوثين. ونحن على أتم استعداد أن نتحمل كل ما تصبه علينا من أنواع التعذيب، لأننا مسيحيون، ونعلن مسيحيتنا جهاراً] أما نتيجة هذه الرسالة هى إبادة هذه الكتيبة المسيحية عن آخرها.

† وما أكثر ما أظهره المعترفون والشهداء من محبة نحو من أظهروا لهم العداء وصبوا عليهم العذابات ألواناً. وكانوا يسمعون وهم يصلون لأجل كل مَنْ أساء إليهم... يصلون لكى يسامحهم الله، ويصلون من أجل إهتدائهم. وبالجملة فقد كانت كل أشواق المسيحيين فى الله وفى السماء...

هناك قصة لطيفة تكشف لنا مشاعر المسيحيين الجياشة نحو السماء... خمسة من الأقباط المصريين قبض عليهم بتهمة المسيحية ومثلوا أمام القاضى فى مدينة قيصرية بفلسطين. وكانوا يحملون أسماء وثنية. ولكنهم لما سئلوا عن أسمائهم قدموا أسماء من الكتاب المقدس... إيليا وارميا وإشعياء وصموئيل ودانيال. ولما سئل أحدهم عن موطنه، أجاب [أورشليم]. وكان يقصد أورشليم السمائية، التى قال عنها القديس بولس أنها "أمنا جميعاً" (غلاطية 4: 26). ولما كان القاضى لا يعرف مدينة بهذا الاسم (إذ كانت مدينة أورشليم قد خربت منذ سنة 70م وتغير أسمها)، ظن أنه يتلاعب ويقدم إجابة ملتوية، فأمر بتعذيبه... لكن المتهم أكد للقاضى أنه يقول الصدق... وإذ سئل مراراً عن تلك المدينة كان يجيب أنها وطن الأتقياء فقط. فظن القاضى أن المسيحيين مزمعون أن يؤسسوا مدينة فى مكان ما معادية للرومان. ولما رأى ثباته وأنه لا يتزحزح عن إصراره حكم عليه بالموت وهكذا فعل بزملائه الأربعة.

كثيراً هو الكلام الذى قيل عن المسيحيين الأوائل وعن فضيلتهم وقداسة سيرتهم أما السبب فى ذلك فهو أنهم كانوا يحيون الحياة المقدسة التى تليق بأبناء الله. لا تنسوا يا أحبائى أنكم نور العالم. النور الذى ينير لكل العالم... والمسيح له المجد يطلب منك أن يرى غير المؤمنين صورته فيكم، ويتقابلوا معه حينما يتقابلوا معكم. مسئوليتنا تجاه غير المسيحيين الآن ليست هى الجدل والنقاش فهذا يولد خصومات وعب الرب لا يجب أن يخاصم... والرسول بولس يدعوها مباحثات غبية لأنها لا تبنى... إن مسئوليتنا تنحصر فى أن نحيا حياة القداسة ونكون قديسين... ومن خلال هذه الحياة نقدم المسيح لكل أحد...

مَنْ منكم يريد أن يخدم المسيح؟ إن خدمة المسيح ليست بالكلام. الكلام سهل. إنما خدمة المسيح تكون بقداسة السيرة والقدوة. لا تظنوا أن المسيحية إنتشرت فى الوقت المبكر بالعظات الرنانة والخطب التى كانت تهز أعواد المنابر كما يقولون. وإنما كان إنتشار المسيحية بسبب فضيلة المسيحيين، وثباتهم فى الإيمان، ورسوخهم فى الفضيلة... كانوا هم الإنجيل العملى المنظور والمقروء من جميع الناس. كانوا يصلون لأجل الذين يسيئون إليهم ويضطهدونهم حسب تعاليم المسيح المقدسة... هذا هو واجبنا يا أحبائى وهذا ما يجب أن يكون عليه سلوكنا. أما إذا فكرنا فى أسلوب آخر فنحن نخطئ إلى الله وإلى أنفسنا.

أيها الإخوة أنا أحملكم فى هذا المساء مسئولية أمام الله... مسئولية توصيل هذا الإيمان الحى إلى الآخرين... إنما ليس بوسيلة أخرى سوى قداسة السيرة وقداسة الحياة. هذا هو الأسلوب الفعال. وهذه مسئولية كل شخص فينا. الطالب فى دراسته، الموظف فى وظيفته ومكان عمله، السيدة بين جيرانها، التاجر فى تجارته، وكل مَنْ يعمل عملاً حراً فيمن يتعامل معهم. على كل إنسان أن يقدم المسيح دون أن يتكلم. أليس هذا ما قاله رب المجد: "ليرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات"؟!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الكنيسة وأبواب الجحيم

البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح