هذا الفصل هو جزء من كتاب: إيماننا الأقدس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
فما هو الأقنوم؟
الأقنوم كلمة سريانية يقابلها باليونانية كلمة Hypostasis ومعناها خاصية أو صفة ذاتية فى الله. أى صفة أو خاصية تقوم بها الذات الإلهية، وبدونها ينعدم قيام الذات الإلهية... وعلى ذلك ففى الجوهر الإلهى ثلاث خواص أو صفات ذاتية:
1 - خاصية الوجود:
فالله موجود، وواجب الوجود، وبدونه لا يمكن تفسير الوجود، وإذا لم تكن لله صفة الوجود يكون عدماً.
هذه الصفة الذاتية فى الله تُسمى "الآب".
وهى كلمة سريانية معناها الأصل أو الوجود والكيان الإلهى.
2 - خاصية العقل والحكمة:
فالله عاقل بل هو مصدر العقل والحكمة فى كل الوجود. نلمس ذلك فى الطبيعة. ونتذكر ما قاله القديس بولس: "لأن اموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته" (رومية 1: 20)... وإذا لم يكن الله عاقلاً فيس له وجود. لأن الله عقل كله وليس فيه جسم. هذه الصفة الذاتية نسميها "الابن أو الكلمة". واللفظ فى اليونانية التى كُتب بها العهد الجديد هو كلمة "لوغوس Logos"... وكانت عقيدة اللوغوس هى الفكرة المحورية عند الفلاسفة الرواقيين. واللوغوس فى اعتقادهم هو [العقل الكونى] [4].
3 - خاصية الحياة:
فالله حى، بل هو مصدر الحياة. فإذا لم يكن الله حياً كان ميتاً، وبالتالى ليس له وجود.
هذه الخاصية هى ما نسميه "الروح القدس".
ومن ذلك نتبيّن أن الأقانيم هى صفات فى ذات الله، لا يقوم كيانه بدونها. وعلى ذلك فالجوهر واحد ولكن الصفات الذاتية ثلاثة، نمسيها الآب والابن والروح القدس.
التثليث المسيحى غير التثليث الذى يشير اليه القرآن
نود أن نقف وفقة موضوعة هادئة، نحاول معها أن نفهم ما هو السبب فى غضب الإخوة المسلمين من موضوع التثليث المسيحى... لعل السبب هو أنهم أمام نص قرآنى يقول:
"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلاَّ واحد
. وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسسن الذين كفروا منهم عذاب أليم "(المائدة 72)...
ونقول لإخوتنا المسلمين الثالوث الذى يهاجمه القرآن فى هذه الآية، ليس هو ثالوث المسيحيين... لقد ظهرت هرطقة (بدعة) فى بلاد العرب فى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، عُرفت باسم [هرطقة المريميين]... إعتقد هؤلاء المريميون فى ثالوث مكون من الآب والابن ومريم العذراء... وإلى هذه الهرطقة الدينية تشير سورة الأنعام (100) "بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة. وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم". على أن هناك أكثر من ثالوث عرف فى الديانات الوثنية كثالوث المصريين وثالوث الهنود... (ثالوث أوزوريس وإيزيس وحورس، وثالوث براهمة).
والدليل على أن المسيحيين ليسوا هم المقصودين بالآيتين السابقتين ما جاء بمواضع كثيرة من القرآن يمدح فيها النصارى ويثنى عليهم... وهل يعقل أن القرآن يتناقض مع ذاته. تراة يتهم المسيحيين (النصارى) بالكفر، وتارة أخرى يثنى عليهم ويمدحهم؟!!
جاء فى سورة البقرة (61): "أن الذين آمنوا والذين هادوا ( = أى اليهود) والنصارى والصابئين مَن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً،.
فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ".
وجاء فى سورة آل عمران (112، 113): "من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله، آناء الليل وهم يسجدون، ويؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات. وأولئك من الصالحين".
وجاء بسورة المائدة (81): "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا.
. ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون "
ونلاحظ هنا أنه فضل النصارى على اليهود. ومدح النصارى وذم اليهود. ولو كان المسيحيون هم المشركون لما مدحهم القرآن فى أمثال هذه الآيات.
وفى سورة العنكبوت (45) يقول:
"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتى هى أحسن.
إلاّ الذين ظلموا منهم. وقولوا آمنا بالذل أنزل إلينا وأنزل إليكم. وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ".
وفى سورة الحديد (26): "وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا فى قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة".
وفى سورة المائدة (42):
"وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله..
. أنا أنزلنا التوارة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء... ومَن لم يحكم به أنزل الله فاولئك هم الكافرون ".
وفى سورة آل عمران (45): "إذ قال يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلىَّ ومطهرك من الذين كفروا.
وجاعل الذين إتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ".
والذين إتبعوك هم المسيحيون... جعلهم فوق الذين كفروا... وواضح أنه فصل بينهم وبين الكفار.
وواضح يا أحبائى من كل هذا أن الثالوث الذى يحمل عليه القرآن ويقول فيه: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلاَّ واحد"، هذا الثالوث ليس هو ثالوث المسيحيين. لأن القرآن يذكر المسيحيين بالخير ويرفعهم ويشير إليهم إشارات طيبة.
أما ما جاء بسورة الأنعام (100): "بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة (زوجة)"... فهذه أفكار وثنية. وهل فكرتنا نحن المسيحيين عن ابن الله، أن الله تزوج بالمفهوم الجسدى وأنجب؟!! مَن قال هذا الكلام أو مَن تصور مثل هذا القول؟!!
إن الأبوة والبنوة فى الذات الإلهية، لا علاقة لها بالأبوة والبنوة فى عالم الحس عند الإنسان والحيوان. فهذه تقتضى التوالد الجنسى. بينما البنوة فى الثالوث القدوس ليست مادية على الإطلاق.. والبنوة فى عالم الإنسان والحيوان تقتضى الإنفصال بعد الولادة. فالولد يخرج من جسم الأم ويصبح جوهراً جديداً مستقلاً. أما البنوة فى الثالوث الإلهى فليس فيها إنفصال ولا إستقلال عن الجوهر الإلهى والذات الإلهية. والبنوة فى عالم الإنسان والحيوان تقتضى الزمان. بحيث أن الوالد يكون سابقاً عن الآبن المولود. أما البنوة فى الثالوث القدوس فليست زمنية على الاطلاق. فالابن كائن مع الآب فى الذات الإلهية منذ الأزل، وكذلك الروح القدس كائن مع الآب والابن. فالابن قائم مع الآب وفى الآب "أنا فى الآب، والآب فىَّ". والابن قائم مع الآب والروح القدس فى الذات الإلهية منذ الأزل وإلى الأبد.
والبنوة فى الثالوث القدوس هى بنوة بالطبع وليس بالوضع.
فالمؤمنون دعوا أبناء الله بالوضع أو التبنى... أما البنوة فى الثالوث القدوس فهى بنوة بالطبع. أى أن الابن هو من جوهر الآب وطبيعته "نور من نور إله حق من إله حق"... ولذا فإن السيد المسيح يدعى mono’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’’genhc أى وحيد الجنس أى ليس له نظيراً أو شبيه.
لماذا دعى الأقنوم الثانى بالابن؟
السبب فى ذلك يرجع إلى ضيق اللغة البشرية... واللغة البشرية ليست ضيقة فقط بل مادية. تُستعمل للتعبير عن الماديات وتتناسب مع البشر فى معاملاتهم والقديس أغسطينوس يقول: إننا عندما نتكلم عن الله، فإن اللغة البشرية توجد عاجزة عن التكلم عن الإلهيات. والقديس غريغوريوس أسقف نيصص وشقيق القديس باسيليوس الكبير يقول: فى أى موضع نتكلم عن اللاهوت فإننا نجرحه. أى نجرح الله لأنه لا يوجد فى اللغة البشرية ما يصف الله نفسه أو يعبر عنه.
فاللغة البشرية المحدودة لا يمكن أن تفى بحق عن المدلولات الكاملة الإلهية التى لله غير المحدود
. ولذا فهى إزاء الكمالات الإلهية – ليست إلاّ تعبير عما يستطيع البشر فهمه وإدراكه. وإلاّ فما معنى "عرش الله" و "يمين الله" و "عين الله" و "يد الله"، التى نقرأ عنها كثيراً فى الكتاب المقدس. لذا فقد عبر الوحى عن العلاقة بين الأقنوم الأول والأقنوم الثانى بلفظى "الآب والابن"، وذلك لأنهم اللفظان القريبان والمناسبان إلى فهمنا وإدراكنا فى لغتنا البشرية...
وسر التجسد سبب هام لاستعمال لفظ الآب والابن للأقنوم الأول والثانى.
فبالتجسد ظهر الأقنوم الثانى. ولما كان الأقنوم الثانى المتجسد قد أظهر لنا شخصية صفات الله غير المنظور "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خبّر" (يوحنا 1: 18)... بحيث أننا فى شخص الأقنوم الثانى عرفنا صفات الله غير المنظور. لذا عبر الكتب المقدس عن الأقنوم الثانى بالابن، وعن الأقنوم الأول بالآب. تماماً كما يحدث عندما نتعرف على الإنسان عن ابنه عن طريق الصفات البشرية المشتركة بينهما فى الشكل.
مساواة الأقانيم الثلاثة فى الذات الإلهية
هل الأقانيم الثلاثة فى الذات الإلهية متساوية؟ نعم... فليس فى كلام المسيح: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 28: 19). ما يقيد أن أقنوم أعظم من أقنوماً من حيث انه ذكر قبله... نلاحظ هنا أن الآب يذكر أولاً... ولا يجب أن نفهم أن الآب أعظم من الابن والروح القدس.
أما بولس الرسول فيقول:
"نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم آمين" (كورنثوس الثانية 13: 14)...
ونلاحظ هنا أنه قدم الابن على الآب ويأتى بعدهما الروح القدس... وليس معنى هذا أن الابن أعظم من الآب والروح القدس.
ويهوذا الرسول يبدأ بالروح القدس
فيقول: "أما أنتم أيها الأحباء فأبنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس، مصلين فى الروح القدس وأحفظوا أنفسكم فى محبة الله منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية" (يهوذا 20، 21) فكونه يقدم أقنوم الروح القدس فليس معنى ذلك أنه أكثر كرامة...
تتبقى نقطة نرى من المفيد الإشارة إليها، وذلك منعاً لأى لبس أو إبهام... ما معنى قول المسيح "أبى أعظم منى" (يوحنا 14: 28). الآب أعظم منه فى الحالة التى كان يتكلم فيها... فالمسيح بتجسده، "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس... ووضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فيلبى 2: 7، 8)... ومعنى تعبير "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد" أنه أخلى نفسه بإرادته من المجد والكرامة التى له كإله من أجل تدبير الفداء... وطالما قد أخذ صورة عبد، فإنه يقبل الإهانة والشتيمة وكل ألوان الضعف البشرى من لطم وضرب السياط وبصق على الوجه وإستهزاء... هنا – فى هذه الحالة فقط – يكون الآب أعظم منه...
محاولة فهم الثالوث القدوس من أمثلة فى الحياة والطبيعة:
لكى نا نقرب للأذهان موضوع التثليث نختم هذا الموضوع بإيراد بعض التشبيهات التى تقرب لنا المعنى السامية...
وهذه الأمثلة هى على سبيل التشبيه فقط. نقول ذلك لئلا يظن أحد أننا نستعير من الطبيعة والأشياء المادية ما يؤكد ويثبت صحة معتقدنا المسيحى...
(أ) بالنسبة للثالوث:
نحن لا نقول "1 + 1 + 1". لأننا لو قلنا ذلك لكان الناتج ثلاثة... لكننا نقول 1×1×1 فتكون النتيجة واحد صحيح. أليس هذا هو عين ما قاله المسيح "أنا فى الآب، والآب فىَّ" (يوحنا 14: 10).
(ب) الإنسان ثالوث:
أنت إنسان لك شخصية...
إذن لك ذات، لك كيان.
أنت أنسان عاقل.
والعقل صفة يمتاز بها الإنسان عن الحيوان (والعقل ليس هو المخ).
أنت إنسان لك روح.
وإلاَّ كنت لست حياً أو كنت جماداً... والروح عنصر الحياة موجود فى كل خلية من خلايا الجسم وعددها بالملايين.
وهكذا نرى أن:
الذات + العقل + الروح = الإنسان.
(ﺟ) النار:
النار لها ذات جوهرها النار... تتولد منها حرارة وينبثق منها نور. والثلاثة واحد... ولا يمكن أن توجد نار بلا حرارة أو نور (ضوء).
هكذا الشمس، فيها القرص (الجرم) والحرارة والضوء. وكل واحد منها يمكن أن يعبر بها عن الآخر أو عن الكل... أتطلع إلى السماء وأقول: [أنا انظر الشمس]. وتنفذ أشعتها من الزجاج وأقول: [الشمس نفذت من الزجاج]... واستمتع بدفئها وحرارتها وأقول: [أنا أجلس فى الشمس]...
(د) فى عالم الرياضيات:
لكى نعرف حجم الصندوق مثلاً لابد أن نعرف الطول والعرض والارتفاع. ومع أن الطول هو قياس منفرد بذاته وكذا العرض والارتفاع لكن هذه الأبعاد تكوّن ما يُعرف بالحجم الكلى للصندوق. ولا يمكن معرفة الحجم بدون معرفتها.
[4] - ليس معنى هذا أن أساس العقيدة المسيحية فى الوثنية أو الفلسفة لكن كثيراً ما يستعير الإنسان ألفاظاً أو تعبيرات مما هو مستخدم فى اللغة البشرية، ليعبر به. أو ليقرب إلى الأذهان ما يود أن ينقله للآخرين.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح