هذا الفصل هو جزء من كتاب: إيماننا الأقدس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
تقديم
إن الإيمان هو السلسلة الذهبية التى تربطنا بالله، والسلم النورانى الذى يصل بين البشر والسماء... ونحن لا نقصد الإيمان المجرد بالله، إنما نقصد الإيمان بالله فى المسيح... ففى شخص المسيح الفادى صالح الله العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم (كورنثوس الثانية 5: 18، 19)... إن حجر الزاوية فى إيمان المسيحيين هو "المسيح ابن الله الحى"... على هذا الإيمان بُنيت الكنيسة المسيحية (متى 16: 16، 18)... هكذا آمن المسيحيون بالمسيح أنه "ليس بأحد غيره الخلاص" (أعمال الرسل 4: 12).
لكن مَن يكون هذا المسيح، الذى ليس بأحد غيره الخلاص، وهل من حاجة إليه؟!
وهل تدعو المسيحية إلى عبادة الله الواحد... وكيف يوفق المسيحيون بين واحد وثالوث فى الذات الإلهية؟!
وإن كان الإيمان بالمسيح – بحسب عقيدة المسيحيين – يواجه الآن تحدياً عنيفاً من البعض، فكيف إستطاعت الكنيسة المسيحية أن تثبت أمام الملاحدة والوثنيين والهراطقة عبر عشرين قرناً من الزمان... وإلى أى شئ يشير هذا الثبات؟!
إن هذا الكتاب يعالج قضية الإيمان المسيحى من زاوية خاصة هى ألوهة المسيح... ومادة هذا الكتاب ألقيت فى سبع عظات فى الصوم الأربعينى سنة 1978، فى طنطا والمحلة الكبرى، ولم يقصد بحال أن تكون كتاباً... وإلا لتطلب الأمر مزيداً من الإضافات ليصدر البحث فى مجلد كبير... ونحن ننشر الموضوع كما ألقى تقريباً فى الإجتماعات.
يسعدنى أن أقدم هذا الكتاب إلى كل مسيحى، فهو يمس جوهر الديانة المسيحية، وحتى ما يكون المسيحيون مستعدين لمجاوبة كل من يسألهم عن سبب الرجاء الذى فيهم...
وإنى أضع هذا الكتاب بين يدى من أحبنا وفدانا، ليجعله سبب بركة لكل من يقرأه...
وإلهنا المبارك الذى دعانا لمجده الأبدى، فى المسيح يسوع يحفظنا جميعاً فى إيماننا بلا لوم ولا عثرة لحين ظهوره. وله كل المجد والكرامة إلى الأبد آمين.
يوأنس.
بنعمة الله أسقف الغربية.
17 ديسمبر سنة 1978م.
8 كيهك سنة 1695 ش تذكار نياحة الأنبا صموئيل المعترف.
[Place Image #01 here].
[Place Image #02 here].
المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
شغل موضوع المسيح عقول المفكرين عبر الأجيال من مسيحيين وغيرهم. وإنقسموا إلى مؤيد للاهوت ومنكر له. البعض ينتزع المسيح إعجابهم، والبعض ينقمون عليه، ولا عجب فى ذلك، فالمسيح ليس شخصاً تاريخياً وحسب، لكنه شخص حى دائم، وسيظل دائماً موضوع إيمان وشك الكثيرين. ولعل كلمات سمعان الشيخ – الذى حمل المسيح طفلاً على ذراعيه فى الهيكل – التى قالها لأمه العذراء مريم بروح النبوة، توضح ذلك...
"ها إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين فى إسرائيل ولعلامة تقاوم ( = هدفاً للمخالفة)" (لوقا 2: 34)...
نفس هذا المعنى عبّر عنه القديس بولس الرسول بقوله: "نحن نكرز بالمسيح مصلوباً، لليهود عثرة، ولليونانيين جهالة. وأما للمدعوين يهوداً ويونانيين فالمسيح قوة الله وحكمة الله" (كورنثوس الثانية 1: 23، 24)... والآن نستعرض موقف أصحاب الأديان والمفكرين من شخص المسيح...
1 - اليهود والمسيح
واضح من الأناجيل المقدسة موقف اليهود الرسميين من المسيح. ونقصد باليهود الرسميين الكهنة ورؤساءهم ومعلميهم من مختلف الطوائف اليهودية كالفريسيين والكتبة... لقد حاولوا أن يلصقوا به أبشع الصفات، فقالوا عنه إنه سامرى وبه شيطان (يوحنا 8: 48)، كما نسبوا معجزاته فى إخراج الأرواح الشريرة إلى قوة بعلزبول رئيس الشياطين، وقالوا إنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين (متى 9: 34؛ 12: 24؛ مرقس 3: 22؛ لوقا 11: 15)... ومعلوم أن حقد هؤلاء الحاقدين ظل يتزايد حتى أنتهى الأمر إلى الصليب... كان طبيعى بعد موت المسيح، أن يتصدى نفس هؤلاء، الحاقدون لرسل المسيح وتلاميذه، ليعملوا بهم ما عملوه بمعلمهم، والاصحاحات الأولى من سفر أعمال الرسل تقدم لنا صورة مصغرة لذلك الحقد الذى أخذ يتزايد من السجن والجلد، إلى القتل كما حدث فى مقتل استفانوس رئيس الشمامسة وأول شهداء المسيحية... ومن اضطهاد المؤمنين بأورشليم إلى من هم خارجها مثلما نقرأ عن شاول الطرسوسى (أعمال 9)... وظل الأمر يسير على هذا النحو حتى دمار أورشليم وخراب الهيكل اليهودى سنة 70م على يد الرومان...
بعد خراب أورشليم ودمار هيكلها أخذ اليهود ينظمون صفوفهم من جديد خارج أورشليم. ونظروا إلى المسيحية كخصم اليهودية الأولى. وبدأت نهضة يهودية قادت حرباً تعليمية سافرة ضد المسيحية. ومما قاله أحد معلميهم وهو الربان تارفوا Tarpho: [الأناجيل تستحق الحرق. إن الوثنية أقل خطراً من الشيع المسيحية. فالأولى لا تقبل الحق اليهودى بسبب الجهل، بينما المسيحيون يعرفونه ومع ذلك يرفضونه. يمكن أن نجد الخلاص فى المعابد الوثنية أسرع من وجوده وسط الجماعات المسيحية]... ووضعت قيود منع بها اليهود من مشاركة المسيحيين الطعام... وقد وضع الربان غمالئيل الثانى – أواخر القرن الأول الميلادى – صورة لحرم من يتجاسر على مخالفة ذلك فى الصلوات اليومية، مؤداها أنه لا رجاء للمرتدين (اليهود المتنصرين)... وهكذا ظل اليهود فى حرب لا هوادة فيها مع المسيحية والمسيحيين. وكانوا لا يترددون عن إيقاع الأذى بالمسيحيين كلما حانت لهم الفرصة.
ونقرأ عن آلاف المسيحيين إستشهدوا فى بلاد حمير (اليمن الحالية)، الذين فتك بهم الملك اليهودى ذونواس سنة 523م،
وأحرق كنائسهم فى سبأ ومأرب وظفار ونجران وحضرموت، حينما أراد أن يرغمهم قصراً على التهود (إعتناق اليهودية)، ولكنهم أبو أن يتحولوا عن إيمانهم المسيحى.
غير أن هناك فلاسفة يهود كانت لهم نظرة خاصة تجاه المسيح والمسيحية، ومن هؤلاء الفيلسوف اليهودى الهولندى باروخ سبينوزا Spinoza فى القرن السابع عشر، الذى عد المسيح أعظم الأنبياء قاطبة. وكان يعتقد أن الله أفاض وحه على البشر وكلمهم بروح يسوع المسيح. ومما قاله: [نستطيع القول إن صوت المسيح هو صوت الله، مثل ذلك الصوت الذى سمعه موسى سابقاً. وإن كلمة الله الفائقة القدرة قد تجسدت بالمسيح واتخذت هيئة بشرية. وبذا أصبح المسيح طريق الخلاص للبشر. وبالجملة فإن المسيح وقف على أسرار الله ومكنوناته وسير غورها، وعبّر عنها بطريقة سامية نستطيع بسببها أن ندعوه – لا نبياً – بل فهم الله نفسه].
والفيلسوف الفرنسى الكبير هنرى برجسون Bergson، كان معجباً الإعجاب كله بالمسيح.
لقد تعرف عليه وأحبه عن طريق دراسته لحياة النسّاك المسيحيين، الذى قال عنهم: [يكفى القديسين أن يكونوا، فإن وجودهم دعوة إلى الصلاح]. وكان يعتقد أن أولئك القديسين بلغوا ما بلغوه من قداسة بفضل إتصالهم بالمسيح الذى هو فى رأيه [قمة الكمال الروحانى]... لم ينف عن الألوهة، وقد رأى فيه الطريق الأوحد الأمين الواجب إتباعه للوصول إلى الغاية القصوى... ويقول عن المسيح: [كان للألوهة مالكاً، حين كان غيره لها مقلداً]... وعلى الرغم من إعجابه بالمسيحية فإنه لم يعتنقها لسبب أبداه فى وصيته التى نشرتها زوجته بعد وفاته سنة 1938... قال: [لقد ساقتنى أبحاثى أكثر فأكثر إلى المسيحية التى تكمل اليهودية تكميلاً، حقيقياً. لكننى أشعر بموجة إضطهاد عنيفة، ستجتاح العالم فى سبيل محاربة السامية... لهذا رفضت اعتناق المسيحية لكى أظل بين الذين سيضطهدهم المستقبل. لكن أرغب فى أن يصلى جثمانى كاهن مسيحى، إذا سمح بذلك أسقف مدينة باريس. وإذا رفض فلا أرى مانعاً من الإتيان بحاخام، دون أن يكتم عنه ولا عن أى شخص آخر أننى إنضممت أدبياً إلى المسيحية، وأن رغبتى الأولى أن أحصل على صلاة كاهن مسيحى].
2 - الوثنية والمسيح
حينما نقول الوثنية والمسيح، فإنما نعنى بذلك الدولة الرومانية الوثنية والمسيحية... موقف الدولة الرومانية من المسيحية معروف، فقد أصدر الأباطرة الرومان مراسيم تحرم إعتناق المسيحية، وتوجب على رعاياها ضرورة التعبد لآلهة الدولة، الأمر الذى لأجله إستشهد كثيرون جداً من شهداء المسيحية لأنهم رفضوا إنكار مسيحهم... ومهما يكن من أمر، فقد نظر الرومان الوثنيون – ساسة وفلاسفة وكتّاب – حتى حكم الإمبراطور تراجان (98 – 117) إلى المسيحية كخرافة دنيئة لا تستحق أن يُلتفت إليها، لكن إنتشارها السريع جعل من غير الممكن تجاهلها. وبمجرد أن كشفت المسيحية عن نفسها أنها ديانة جديدة (بعد أن كان يُنظر إليها فى الفترة المبكرة من ظهورها على أنها مجرد شيعة يهودية جديدة) تسعى للإنتشار فى العالم، أعتبرت ديانة محرمة وغير مصرح بها. وأصبح التعبير المستمر الذى يوجه للمسيحى [لا حق لك فى الوجود]. ويجب ألاّ تأخذنا الدهشة لهذا الموقف، لأن الدولة الرومانية كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعبادة الوثنية، كما كان الإمبراطور هو الكاهن الأعظم وقد وضع شيشرون خطيب الرومان الأشهر ومشرعهم مبدأ فى التشريع الرومانى، بأن لا يسمح لأحد أن يعبد آلهة غريبة غير آلهة الدولة ما لم يعترف بها بقانون عام... والواقع أنه كانت هناك أسباب جذرية وعميقة حملت الدولة على مقاومة المسيحية أبشع مقاومة لا مجال للتعرض لها الآن...
والخلاصة أن الوثنية حاربت المسيحية حرب السيف والقلم. فقتلت أعداداً لا تُحصى من الشهداء، وعذبت جماهير غفيرة من المعترفين، وهدمت الكنائس وأحرقت الكتب المقدسة، وتفننت فى إضطهاد أتباع المسيح إضطهاداً بدنياً ونفسياً ومادياً مما لا يدخل تحت حصر... هذا عن حرب السيف.
أما إذا إنتقلنا إلى حرب القلم، فإننا نرى الوثنية وقد جردت أقلام فلاسفتها وكتّابها لمهاجمة المسيحية من كل وجه... نذكر منهم على سبيل المثال:
كلسوس Celcus الفيلسوف الأبيقورى ذو النزعة الأفلاطونية
الذى أخرج كتاباً أسماه "الخطاب الحقيقى" فى الفترة بيت عام 177 و181م – وقيل قبل ذلك، وهاجم فيه الديانة المسيحية هجوماً شرساً، الأمر الذى دفع العلامة والفيلسوف القبطى أوريجينوس إلى أن يفند كل إدعاءاته الباطلة فى مؤلف ضخم أسماه "ضد كلسوس".
ولوسيان الأنطاكى Lucian فى القرن الثانى أيضاً وصديق كلسوس، وهو الآخر فيلسوف أبيقورى جرد قلمه وهاجم المسيحية من عدة زوايا.
وفيلوستراتس Philostratus أستاذ البلاغة،
بناء على إيعاز جوليا دمنه Julia Domna زوجة الإمبراطور سبتميوس ساويرس (193 – 211م) وكانت شديدة التعصب للوثنية، ومن دعاة تطويرها، نسج أسطورة كبيرة مليئة بالمثاليات حول شخية أبولونيوس الذى من تيانا Apolonius of Tyana، وهو فيلسوف فيثاغورى عاش فى القرن الأول الميلادى، بقصد أن تجعل منه حكيماً مثالياً وبطلاً أسطورياً يقف نداً للمسيح تحارب به المسيحية... أما أوجه الشبه التى عقدها فيلوستراتس فى أسطورته بين أبولونيوس والمسيح فكانت كالآتى: المسيح ابن الله وأبولونيوس ابن كبير آلهة الرومان جوبيتر – الملائكة أعلنوا من ميلاد المسيح، ووميض من نور ظهر وأعلن عن ميلاد أبولونيوس – المسيح أقام ابنة يايروس من بعد موتها، وأبولونيوس أقام فتاة رومانية صغيرة من الموت. المسيح أخرج شياطين، وكذلك فعل أبولونيوس. المسيح قام من بين الأموات، وأبولونيوس ظهر بعد موته... حتى معجزات التكلم بألسنة التى وهبت للرسل، قال إن أبولونيوس كان يتكلم جميع لغات العالم. ثم أنه جعله نداً كذلك لبولس الرسول، تعلم فى طرسوس، وعمل فى أنطاكية وأفسس وبلاد أخرى، وأخيراً اضطهده الإمبراطور نيرون...
ومع كل ذلك فقط باءت هذه المحاولة بالفشل.
يأتى بعد ذلك بورفيرى Porphyry فيلسوف الأفلاطونية المحدثة، إلى إعتبره آباء الكنيسة من أمر أعداء المسيحية، كتب مؤلفاً ضخماً ضد المسيحية فى خمسة عشر كتاباً. وكان نقده موجهاً على وجه الخصوص للكتاب المقدس، مظهراً التعارض الظاهرى – من وجهة نظره – بين كتب العهد القديم والجديد.
وممَن قاوموا المسيحية بخبث وحاول تقويضها بوسائل مبتكرة الإمبراطور يوليانوس
الذى تسميه الكنيسة الجاحد أو المرتد. بدأ حياته مسيحياً ودرس العلوم فى أثينا مع القديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس الثيؤلوغوس. كان صديقاً لهما وكانوا جميعاً يجلسون حول الكتاب المقدس يدرسونه. ولكنه ما أن صار إمبراطوراً حتى أشتعل حماسه للوثنية متأثراً بمبادئ الأفلاطونية المحدثة، وأمر بهدم الكنائس وأضرحة الشهداء. وشجع يهود فلسطين على إعادة بناء هيكلهم وأمدهم بالمعونات، وكان يريد بذلك أن يثبت خطا نبوءة المسيح عن خراب الهيكل، وأنه لا يترك فيه حجر على حجر. لكن محاولته بائت بالفشل، إذ كانت تخرج كرات نارية من الأرض وتصطدم بوجوه العمال الذين حاولوا حفر أساسات الهيكل. وهذه الحقيقة يذكرها معاصره المؤرخ أميانوس والذى لازمه فى كل رحلاته. كتب رسالة يقول فيها: [إن يسوع المسيح إله مستحدث زعم أنه تجسد، وهذا منتهى الحماقة. لأن التجسد تنازل، والتنازل لا يليق بالإله. أضاف إلى ذلك أنه غير منظور. أما سكاان الاسكندرية الذين بسببه يمتنعون عن عبادة الشمس والقمر اللذين يغدقان عليهم خيرات الأرض فإنهم حقاً أغبياء]... أما السبب فى ذلك فيرجع إلى مبادئ الفلسفة الأفلاطونية المحدثة التى كانت تعلم أن الإنسان هو مقياس كل شئ، ولا تقر بوجود ما يفوق قوى العقل البشرى. ولذا فمن البديهى أن تنكر هذه الفلسفة وحى الكتب المقدسة وتعاليمها السماوية. والخطأ الذى وقع فيه هؤلاء الفلاسفة هو جهلهم بطبيعة الله، وأنه كمال المحبة والجود والعناية. وتنازل الله بتجسده لا يحط من قدره، بل على العكس فإن عنايته بخلائقه تزيد من قدره، إذ أن من صفات العظيم أن يعطف على الصغير والحقير.
وعلى سبيل المثال نذكر أيضاً.
هيروكليس Hiercules
الذى كان حاكماً لمقاطعة بيثينية بآسيا الصغرى ثم حاكماً على الاسكندرية فى زمان دقلديانوس. هذا الرجل حارب المسيحية بالسيف والقلم. فكما أعمل سيفه فى المسيحيين الذين رفضوا إنكار إيمانهم، فقد كتب كتاباً ضد المسيحية أسماه "كلمات محبة الحق للمسيحيين".
3 - الاسلام والمسيح
إن رأى المسلمين فى المسيح هو رأى القرآن فيه، باعتباره كتابهم الدينى الروحى. القرآن يقر أن المسيح (عيسى بن مريم) حملت به أمه بالروح القدس روح الله، ولدته وهى عذراء بتول بدون زرع بشر بطريقة معجزية "إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً فى الدنيا وفى الاخرة ومن المقربين. ويكلّم الناس فى المهد وكهلاً ومن الصالحين. قالت ربى أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر. قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقوله كن فيكون. ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، ورسولاً إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم. أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله. وأبرئ الأكمة والأبرص، وأحيى الموتى بإذن الله. وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم إن فى ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين" (سورة ألا عمران 44 – 48).
ويعلم القرآن عن المسيح أنه نبى مدعو من الله ليقوم برسالة روحية فهو رسوله تعالى (آل عمران 48) "قال إنى عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبياً. وجعلنى مباركاً أين ما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حياً" (سورة مريم 29، 30). ويقول القرآن إن معاصريه لم يقبلوه وقد قيل إنهم قتلوه ولكنه شبه لهم أنهم صلبوه وقتلوه وفى الواقع إستبدل به إنسان شبيه له "وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه لكن شبه لهم. وإن الذين إختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلاَّ اتباع الظن، وما قتلوه يقيناً. بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً" (النساء 156، 157).
لقد رفعه الله إلى السماء ولسوف يرسله يوماً إلى الأرض فى منتهى الأزمنة ليضع نظاماً فى العالم ويهدى جميع البشر إلى الله وليموت عند ذاك حقيقة، فيظهر فى تلك الساعة حكم الله وقضاءه على البشر (سورة الزخرف 61 - 66).
إعترف القرآن للمسيح بصفاته الروحانية "وجيه فى الدنيا وفى الآخرة من المقربين" (آل عمران 40) وأنه مبارك حيثما كان (مريم 32).
أما المؤلفون والفقهاء، فمنهم من عظم شأنه ودعاه المهدى المنتظر، ومنهم كالمتصوفين من قد عده ولياً أى قديساً وخاتمة أولياء كما كان محمد خاتمة الأنبياء. ومن أمثلتهم الترمزى ( + 898) الذى ترى فى مؤلفاته تأثيرات الثقافة الهيلينية المسيحية. فهو يعطى الأولوية للولى أو القديس على النبى، ويدعو المسيح [خاتمة الأولياء]. وجاء بعده الحسين بن منصور الحلاج الصوفى الشهير ( + 1931). الذى اعتقد أن المسيح ولد من الروح القدس وهو ممتلئ منه ومثال أعلى لكل قداسة. فيقول: [ومتى خلا المتصوف من التعلق بالجسد. حل عليه روح الله الذى ولد منه عيسى بن مريم. فهو آدم الثانى الذى سوف يرأس الحكم يوم القارعة. فهو وحده لا نظير له بين الخلق صدقاً وإتحاداً بالله].
هذه وجهة نظر الإسلام، أما المسيحية فتعتقد أن المسيح لم يكن نبياً وحسب، ولكنه هو الله الظاهر فى الجسد. والقول بأن المسيح هو الله الظاهر فى الجسد ليس هو من صنع المسيحيين ولكنه إعلان المسيح عن ذاته كما سيأتى فيما بعد... وإذا ثبت أن الأمر هكذا كما قال المسيح وكما نعتقد نحن المسيحيون، فإن الأمر لا يعدو أحد إحتمالين: فإما أن يكون المسيح نبياً وانحرف عن دعوته ورسالته واغتر بذاته وادعى لنفسه ما ليس له، وفى هذه الحالة يكون كاذباً ومضلاً: وإما أن يكون صادقاً وجديراً بما نادى به... لكن كيف ينحرف عن دعوته ويتخطى حدود رسالته إن كان الله أنفذه لغاية معينة؟ وهل الله أساء إختياره إن كان مجرد نبى؟!!. ومَن من الأنبياء القدامى الصادقين إنحرف عن دور نبوته.
؟ وإن كان إدعى الألوهة وهو كاذب وماكر، فلماذا أيده الله بالعجائب والمعجزات؟
4 - العقلانية والمسيح
فى القرن 18 ظهر فلاسفة المدرسة العقلانية Rationalism الذين أنكروا كل ما وراء الطبيعة، (الميتافيزيقا)، وعلى وجه الخصوص المسيحية التى تدور رسالتها حول الحياة الأبدية الفائقة للطبيعة. أخذوا يناصبون المسيحية العداء، وكرسوا أقلامهم وجهودهم لملاشاة المسيحية. وكان فى مقدمتهم فولتير Voltaire وديدرو Diderot وجان جاك روسو وغيرهم.
فالمسيح فى نظر فولتير رجل قروى من الجليل بفلسطين، متأخر حضارياً شأنه فى ذلك شأن معاصريه لكنه كان يفوقهم ذكاء وبصيرة أراد أن يؤسس جماعة دينية مثل جماعات الاسينيين والفريسيين، فاتخذ له تلاميذ. ثم حُكم عليه بالموت صلباً، لكن الأفلاطونية الجديدة التى كانت شائعة وقتئذ فى حوض البحر المتوسط جعلت تلاميذه يوقنون أنه قام من بين الأموات... لكن التناقض المثير للضحك فى حياة فولتير هو أنه بعد أن حارب المسيحية والكنيسة طوال حياته، حينما دنت ساعة موته توسل بإلحاح إلى تلاميذه وذويه أن يستحضروا له كاهناً ليمنحه سر التوبة الذى رسمه المسيح نفسه!!
أما زميله ديدرو فكان يرسل ابنته إلى مدرسة الراهبات لتتلقن مبادئ التعليم المسيحى. فلما سُئل عن هذا التناقض فى حياته قال: [إننى لا أؤمن بالمسيح وكنيسته، لكنى شديد الإعجاب بطهارة آخلاق الراهبات، وأريد أن تصير إبنتى يوماً إمرأة شريفة، ولهذا لا أرى بداً من تثقيفها وتنشئتها وفقاً لمبادئ الإنجيل]... لكن فاتت ديدرو قضية منطقية، وهى أن الخلق الرفيق ليس سوى ثمار المعتقد وفعله فى قلب الإنسان. فالأخلاقيات لن تكون بمعزل عن المعتقد واليقين، بل تأتى بعده على نحو ما تأتى الثمرة من الزهرة. هكذا قال المسيح: "لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثماراً ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة" (متى 7: 18).
أما تناقضات جان جاك روسو Jean Jaques Rousseau فى هذا الأمر فكانت كثيرة. فهو تارة يؤمن بألوهة المسيح وتارة أخرى لا يؤمن بها. ومن أقواله: [الأناجيل هى من صنع البشر، لكن يسوع المسيح بطل الأنجيل هو فوق البشر. وإذا كانت حياة وموت سقراط هى حياة وموت فيلسوف كريم، فحياة يسوع المسيح وموته هى حياة إله وموته].
والخلاصة أن الفلسفة العقلانية التى حاربت المسيحية كانت سلبية أكثر منها إيجابية. ولم يتعد نفوذها وأثرها بعض رجال الثقافة والعلم، على الرغم مما إستخدمه قادتها من نفوذ سياسى لدى الأسر الحاكمة فى بروسيا وفرنسا وأسبانيا لترويج آرائهم، وما أنزلوه بالكنيسة من صنوف الإضطهاد سواء من جهة الجمعيات السرية الماسونية أم من جهة الثورة الفرنسية التى إنضموا إليها وحاولوا إستغلالها لتحقيق مآربهم... إنه لا يكفى أن ينكر الإنسان ألوهة المسيح وحقيقة رسالته الإلهية، بل عليه أن يشرح كل ما أحاط بشخص المسيح من تعاليم وحكم ومعجزات. أما مهاجمة الكنيسة والقول بعدم نفعها أو لزومها فى هذه الدنيا فغير صحيح إذ أن الكنيسة ليست سوى علامة وجوده بين البشر وبالأحرى هى إمتداد لوجوده بينهم، يواصل بها رسالته الخلاصية "ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد" (يوحنا 11: 52) فى جسد سرى كبير، ريثما ينقلهم إلى مجده الأبدى ليؤلفوا هناك معه الكنيسة المنتصرة.
5 - المحدثون والمسيح Modernistics:
وهؤلاء المحدثون أطلقوا بعض السفسطات العصرية، مؤداها أن المعتقدات الدينية ضرب من الأساطير والخرافات. وكان فى مقدمتهم الفيلسوف الألمانى هيجل Hegel (170 – 1831) الذى لا يعترف فى فلسفته إلاّ بسنة التطور الأدبى. وهكذا فإن المسيح حسب زعمه يمثل أكثر حلقة فى سلسلة التطورات البشرية.
وحذوا حذواً هيجل أوجست سباتييه Auguste Sabatier (1837 – 1902) بفرنسا، وأدولف هرناك Harnavk بألمانيا (1817 – 1889).
كان سباتييه مدير المعهد اللاهوتى البروتستانتى فى باريس. ألف عدة كتب تشهد بلاهوت المسيح. ومن أقواله فى هذا الصدد: [هل المسيح إنسان فقط؟ إن إعتقدنا أنه إنسان فقط – ومهما قلنا أنه يتفوق بسموه الروحانى – جعلنا من المسيحية نوعاً من الفلسفة لا غير، وأفقدناها طابعها الروحانى كحقيقة مطلقة. وإن كان المسيح ابن الله تظل المسيحية وحياً إلهياً. ولذا فبعد تفكير طويل وإستقصاء دقيق انضممت نهائياً إلى جانب الرسل، وأجدنى أعترف للمسيح وأقول له مع رسول بطرس: "أنت هو المسيح ابن الله الحى"]...
لكن لم يثبت سباتييه على هذا المعتقد بل تأثر بمذهب العقلانية وفلسفة هيجل Hegel ونزعته لإخضاع الدين لناموس العلم التجريبى
. فعاد وناقض نفسه بكتابة "فلسفة الدين حسب سيكولوجية التاريخ" أصدره سنة 1896. فأصبح المسيح حسب مفهومه [رائداً كبيراً من رواد البشرية ونبياً عظيماً يقود البشر إلى الله... ظهرت فيه أصفى صورة للإنسان المثالى الذى تلألأت فيه روح الله...]. ولأجل ذلك دعى سباتييه بحق أنه شيخ المحدثين.
أما أدولف هرناك
فقد اعترف فى أول أمره بأن المسيح [كان الطريق الوسيط الأوحد إلى الله والمحامى والديان العادل للبشرية... لم يعرف قبله أحد الله مثلما عرفه هو. وقد كشف تلك المعرفة للبشر وأدى لهم بذلك أكبر خدمة. لقد قادهم إلى الله لا بالقول فقط بل بالمثل فيما كان وفيما عمل وفيما تألم]...
غير أن هرناك عاد كزميله سباتييه تأثر بفلسفة هيجل Hegel
وحسب المسيح رائداً للبشرية وأكبر حلقة فى سلسلة الأنبياء أو قادة الفكر والروح وليس غير.
وثمة مدرستان فى مذهب المحدثين:
(أ) المدرسة النقدية:
وترفع من قدر المسيح وتعترف بفضائله والخوارق التى ذكرها الإنجيل لكنها تحط من قدر رسله وتلاميذه الذين الهَّوه، ومن قادة المدرسة النقدية المبرزين رينان Renan الفرنسى.
(ب) المدرسة الأسطورية:
وهى عكس الأولى تحط من قدر المسيح وتحسبه أسطورة من أساطير التاريخ، وترفع من شأن التلاميذ وتجعلهم رجال فكر وتصوف إستطاعوا أن يخترعوا شخصاً كالمسيح ليصير موضع تفكيرهم وأحلامهم ومن قادة هذه المدرسة الألمانية ستراوس Strauss.
ورداً على مزاعم قادة حركمة المدرسة النقدية التى تزعمها رينان نقول أنها لا ترتكز على الواقع التاريخى. فالتلاميذ لم ينسبوا الألوهة للمسيح لكنه هو الذى أعلن ذلك وأيد صحة أقواله بالمعجزات الخارقة. ولم يسبق أن اليهود ألهوا نبياً من أنبيائهم، وإلاَّ لكان موسى كليم الله هو أولى بذلك. وكيف إتفق التلاميذ على هذا الرأى لو لم يكن الأمر حقيقياً. ومما يثبت زيف هذه المدرسة النقدية أن رينان Renan نفسه ناقض ذاته أكثر من مرة وفى أكثر من موضوع فى كتابه الشهير "حياة يسوع". فبعد أن نفى عن المسيح الألوهة نفياً باتاً عاد واعترف مضطراً بقداسة الرب يسوع وصدقه وإخلاصه بل وألوهته نفسها. فبينما كان يستعرض قصة السامرية وكلمات الرب لها: "تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق... الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا". هنا لم يتمالك رينان نفسه فيقول: [حقاً بدا يسوع هنا ابن الله، لأنه نطق لأول مرة بالكلمة التى يرسخ عليها أساس الدين الخالد. لقد وطد أساس العبادة النقية التى تتسامى فوق الأزمان والأوطان، والتى سوف تتمرس بها النفوس الرفيعة إلى منتهى الدهر. وقد أصبح دينه منذ ذلك الوقت – لا دين البشرية وحسب بل الدين على الاطلاق. وإن يكن ثمة كواكب آهلة بأناس ذوى عقول وآخلاق بخلاف الأرض، فلا سبيل لهم أن يدينوا بدين يفوق سموا ذاك الدين الذى أعلنه يسوع المسيح على بئر يعقوب... إن الدين الحقيقى يبقى أبداً من صنع يسوع المسيح وليس للبشر فيما بعد إلاَّ أن يشرحوا ما فاه به من مبادئ وتعاليم]. واعترف للمسيح بالقداسة المطلقة فقال: [سوف يبقى يسوع المسيح مبعث يقظة أخلاقية للبشر لا يخبو نورها لأن الفلسفة وحدها لا تكفى معظم البشر، فإنهم بحاجة إلى القداسة]. وقد رفع المسيح فوق موسى والأنبياء حينما قال: [لم يبن يسوع المسيح الدين على العرق والدم، بل على القلب ومنذ ذاك الحين فاق موسى]... وبينما يستعرض آلام المسيح على الصليب قال: [ألاّ أرقد الآن هانئاً فى مجدك يا دليلنا السامى إلى الله. أما الآن وقد تحررت من قيود الضعف ستشهد من أعالى مقرك الإلهى نتائج أعمالك اللامتناهية. إن العالم سيبقى مديناً لك إلى آلاف السنين... سوف تبقى حياً محبوباً بعد موتك أكثر مما كنت فى حياتك على الأرض. سوف تبقى حجر الزاوية من البشرية بحيث يستحيل محو اسمك من العالم دون أن يتزعزع الكون وينهار. فيا قاهر الموت ألاَّ استلم زمام ملكوتك، حيث سبقك منذ الآن على الطريق الملوكى الذى شققته، آلاف من عبادك]... إن هتافات من هذا النوع تحوى أقوالاً متناقضة، لهى فى ذاتها دليل يفند مزاعم رينان ويظهر بطلانها... وبنفس الطريقة يظهر بطلان مزاعم ستراوس زعيم المدرسة الأسطورية.
أما من جهة صلب المسيح
فنقول هل ممكن أن تكون فكرة المسيح المصلوب من إختراع اليهود الذين آمنوا بالمسيح والتفوا حوله؟ لقد ظل اليهود طوال أجيال يحلمون بمسيح زمنى يملك عليهم ويحطم تشامخ الشعوب عند أقدام إسرائيل ويعيد لهم مجدهم الغابر، فكيف إنقلبت الحالة إلى هذا الحد؟ إن كثيرين من اليهود لم يؤمنوا بالمسيح بسبب هذه النقطة، لقد رأوه فى وداعة مخيباً لآمالهم السياسية، ولهذا السبب فقد رفضوه... ومن ناحية أخرى كيف إتفق إتمام النبوات فى العهد القديم كلها مع دقائق حياة المسيح وآلامه وصلبه وتوقيت ذلك... أما القول بان المسيح شخصية أسطورية فإن وقائع التاريخ والأشخاص الوارد ذكرهم فى الأناجيل تدحض هذه الفرية وتكذبها... وإذا كان المسيح أسطورة، أحاطها الرسل بكل ما يعظم صورة البطل، فلماذا ذكروا كل نواحى المهانة لهذا البطل مثل ميلاده فى مذود للبهائم وهربه إلى مصر وأحزانه وآلامه وموته كمجرم وضعيف!!
إن تاريخ المسيحية لا تفسره الأساطير. لكن هناك شخصاً حقيقياً ولد وعاش وقام برسالة روحية فى فترة محدودة من الزمن وفى مكان جغرافى معين يدعى يسوع المسيح. كان كاملاً من أى ناحية أتيته... إجتمع فيه تواضع فى عظمة، ووداعة فى جرأة، وعفاف وطهر فى مرونة وروح إجتماعية سمحة تقدميه فى حفظ للتقاليد، رفق ومحبة منقطعة النظير...
وقد جاهرت المدرسة الأسطورية بلسان أحد قادتها وهو الفريد لوازى Alfred Loisy أن المسيحية تأثرت بالديانات الوثنية السرية التى كانت منتشرة ببلاد الشرق الأدنى
كمصر وسوريا وبلاد فارس وفريجية بآسيا الصغرى، حيث كانت طقوس العبادة تمثل على المسرح موت الآلهة وبعثهم تشجيعاً لضم أعضاء جدد لتلك الديانات من الراغبين فى البقاء والخلود. وهكذا تكون المسيحية نتاج الديانتين الأورفية Orphism والفيثاغورية المحدثة Neophythagorian وقد إتهموا بولس الرسول بأنه هو الذى نقل عن الوثنية هذه الأفكار، وأثر بدوره على بقية التلاميذ لكن معلوم أن بولس جاء متأخراً عن بقية تلاميذ الرب، هذا فضلاً عن أن بولس كان يحذر المؤمنين من الإشتراك فى الطقوس الوثنية ولو على سبيل المجاملة لأصدقائهم، ويعتبرها عبادة للشيطان. فيقول:
"لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين. لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة. وأى إتفاق للمسيح مع بليعال. وأى نصيب للمؤمن مع غير المؤمن. وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان" (كورنثوس الثانية 6: 14 - 16).
ويقول أيضاً: "يا أحبائى إهربوا من عبادة الأوثان" (كورنثوس الأولى 10: 14). وهو يمدح المؤمنين فى تسالونيكى قائلاً لهم: "لأنه من قبلكم قد أذيعت كلمة الرب ليس فى مكدونية وأخائية فقط بل فى كل مكان أيضاً قد ذاع إيمانكم بالله حتى ليس لنا حاجة أن نتكلم شيئاً. لأنهم هم يخبرون عنا أى دخول كان لنا إليكم وكيف رجعتم إلى الله من الأوثان لتعبدوا الله الحى الحقيقى" (تسالونيكى الأولى 1: 8، 9). وهو نفسه الذى كتب إلى الكورنثيين يقول: "فإننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطاياكم حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب" (كورنثوس الأولى 15: 3، 4). وواضح من ذلك أن موضوع موت المسيح وقيامته قبله ممن كانوا قبله – ولم يكن هو البادئ به – وأن هذا الأمر موافق لنبوءات الكتب المقدسة، وأنه حدث تاريخى. لقد كان المؤمنون بالمسيح يزدادون بقبولهم المعمودية كسر مقدس، وليس كما كان مألوفاً فى الديانات الوثنية السرية. يقول بولس الرسول لأهل رومية: "وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلى والكرازة بيسوع المسيح حسب إعلان السر الذى كان مكتوماً فى الأزمنة الأزلية. ولكن ظهر الان وأعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الإله الأزلى لإطاعة الإيمان" (رومية 16: 25، 26). وكلمة سر هُنا هى باليونانية "مستيريون Mistirion" جاءت فى (دانيال 2: 18، 27، 30) ومعناها سرّ حكمة الله، وسرّ تدبير الله. والقديس بولس إستخدمها بهذا المعنى، أى سّر تدبير الله الذى أخفاه طويلاً والذى كان بعيداً عن أفهام البشر وكشفه لهم أخيراً بموت المسيح وقيامة، وقد غدا الآن فى متناول الجميع حتى يجذبهم إلى طاعة الإيمان.
ليس معنى وجود تشابه ما بين بعض الأفكار والمعتقدات المسيحية وبين بعض أفكار الديانات الوثنية السابقة لها، إن المسيحية أخذت عنها بالضرورة. فشتان ما بين مبادئ المسيحية وأفكارها ومعتقداتها وبين ما فى الوثنية... هذا فضلاً عن أن جوهر الديانات الوثنية السرية شهوانى دنس مثير للذة الحسية، وهو على النقيض تماماً من الطهارة المسيحية. والديانا الوثنية السرية ليست سوى مجموعة من الخرافات والأساطير.
6 - هل من علاقة بين المسيح والأسينيين؟
إدعى فرديريك الثانى ملك بروسيا أن المسيح كان واحداً من الأسينيين،
وكتب إلى صديقه الفيلسوف الفرنسى دالمبير فى سنة 1770 يقول: [ليس يسوع سوى واحد من الأسينيين فهو مشبع من الروح الأخلاقية التى نجدها عند الأسينيين والتى تمت بصلة وثيقة إلى أخلاقيات زينون]. وبعده جاء رينان المؤرخ والناقد والفرنسى وقال فى سنة 1863: [ليست المسيحية سوى شكل من الأسينية قيض لها النجاح عل نطاق أوسع]... فمن هم هؤلاء الأسينيين؟
تكلم الإنجيل عن بعض طوائف اليهود كالفريسيين والصدوقيين والهيرودسيين، لكن لم يرد أى ذكر أو إشارة إلى الأسينيين... أشار إليهم بلينى الكبير Pliny المؤرخ الوثنى فى كتابه "تاريخ الطبيعيات" فى وصفه لجغرافية فلسطين عندما عرض لموقع سكناهم بجوار البحر الميت شمالى "عين جدى" وكذلك فيلو الفيلسوف اليهودى الإسكندرى فى مؤلفه "مشاكل العصر"، ويوسيفوس المؤرخ اليهودى فى كتابه "حروب اليهود"، وجميعهم عاشوا فى القرن الأول الميلادى. لكن هذه الكتابات كانت مقتضبة إلى حد كبير. وفى سنة 1897 إكتشفت وثيقة فى إحدى المدافن بالقاهرة عُرفت باسم [وثيقة دمشق] وكانت من كتابة الأسينيين... لكنها لم تلق ضوءاً كبيراً على هؤلاء الأسينيين حتى اكتشفت مخطوطات قمران فى الفترة من سنة 1947 إلى سنة 1952. ومن ضمن المكتشفات مخطوط اسمه "سفر السلوك" يحوى وصفاً شاملاً لنظامهم وعقائدهم. أما من جهة تسميتهم بالأسينيين Essenes، فعلى أرجح الآراء فإنها تعنى (الأتقياء).
كانت الفترة السابقة لظهور السيد المسيح من الفترات المحمومة:
حروب وضوائق وإضطهاد وظلم وعنف وفقر مدقع وغنى متغطرس، تدين ظاهرة ورجس فى الخفاء... فى مثل هذه الظروف يتطلع الناس إلى العلاء من حيث يأتى العون... ولعل رواد هذه الجماعة أرادوا أن يطبقوا حرفياً قول إشعياء النبى:
"صوت صارخ فى البرية أعدوا طريق الرب. قوموا فى القفر سبيلاً لإلهنا" (إشعياء 40: 3)،
فاعتزلوا فى البرية أو القفر... ولعل حافزهم الأكبر لتأسيس جماعتهم ما جاء بوثيقة دمشق السالفة الذكر: [لقد ضل شعب إسرائيل وتنكب سواء السبيل ونقض العهد مع الله، لذلك قرر الله عهداً جديداً مع البقية الباقية من شعبه فأصبحت بموجبه شعب الله الجديد].
أما الذى دفع البعض للقول بأن المسيح أخذ مبادءه من الأسينية فهى بعض التشابهات مثل:
1 - إختبار الشخص الذى يريد الإنضمام لفترة قد تطول إلى ثلاث سنوات، وهناك تعهد يتعهد به أمام الجماعة بالتزام الفضيلة والخضوع للجماعة وبذا يدخل فى عهد مع الله. وقد حاولوا أن يقيموا وجه الشبه بين هذه وبين نظام الموعوظين ثم حفل العماد.
2 - كانت الإشتراكية مبدأهم حتى أنهم حرموا الملكية الشخصية.
3 - كانوا ديموقراطيين ولم يكن بينهم خادم ومخدوم. وكان لهم مجلس من 12 عضواً منهم ثلاثة من الكهنة [قالوا إن تلاميذ المسيح – رسله – كانوا إثنا عشر وكان يقرب إليه منهم ثلاثة هم بطرس ويعقوب ويوحنا!!].
4 - كان عندهم وجبه طعام مقدس بعد أن يتطهروا بالماء البارد – وهى قاصرة على أعضاء الجماعة – تبدأ بصلاة بركة للكاهن وتنتهى بصلاة شكر – قالوا إنها أشبه بمائدة الإفخارستيا!!
5 - كرس الأسينيوس جزء كبيراً من وقتهم لدراسة الكتب المقدسة، وإستبدلوا الذبائح الدموية بتسابيح الشفاه، وغدا هيكل الله الحقيقى ليس هيكل أورشليم بل إجتماع الجماعة نفسها. وهذه الأفكار خطوة تحررية كبيرة شبيهة بتعاليم العهد الجديد. وكان لديهم حفلة دينية سنوية ذات طابع روحى خاص يجددون فيها العهد مع الله. وهكذا تبدو جماعة الأسينيين ليس فقط جماعة طقوس وعبادة على نحو ما كانت الجماعة اليهودية وقتذاك، بل كمدرسة روحية تنشد الكمال.
وإن كانت ثمة تشابهات بين المسيحية والأسينية، لكن لا يعنى هذا بالضرورة أن المسيحية إستمدت تعاليمها منها. فالأسينيون كانوا يعلقون أهمية كبرى على الحفظ الحرفى للشريعة واستمرار الطقوس الخارجية شأنهم فى ذلك شأن الفريسيين على عكس المسيحية. وكان تقديسهم ليوم السبت بصورة حرفية قاسية، حتى أنه إذا غرق إنسان فى حوض ماء فى يوم السبت فلا يجوز لأحد أن يخرجه بأية وسيلة – أين هذا من تعليم المسيح عن السبت والإنسان "السبت إنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت" (مرقس 2: 27) – كانت الطهارة يستمدونها من الاغتسال بالماء، وشتان بين هذا المفهوم المادى والمفهوم الذى قدمه المسيح للطهارة. إن محور تعليم المسيح هو طهارة القلب والداخل ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان "(متى 15: 1 - 11). (انظر أيضاً تعليم السيد المسيح إلى سمعان الفريسى تعليقاً على إدانته المرأة الخاطئة فى فكره – لوقا 7: 36 – 50).
كان الأسينيون ينتظرون مسيحاً [من هارون وإسرائيل يملك على عرش الدنيا ويقتل أعداءه بالسيف] – أين هذا من المسيح المتواضع الذى سبق وتنبأ عنه إشعياء (إشعياء 42: 1 - 8) "لا يصيح ولا يسمع فى الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (انظر متى 12: 18 - 20).
6 - مؤسس الأسينية يدعى [المعلم العدل] وكان – بحسب المخطوطات – يتحلى بفضائل سامية (عمق روحى – تفهمه لبشاعة الخطية – تواضعه العميق – تسليمه لمشيئة الله – شكره الدائم). وأهم من ذلك أنه ذكر عنه أنه أوحى إليه بقرب مجئ المسيح فبشر ونادى بذلك – لكن هناك فارق كبير بينه وبين المسيح – كان المعلم العدل كاهناً من ذرية صادوق الكاهن لكن المسيح من ذرية داود – كان المعلم العدل يتحاشى مجالسة الخطاة والأشرار على عكس المسيح – كان المعلم العدل يشعر بحاجته دوماً إلى التوبة بينما المسيح كان يقول: "من منكم يبكتنى على خطية" (يوحنا 8: 46).
ونحن نرى فى ظهور وقيام جماعة الأسينيين تدبيراً إلهياً لإعداد شعب إسرائيل لمجئ المسيح. كانت رسالتها تنحو نحو الروحانية، ودعت إلى مسيح روحى أكثر منه زمنى، وخلقت جواً روحياً. ونحن نرى فى أوجه الشبه الكائنة بين المسيحية وبعض الأديان القديمة التى سبقتها فى بعض النواحى، أنها ليست سوى إعداد دبرته العناية الإلهية لتعد البشر لقبول المسيح المخلص ورسالته... ورب سائل يتساءل قائلاً هل من تعامل بين العناية الإلهية وروح الله والشعوب غير المؤمنة؟! ونحن نقول ما علينا إلاّ أن نعود إلى بدء الخليقة وما كُتب عنه فى الكتاب المقدس "فى البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى جه العمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه" (سفر التكوين 1: 1، 2).
[Place Image #03 here].
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح