هذا الفصل هو جزء من كتاب: إيماننا الأقدس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
[Place Image #05 here]عثرة الصّليب
"عثرة الصليب"... هذا هو التعبير الذى إستخدمه بولس الرسول فى (كورنثوس الأولى 1: 23). ونحن قد إستعرناه منه، لأنه يعبر تعبيراً أميناً وصادقاً ودقيقاً عن قضية الصليب.
أيها الإخوة... الصليب هو المحور الذى يدور حوله كل فكر العهد الجديد... فيه يرتكز كل غنى الإنجيل ومجده... إنه رمز المسيحية ومجدها. وبقدر ما ينكر غير المؤمنين صفته الكفارية، فإن المؤمنين يجدون فيه المفتاح لأسرار الألم، وسر النصرة على الخطية... إن مجد الصليب هو كعارة تماماً. فالتأمل فى عار الصليب إنما هو رؤية مجده!! وعلى ضوء ذلك نفهم كلمات معلمنا بولس الرسول: "إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلّصين فهى قوة الله"... "وأما من جهتى فحاشا لى أن افتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صُلِبَ العالم لى وأنا للعالم" (كورنثوس الأولى 1: 18؛ غلاطية 6: 14).
وحينما نتكلم عن الصليب لا نعنى بطبيعة الحال قطعتى الخشب المتعامدتين، لكننا نقصد إلى مَنْ صُلِبَ على الصليب، ولماذا صُلب، وماذا جنت البشرية من صلبه؟... وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى الكلام عن أخطر موضوع يهم الإنسان ألاَّ وهو "موضوع الغفران"... غفران الخطية.. وهذا يحتم علينا أن نناقش موضوع "الفداء". وهذا بطبيعة الحال يرتبط بموت المسيح الكفارى على الصليب...
أخطأ الإنسان الأول كما تذكر لنا الكتب المقدسة واستحق عقوبة الموت تبعاً لذلك "يوم تأكل منها (شجرة معرفة الخير والشر) موتاً تموت" (تكوين 2: 17). وعن آدم ورث جميع البشر طبيعة خاطئة "بالإثم حُبل بى وبالخطية ولدتنى أمى" (مزمور 51)... ويقول القديس بولس الرسول: "بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت وهكذا إجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رومية 5: 12). هكذا أصبح البشر جميعاً خطاة... "ليس بار ولا واحد. ليس مَن يفهم (فهماً روحياً). ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد" (رومية 3: 10 - 12)... وكانت نتيجة الخطية والمعصية أن الإنسان طُرد من حضرة الله (تكوين 3: 23، 24)... فالله الكامل القدوس لا يمكن أن يساكنه الخطاة والأشرار، لكن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يعاينون الله... فلا شركة للظلمة مع النور...
والسؤال الآن...
† ألاَّ يمكن الله أن ينقذنا من الخطية حتى ما يؤهلنا للوجود معه؟
† ألاَّ يستطيع الله أن يغيّر طبيعة الإنسان بعد أن أفسدتها الخطية إفساداً تاماً، وهو قادر على كل شئ؟ وكما خلق الدنيا بكلمة، لماذا لا يخلّص البشر بكلمة؟!!
وعلى هذا الأساس فالموضوع الآن له شقان:
تغيير طبيعة الإنسان
فمن جهة تغيير طبيعة الإنسان وقدرة الله على ذلك، نقول:
إن هناك نواميس ثابتة وضعها الله بعد أن خلق الخليقة. ومن تلك النواميس أن طبيعة الكان لا تتغير، بل تظل كما هى. فالجماد يظل جماداً، والحيوان يبقى حيواناً، والإنسان يستمر إنساناً. وعلى ذلك فإن طبيعة الإنسان الخاطئة وما ترتب على ذلك تظل كما هى... ونحن جميعاً نعرف أن الوحوش التى يدربونها لتلعب فى السيرك ويروضونها تنقض فى بعض الأحيان على مدربيها وتفترسهم... هكذا نرى أن ترويض الوحوش لا يغير من طبيعتها الأصلية تماماً، ولا يجردها منها. بل إن هذه الطبيعة تظل كامنة فيها.
قرأت للدكتور طه حسين قصة بعنوان "حاملات الشموع"...
خلاصتها أن وزيراً لأحد الملوك أراد ان يصنع له مفاجأة كبيرة فى مناسبة عيد جلوسه على العرش... فرتب أن أربعين قطة تدرب بطريقة خاصة لتسير فى موكب، وتمسك كل منها شمعة مضاءة... وبعد أن دربت خير تدريب... وفى اليوم المحدد سار موكب الملك وضمنه هذه الأربعين قطة... وكان المنظر لطيفاً وجديداً... لكن إنساناً خبيثاً من أعداء ذلك الوزير علم بقصة القطط، وأراد أن يفسد الاحتفال لينال من الوزير... فأحضر فأراً وخبأه، وفيما الموكب يسير، وما أن رأى القطط حاملات الشموع، حتى ألقى بالفأر أمامها... فتركت القطط جميعها الشموع التى كانت تحملها وأسرعت نحو الفأر لتلتهمه!! وهكذا لم يفلح كل هذا التدريب فى القطط، فطبيعتها وعداؤها للفيران كامن فيها.
فالله لكى يؤهل الإنسان للوجود معه، لا يغير طبيعته بالوصايا والنواميس الأدبية، فهذا يتنافى مع طبيعة الإنسان التى أفسدتها الخطية لكنه يعطيه طبيعة جديدة ويسمو بها فوق طبيعته القديمة الخاطئة.
مغفرة الخطيئة وإنقاذنا من نتائجها
أما عن مغفرة الخطية وإنقاذنا من نتائجها، فنحن نبحث الموضوع من زاويتين: الله والإنسان.
● من جانب الله:
هناك من.
يسأل ألاَّ يستطيع الله أن يعفو عن الإنسان من ذاته بحكم كونه رؤوف رحيم؟...
والجواب، إذا فعل الله ذلك فإنه يتناقض مع ذاته من جهة عدالته المطلقة. فالله فى كتابه المقدس، فى الوقت الذى يُعلن فيه صراحة عن رحمته، يقرر مبدأ العقوبة قصاصاً عن الخطية. يقول بلسان موسى النبى: "الرب الله رحيم ورؤوف... لكنه لا يبرئ إبراء. مفتقد إثم الآباء فى الأبناء، وفى أبناء الأبناء فى الجيل الثالث والرابع" (خروج 34: 6، 7)... فى الوقت الذى يقول فيه الله إنه: "رحيم ورؤوف، يقول:" لكنه لن يبرأ إبراء "... فهذا طريق، وذاك طريق آخر.
وحيث أنه من البديهى أن تتناسب العقوبة مع الخطأ، وحيث أن الله كلى القداسة وكامل، وفى نفس الوقت غير محدود، فيترتب على ذلك ان الإساءة إلى الله تستوجب عقوبة غير محدودة... هذا أمر بديهى ويجب أن نسلم به... فالإساءة إلى شخص بسيط ليست كالإساءة إلى شخص عظيم!!... لذا لا تتملكنا الدهشة حينما نسمع كلمات الله لآدم قبل أن يخطئ محذراً، أنه يوم يأكل من الشجرة التى نهاه عنها فموتاً يموت (تكوين 2: 17)... رب إنسان يقول باستهانة: [إيه يعنى لما واحد أكل من الشجرة]... لكن هذا يتمشى مع طبيعة الله وصفاته الكاملة...
لأجل هذا، وعلى ضوء هذا الكلام، لا نعجب عندما نسمع المسيح يقول "مَن قال (لأخيه) يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (متى 5: 22)... وهنا يقول إنسان آخر باستهانة: [إيه يعنى واحد يقول لأخيه يا أحمق، يودوه نار جهنم]... لكن هذا ما قاله المسيح... والسماح والأرض تزولان ولكن كلمة من كلامه لا تزول حتى يكون الكل (متى 24: 35)...
ولا تتملكنا الدهشة إذا قرأنا ليوحنا فى سفر الرؤيا ما دونه بناء عن أمر الجالس على العرش:
"من يغلب يرث كل شئ وأكون له إلهاً وهو يكون لى ابناً. وأما الخائفون وغير المؤمنون والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذى هو الموت الثانى (الأبدى)" (رؤيا 21: 7، 8)... وحينما يقرأ إنسان هذا الكلام يقول: [إيه يعنى الكذابين؟!! هل معقول يبقى نصيبهم مع القاتلين والزناة والسحرة وعبدة الأوثان... هل هذا معقول؟!!] لكن هذا هو كلام الله نفسه... الحذر كل الحذر من الاستهانة ببعض الخطايا التى تبدو فى نظر بعض الناس أنها تافهة. إن هذه العقوبات التى وضعت قصاصاً لمَن قال يا أحمق، ولكن كذاب، إنما تتمشى مع طبيعة الله الكامل القدوس الذى لا يمكن أن يساكنه الأشرار والخطاة. فأيوب البار يقول: "إلى ملائكته ينسب حماقة... من هو الإنسان حتى يزكو أو مولود المرأة حتى يتبرر. هوذا قديسوه لا يأتمنهم، والسموات غير طاهرة بعينيه" (أيوب 4: 18؛ 15: 14، 15)...
لنعلم يا أحبائى أن رحمة الله شئ، وعدالته شئ آخر. فليس للرحمة أن تطغى على العدل أو تبطل وجوده.
فالقضى الذى يبرئ ابنه أو صديقه، هو ليس قاضياً عادلاً منصفاً. بل إن ما يحدث هو أن القاضى فى أمثال هذه الحالات (محاكمة الابن أو الصديق) يتنحى عن نظر القضية، حتى تأخذ العدالة مجراها... فهل الله أقل عدالة من البشر؟ هذا عن جانب الله.
● من جانب البشر:
هناك نقطتان نناقشهما:
1 - هل يمكن للأعمال الصالحة كالصلاة والصوم والصدقة أن تغفر خطية الإنسان؟
وأرجو أن تلاحظوا أنى أتكلم هنا عن الأمر خارج دائرة المسيحية أى بدون المسيح.
الجواب: لا، لا يمكن... لماذا؟
(أ) لأن الأعمال الصالحة
إنما هى واجب على الإنسان، ولا فضل ولا شكر على واجب. لا فضل للإنسان إذا عمل صالحاً "متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما فعلنا ما كان يجب علينا" (لوقا 17: 10)... ولنضرب مثلاً: هب أن إنساناً سرق ولم يقتل، فهل عدم إرتكابه للقتل يبرئه من نتيجة السرقة وعقابها لو حدث ذلك؟... هل يمكن القول إن الحسنات يذهبن السيئات؟! وهل المسألة هى كما كان يحدث فى محكمة أوزوريس – كما كان يعتقد المصريون القدماء – من أن أعمال الإنسان توضع فى كفة ميزان أوزوريس وريشة فى الكفة الأخرى، لتوزن أعماله؟!... قطعاً إن هذه الأفكار البدائية لن تعبر عن الحقيقة فى شئ بل لعلها إستخفاف بالعقل...
وفضلاً عن ذلك، فالله وحده هو صاحب الفضل لكل ما يأتيه الإنسان من أعمال الخير (سواء خير استخدم فيه صحته أو ماله أو عمله أو جهده... إلخ). يقول داود النبى بعدما قدم الكثير جداً – هو والشعب – لبناء الهيكل (قيل ما يوازى خمسين مليون جنيهاً من الذهب) مناجياً الله: "لكن من أنا ومن هو شعبى... لأنك منك الجميع، ومن يدك أعطيناك أيها الرب إلهنا. كل هذه الثروة التى هيأناها لنبنى بيتاً لاسم قدسك، إنما هى من يديك ولك الكل" (أيام الأولى 29: 14 - 16)... ونفس المعنى يردده القديس بطرس الرسول: "إن كان يخدم أحد فكأنه من قوة يمنحها الله" (بطرس الأولى 4: 11).
(ب) ولأن الإهانة الأدبية لا تمحوها التقدمات المادية.
وإذا جاز هذا الأمر مع البسطاء والفقراء، فهى لا تليق بالعظماء، فضلاً عن الله ذاته... الخطية هى إساءة لله؟ وهى تعد عليه "كل من يفعل الخطية يفعل التعدى أيضاً. والخطية هى التعدى" (يوحنا الأولى 3: 4)... وهى جرح شديد فى قلب الله المحب... قد لا نتصور ذلك على حقيقته من أجل أننا خطاة... ولكن بقدر ما يعرف الإنسان ذاته، وكيف أنه حقير، بقدر ما يسمو فى الروح، بقدر ما يعرف ويقدر مكانة الله...
حدث هذا مع واحد من أعظم أنبياء العهد القديم هو إشعياء...
أعلنت له رؤيا... رأى وكأنه فى حضرة الله. ورأى الملائكة يغطون وجوههم وأرجلهم تهيباً وخشوعاً. فلم يتمالك نفسه وصرخ: "ويل لى إنى هلكت لأنى إنسان نجس الشفتين... لأن عينى قد رأتا الملك رب الجنود" (إشعياء 6)... لذا لا نعجب إن قال هذا النبى: "قد صرنا كلنا كنجس وكثوب عدة ( = خرقة الطامث) كل أعمال برنا" (أشعياء 64: 6)... وداود النبى العظيم يقول: "أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك" (مزمور 5: 7)... أى لولا رحمتك الكثيرة لما تجاسرت على دخول بيتك المقدس... كون الإنسان يحس فى نفسه أنه صالح، هذا لا ينفى أنه ملئ بالخطايا فى نظر الله... إن هذا يذكرنا بالخضروات المغسولة بالماء... إنها بالنظرة المجردة تبدو نظيفة، لكن إن وضعت تحت المجهر (الميكروسكوب) توجد مليئة بملايين الجراثيم والميكروبات!!... يقول بطرس الرسول: "إن كان البار بالجهد يخلص فالفاجر والخاطئ أين يظهران" (بطرس الأول 4: 18)... إذاً فأعمال الإنسان الصالحة – بدون الإيمان بالمسيح وخلاصه وعمله الكفارى لا يمكن أن تغفر للإنسان خطيته...
2 - هل يمكن للتوبة أن تغفر للإنسان خطيته؟
[وللمرة الثانية ألفت النظر أنى أعالج الأمر خارج دائرة المسيحية أى بدون المسيح].
سبق أن قلنا إن الخطية إساءة بالغة إلى الله، وتشويه لصورته التى خلقنا على مثالها... وتوبة الإنسان لا ترد لله كرامته ومجده، وتمحو الإساءة التى وجهت إليه، وكأنها لم تكن... وهى أيضاً لا تردنا إلى صورة الكمال التى كانت لنا قبل السقوط... ولتوضيح ذلك نسوق مثلاً:
موظف إختلس مبلغاً من المال. هذا الإنسان إما أن يرد هذا المبلغ الذى إختلسه أو يحاكم ويفصل من وظيفته. وإزاء هذا الظرف القاسى، وبداعى العاطفة والصداقة، وحتى لا يفقد هذا الإنسان وظيفته ومستقبله، يتقدم صديق له مظهراً إستعداده لسداد المبلغ... لكن إن وجد ذلك الصديق أن صديقه المختلس غير مبال بمستقبله، وبما هو عتيد أن يحل به، يتركه لحاله. وعلى العكس إذا وجده حزيناً مهموماً نادماً عما أتاه وما أخطأ به، فإنه بكل عاطفة نبيلة ومشاعر الأخوة والإنسانية، يتقدم لسداد هذا الدين... والآن نقول إن ما بدا على هذا الموظف من حزن وندامة، لم ولن تكون سبباً فى محو خطأه وجريمته واستمراره فى عمله... لكن ذلك حرّك قلب إنسان طيب ليسدد دينه... هكذا الإنسان الذى أخطأ فى حق الله... إن توبته وندمه وحزنه على خطاياه لا تؤهله لغفران خطاياه. [وهذا الكلام خارج عن دائرة المسيح والمؤمنين به كما قلت سابقاً]، لكنها تؤهله لبركات وسيط يفى عنه ديونه.
الحاجة إلى فادى أو وسيط
علمنا فيما سبق أن أجرة الخطية هى موت (رومية 6: 23)، والموت بأنواعه الثلاثة، الجسدى، والأدبى (الروحى) والأبدى. وعلمنا أيضاً أن أعمال الإنسان الصالحة لن تحل الإشكال وهكذا فلا يمكن للإنسان أن ينجو من قصاص خطاياه... لكن الله فى محبته ورحمته – وقد جعل لذته مع بنى آدم (أمثال 8: 31). يريد أن يرحم الإنسان وينجيه...
لكن كيف يتم هذا وعدله مساو لرحمته تماماً، وهذا يتمشى مع كمال الله فى كل صفاته...
بحيث أنه لا يمكن أن تتفوق صفة على صفة أخرى... كما لا يمكن أن يكون هناك تعارض بينهما (رحمة الله وعدله). فرحمة الله وعدله ليسا سوى وجهين لشئ واحد، هو كمال الله. لا سبيل إلى رحمة الإنسان وافتقاده وتخليصه من الهوة التى تردى فيها إلاَّ بوجود وسيط تتوفر فيه شروط معينة، وبذا يستوفى العدل الإلهى حقه:
هل من العدل أن يتحمل ب رئ لخطايا مذنب؟!
ونحن نقول إن مبدأ الإنابة مبدأ سليم، طالما أن مَن سينوب يوافق على القيام بالمهمة. فمثلاً المدين الذين يعجز عن سداد دينه يقوم الكفيل أو الضامن بسداده. المهم أن يحصل الدائن على دينه... والله قد أجاز هذه الإنابة – بصفة مؤقتة ورمزية – بواسطة الذبائح الدموية التى أمر شعبه بنى إسرائيل قديماً بتقديمها، كذبائح المحرقة والخطية والإثم... وفيها كان الحيوان البرئ ينوب عن مقدمه المذنب.
هذا المبدأ – مبدأ الإنابة – نفذه الله نفسه منذ سقوط الإنسان الأول لكى يعلمه الأسلوب الذى يقترب به إليه... فى قصة سقوط الإنسان نقرأ – بعد أن أحس الإنسان بعريه عقب الخطية وحاول أن يكسو نفسه بورق الأشجار – أن الله صنع لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما (تكوين 3: 21). والجلود هى دون شك جلود حيوانات. ومعنى ذلك أنه ذبحت أمام الإنسان الأول ذبيحة وأخذ جلدها. لكى يعلم الإنسان كيف يقترب إلى الله. عن طريق الذبيحة الدموية... حقيقة أن الأمر لا يعدو إشارة فى سفر التكوين. لكن لنعلم أن هذا السفر كُتب بإيجاز شديد.
وليس أدل على ذلك من مأساة قتل هابيل بيد أخيه قايين...
قدم قايين قرباناً للرب من أثمار الأرض، وقدم هابيل قرباناً من أبكار الغنم ومن سمانها. "فنظر الرب إلى هابيل وقربانه. ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قايين جداً وسقط وجهه"... الأمر الذى إنتهى بقتل قايين لأخيه هابيل (تكوين 4: 3 - 8)...
فلماذا قبل الله تقدمة هابيل؟ قبلها لأنها قدمت حسب مواصفات الله... ذبيحة دموية..
وفضت تقدمة قايين لأنها كانت أثمار الأرض. وبديهى أن الله لا يمكن أن يقبل أو يرفض تقدمة ما دون سبق تعريف، وإلاَّ كان الله غير عادل، وحاشا لله أن يكون كذلك... قطعاً إن الأمر يرتبط بتعليم شفوى (تقليد) قبل أن يرتبط بإدارك أهمية الفدية والدم...
وفى عصر ما قبل الشريعة – أى قبل أن يعطى الله شريعة مكتوبة على يد موسى النبى – نرى الآباء البطاركة (آباء الآباء) قد التزموا بتقديم ذبائح دموية. هكذا فعل نوح بعد زوال الطوفان وخروجه من الفلك (تكوين 8: 20)... وإبراهيم كان فى كل موضع يحل فيه وينصب خيمته يبنى مذبحاً للرب ويقدم عليه ذبائح (انظر تكوين 12: 6 - 8؛ 13: 18؛ 22: 13). وهكذا فعل إسحق إذ بنى مذبحاً ودعا باسم الرب (تكوين 26: 25)... كما أن يعقوب أقام مذبحاً فى شكيم ودعاه إيل إله إسرائيل (تكوين 33: 20).
والشعوب الوثنية المنتشرة فى الأرض كلها عرفت مبدأ الفدية والذبائح الدموية.
وما ذلك إلاَّ لأنهم جميعاً ينحدرون عن أب واحد. وانتقل التقليد الشفاهى أب عن جد... وإلاَّ فكيف نفسر إجماع الشعوب الوثنية على تقديم الذبائح الدموية إرضاء للآلهة؟!
أما فى عصر الشريعة فقد أفاض الله فى الكلام عن الذبائح وأوصافها واستحقاقاتها ومقدميها وكيفية تقدمتها بصورة تدعو للدهشة... وما ذلك إلاَّ لأن لله قصداً من وراء هذه الذبائح الدموية وأسلوب تقديمها... هذا القصد كان هو شخص الوسيط الفادى يسوع المسيح...
وقد أقر الإسلام مبدأ الفدية. فقد جاء فى (سورة الصافات 107) "وفديناه بذبح عظيم". والحديث هنا عن إبراهيم... ويقول الإمام البيضاوى فى تفسيره لكلمة عظيم: [إن كلمة عظيم يقصد بها عظيم القدر، لأن الله فدى به نبياً]. وجاء فى (سورة الكوثر 2): "فصل لربك وانحر". ويقول البيضاوى فى تفسيرها: [الصلاة صلاة العيد، والنحر هو التضحية (الفدية)]... ويشرح الإمام الغزالى الشروط الواجب توفرها فى الذبيحة التى تقدم، بحيث تتوفر سلامتها من العيوب، وهى شروط تشبه الشروط التى أوجبها الله فى شريعة العهد القديم (انظر لاويين 22: 20 - 24). وجاء فى كتاب الفقه وصحيح البخارى وغيرها من أمهات الكتب الإسلامية أن نبى الإسلام ضحى عن نفسه وزوجاته بذبائح حيوانية... وكانت هذه الذبائح – لا لإطعام الفقير – بل للتكفير عن النفس...
وفى شريعة العهد القديم، كان مقدم الذبيحة يضع يده على رأسها أمام الكاهن ويعترف بخطاياه قبل أن تذبح. ولا شك أن هذا تعبير على أن خطايا مقدم الذبيحة تنتقل بهذه الوسيلة إلى الذبيحة ذاتها... أما فكرة الذبيحة فى جملتها فكانت تعنى أن بريئاً ينوب عن مذنب... وكانت الذبيحة رمزاً للمسيح حمل الله الذى يرفع خطية العالم (يوحنا 1: 29).
إتضح مما سبق أن الإنسان بات بحاجة إلى وسيط أو فادى أو فدية... لكن مَنْ يكون هذا الفادى أو الوسيط، وهل ينبغى أن تتوفر فيه شروط معينة؟
الشروط والواجب توافرها فى الفادى (الوسيط):
1 - أول ما يجب توافره فى هذا الوسيط أن يكون إنساناً، لأن الإنسان هو الذى أخطأ.
2 - أن يكون إنساناً بلا خطية لأنه كيف يستطيع خاطئ أن ينقذ خاطئاً.
3 - يشترط فى هذا الفادى والوسيط – ليس فقط أن يكون بلا خطية بل أن يكون معصوماً من الخطية أى لا يُخطئ... فآدم ولد بدون خطية ومع ذلك أخطأ.
4 - ألاَّ يكون مخلوقاً – لماذا؟ لأن المخلوق نفسه ليست ملكاً له، بل لله... والذى نفسه ليست ملكاً له لا يحق له أن يقدمها عن آخرين.
5 - أن يكون هذا الوسيط أو الفادى قادراً على إحتمال خطايا العالم كله ونتائجها وليس هذا فقط بل يكون قادراً على بعث الحياة الروحية فى البشر – لماذا؟ حتى يستطيعون أن يتوافقوا مع الله والحياة معه فى السماء. فلقد طرد الإنسان من السماء لأنه لم يستطع بطبيعته التى بدأ يسرى الفساد إليها أن يساكن الله.
6 - أن يكون هذا الوسيط غير محدود حتى يستطيع أن يتحمل عقوبة غير محدودة...
بالجملة فإن هذه الشروط تستوجب أن يكون الفادى الوسيط إنساناً وغير محدود... ولا يوجد غير محدود سوى الله... وحيث أن الإنسان هو الذى أخطأ – وأخطأ هنا على الأرض – وجب أن الله يأخذ جسداً بشرياً، ويقدم هذا الفداء فى الأرض... وهذا ما تم فى شخص المسيح الفادى "صنعت خلاصاً فى وسط الأرض كلها أيها المسيح إلهنا" (من قطع تسبحة الساعة السادسة).
ننتقل الآن للكلام عن نقطة رئيسية فى موضوعنا هى "موت المسيح الفادى". فنحن نتكلم عن "عثرة الصليب". ونحن نقول إن المسيح مات على الصليب فإن لم يكن المسيح قد مات فلا وجود للصليب وإن لم يوجد الصليب فالمسيح ما مات إذن!!
والآن نود أن ندرس معاً موضوع "موت المسيح الفادى" بشئ من التفصيل فهو محور المسيحية.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح