حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه

حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه

وكما جاء بالأسفار المقدسة:

ونود قبل الخوض فى هذا البحث أن نضع أمامكم ملاحظتين:

الملاحظة الأولى:

لم يحدث أن شخصاً ظلت تترقبه أجيال البشر وكل شعوب الأرض منذ أن سقط الإنسان الأول وطُرد من الفردوس، مثل شخص المسيح. فقد ظل الله يهئ أذهان البشر لمجيئه تارة بالرموز وتارة بالنبوات. ولا عجب فى ذلك فالمسيح هو هدف الكتاب المقدس كله من أوله إلى آخره. وهو البؤرة التى تتجمع فيها أشعة الوحى الإلهى، وتنعقد عليها نبوات الأنبياء. والكتاب المقدس فى عهده القديم ملئ بالرموز التى تشير إلى شخص المسيح، سواء كانت الرموز أشخاصاً مثل آدم وإسحق ويوسف وموسى وغيرهم، أو كانت خليقة غير عاقلة مثل خروف الفصح والعليقة والمن والصخرة فى البرية والحية النحاسية وخيمة الاجتماع بمشتملاتها ومحتوياتها، أو كانت طقوساً خاصة تمارس حسب الشريعة كطقوس الذبائح وتطهير الأبرص مثلاً. هذه نسوقها فقط كأمثلة.

لقد حاول منكرو لاهوت المسيح أن يفسروا بعض الكلمات أو العبارات الواردة فى الأناجيل المقدسة ورسائل الرسل التى تُعلن عن لاهوت المسيح، تفسيراً خاصاً يتفق وأهوائهم، ظناً منهم أن ذلك ينفى عن المسيح صفة اللاهوت، لكنهم فشلوا. أما السبب فى ذلك فهو أن إثبات لاهوت المسيح لا يستند إلى آية واحدة فى الإنجيل، إذ أسقطت هذه الآية زالت عن المسيح ألوهته!! لكن حقيقة لاهوت المسيح ثابتة راسخة فى الكتاب المقدس كله من أول سفر التكوين إلى آخر سفر الرؤيا.

الملاحظة الثانية:

لماذا أوقعنا المسيح فى هذا الحرج الظاهرى، فلم يعلن عن لاهوته بصورة أوضح وأقطع مما ورد فى هذا الشأن فى الأناجيل المقدسة. صورة ليس فيها أى لبس أو إبهام، ولا تحتمل قولين أو رأيين أو تفسيرين؟!! ونحن نجيب عن ذلك فنقول إنه كان لابد وأن يأتى المسيح محتجباً ومختفياً فى الجسد، من أجل تحقيق أهم غرض بالنسبة لمصير البشر وهو الفداء... ولو كان المسيح كشف لاهوته على حقيقته كاملاً وبكل وضوح، لما أمكن لأحد من البشر أن يعيش، ذلك أن الإنسان لا يقدر أن يعاين اللاهوت الذى يشبه بالنار الآكلة (انظر عبرانيين 12: 29)... ومن ناحية أخرى كان لابد لنجاح تدبير الفداء أن يختفى اللاهوت بالناسوت على حد قوله الرسول بولس: "بل نتكلم بحكمة الله فى سر. الحكمة المكتومة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا. التى لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (كورنثوس الأول 2: 7، 8). إذ مَنْ كان يجرؤ على صلب المسيح لو رأوه فى كمالا لاهوته؟! وعلى الرغم من أن المسيح أخفى لاهوته لحكمة من أجل تدبير الفداء، لكنه علم بألوهته وأظهرها فى بعض المواقف، كما فى معجزة تفتيح عينى المولود أعمى. إذ قال له: "أتؤمن بابن الله أجاب ذاك وقال من هو يا سيد لأؤمن به. فقال له يسوع قد رأيته والذى يتكلم معك هو هو. فقال أؤمن يا سيد وسجد له" (يوحنا 9: 35 - 38). كما أعلن السيد المسيح أيضاً عن لاهوته أمام رئيس الكهنة اليهودى ومجمع السنهدرين أثناء محاكمته قبل صلبه. فقد قال رئيس الكهنة للمسيح: "أستحلفك بالله الحى أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله. قال له يسوع أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء" (متى 26: 63، 64).

المسيح والنبوات عنه:

إن الموضوع الخاص بلاهوت المسيح، ليست بدايته العهد الجديد، ولا مجئ المسيح وتعليمه. بل إن الإشارة إليه تبدأ مع بداية الكتاب المقدس. تبدأ من آدم وحواء اللذين بعدما سقطا فى المعصية وطُردا من الفردوس، أعطاهما الله الوعد بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية... موضوع لاهوت المسيح لا يبدأ بالعهد الجديد، لكن جذوره تمتد متشعبه وبعمق فى العهد القديم، فى النبوات والرموز التى أشرت إليها. والآن نحاول أن نتحدث عن مجرد أمثلة فقط من النبوات التى تنبأت عن المسيح... عن ميلاده وملابساته وحياته ومعجزاته وآلامه ووظائفه وألقابه وتلاميذه وصلبه وقيامته وصعوده إلى السماء... إلخ.

والحق إن السيد المسيح نفسه هو الذى لفت الأنظار إلى ما يتعلق بشخصه فى أسفار العهد القديم...

أمثلة من النبوات التى تنبأت عن المسيح

لقد حض السيد المسيح اليهود على تفتش أسفارهم المقدسة لأنها تشهد له: "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية. وهى التى تشهد لى" (يوحنا 5: 39)... وفى حديث المسيح إلى تلميذى عمواس، عشية قيامته المجيدة، نراه يوجه نظرهم إلى هذه الحقيقة فيقول لهم: "أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء أما كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده.

ثم إبتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب "(لوقا 24: 25 - 27).

ومرة ثانية يقول السيد المسيح لتلاميذه مجتمعين عقب قيامته: "لابد أن يتمم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب" (لوقا 24: 44)... وفيلبس المبشر أحد السبعة شمامسة، الذى آمن الخصى الحبشى وزير كنداكية بالمسيح على يديه، التقى به فيلبس فى عربته، ووجده يقرأ سفر إشعياء النبى.

"فابتدأ من هذا الكتاب وبشره بالرب يسوع" (أعمال الرسل 8: 35)

... ونقدم هنا بعض النبوات كأمثلة فقط:

(أ) نبوات عن خلقة العالم بالمسيح الكلمة:

"بكلمة الرب صنعت السموات،

وبنسمة فيه كل جنودها "(مزمور 33: 6)... وكلمة الرب هنا تعنى المسيح... وجاء فى فاتحة إنجيل يوحنا:" فى البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله. هذا كان فى البدء عند الله. كل شئ به كان. وبغيره لم يكن شئ مما كان "(يوحنا 1: 1 - 3)... ويقول معلمنا بولس:" بالإيمان نفهم أن العالمين أتقنت بكلمة الله "(عبرانيين 11: 3). ويقول أيضاً:" فإن فيه خلق الكل، ما فى السموات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق "(كولوسى 1: 16).

(ب) نبوءة عن تجسده الطاهر:

قالها الله للحية، وآدم ما يزال فى الجنة بعد سقوطه: "وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلكِ ونسلها. وهو يسحق رأسكِ وأنت تسحقين عقبه" (تكوين 3: 15). ويقول القديس بولس الرسول فى إتمام هذه النبوة.

"ولما جاء فى ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من إمرأة" (غلاطية 4: 4).

(ﺟ) نبوات عن مجيئه وميلاده:

نبوءة عن مجيئه من نسل إبراهيم:

قال الله لإبراهيم "أباركك مباركة وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء. وكالرمل الذى على شاطئ البحر... ويتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض" (تكوين 22: 17، 18)... هذه النبوة تكررت لإسحق ويعقوب، وتمت فى المسيح كما جاء فى إنجيل متى: "كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم (متى 1: 10) وقال بطرس الرسول لليهود بعد شفاء المقعد باب الهيكل الجميل:" أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذى عاهد به الله آباءنا قائلاً لإبراهيم وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض "(أعمال الرسل 3: 25).

نبوءة عن مجيئه من نسل يهوذا:

قال يعقوب أب الأسباط وهو يبارك يهوذا ولده قبيل موته: "لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون، وله يكون خضوع شعوب" (تكوين 49: 10)... ويؤكد بولس الرسول أن هذه النبوة خاصة بالمسيح فيقول: "فإنه واضح أن ربنا قد طلع من سبط يهوذا" (عبرانيين 7: 14)... ويأتى سفر الرؤيا فيقول: "هوذا قد غلب الأسد الذى من سبط يهوذا أصل داود" (رؤيا 5: 5).

نبوءة عن مجيئه من نسل داود:

يقول إشعياء النبى: "ويخرج قضيب من جذع يسى (والد داود النبى) وينبت غصن من أصوله" (إشعياء 11: 1)... والقديس بولس فى كلامه امام اليهود فى المجمع بأنطاكية بيسيدية، يذكر إتمام هذه النبوة فى شخص المسيح، كما يشير إلى هذا الأمر عينه فى رسالته إلى رومية (أعمال الرسل 13: 22، 23؛ رومية 15: 12).

نبوءة عن نزوله من السماء:

يقول سليمان الحكيم عن ذلك: "لم أتعلم الحكمة ولم أعرف معرفة القدوس. مَن صعد السموات ونزل. مَن جمع الريح فى حفنتيه. من صر المياه فى ثوب. من ثبت جميع أطراف الأرض. ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت" (أمثال 30: 3، 4).

نبوءة عن ميلاده من عذراء:

يقول إشعياء النبى: "يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل... لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفيه. ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسى داود على مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد" (إشعياء 7: 14؛ 9: 6، 7)... وقد أشار متى فى إنجيله إلى إتمام هذه النبوءة فى شخص المسيح (انظر متى 1: 22، 23)... وظل إشعياء يرقب ويطلب سرعة مجئ هذا الشخص الإلهى الذى تنبأ عنه والذى يولد من عذراء فقال مناجياً الله: "ليتك تشق السموات وتنزل" (إشعياء 64: 1)... وكان داود قبل إشعياء قد تنبأ عن ذلك فقال: "طأطأ السموات ونزل وضباب تحت رجليه" (مزمور 18: 9).

نبوءة عن موعد مجيئه:

قال دانيال النبى: "سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم، وليؤتى بالبر الأبدى ولختم الرؤيا والبنوءة ولمسح قدوس القديسين" (دانيال 9: 24).

نبوءة عن مكان مولده:

يقول ميخا النبى: "أما أنتِ يا بيت لحم إفراته، وأنتِ صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا، فمنكِ يخرج لى الذى يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل" (ميخا 5: 2).

نبوءة عن مجئ المجوس وسجودهم وتقديمهم هدايا:

يقول المرنم: "ملوك ترشيش والجزائر يرسلن تقدمة. ملوك سبأ وشبا يقدمون هدية. ويسجد له كل الملوك" (مزمور 72: 10، 11)... ويقول داود النبى كذلك: "لك تقدم ملوك هدايا" (مزمور 68: 29).

(د) نبوءات عن حياته وصفاته ورسالته ومعجزاته:

لقد تنبأ العهد القديم عن كثير من ظروف حياة السيد المسيح وشخصيته... ونستطيع أن نقدم لمحات من بعض هذه النبوات...

يقول إشعياء النبى:

"ولكن لا يكون ظلام للتى عليها ضيق. كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتاليم يكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب السالك فى الظلمة أبصر نوراً عظيماً. الجالسون فى أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور" (إشعياء 9: 1، 2)... وقد أشار القديس متى الإنجيلى إلى إتمام هذه النبوءة فى شخص المسيح (انظر متى 4: 13 - 16).

وتنبأ موسى النبى عن مجئ السيد المسيح ومركزه

فقال: "يقيم لك ( = إسرائيل) الرب إلهك نبياً من وسطك من إخوتوك. مثلى له تسمعون... أقيم لهم نبياً من وسط اخوتهم مثلك. وأجعل كلامى فى فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيته به. ويكون أن الإنسان الذى لا يسمع لكلامى الذى يتكلم به باسمى أنا أطالبه" (تثنية 18: 15 - 19)... كان اليهود يعرفون هذه النبوة جيداً التى سجلها موسى نبيهم الأول. وكانوا يعلمون أنها تخص شخص المسيح له المجد... لذا نجد بطرس الرسول بعد معجزة شفاء مقعد باب الهيكل الجميل. يوجه كلامه إلى الشعب اليهودى المحتشد فى الهيكل: "توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكى تأتى أوقات الفرج من وجه الرب. ويرسل يسوع المسيح المبشر به لكم قبل. الذى ينبغى أن السماء تقبله إلى أزمنة رد كل شئ. التى تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر. فإن موسى قال للآباء: إن نبياً مثلى سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون فى كل ما يكلمكم به. ويكون أن كل نفس لا تسمع لذلك النبى تباد من الشعب. وجميع الأنبياء وأيضاً صموئيل فما بعده، جميع الذين تكلموا سبقوا وأنبأوا بهذه الأيام" (أعمال الرسل 3: 19 - 24)... وواضح من كلام بطرس الرسول أن ذاك الذى بخصوص تنبأ موسى، كان هو الرب يسوع المسيح... وأوضح أيضاً فى كلامه للشعب اليهودى أنه لا يقدم لهم مفهوماً جديداً، بل هم يعرفون جيداً أن هذه النبوءة تخص شخص المسيح...

وبخصوص نبوءة موسى هذه، يتكلم شهيد المسيحية الأول استفانوس، مؤكداً أن هذا النبى، ذا الأوصاف التى ينفرد بها عن سائر الأنبياء، إنما هو المسيح. يقول فى دفاعه الذى إنتهى باستشهاده: "هذا هو موسى الذى قال لبنى إسرائيل، نبياً مثلى سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون" (أعمال الرسل 7: 37).

وواضح أن استفانوس إستشهد على اسم المسيح...

قبل أن نترك هذه الآية، نود أن نوضح بعض النقاط إذا كانت هذه النبوءة تشير إلى المسيح. فلماذا يدعوه "نبياً مثلى"، فيقول: "نبياً من وسطك من إخوتك مثلى له تسمعون"... سبق أن شرحنا فى القسم الأول من هذا الموضوع. لماذا أشير فى بعض المواضع إلى أن المسيح يُدعى نبياً. وقلنا إنه حال كونه فى الجسد أخذ وظيفة نبى، حيث أنه أنبأنا عن الآب بأمور لم نكن نعرفها (يوحنا 1: 18)، كما أنبأنا عن أمور مستقبلة تحققت فيما بعد كخراب أورشليم، وأخرى لم يحن وقتها بعد... فقوله: "نبياً من وسطك" أى من بنى إسرائيل حيث أن بنى إسرائيل هم خاصة المسيح "جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله" (يوحنا 1: 11)... أما قوله "مثلى"، فلأن موسى مشرع، أعطى بنى إسرائيل شريعة العهد القديم، والمسيح له المجد أيضاً أعطى شريعة العهد الجديد شريعة الكمال. فموسى من هذه الناحية يرمز إلى السيد المسيح حيث أن كلاً منهما أعطى شريعة... وعلىأيى الحالات فقد كان موسى رمزاً للمسيح من أوجه كثيرة، وأعطاء الشريعة واحد منها...

وعن وصفة الوداعة فى شخص المسيح.

يقول إشعياء النبى: "هوذا عبدى[3] الذى أعضده، مختارى الذى سرت به نفسى. وضعت روحى عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يسمع فى الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ. إلى الأمان يخرج الحق" (إشعياء 42: 1 - 3) وقد أشار متى الإنجيلى إلى هذه النبوءة، على أنها عن المسيح فقال: "لكى يتم ما قيل بإشعياء النبى القائل..." (متى 12: 14 - 21).

وعن المسيح الراعى الصالح

قال إشعياء أيضاً: "على جبل علٍ اصعدى يا مبشرة صهيون. إرفعى صوتكِ بقوة يا مبشرة أورشليم إرفعى لا تخافى. قولى لمدن يهوذا هوذا إلهكِ. هوذا السيد الرب بقوة يأتى... كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان. وفى حضنه يحملها" (إشعياء 40: 9 - 11)... والسيد المسيح قدم نفسه كالراعى الصالح (يوحنا 10). كما أعلن محبته للخروف الضال (لوقا 15: 4 - 6).

وعن مجئ المسيح ورسالته وإعداد يوحنا المعمدان الطريق له، قال إشعياء النبى:

"عزوا عزا شعبى يقول إلهكم. طيبوا قلب أورشليم... صوت صارخ فى البرية، أعدوا طريق الرب، قوموا فى القفر سبيلاً لإلهنا، كل وطاء يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض ويصير المعوج مستقيماً والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر معاً، لأن فم الرب تكلم" (إشعياء 40: 1 - 5)... وقد أشار إلى ذلك القديس مرقس والقديس لوقا فى إنجيلهما (مرقس 1: 1 - 3؛ لوقا 3: 2 - 6).

وعن معجزات الشفاء المتنوعة التى أجراها المسيح،

قال إشعياء النبى: "حينئذ تتفتح عيون العمى وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالايل ويترنم لسان الأخرس... ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح على رؤوسهم إبتهاج وفرح يدركانهم. ويهرب الحزن والتنهد" (إشعياء 35: 5 - 10).

وعن سلطان المسيح وملكوته تنبأ دانيال النبى قائلاً:

"كنت أرى فى رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقربوه قدامه. فأعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض" (دانيال 7: 13، 14).

ويكتب هوشع النبى متنبئاً عن هربه إلى مصر من وجه هيرودس:

"لما كان إسرائيل غلاماً أحببته. ومن مصر دعوت ابنى" (هوشع 11: 1)... وقد أشار متى الإنجيلى إلى إتمام هذه النبوءة فى شخص المسيح (متى 2: 14، 15).

وعن ازلية الابن المسيح وصفاته ورسالته يقول سليمان الحكيم عن الحكمة

وتقابل لفظ الكلمة اللوغوس فى العهد الجديد: "منذ الأزل مسحت، منذ البدء، منذ أوائل الأرض... لم ثبت السموت كنت هناك أنا... لما وضع للبحر حده فلا يتعدى المياه تخمه. لما رسم أسس الأرض كنت عنده صانعاً... طوبى للذين يحفظون طرقى... مَن يجدنى يجد الحياة" (أمثال 8: 23، 27، 29، 30، 32، 35)... كما يقول: "العل الحكمة لا تنادى... لكم أيها الناس أنادى... هلّموا كلوا من طعامى واشربوا من الخمر التى مزجتها" (أمثال 8: 1، 4؛ 9: 5)... هكذا كان المسيح الذى نادى المتعبين والثقيلى الأحمال ليريحهم (متى 11: 28).

ويتنبأ سليمان الحكيم فى سفر نشيد الأنشاد عن إكليل الشوك الذى تكلل به المسيح على الصليب فيقول بروح النبوة:

"اخرجن يا بنات صهيون، وانظرن الملك سليمان بالتارج الذى توجته به أمه فى يوم عرسه وفى يوم فرح قلبه" (نشيد 3: 11)... والعريس ليس هو سليمان. فالله يقول بلسان إشعياء النبى: "لأن بعلكِ (زوجكِ) هو صانعكِ رب الجنود اسمه" (إشعياء 54: 5).

(ﻫ) نبوءة عن رفض اليهود له:

يقول المرتل: "الحجر الذى رفضه (رذله) البناؤون قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا" (مزمور 118: 22، 23)... وقد أكد السيد المسيح فى مثل الكرم والكرامين أن هذه النبوءة إنما قد تمت فيه (متى 21: 42)... كما طبق بطرس الرسول هذه النبوءة على المسيح فقال: "فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة، وأما للذين لا يطيعون، فالحجر الذى رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية" (بطرس الأولى 2: 7).

كما إستشهد بطرس الرسول بهذه النبوءة أيضاً أثناء محاكمته أمام رئيس الكهنة عقب معجزة شفاء مقعد باب الهيكل الجميل. قال: "إن كنا نفحص اليوم عن إحسان إلى إنسان سقيم بماذا شُفى هذا فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصرى الذى صلبتموه أنتم، الذى أقامه الله من الأموات بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً. هذا هو الحجر الذى إحتقرتموه أيها البناؤون الذى صار رأس الزاوية. وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس أسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص" (أعمال الرسل 4: 9 - 12).

(و) نبوءات عن آلام المسيح:

أما عن آلام المسيح، فما أكثر النبوءات التى قيلت عنها نقتطف منها الآتى:

يقول داود النبى فى (مزمور 22: 1 - 12):

"إلهى إلهى لماذا تركتنى... أما أنا فدودة لا إنسان، عار عند البشر ومحتقر الشعب. كل الذين يروننى يستهزئون بى. يفغرون الشفاة وينغضون الرأس قائلين إتكل على الرب فلينجه. لينقذه لأنه سر به. أحاطت به ثيران كثيرة، أقوياء باشان إكتنفتنى. فغروا على أفواهم كأسد مفترس مزمجر. كالماء إنسكبت إنفصلت كل عظامى. صار قلبى كالشمع. قد ذاب فى وسط أمعائى. يبست مثل شقفة قوتى ولصق لسانى بحنكى... لأنه قد أحاطت بى كلاب. جماعة من الأشرار إكتنفتنى. ثقبوا يدى ورجلى أحصى كل عظامى. وهم ينظرون ويتفرسون فىَّ يقسمون ثيابى بينهم وعلى لباسى يقترعون"...

وفى (مزمور 69) يقول داود:

أيضاً بروح النبوة: "يبس حلقى...

أكثر من شعر رأسى الذين يبغضوننى بلا سبب... لأنى من أجلك إحتملت العار. غطى الخجل (الخزى) وجهى. صرت أجنبياً (غريباً) عند إخوتى (اليهود)، وغريباً عند بنى أمى. لأن غيرة بيتك أكلتنى، وتعييرات معيريك وقفت علىَّ... العار قد كسر قلبى... يجعلون فى طعامى علقماً، وفى عطشى يسقوننى خلاً "...

هذا الكلام قاله داود – ليس عن نفسه – فداود لم يُصلب ولم تثقب يداه ورجلاه ولم يسقوه خلاً ولم يحدث له شئ مما ذكره فى المزمورين بل مات ميتة طبيعية... لكن هذا الكلام نبوءة عن المسيح... وقد تمت تفاصيل هذه النبوءات حرفياً (انظر متى 27؛ مرقس 14؛ لوقا 22، 23؛ يوحنا 18، 19)... ولنتأمل قدره هذه النبوءة: المسامير التى ثقبت اليدين والرجلين وشرب الخل، وحتى تقسيم ثيابه والإقتراع عليها بين الجند... فكأن داود كان واقفاً عند الصليب يدون مشاهداته.

وفى مزمور آخر هو (مزمور 40: 6 - 8) يقول داود أيضاً بروح النبوة: "بذبيحة تقدمة لم تسر. ثقبت (فتحت) آذنى. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت هأنذا جئت بدرج الكتاب مكتوب عنى أن أفعل مشيئتك يا إلهى سررت. وشريعتك فى سط أحشائى"... ويستشهد القديس بولس الرسول بهذه البنوءة فيقول: "لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لى جسداً" (عبرانيين 10: 5)... والمقصود من عبارة "هيأت لى جسداً" – أى جسداً يقدم ذبيحة كفارية. والقول: "ثقبت آذنى، يعيد إلى أذهاننا ما جاء فى (خروج 21: 5، 6) عن العبد الذى يخصص نفسه لخدمة سيده إلى النهاية.. كان سيده يأتى به إلى الباب، ويثقب أذنه بالمثقب فيخدمه إلى النهاية، هكذا المسيح له المجد بإرادته ومسرته" أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس "(فيلبى 2: 7)، وأحبنا وخصص ذاته لفدائنا، وأرتضى أن تثقب – لا أذنه – بل يداه ورجلاه وجنبه... وكل ذلك تم خارج الباب – باب أورشليم (انظر عبرانيين 13: 12).

وما أكثر وما أوضح ما تنبأ به إشعياء عن آلام المسيح:

"بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين. ووجهى لم أستر عن العار والبصق" (إشعياء 50: 6).

"من صدق خبرنا، ولمن إستعلنت ذراع الرب... لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه. محتقر ومخذول من الناس. رجل أوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به. لأن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه. وبحبره (جراحاته) شفينا. كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه. والرب وضع عليه إثم جميعنا. ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ. وفى جيله مَن كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء. أنه ضرب من أجل ذنب شعبى. وجعل مع الأشرار قبره، ومع غنى عند موته. على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن فى فمه غش. أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن. أن جعل نفسه ذبيحة إثم... سكب للموت نفسه، وأحصى مع أثمة. وهو حمل خطية كثيرين، وشفع فى المذنبين" (إشعياء 53: 1 - 12)...

وإذا رجعنا إلى كتاب العهد الجديد، نجد أن فيلبس المبشر الذى عمد الخصى وزير كنداكة ملكة الحبشة قال له الوزير: "عن من يقول النبى هذا. عن نفسه أم عن واحد آخر؟ ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب (إشعياء) فبشره بيسوع" (أعمال الرسل 8: 26 - 35)... هذا عن آلام الفادى المخلّص.

أما عن العبارة الواردة فى مطلع هذه النبوءة: "من صدق خبرنا" فقد إستشهد بها يوحنا الإنجيلى "ومع أنه (يسوع) كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به. ليتم قول إشعياء النبى الذى قال: يا رب من صدق خبرنا ولمن إستعلنت ذراع الرب" (يوحنا 12: 37)... كما أشار بولس الرسول إلى ذلك أيضاً فى أسف على عصيان اليهود وعدم إيمانهم بالمسيح المخلص: "لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل، لأن إشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا" (رومية 10: 16).

ويتنبأ زكريا النبى عن خيانة يهوذا الاسخريوطى

وأخذه ثلاثين من الفضة من الكهنة ورؤسائهم مقابل تسليمه سيده، وما أنتهى إليه أمره فيقول: "فقلت لهم إن حسن فى أعينكم فأعطونى أجرتى وإلاَّ فامتنعوا. فوزنوا أجرتى ثلاثين من الفضة. فقال لى الرب ألقها إلى الفخارى الثمن الكريم الذى ثمنونى به. فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الخارى فى بيت الرب" (زكريا 11: 12، 13)... وهذا ما تم حرفياً يقول متى الإنجيلى: "حينئذ لما رأى يهوذا الذى أسلمه أنه قد دين، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلاً: قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً. فقالوا ماذا علينا. أنت أبصر. فطرح الفضة فى الهيكل وأنصرف. ثم مضى وخنق نفسه. فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا لا يحل أن نلقيها فى الخزانة لأنها ثمن دم. فتشاوروا وأشتروا بها حقل الفخارة مقبرة للغرباء. لهذا سُمّى ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم" (متى 27: 3 - 8).

(ز) نبوءات عن المسيح الممجد:

يقول داود النبى فى المزمور الثانى – وهو مزمور خاص بالمسيح الممجد: "لماذا إرتجت الأمم وتفكر الشعوب فى الباطل. قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه، قائلين لنقطع أغلالهما ولنطرح عنا نيرهما. الساكن فى السموات يضحك، والرب يستهزئ بهم. حينئذ يكلمهم بغضبه وبرجزه يقلقهم أما أنا فقد مسحت على صهيون جبل قدسى. أنا أخبر من جهة قضاء الرب. قال لى أنت ابنى. أنا اليوم ولدتك. إسألنى فأعطيك الأمم ميراثاً لك، وأقاصى الأرض ملكاً لك. تحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزاف تكسرهم. فالآن يا أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض. اعبدوا الرب بخوف، واهتفوا برعدة. قبلوا الابن لئلا يغضب. فتبيدوا من الطريق، لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى لجميع المتكلين عليه".

فى هذا المزمور نرى أسماء المسيح: مسيح، ابن الله، ملك الملك... ولقد تم هذا المزمور بنبوءاته فى مخلصنا... وقد أشار إلى ذلك الرسل فى صلاتهم عقب شفاء مقعد باب الهيكل الجميل: (أيها السيد أنت هو الإله الصانع السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. القائل بفم داود فتاك: لماذا إرتجت وتفكر الشعوب بالباطل. قامت ملوك الأرض واجتمع الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه. لأنه بالحقيقة إجتمع على فتاك القدوس يسوع الذى مسحته، هيرودس وبيلاطس البنطى مع أمم وشعوب إسرائيل، ليفعلوا كل ماسبقت فعينت يدك ومشورتك أن يكون "(أعمال الرسل 4: 24 - 28)...

كما يؤكد القديس بولس الرسول أن هذا المزمور نبوءة عن السيد المسيح

ففى خطابه فى المجمع اليهودى فى أنطاكية بيسيدية قال: "إن الله أكمل هذا لنا نحن أولادهم، إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً فى المزمور الثانى، أنت ابنى أنا اليوم ولدتك..." (أعمال الرسل 13: 33)... كما يقول بولس أيضاً فى العبرانيين: "لأنه لمن من الملائكة قال قط، أنت ابنى أنا اليوم ولدتك" (عبرانيين 1: 5).

ويقول داود النبى فى (مزمور 24: 7 - 10):

"إرفعوا أيها الملوك أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية ليدخل ملك المجد من هو هذا ملك المجد. الرب القدير الجبار. الرب الجبار فى الحروب"... هذا المزمور نبوءة عن قيامة الفادى. ولذا تستخدمه الكنيسة فى قداس عيد القيامة فى تمثيلية القيامة...

ويقول داود ايضاً بروح النبوة فى (مزمور 45):

"فاض قلبى بكلام صالح... أنت أبرع جمالاً من بنى البشر... تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار... الشعوب تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب الاستقامة هو قضيب مُلكك. أحببت البر وأبغضت الإثم. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك...".

ويشير بولس الرسول فى العبرانيين إلى هذه النبوءة وأنها تمت فى المسيح. فيقول: "أما عن الابن، كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب إستقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الإثم. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الإبتهاج أكثر من شركائك" (عبرانيين 1: 8، 9)... ولذا رتبت كنيستنا القبطية أن تقال بعض كلمات هذه المزمور فى أسبوع البصخة وترتل بلحن رائع مزمور pekqronoc فى الساعة الحادية عشر من يوم ثلاثاء البصخة، وفى الساعة الثانية عشر من يوم الجمعة العظيمة.

يقول داود النبى فى (مزمور 110):

"قال الرب لربى إجلس عن يمينى حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك عصا قوة يرسل لك الرب من صهيون وتسود فى وسط أعدائك. معك الرياسة فى يوم قوتك فى بهاء القديسين. أقسم الرب ولن يندم أنك أنت هو الكاهن إلى الأبد على طقس ملكى صادق. الرب عن يمينك. يحطم فى يوم رجزه ملوكاً. يضى بين الأمم ويملأهم جثثاً"... ولقد أوضح السيد المسيح أن نبوءة هذا المزمور هى خاصة به. قال للفريسيين: "ماذا تظنون فى المسيح، ابن من هو قالوا له ابن داود. قال لهم فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربى إجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإن كان داود يدعوه بالروح رباً فكيف يكون ابنه. فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة" (متى 22: 42 - 45).

وبطرس الرسول فى عظة يوم الخمسين يثبت أن نبوءة داود هذه كانت عن المسيح فيقول: "لأن داود لم يصعد إلى السموات، وهو نفسه يقول قال الرب لربى إجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (أعمال 2: 34 - 36).

وقد تنبأ زكريا النبى عن دخول السيد المسيح إلى أورشليم دخول الظافرين، وإستقبال الشعب له بسعف النخيل، والهتافات الدالة على شخصيته: "إبتهجى جداً يا ابنة صهيون. إهتفى يا بنت أورشليم. هوذا ملككِ يأتى إليكِ. هو عادل ومنصور. وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن آتان" (زكريا 9: 9)... فى الوقت الذى دخل فيه المسيح دخول الملوك الظافرين لكنه كاد وديعاً راكباً على حمار وعلى جحش... كانت هتفات الشعب اليهودى تدوى "أوصنا لابن داود. مبارك الآتى باسم الرب. أوصنا فى الأعالى مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب...". كل ذلك جعل بعض الفريسيين يضطربون فقالوا للمسيح: "يا معلم إنتهر تلاميذك" فأجاب وقال لهم: "أقول لكم أنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ" (انظر متى 21: 1 - 11؛ مرقس 11: 1 - 10؛ لوقا 19: 28 - 40؛ يوحنا 12: 12 - 15).

هذه مجرد عينات من النبوءات التى تمتلئ بها أسفار العهد القديم، والتى تنبأ بها الأنبياء القديسون عن رب المجد يسوع المسيح. وبطبيعة الحال، لا يسعفنا الوقت أن نقدم كل شئ فى مثل هذه العظة، أو نورد الرموز التى ترمز لشخصه المبارك، والتى يمتلئ بها أيضاً كتاب العهد القديم كما سبق وأشرنا...

وقبل أن ننتقل إلى الجزء الثانى من بحثنا "من يكون المسيح" نود أن نلفت النظر إلى تيار خبيث معاصر يدعى أن كل نبوات العهد القديم الخاصة بالمسيح أنما تخص شخصاً آخر غيره. وأن المسيح لم ينسب لنفسه الألوهة، وإنما بولس الرسول هو صاحب هذه الفكرة، وهو الذى بذر بذرتها، وصادفت تلك البذرة أرضاً خصبة فى عقول أولئك الذين لهم معرفة بالفلسفات والإتجاهات التى سبقت المسيحية، وساعد على نمو هذه الأفكار ما صادفه المسيحيون الأوائل من إضطهادات مدمرة... ويثير هذا التيار أيضاً الشكوك حول سفر إشعياء بالذات. ويقولون إنه سفر مشكوك فيه، واليهود لم يعتبروا قانونيته كسفر مقدس ولم يسلموه للنصارى إلاَّ سنة 90 ميلادية!!...

ورداً على ذلك نقول:

لقد أثبتنا سابقاً بما لا يدع مجالاً للشك أن نبوات العهد القديم إنما تنطبق إنطباقاً تاماً على السيد المسيح دون سواه كولادته من عذراء، وتقدمات المجوس له، وهروبه إلى مصر، ومعجزاته الخارقة وأعماله ودخوله أورشليم يوم أحد الشعانين، وآلامه وثقب يديه ورجليه، وحتى الإقتراع على ثيابه... إلخ، مما لا ينطبق على سواه بحال من الأحوال.

أما القول بان المسيح له المجد لم ينسب الألوهة إلى نفسه، بل أن هذا كان من صنع بولس، فنقول إن الإيمان بألوهة المسيح ليس من صنع المسيحيين، لكنه إعلان المسيح عن ذاته كما سيأتى فى بحثنا هذا وإذا ثبت أن الأمر هكذا كما قال المسيح، وكما يعتقد المسيحيون، فإن الأمر لا يعدو أحد إحتمالين:

إما أن يكون المسيح نبياً وانحرف عن دعوته ورسالته واغتر بذاته وأدعى لنفسه ما ليس له. وفى هذه الحالة يكون كاذباً ومضلاً وإما أن يكون صادقاً وجديراً بما نادى به... لكن كيف ينحرف المسيح عن دعوته ويتخطى حدود رسالته إن كان الله قد أنقذه لغاية معينة؟! وهل الله أساء أختياره إن كان هو مجرد نبى؟!! ومَن مِن الأنبياء القدامى الصادقين إنحرف عن حدود نبوته؟! ثم إن كان قد إدعى الألوهة وهو كاذب وماكر، فلماذا أيده الله بالعجائب والمعجزات؟!

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالقول بان تأليه المسيح من صنع بولس الرسول، وأن هذه البذرة صادفت أرضاً خصبة فى عقول أولئك الذين لهم معرفة بالفلسفات التى سبقت المسيحية، قول مردود عليه...

فالمسيحية فى بدايتها لم تعرف طريقها إلى الفلاسفة، حتى يقال إنها [صادفت أرضاً خصبة فى عقول أولئك الذين لهم معرفة بالفلسفات التى سبقت المسيحية]. كان إنتشار الدعوة إلى الإيمان المسيحى، فى بدء المسيحية، ينتشر أساساً بين الطبقات الفقيرة والكادحة، التى كانت معتبرة كماً مهملاً فى العالم – سواء فى اليهودية أو الوثنية. وكانت الكنيسة المسيحية تعنى بهؤلاء المؤمنين الجدد من الفقراء والمعدمين حتى أنها أقامت السبعة شمامسة ليخدمونهم ويقدموا لهم المعونة فى صورة وجبات طعام. ولذا فقد سميت خدمة هؤلاء الشمامسة بخدمة الموائد (انظر أعمال الرسل 6: 1 - 6)...

والمسيح نفسه حرص منذ البداية، على إختيار كل رسله وتلاميذه من المعتبرين جهلاء وأميين. وفى ذلك يقول الرسول بولس: "إختار الله جهال العالم ليخزى الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود. لكى لا يفتخر كل ذى جسد أمامه" (كورنثوس الأولى 1: 27 - 29)... ولنلاحظ كلمة "إختار" التى يكررها بولس الرسول. والإختيار دائماً يكون بين شيئين أو أكثر. ومعنى ذلك أن العلماء والفلاسفة كانوا موجودين، لكن المسيح إختار الجهلاء والفقراء والضعفاء... أما السبب فى إختيار هذه الفئات والجاهلة والضعيفة لتبشر بالمسيحية وتكرز بالإنجيل، فحتى لا يقال أن إنتشار المسيحية كان الفضل فيه لفلاسفة أو علماء لهم قوة فى الإقناع ومقدرة على الكلام. إنما يكون إنتشار الإيمان بالمسيح بقوة الله وعمله وحده. وهذا ما يعبر عنه بولس الرسول: "ليكون فضل القوة لله لا منا" (كورنثوس الثانية 4: 7).

ثم هناك نقطة أخرى تتصل ببولس الرسول. حقيقة كان بولس دارساً لعلوم عصره مقتدراً فى ذلك. لكنه فى كرازته لم يستخدم أساليب الفلسفة والحكمة العالمية. نجد هذا واضحاً فى كلامه إلى أهل كورنثوس (وكورنثوس إحدى مدن اليونان مهد الفلسفة وآبائها) يقول لهم: "وأنا لما أتيت إليكم أيها الإخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة منادياً بشهادة الله. لأنى لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلاّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً... وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع ( = الفلسفة)، بل ببرهان الروح والقوة. لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله" (كورنثوس الأولى 2: 1 - 4).

وليس أدل على أن المسيحية فى بداية تاريخها لم تعرف طريقها إلى الفلاسفة، مما حدث مع بولس الرسول نفسه فى مدينة أثينا وفى الأريوس باغوس. فحينما تقابل مع جماعة من الفلاسفة الرواقيين والابيقوريين، قالوا بعضهم لبعض: "ترى ماذا يريد هذا المهذار أن يقول". وانتهى الأمر باستهزائهم به (انظر أعمال الرسل 17: 18، 32).

على ان بولس الذى يدعى أنه هو الذى بذر بذرة ألوهة المسيح لم يؤمن بالمسيح إلاَّ بعد نحو سبع سنوات من قيام المسيحية. وكان فى مدة تلك السنوات السبع يضطهد كنيسة الله بإفراط ويتلفها. وكان يسطو على بيوت المسيحيين ليجرهم رجالاً ونساء إلى السجون، بل كان مشتركاً فى مقتل استفانوس أول شهداء المسيحية (انظر أعمال الرسل 8: 1 - 3؛ غلاطية 1: 13)...

بولس عرف المسيح بعد نحو سبع سنوات من قيام المسيحية وكان الرسل فى تلك السنوات يكرزون بالمسيح على أنه "الله الذى ظهر فى الجسد"، والقدوس الذى ليس بأحد غيره الخلاص (انظر أعمال الرسل ص2 إلى ص8). بل لقد إستشهد استفانوس أول شهيد مسيحى من أجل هذا الإيمان (انظر أعمال الرسل ص 7)...

وبولس الرسول فى رسالته إلى غلاطية يروى قصة حياته السابقة لإيمانه المسيحى، ثم قصة إيمانه المسيح، وكيف تعرف على الرسل وعرض عليهم الإنجيل الذى يكرز به بين الأمم فكانت النتيجة أنهم لم يشيروا عليه بشئ وأعطوه يمين الشركة مع برنابا – شريكة فى خدمة الأمم. أى أنهم إعتبروه شريكاً لهم فى الخدمة (انظر غلاطية ص 2: 1 - 10).

أما من جهة التشكك فى سفر إشعياء النبى الملئ بالنبوات الواضحة والصريحة عن المسيح، فنحن نشكر الله أن الإكتشافات والحفريات المعاصرة تغنينا عن الرد. فلقد عثر فى سنة 1947 على مخطوطات ثمينة جداً فى مكان قرب البحر الميت يعرف باسم "خربة قمران"، لجماعة عاشت فى القرن الأول الميلادى وما قبله. وكان ضمن هذه المخطوطات سفر إشعياء النبى كاملاً، ويرجع تاريخه إلى سنة 200 قبل الميلاد. ويعتبر أقدم نسخة لهذا السفر فى العالم. ولقد احدث إكتشاف هذا المخطوط وغيره دوياً هائلاً فى الدوائر العلمية فى العالم... فمَن يجرؤ بعد ذلك على التشكيك فى هذا السفر؟!

وننتقل الآن للإجابة عن السؤال "مَن يكون المسيح" وهو الشطر الثانى لموضوعنا ونعالج هذا السؤال من خلال أربع نقاط:

(أ) نبوات العهد القديم عن المسيح. وهذه قد تحدثنا عنها.

(ب) المسيح يتصف بجميع صفات الله.

(ﺟ) المسيح عمل جميع أعمال الله.

(د) المسيح قبل السجود والعبادة، وهما أمران ينفرد الله بهما.

[Place Image #04 here].

العليقة التى رأها موسى.

"وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق... أميل الآن لأنظر المنظر العظيم..." (خرو 3: 2 - 6).


[3] - للتواضع إذ أن المسيح أخلى نفسه أخذاً صورة عبد (فيلبى 2: 7).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

المسيح يتصف بجميع صفات الله

لماذا المسيح..ومن يكون؟

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح