هذا الفصل هو جزء من كتاب: إيماننا الأقدس – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
جدول المحتويات
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح
البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
هناك براهين كثيرة لا يرقى إليها الشك تؤيد موضوع موت المسيح. بالإضافة إلى المصادر المسيحية.
1 - المستندات التاريخية اليهودية:
† جاء فى فصل السنهدرين من كتاب التلمود: [إن يسوع الناصرى نودى أمامه أربعين يوماً بأنه سيقتل. لأنه ساحر وأراد أن يخدع بنى إسرائيل ويضلهم. وأنه إذا كان لدى أحد حجة للدفاع عنه. فليتقدم بها إلى السنهدرين.
ولما لم يتقدم أحد إليه صُلب فى مساء الفصح].
طبعاً نحن لا يهمنا ماذا يقول اليهود عنه... فطبيعى أن يقولوا عنه إنه ساحر ومضل. لكن ما يهمنا أنهم ذكروا أنه صُلب.
يوسيفوس المؤرخ اليهودى:
فى كتابه العاديات ( = الآثار) كتاب 18: 3) يقول: [كان نحو ذلك الوقت رجل حكيم يدعى يسوع – إن جاز تسميته إنساناً – لأنه قام بأعمال مدهشة... جذب إليه عدداً كبيراً من اليهود والأمم.
. وحكم عليه بيلاطس البنطى بالصلب بناء على إلحاح رؤساء شعبنا.
أما الذين أحبوا المسيح فلم يتركوه. وها هم باقون إلى الآن يدعون مسيحيين نسبة إليه]...
وقد أشار إلى هذه الشهادة الأستاذ عباس محمود العقاد فى كتابه "عبقرية المسيح".
على أن ما دونه يوسيفوس فى تاريخ أمته اليهودية فى الفترة التى عاشها المسيح بالجسد، إنما تتفق تماماً من حيث أسماء الأشخاص والأحداث مع ما جاء بالإنجيل المقدس.
2 - المستندات التاريخية الوثنية:
تاسيتوس[5] Tacitus:
فى كلامه عن حريق روما سنة 64م، وعن الوسائل التى لجأ إليها نيرون فى إبعاد الشبهة عن نفسه فى حريق روما يقول إن نيرون لكى ينجح فى إخماد هذه الشائعة، حبس فى قصره أولئك الناس المكروهين لدى العامة لجرائمهم السرية كمجرمين، وعاقبهم بجميع ضروب العذابات الوحشية... ثم يقول: [أما اولئك الناس فكانوا يلقبون أنفسهم بالمسيحيين نسبة إلى شخص اسمه المسيح، كان قد حكم عليه الوالى بيلاطس البنطى بالقتل فى عهد طيباريوس قيصر].
لوسيان (لوكيان) الساموساطى[6]:
فى كتابه المسمى موت بيريجرينوس Peeregrinus [إن المسيحيين لا يزالون يعبدون ذلك الرجل العظيم الذى صُلب فى فلسطين لأنه أدخل إلى العالم هذه الديانة الجديدة... وإن هؤلاء المفتونين قد اقنعوا نفوسهم بأنهم لن يموتوا بل يخلدوا إلى الأبد. ولهذا السبب تراهم يستخفون بالموت. وكثيرون منهم يسلمون طواعية وإختياراً. وكذلك فإن مشرّعهم الأول قد علمهم بأنهم جميعاً إخوة الواحد للآخر، طالما ينبذون آلهة اليونان.
ويعبدون ذلك الصوفى المصلوب ويعيشون حسب شريعته].
كلسوس Celsus الفيلسوف الأبيقورى:
كتب كتاباً أسماه "البحث عن الحقيقة" أو "البحث الحقيقى". حوالى سنة 170م. هاجم فيه المسيحية هجوماً بشعاً فكان ينظر إلى المسيحية على أنها خرافة دنيئة.
ويشير باستهزاء إلى آلام المسيح وقولهك "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس" – ويشير إلى الذين صلبوه بقوله: [أولئك الذين صلبوه إلهكم].
ويهاجم الاعتقاد المسيحى القائل بأن المسيحى احتمل هذه الآلام لأجل خير البشرية. ويحاول أن يهزأ من القول بقيامة المسيح. ويهزأ أيضاً من قول المسيحيين عن المسيح: "صلب العالم لى وأنا للعالم"... وقد كتب العلامة القبطى الاسكندرى أوريجينوس مؤلفاً ضخماً فند فيه كل إدعاءات كلسوس الكاذبة وافتراءاته على المسيحية.
3 - الأدلة المسيحية:
وهى عديدة وتتضمن ما جاء بأسفر العهد القديم، ثم أسفار العهد الجديد، وممارسات المسيحيين منذ نشأة المسيحية، والمخلفات الآثرية.
(أ) العهد القديم:
فيما يختص بالعهد القديم، ماذا نقول عما جاء بأسفاره عن موت المسيح الكفارى وآلامه؟ يكاد لا يخلو سفر من أسفار العهد القديم من الإشارة إلى المسيح من زاوية معينة من زوايا حياته بالجسد على الأرض... وأنا لا أود أن أثقل عليكم بإيراد نصوص الآيات. ولا حتى مجرد مواضعها. لكى أشير على وجه الخصوص إلى أسفار المزامير وإشعياء وزكريا ودانيال وميخا التى إمتلأت بالنبوات الواضحة والصريحة عن الفترة الأخيرة من حياة المسيح بالجسد على الأرض، والتى إختتمها بآلامه وصلبه ثم قيامته... هذا بالاضافة إلى الرموز التى إمتلأت بها هذه الأسفار، سواء الأشخاص الذين كانوا رمزاً للمسيح. أو الذبائح، او الهيكل بكل ما فيه...
وبالجملة، نقول إن إنكار عقيدة صلب المسيح وموته إن هو إلاّ إنكار للديانة اليهودية بأكملها التى قامت على الذبائح – وهذه كانت ترمز إلى شخص المسيح من بعض الجوانب. لقد كان الصلب علامة لعنة وعار (تثنية 21: 22، 23)... اللعنة التى كان البشر يستحقونها.
(ب) أسفار العهد الجديد:
قلنا فى بداية موضوعنا إن الصليب هو المحور الذى يدور حوله كل فكر العهد الجديد، وفيه يرتكز كل غنى الإنجيل ومجده... إنه رمز المسيحية ومجدها. فلا غرابة إن إمتلأت الكتب المقدسة التى للعهد الجديد بالكلام عن موت المسيح. من أجل هذا يقول القديس بولس الرسول إلى المؤمنين فى كرونثوس.
: "فإننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفن وأنه قام فى اليوم الثالث حسب الكتب"
(كورنثوس الأول 15: 3، 4)... يقول: فإننى سلمت إليكم فى الأول ما قبلته ".. هذا الذى قبله بولس سواء من المسيح شخصياً أو من الكنيسة قد سلمه للمؤمنين... ويقول:" فى الأول "وهذا بديل على أن هذا هو لب كرازة بولس الرسول كما يدل على أن الكنيسة اعتقدت أن الأمر هو الحق الأول والأساسى فى الإيمان المسيحى. ومعنى عبارة" فى الأول "باللغة اليونانية (قبل كل شئ).
وموضوع صلب المسيح هو إنجيل بولس الذى كرز به... يقول "لأنى لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلاَّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً" (كورنثوس الأول 2: 3)... هكذا إعتقدت كنيسة العهد الجديد بأن العقيدة الأولى فى المسيحية هو موت المسيح من أجل خطايانا... وكما كان المذبح والذبيحة هما حجر الزاوية فى عبادة العهد القديم، كذلك الصليب والكفارة هما حجر زاوية الإيمان فى العهد الجديد...
من أجل هذا فإن كل أسفار العهد الجديد تتناول قصة الصليب بإستثناء ثلاث رسائل قصيرة هى الرسالة إلى فليمون ورسالتا يوحنا الثانية والثالثة... كل من إنجيل متى ومرقس ولوقا يتناول أحداث الصلب فى اصحاحين طويلين. أما يوحنا فإنه يخصص نصف إنجيله تقريباً لوصف الأسبوع الأخير من حياة المسيح بالجسد، وهو أسبوع الآلام... وقصة تبشير الرسل بالمسيحية والمدونة فى سفر الأعمال إنما ترتكز على موت الرب وقيامته. هكذا نقرأ عن المسيح أنه: أراهم ( = التلاميذ) أيضاً نفسه حياً ببراهين كثيرة بعدما تألم "(أعمال الرسل 1: 3).
وفى عظة القديس بطرس يوم الخمسين
– يوم تأسيس الكنيسة المسيحية – نراه يوجه كلامه لليهود فيقول: "هذا (المسيح) أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدى أثمة صلبتموه وقتلتموه. فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (أعمال الرسل 2: 23، 36)...
وبعد معجزة شفاء المقعد الذى كان يجلس عند باب الهيكل الجميل يقول بطرس الرسول لليهود: "أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل ورئيس الحياة قتلتموه، الذى أقامه الله من بين الأموات، ونحن شهود لذلك" (أعمال الرسل 3: 14، 15). ويربط بطرس هذا بما تنبأ به الأنبياء قديماً عن آلام المسيح "وأما الله فما سبق وأنبأ به بأفواه جميع أنبيائه أن يتألم (أعمال الرسل 3: 18).
وفى غد المعجزة
أحضر رؤساء الكهنة وشيوخ اليهود وكتبتهم بطرس ويوحنا من الحبس وأوقفوها أمامهم. ولما سئلوا بأية قوة وبأى اسم صنعاً تلك المعجزة، إمتلأ بطرس من الروح القدس وقال لهم: "ليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل أنه باسم يسوع المسيح الناصرى الذى صلبتموه أنتم، الذى أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً. هذا هو الحجر الذى إحتقرتموه أيها البناؤون الذى صار رأس الزاوية. وليس بأحد غيره الخلاص لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص" (أعمال الرسل 4: 5 - 12).
ومرة أخرى يقبض على السل ويوضعوا فى حبس العامة،
لكن ملاك الرب فى الليل يفتح ابواب السجن ويخرجهم ويقول لهم: "إذهبوا قفوا وكلموا الشعب فى الهيكل، بجميع كلام هذه الحياة". لكنهم فيما كانوا يعلمون الشعب فى الهيكل، أقبل عليهم قائد جند الهيكل والخدام وأحضروهم وأوقفوهم أمام مجمع السنهدرين (مجلس اليهود الأعلى). وحينئذ قال لهم رئيس الكهنة: "أما أوصيتكم وصية ألاّ تعلّموا بهذا الاسم وها أنتم قد ملأتم أورشليم بتعليمكم وتريدون أن تجلبوا علينا دم هذا الإنسان"... أجاب بطرس والرسل: "ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس. إله آبائنا أقام يسوع الذى أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة. هذا رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً ليعطى إسرائيل التوبة وغفران الخطايا. ونحن شهود له بهذه الأمور" (أعمال الرسل 5: 17 - 32).
واستفانوس أول شهداء المسيحية
فيما كان يحاكم أمام مجمع اليبرتينيين يقول لهم: "يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان. أنتم دائماً تقاومون الروح القدس كما كان آباؤكم كذلك أنتم. أى الأنبياء لم يضطهده آباؤكم. وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجئ البار، الذى أنتم صرتم مسلّميه وقاتليه" (أعمال الرسل 7: 51، 52). وكانت هذه العبارة الأخيرة هى السبب فى إنقضاضهم عليه ورجمه حتى مات...
وفيلبس المبشر فى تبشيره للوزير الحبشى الخصى وزير كنداكة ملكة الحبشة، إستند إلى الفصل الذى كان يقرأه الوزير وهو جالس فى المركبة وهو من (إشعياء 53). هذا الفصل الذى يتحدث فيه إشعياء بكل وضوح عن آلام الفادى وموته...
وبطرس الرسول فى تبشيره لكرنيليوس قائد المائة يقول له: "يسوع الذى من الناصرة... الذى أيضاً قتلوه معلّقين إياه على خشبة هذا أقامه الله فى اليوم الثالث" (أعمال الرسل 10: 38، 39)...
وهكذا فعل بولس الرسول فى حديثه الكرازى فى مجمع اليهود فى أنطاكية بيسيدية... يقول لهم عن يهود أورشليم: "وأقوال الأنبياء التى تقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه. ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت، طلبوا من بيلاطس أن يُقتل. ولما تمموا كل ما كُتب عنه أنزلوه عن الخشبة، ووضعوه فى قبر. ولكن الله أقامه من الأموات" (أعمال الرسل 13: 21 - 30).
وبولس الرسول فى أثناء محاكمته فى قيصرية
وهو مسجون، أمام الملك اليهودى أغريباس والوالى الرومانى فستوس، بعد أن روى قصة إيمانه يقول: "وأنا لا أقول شيئاً غير ما تكلم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون. ان يؤلم المسيح يكن هو أول قيامة الأموات" وبينما كان بولس يحتج بهذا قال له فستس الوالى الرومانى: "أنت تهذى يا بولس الكتب الكثيرة تحولك إلى الهذيان. فقال لست أهذى أيها العزيز فستس، بل أنطق بكلمات الصدق والصحو. لأنه من جهة هذه الأمور عالم الملك الذى أكلمه جهاراً، إذ أنا لست أصدق أن يخفى عليه شئ من ذلك. لأن هذا لم يفعل فى زاوية" (أعمال الرسل 26: 22 - 26). وما أكثر ما دونه بولس الرسول فى رسائله عن موت المسيح... لكن نقتطف القليل:
بولس الرسول فى فاتحة رسالته إلى الغلاطيين – يشير إلى آلام المسيح الذى "بذلك نفسه لأجل خطايانا"... ثم يقول لهم: "أيها الغلاطيون الأغبياء من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق. أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوباً" (علاطية 1: 4؛ 3: 1)... وفى رسالته إلى كولوسى يقول عن المسيح: "مدفونين معه فى المعمودية... إذ كنتم أمواتاً فى الخطايا... إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسى 2: 12 - 14)... وفى رسالته إلى رومية يقول عن الآب: "الذى لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين" (رومية 8: 32)... وفى السالة إلى العبرانيين يتحدث بولس عن المسيح كرئيس كهنة وهو فى الوقت ذاته الذبيحة يقول: "ليس بدم تيوس وعجول، بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً". كما يقول عنه إنه أبطل الخطية بذبيحة نفسه (عبرانيين 9: 12، 26).
والقديس بطرس الرسول الذى يقول عن ذاته: "لأننا لم نتبع خرافات مصنعة" (بطرس الثانية 1: 16)... يقول عن المسيح: "الذى حمل هو نفسه خطايانا فى جسده على الخشبة... الذى بجلداته شفيتم" (بطرس الأولى 2: 24).
أما القديس يوحنا الرسول فيقول: "يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً" (يوحنا الأولى 2: 1، 2)... ويذكره فى سفر الرؤيا – كما رآه، كالخروف المذبوح "الذى أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه" (رؤيا 1: 5).
(ﺟ) الممارسات المسيحية:
نستطيع أن نلمس صليب المسيح وموته، من الممارسات المسيحية التى إستخدمها المؤمنون منذ فجر المسيحية... ولا غرابة فى ذلك، فالحياة المسيحية كلها قائمة بالصليب وفى الصليب... وأسرار الكنيسة المقدسة التى بها ينال المؤمن نعماً غير منظورة، تستمد فعاليتها من الصليب، وبركات فداء المسيح المخلص الذى مات على الصليب نشير إلى بعض أمثلة:
† سر العماد المقدس:
ليس أحد يدعى مسيحياً إلاَّ إذا إعتمد على اسم المسيح... والمعمودية هى مثال لموت المسيح ودفنه وقيامته، حسبما يقول الرسول بولس: "أم تجهلون أننا كل من إعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية، كى لا نعود نستعبد أيضاً للخطية... فإن كنا قد متنا مع المسيح، نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه" (رومية 6: 3 - 8).
ولا شك أن جميع المسيحيين منذ أن قامت المسيحية إعتمدوا على اسم المسيح إتماماً لوصيته الأخيرة لرسله: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (متى 28: 19)... وهذا ما حدث فى يوم الخمسين – يوم تأسست الكنيسة المسيحية. فحينما سأل المجتمعون الرسل – بعد أن نخسوا فى قلوبهم نتيجة عظة بطرس الرسول: "ماذا نصنع أيها الرجال الإخوة" كان جواب الرسل على سؤالهم هذا: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس"... وقد تم ذلك بالفعل، إذا "إعتمدوا وانضم فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس" (أعمال الرسل 2: 37 - 41).
† سر الافخارستيا:
ويذكر فى أسفار العهد الجديد باسم "كسر الخبز"... هذا السر واظبت عليه الكنيسة منذ تأسيسها...
يذكره بولس الرسول على أنه "شركة جسد المسيح وشركة دمه"
. "اقول كما للحكماء، إحكموا انتم فى ما أقول: كأس البركة التى نباركها أليست هى شركة دم المسيح. الخبز الذى نكسره أليس هو شركة جسد المسيح" (كورنثوس الأولى 10: 15، 16).
† علامة الصليب:
وهو شعار المسيحيين منذ بدء المسيحية، على نحو ما أن النجم هو شعار اليهود، والهلال هو شعار المسلمين... وهذا واضح من كتابات المسيحيين الأوائل، ومن الآثار المسيحية التى ترجع إلى القرن الأول الميلادى.
† يوم الأحد:
منذ بدء المسيحية، إحتفل المسيحيون بيوم الأحد بعد أن حل محل السبت اليهودى.
وهذا واضح من الأسفار المقدسة... وكانوا يسمونه يوم الرب، أو اليوم الأول من الأسبوع. ويرتبط يوم الأحد بقيامة المسيح من بين الأموات، ولذا دعى "يوم الرب". وهو يوم فرح وبهجة... وإذا كان هذا اليوم هو تذكار دائم لقيامة المسيح من بين الأموات، فمعنى ذلك أن المسيح مات فعلاً. لأن ليست قيامة إلا ويكون قد سبقها موت... والمسيح مات ثم قام ناقضاً أوجاع الموت.
† السمكة:
إتخذ المسيحيون رسم السمكة شعاراص لهم منذ فجر المسيحية.
أما السبب فى ذلك، فكما يقول العلامة ترتليانوس فى كتابه "عن المعمودية" من القرن الثانى الميلادى، أن كلمة ixqύc (IKHTHUS) التى تعنى سمكة باللغة اليونانية، هى عبارة عن أوائل الحروف من الكلمات اليونانية التى تعنى [يسوع المسيح ابن الله مخلصنا]... ولا شك أن الخلاص تم بالصليب وموت المسيح الكفارى فوقه...
† صوم يومى الأربعاء والجمعة:
وهذا الصوم من أقدم أصوام المسيحية، وقد مارسته كنيسة الرسل،
وحلا محل يومى الاثنين والخميس واللذين كان يصومهما اليهود الأتقياء[7]... ويوم الأربعاء تذكار خيانة يهوذا بعد اتفاقه مع رؤساء الكهنة على أن يسلّم لهم المسيح. ويوم الجمعة تذكارا صلب المسيح وموته... أضف إلى هذا أن المسيحيين منذ وقت مبكر إحتفلوا بصوم أسبوع الآلام، وهو الأسبوع الأخير من حياة السيد المسيح بالجسد على الأرض... وضمن هذا الأسبوع يوم الجمعة العظيمة، الذى فيه صُلب مخلصاً.
(د) الأدلة الأثرية:
لعل أقدم الآثار المسيحية التى تشير إلى صلب المسيح، وموته وقيامته وكثير مما يتعلق بشخصه، نجدها فى سراديب روما التى لازالت باقية حتى اليوم تشهد بصحة وصدق ما نقول... هذه السراديب استخدمها المسيحيون منذ القرن الأول المسيحى، أماكن لاختفائهم من وجه مضطهديهم، وأماكن لتأدية شعائرهم الدينية...
كان الصليب مكروهاً قبل المسيحية لأنه كان آلة تعذيب وإعدام للمجرمين والأشرار... ولكن المسيحيين منذ فجر المسيحية كرموا الصليب وقدسوه. لأن المسيح قبل الآلام والموت على خشبة الصليب... وهكذا صار الصليب رمز الفداء والنصرة والحب والبذل، والقوة التى قهرت الموت وسحقته... ومن أجل هذا الإيمان، استخدم المسيحيون الصليب فى عبادتهم، وفى حياتهم الخاصة والعامة، وفى طقوس العبادة بكل صورها...
وليس هذا فحسب، بل انهم نقشوا علامة الصليب على أماكن عبادتهم ومنازلهم ومقابرهم... وقد عثر علماء الآثار بالاسكندرية فى سنة 1969، على مقابر منقوش عليها صلبان يرجع تاريخها إلى القرنين الأول والثانى والميلاديين[8].
أضف إلى هذا أن المسيحيين – منذ البداية –.
كانوا يقابلون بالهذء والاضطهاد من أجل إعتقادهم فى صلب المسيح...
لكنهم على الرغم من ذلك، لم يتحولوا عن معتقدهم هذا، ولا عن تكريم الصليب، ولو قيد شعرة!! ناهيك عن المعترفين والشهداء المسيحيين، الذين لا يُحصى عددهم منذ عهد الرسل، والذين قابلوا الموت بفرح من أجل إيمانهم بموت المسيح المخلص على الصليب... ومن غير المعقول أن يتحمل إنسان الهزء والاضطهاد، فضلاً عن التعذيب حتى الموت من أجل خرافة، أو أمر لا نصيب له من الصحة... وصدق بطرس الرسول حينما قال: "لأننا لم نتبع خرافات مصنعة" (بطرس الثانية 1: 16).
أخيراً أيها الإخوة...
بعد أن إستعرضنا قضية الصليب من الناحية الإيمانية العقيدية، لابد وأن نقول كلمة روحية كختام لهذا الموضوع...
إن صليب المسيح إنما هو نور الله الذى يعلن ويكشف محبته للبشر... هكذا كانت الحية النحاسية التى رفعها موسى النبى فى البرية – بأمر الله نفسه – رمزاً للصليب ولمَنْ رُفع عليه... هكذا يقول رب المجد يسوع المسيح: "وكما رفع موسى الحية فى البرية، هكذا ينبغى أن يُرفع ابن الإنسان، لكى لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذلك ابنه الوحيد. لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 3: 14 - 16)... وبعد أن قام المسيح من بين الأموات ظهر لتلاميذه "وأراهم يديه وجنبه". وفيها أثر المسامير وطعنة الحربة... ففرح التلاميذ حينما رأوا أثر جروح الرب القائم من بين الأموات...
إن هذه الجروح – التى هى دليل موت الرب المحيى – هى موضوع فرح المؤمنين... منها يأخذون من ينبوع الدم الذكى لتطهير خطاياهم... فهل لك هذا الإختبار، حتى تهتف مع الرسول العظيم بولس هتاف النصرة: "أما من جهتى فحاشا لى أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح، الذى به قد صلب العالم لى وأنا للعالم" (غلاطية 6: 14).
[Place Image #06 here].
"... فأخذ يوسف الجسد ولفه بكتان نقى...".
(مت 27: 59؛ مر 15: 42 - 46؛ لو 23: 25 - 53؛ يو 19: 31 - 38).
[5] - عاش فى القرن الأول الميلادى وكتب تاريخاً للإمبراطورية الرومانيةمن موت أغسطس سنة 14م إلى موت نيرون سنة 68م فى ستة عشر مجلداً.
[6] - ولد حوالى سنة 100م، وهو من أشهر الفلاسفة أعداء المسيحية.
[7] - فى مثل الفريسى والعشار يصلى الفريسى قائلاً: "اللهم أنا أشكرك أنى لست مثل باقى الناس... أصوم مرتين فى الأسبوع" (لوقا 18: 12).
[8] - نشر هذا الخبر بجريدة الأهرام فى العدد الصادر فى 25 سبتمبر سنة 1969.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- المسيح فى نظر المفكرين والفلاسفة غير المسيحيّين عبَر الأجيَال
- لماذا المسيح..ومن يكون؟
- حقيقة لاهوت المسيح كما عبر هو عنها بنفسه
- المسيح يتصف بجميع صفات الله
- المسيح يعمل جميع أعمال الله
- المسيحية ديانة التوحيد
- حقيقة التثليث
- فما هو الأقنوم؟
- عثرة الصّليب
- موت المسيح الفادى
- الإسلام وموت المسيح
- البراهين الدالة على موت المسيح على الصليب
- المسيحية صانعة القديسين
- الكنيسة وأبواب الجحيم
- طبيعة الكنيسة لما أسسها المسيح