موت المسيح الفادى

موت المسيح الفادى

تكلمان عن الحاجة إلى فدية، وعن الشروط الواجب توافرها فى الفادى الوسيط. ورأينا أن هذه الشروط لا تتوفر إلاَّ فى شخص المسيح الفادى.

فهل حقاً مات المسيح، ومات على الصليب...؟

معلوم أن الإسلام ينكر موت المسيح، لكن ليس هو أول من نادى بعدم موت المسيح ولكن سبقه إلى ذلك الغنوسيون Gnostics.

† فمَنْ هم الغنوسيون؟

الغنوسية كلمة يونانية تعنى معرفة يمكن أن نسميهم العارفين أو الأدريين فى كلمات بسيطة يمكن القول أن الغنوسية هى بمثابة ملتقى كبير التقت فيه عناصر مختلفة: يهودية ومسيحية ويونانية وشرقية وثيوصوفية...

والغنوسية تنادى المعرفةjjwsic بدلاً من الإيمان... ولها مذهب خاص فيما يتصل بالله والخلق وأصل الشر والخلاص...

وكانت هناك غنوسية يهودية قبل المسيحية... وإن كانت الغنوسية المسيحية لها أصولها الوثنية واليهودية – وواضح بها العناصر الصوفية الشرقية والتأثيرات الهيلينية – لكن.

ومع ذلك فيمكن إعتبارها هرطقة (بدعة) مسيحية من حيث أنهم إستعاروا بعض ألفاظ مسيحية...

وقد كانت الغنوسية تشكل خطراً كبيراً فى القرن الثانى الميلادى...

وليست الغنوسية مذهباً واحداً، بل مذاهب متعددة...

منها مذهب كيرنثوس ومذهب مرقيون، ومذهب عبدة الحياة، ومذهب باسيليدس، ومذهب فالنتينوس... ومن أهم مبادئ الغنوسية، القول بثنائية بين الله والمادة. وقال الغنوسيون إن هناك هوة بين الله والمادة، ملأوها بسلسة من الكائنات المتوسطة التى يحتل المسيح مكاناً بينها... ويصر الغنوسيون على أن الغنوسية أى المعرفة – وليس الإيمان – هى سبيل الخلاص... وقالوا إن هذه المعرفة لا تكون بالبحث والدراسة بل بالإشراق... والإشراق هو الإتجاه إلى الله بكل ما فى النفس من قوى التخيل والتصور. وهذه المعرفة ترجع فى أصلها إلى وحى أنزله الله منذ البدء على أصفيائه. ثم تناقهل أتباعهم واحد عن الآخر سراً...

وفى تعليلهم لوجود العالم وإنتشار الشرفية، تعددت آراء فرقهم. فقال البعض أن هناك ثلاثة أصول: الأول طاهر وهو الله، والثانى شرير وهو الشيطان، وثالث سموه الديمورج أو صانع العالم... وفريق منهم قال عن هؤلاء الأصول أنهم: إله الخير وإله الشر وإله اليهود... وهناك إجماع فيما بين مذاهبهم على أن الروح البشرية خلقها إله الخير، أما الجسد فخلقه إما الديمورج أو إله الشر. فقد نظروا إلى الجسد على أنه شر... ومن الغنوسيين الذين ذكروا فى العهد الجديد سيمون الساحر (أعمال الرسل 8).

ويجدر بنا أن نعرف أنه مما جعل الغنوسية خطراً، أنها ظهرت فى وقت كانت فيه المدارس الفلسفية والديانات السرية، تسعى إلى تزويد الناس بحاجاتهم الروحية.

أعجب الغنوسيون بشخص المسيح، واعتقدوا بلاهوته لإعجابهم بقداسته وكماله. لكنهم من الناحية الأخرى إعتقدوا أن الجسد الذى ظهر به فى العالم لم يكن جسداً حقيقياً مثل أجسادنا، بل كان مجرد صورة أو هيئة... ويرجع إعتقادهم هذا إلى إعتبارهم المادة والجسد المادى شراً. وهم – بحسب فكرهم – ينزهون المسيح عن الشر!! وهم فى سبيل تثبيت رأيهم هذا إبتدعوا قصصاً مختلفة، منها:

† ما قاله اتباع باسيليدس

(فى القرن الثانى م) من أن سمعان القيروانى الذى حمل صليب المسيح بعض الوقت رضى أن يُصلب عوضاً عنه. لذلك جعل الله هيئته مثل هيئة المسيح، وصُلِب عوضاً عنه!!

† ما قاله الدوكيتيون أو الدوسيتيون

Docetices ( = ومعنى هذه التسمية المشبهون) من أن المسيح لم يُصلب إنما تراءى للناس أنهم صلبوه (أى شبه لهم)... واسمهم مشتق من فعل يونانى معناه يظهر أو يتراءى!!

† ما قاله أتباع كيرنثوس (فى القرن الثالث م) من أن المسيح هو الله غير المنظور، وقد إتحد بشخص يدعى يسوع عند المعمودية، ثم تركه عندما قبض اليهود عليه. لذا فالذى صُلب هو الإنسان يسوع، وليس المسيح... وبعبارة أخرى يعتقدون أن الجسد الذى كان فيه المسيح هو الذى صُلب أما المسيح باعتباره الله، فقد صعد إلى السماء قبل الصلب.

مما تقدم يظهر لنا أن الغنوسيين لم يؤسسوا عقيدتهم فى موضوع صلب المسيح على أدلة تاريخية بل على آرائهم الخاصة عن الجسد، وأنه شر، باعتباره مادة!!

على أن هذه الآراء من السهل دحضها وإثبات خطئها على ضوء العقل وسيرة المسيح وكمالها وقداسته وسموه.

فالله لا يمكن أن يتخلى عن إنسان يحيا حسب طاعته ويصنع مرضاته لأن هذا يتنافى مع صفاته... فكيف يكون المسيح قد تخلى عن الإنسان يسوع ليصلبه اليهود. من الناحية الإنسانية هذه ليست شهامة.

لا يمكن أن نصدق أن الله غيّر هيئة سمعان القيروانى ليظهر فى صورة المسيح، ويُصلب عوضاً عنه. فما ذنب هذا الرجل، وكيف يكون الله غير عادل؟ 1 هذا فضلاً عن أن الغاية من مجئ المسيح هى الفداء. وهل تتوافر فى شخص سمعان القيروانى شروط الفادى؟!

كان يمكن لله أن يلجأ إلى وسيلة أخرى لينجى المسيح إذا أراد أن ينجيه. كأن يضرب اليهود الذين أتوا للقبض عليه بالعمى أو أى شئ آخر على نحو ما فعل الملاكان مع بعض أهل سدوم الذين تجمعوا حول بيت لوط وفيه الملاكان (تكوين 19: 11)...

وكانت هناك أيضاً وسائل أخرى يمكن إستخدامها...

قال السيد المسيح لبطرس عندما ضرب أذن عبد رئيس الكهنة بسيفه وقطعها: "أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى، فيقدم لى أكثر من إثنى عشر جيشاً من الملائكة. فكيف تكمل الكتب إنه هكذا ينبغى أن يكون" (متى 26: 53، 54).

الأسلوب الذى إتبعه الله

– حسب زعم الغنوسيين – هو أسلوب يظهر الله بمظهر الضعف ولا يستفيد منه اليهود، من جهة كون المسيح أتى لخلاصهم... ثم كيف يلجأ الله إلى أسلوب الغش والخداع...؟! فحينما يخلع شكل المسيح وصورته على إنسان آخر كسمعان القيروانى ألاّ يعتبر هذا غشاً وخداعاً؟!

على أن الإنسان الذى صُلب،

أظهر وهو معلق على الصليب سمواً عجيباً، حتى أنه طلب عن صالبيه "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23: 34)... وقال للص اليمين الذى إعترف بربوبيته – وسأله ان يذكره فى ملكوته، بعد أن رأى مظاهر الطبيعة الغاضبة: "الحق أقول لك إنك اليوم تكون معى فى الفردوس" (لوقا 23: 43)...

وقال وهو معلق على الصليب للعذراء مريم: "يا امرأة هوذا ابنكِ" وقال ليوحنا: "هوذا أمك" (يوحنا 19: 26، 27).

فهل يعقل أن هذه التصرفات تصدر عن شخص آخر غير المسيح؟!

ثم أن صاحب الصلب ظلمة غطت الأرض، كما إنشق حجاب الهيكلن وقام كثير من الراقدين من قبورهم ودخلوا أورشليم، ورآهم كثيرون. فهل يمكن أن يكون المصلوب هو سمعان القيروانى؟!... على ان هذا الشخص الذى صُلب، قام من بين الأموات فى اليوم الثالث، ورآه كثيرون وثبتت قيامته، فهل كان هو الآخر سمعان القروانى؟!!

على أنه وإن كان الغنوسيون

قد جاهروا بقبولهم لعقيدة لاهوت المسيح إلى حدٍ ما، لكننا نرفض آراءهم رفضاً باتاً، ليس لأنهم أنكروا مجئ المسيح فى جسد مادى، وموته مصلوباً بواسطة اليهود، بل لأنهم إنحرفوا كثيراً عن العقيدة المسيحية من جهة وحدانية الله، وقيامه بخلق العالم من العدم بمفرده، ووجود علاقة مباشرة له مع كائنات وسط أخرى بينه وبين العالم المادى. كما ذهبوا فى الغرض من مجئ المسيح مذاهب شتى تتعارض فى جملتها مع الكتاب المقدس، الذى يُعلن صراحة أن المسيح جاء إلى العالم لكى يبذل نفسه، ولكى لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية (يوحنا 3: 16).

وقد أشار القديس يوحنا الرسول فى رسائله إلى هؤلاء الغنوسيين بقوله: "لا تصدقوا كل روح، بل إمتحنوا الأرواح هل هى من الله. لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. بهذا تعرفون روح الله كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فهو من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح انه قد جاء فى الجسد فليس من الله. وهذا هو روح ضد المسيح، الذى سمعتم أنه يأتى والآن هو فى العالم" (يوحنا الأولى 4ك 1 - 3)... "من هو الكذاب إلاّ الذى ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو ضد المسيح، الذى ينكر الآب والابن. كل مَن ينكر الابن ليس له الآب أيضاً. ومَن يعترف بالابن فله الآب أيضاً" (يوحنا الأولى 2: 22، 23).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الإسلام وموت المسيح

عثرة الصّليب

سلسلة لاهوت السيد المسح
سلسلة لاهوت السيد المسح