لماذا دعاها “المدينة” (رؤ 21: 2)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دعاها "المدينة" (رؤ 21: 2)؟

"أنا يوحنا رأيت المدينة المقدسة أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيأة كعروس مزينة لرجلها" (رؤ 21: 2). رأى يوحنا الرسول ما أعده الله لنا أو رآنا بروح النبوة ونحن فى المجد، وإذ عاد ليخبرنا بما رأى لم تسعفه اللغة البشرية، إذ يعلم مدى اشتياقنا للمعرفة، وفى نفس الوقت يريد الروح القدس أن نعرف، لهذا سجل لنا ما رآه خلال رموز بسيطة، فقال إنه رأى "المدينة". إنه كطفل بالكاد يعرف اللغة، لم يرّ طائرات من قبل، دخل مطاراً ضخماً فرأى مئات الطائرات، فعاد ليقول "رأيت حماماً كبيراً على الأرض". هكذا يقول الرسول عن الأبدية إنها "المدينة". هى فى حقيقتها مسكن الله مع الناس، لهذا سماها "المدينة".

وإذ أدرك أحضان قدوس القديسين المفتوحة للقاء قديسيه، دعا ذلك اللقاء "المدينة المقدسة". إنها امتداد للكنيسة المقدسة التى جاهدت على الأرض، إذ حالّ فيها القدوس.

وحينما أراد أن يعطيها اسماً دعاها "أورشليم الجديدة"، أى مدينة الله الجديدة، وتبقى جديدة، لأن ما هو أخروى جديد، ويبقى جديداً لا يصيبه القِدَم، لأنه لا يوجد زمن يجعلها تشيخ، ولا عوامل فناء ولا فيها ما يفقدها جمالها وضياءها المتقد بنور الرب.

أما سرّ قداستها وجدتها فهو أنها "نازلة من السماء من عند الله". ومع أنها هى السماوات بعينها لكنها "نازلة من السماء" كالأم الحنون التى تفتح أحضانها وتركض لتحتضن طفلتها التى طالما اشتاقت إليها. هكذا تتوق الأبدية إلينا لأننا لسنا غرباء عنها بل أعضاء فيها. بنزولها من السماء من عند الله، تقدم لنا رجاء فى أننا أبناء لها وأعضاء أحياء فيها، فلا يراودنا اليأس بحجة ضعفنا أننا لا نصلح لها.

فى نزولها من عند الله تعلن حب الله للبشر واشتياقه إلى اللقاء معهم، فهو دائماً المبادر بالحب. وهو الذى يهتم بهم، إذ "أن الله لا يستحى أن يُدعى إلههم، لأنه أعد لهم مدينة" (عب 11: 16). وقد لمس إبراهيم أب الآباء فى الأبدية عمل الله تجاهه، فقيل عنه أنه كان "ينتظر المدينة التى لها الأساسات التى صانعها وبارئها الله" (عب 11: 10).

وأخيراً إذ رأى الرسول أن كل ما فى المدينة يتلألأ جمالاً لم يعرف بماذا يصفها فقال: "مهيأة كعروس مزينة لرجُلها". إنها عروس واحدة مزينة بزينة عريسها التى أهداها لها.

لقد سبق فنزل كلمة الله إلينا متجسداً كى يحمل خطايانا على الصليب، ويبررنا أمام الآب الذى يرانا أيقونة للمخلّص. والآن تنزل مدينته المقدسة، وتفتح أبوابها لمن حملوا صورة العريس السماوى كى يتمتعوا بعُرس سماوى لا يُقدم.

نزل السماوى إذ يريد أن الكل يخلصوا، وها هى مدينته تنزل لأنها تعتز بالعروس المحبوبة لدى عريسها.

ما هى سمات الكنيسة السماوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى سمات الكنيسة السماوية؟

كنيسة واحدة جديدة (رؤ 21: 1 - 8)، مقدسة (رؤ 21: 9 - 11)، جامعة رسولية (رؤ 21: 9 - 11). يقول الرسول: "ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا" (رؤ 21: 1). لقد أوضح لنا ربنا يسوع أن الخمر الجديدة لا توضع فى زقاق قديمة، بل فى زقاق جديد، هكذا نحن خمر ملكوته، إذ نخلع هذا الجسد الفاسد نلبسه فى عدم فساد، وهذا المائت فى عدم موت. نقوم فى مجد وقوة، لنا أجسام روحانية (1 كو 15: 42 - 44)، لهذا يدخل بنا ربنا فى سماء جديدة.

يليق بنا كأبناء ملكوت جديد ألا نعود بعد إلى هذه الأرض، لأنه كما أكد لنا ربنا يسوع: "السماء والأرض تزولان". وقد طمأننا الرسول بطرس أنه بمجئ يوم الرب "تنحل السماوات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب، ولكننا بحسب وعده ننتظر سماوات جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البرّ" (2 بط 3: 12 - 13). نسكن فى "أرض الأحياء" مع كافة القديسين الأحياء بالروح.

ولعل قوله "سماء جديدة وأرض جديدة" يحمل معنى آخر أيضاً هو أنه مع زوال كل ما هو قائم حالياً سنعود إلى سماء جديدة، أى نلتقى مع "الرب إله السماء"، ومع السمائيين فى شركة مبدعة جديدة فى كمالها وتمامها.

ونلتقى أيضاً مع إخوتنا الذين كانوا معنا على الأرض فى "أرض جديدة"، أى فى لقاء حب من صنف جديد، فى وحدة تامة وكاملة فى شخص ربنا يسوع. إنه لقاء كنيسة واحدة تذوق الوحدة الأبدية فى صورة ليس لها مثيل، لهذا يقول: "والبحر لا يوجد فيما بعد" (رؤ 21: 1). ليس للبحر موضع هناك، إذ يشير البحر إلى الانقسام والانشقاق حيث يفصل البلدان أو الدول أو القارات، أما فى السماء فالكنيسة ليس فيها ما يفصل أعضاءها عن بعضهم البعض. والبحر يشير أيضاً إلى الاضطراب والقلق، إذ يقول الكتاب: أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف حياهه حمأة وطيناً "(إش 57: 20). فالكنيسة السماوية لا يختفى فيها شرير واحد، بل مع كمال وحدتها يسودها سلام داخلى وخارجى.

ماذا يُقصد بالسماء الجديدة والأرض الجديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا (رؤ 21: 1)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يُقصد بالسماء الجديدة والأرض الجديدة، لأن السماء الأولى والأرض الأولى مضتا (رؤ 21: 1)؟

إن كانت الأرض التى نعيش الآن عليها والسماء التى نحيا تحتها يشهدان على قدرة خالقنا ورعايته الفائقة، إذ لم يجعلنا معوزين إلى شئ. فالأرض بكل نواميسها وإبداعها إنما لأجل خدمتنا، والشمس والقمر والنجوم تعمل لحسابنا، هذه الخليقة كلها لا تُقارن بالسماء الجديدة والأرض الجديدة.

أ. على أرضنا الحالية نترقب الموت الذى لا يفلت منه إنسان، وفى الأرض الجديدة لا نخضع لزمن يعبر وينتهى، بل نبقى كل حياتنا أبدية، نرى كل شئ جديداً لا يُقدم ولا يشيخ ولا ينتهى.

ب. على أرضنا نئن من التجارب التى تحلّ بنا وبكل المحيطين بنا لكى ما نستعد للرحيل إلى وطننا السماوى.

ج. على أرضنا نحيا بالإيمان فنتذوق عربون السماء أما على الأرض الجديدة فلا يفارقنا الفرح الحقيقى والسعادة الدائمة، ونُسرّ إذ نرى كل من هم حولنا من السمائيين والقديسين فى حياة مطوّبة، ونحسب أمجادهم هى أمجادنا التى لا تذبل قط.

د. على أرضنا نعتز بعضويتنا الكنسية، نلمس حراسة الملائكة لنا، وتتحرك السماء كلها كى نتهيأ للمجد الذى أعدّه الربّ لنا.

ﮪ. يرى القديس أغسطينوس أن السماء الجديدة والأرض الجديدة، هى نفوسنا وأجسادنا. فهنا يحارب الشيطان نفوسنا وأجسادنا لكى نيأس ونفقد الرجاء فى الأبدية. أما فى يوم الربّ العظيم إذ تتحد نفوسنا بأجسادنا القائمة من الأموات، لا يجسر عدو الخير أن يحاربنا، ولا أن ينظر إلينا، إذ نحمل انعكاس بهاء الربّ على كياننا كله!

و. على أرضنا نفتخر بأقربائنا الناجحين فى حياتهم، والذين نالوا مراكز سامية أو غنى أو درجات علمية الخ، أما على الأرض الجديدة فنعتز بصداقات كل السمائيين لنا، ونحسب كل القديسين إخوة وأخوات لنا والمسيح رأس الجميع! يصير السمائيون والأرضيون كأنهم عائلة واحدة.

بماذا ختم القديس يوحنا رؤياه بخصوص يوم الرب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا ختم القديس يوحنا رؤياه بخصوص يوم الرب؟

ختم القديس يوحنا سفر الرؤيا (أصحاح 21) بوصف أورشليم السماوية أو كما يقول القديس أغسطينوس: "الكنيسة السماوية[197]"، وأيضاً أمجاد الكنيسة السماوية وتطويبها واشتياق ربنا يسوع المسيح أن يأتى سريعاً (رؤ 22: 20 - 21) ليدخل بعروسه الملكة إلى عرشه.

أخذ كثيرون من الفلاسفة والأدباء والشعراء أمثال أفلاطون يرسمون لنا مدناً مثالية حسبما تصوروها، يسنّون لها قوانين ونظماً ومبادئ حسبما تمليه عليهم فلسفتهم وفكرهم. لكن سرعان ما تتسلل فى تخيلاتهم مبادئ خاطئة أو خيالية، فتخرج المدينة ناقصة ومملوءة ضعفات. أما الرسول يوحنا فلم يحذو حذوهم، بل صعد بالروحن فرأى كنيسة حقيقية مثالية خالدة، هى فى حقيقتها "مسكن الله مع الناس" (رؤ 21: 3). ولما كان هذا الأمر يُصعب رسمه أو التعبير عنه بلغة بشرية، لهذا سجل لنا ما رآه فعلاً، لكن فى رموز بسيطة تاركاً لنا أن نتعمق فيها لنتذوق ما عليه هذه المدينة السماوية الواحدة على قدر ما تستطيع قامتنا الروحية أن تدرك بإرشاد الروح القدس.


[197] City of God, 27: 22.

ما موقف السماء من التفجيرات المعاصرة التى لحقت ببعض الكنائس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما موقف السماء من التفجيرات المعاصرة التى لحقت ببعض الكنائس؟

أقدّم صورة عملية معاصرة لتحرك السماء والشهادة لمحبة الله لكنيسته:

فى اليوم التالى أو بعد التالى من حدث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية التى أنشأها المتنيح القمص بيشوى كامل، اتصل بى أحد الخدام بسيدنى أستراليا، وهو من خدام كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج، وقال لى وهو متهلل ما يلى: أنه كان فى عمله بسيدنى عندما سمع ما حدث بكنيسة القديسين. صرخ فى أعماقه، متسائلاً: ما هو موقف أبينا بيشوى فى الفردوس وأيضاً تماف ايرينى وأبينا القديس الشهيد أبى سيفين.

عاد إلى منزله وهو مُرّ النفس جداً فنام وهو جالس، وإذا به يرى السماء قد انفتحت ورب ّ المجد جالس على عرشه، وانطلق أبونا بيشوى يستقبل الشهداء القادمين إلى الفردوس ويقدمهم للسيد المسيح. وكان أبونا بيشوى متهللاً بهؤلاء الشهداء.

تهللت نفس الخادم، واتصل بى هاتفياً ليروى لى كيف يهتم أبونا بيشوى وهو فى الفردوس ويفرح بالشهداء!

أحداث الاستشهاد كشفت عن السماء المفتوحة والمتهللة بعمل نعمة الله فى شعبه!

إذ نشأت كنيسة باسم القديس البابا كيرلس السادس فى لوس أنجلوس قيل لى: تقدم شخص ومعه ظرف به مبلغ من المال، وقال للكاهن القبطى: لقد اجتمعنا نحن مجموعة من المسيحيين والهنود وعرفنا أن هذه الكنيسة هى التى استشهد بعض أعضائها فى ليبيا لأنهم مسيحيون، فحسبنا أن إنشاء كنيسة فى هذه المنطقة بركة لنا جميعاً!

هل من شهادة معاصرة لتحدى المؤمنين للموت وفرحهم هم وعائلاتهم بالاستشهاد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل من شهادة معاصرة لتحدى المؤمنين للموت وفرحهم هم وعائلاتهم بالاستشهاد؟

الأحداث المتوالية سواء فى التفجير الذى حدث فى مدخل كنيسة القديسين بسيدى بشر بالإسكندرية وقد شاهدنا تعزيات الله الواضحة فى عائلات الشهداء البالغين أكثر من عشرين شهيداً وفى الدين أصيبوا بمستشفى الكنيسة لم يئن أحدهم من الألم بينما بلغ بأحدهم حروق تبلغ 85% من جسمه، وشاهدنا أطفالاً انسحقت عظام أقدامهم وقفوا يشكرون الله أنهم أصيبوا من أجد ربّ المجد المصلوب.

هذا وقد تأثر كثيرون فى بلاد العالم من موقف شهداء ليبيا. لقد ظن الذين قتلوهم أنهم يُرعبون الأقباط بأخذ فيديو للاستشهاد، فكان ثمر ذلك شهادة الكثيرين لنعمة محبة الله وقوة النعمة الإلهية فانفتحت قلوب كثيرة بالحب للسماوى، وتعرّف العالم كله على كنيسة الشهداء.

يصعب حصر البركات التى نالتها الكنيسة، وتوبة الكثيرين فى بلاد، كثيرة من وراء مثل هذه الأحداث المعاصرة!

هل الطبيعة تشهد لحقيقة وجود السماء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل الطبيعة تشهد لحقيقة وجود السماء؟

يقول نيافة الأنبا يؤانس: [الطبيعة هى أول وأقدم شهادة على السماء، ووجود الله ووجود حياة فى السماء].

قال نيوتن عالم الطبيعة الإنجليزى (1642 – 1727 م): [لقد رأيت الله فى أعمال الطبيعة ونواميسها، التى تبرهن على وجود حكمة وقوة غير عادية].

فى العالم الطبيعى نرى الأدلة العديدة على وجود الخالق العظيم، من أمثلة ذلك:

أولاً: إذ تُدفن البذرة وتُسقى بالماء تبدو إنها ماتت، وإذا بها تنمو وتزهر وتثمر.

ثانياً: دودة القز تنزوى وراء ورقة فى شجرة توت وتقوم بتصنيع خيوط حريرية دقيقة لتغطى نفسها، وتبدو أنها ماتت، لكنها فى النهاية تصير شرنقة، وبعد ذلك تصير دودة القز.

ثالثاً الأشجار فى المناطق الثلجية تتساقط أوراقها فى فصل الخريف، وتصير كأنها ماتت فى فصل الشتاء، وفى الربيع يذوب الثلج وتدب الحياة فى الأشجار.

ماذا يعنى القول: “لا تحلفوا البتة لا بالسماء لأنها كرسى الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه” (مت 5: 35)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى القول: "لا تحلفوا البتة لا بالسماء لأنها كرسى الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه" (مت 5: 35)؟

روى نيافة الأنبا يؤانس القصة التالية: [كان هناك رجل يقيم فى خيمة فى الصحراء، وكان بعض العلماء يترددون على هذه الصحراء بحثاً عن الآثار، وعندما وصلوا إلى خيمة هذا الرجل سمعوه يصلى داخل الخيمة. فانتظروا حتى فرغ من صلاته ثم تقدموا للتعرف عليه، وقالوا له فى سخرية: "كيف تعلم يقيناً أنه يوجد إله يستجيب لصلاتك؟" أجابهم: "وأنتم كيف علمتم أن إنساناً زارنى فى خيمتى الليلة الماضية؟" أجابوه: "لقد علمنا ذلك من آثار قدميه على الرمال". فقال: "وأنا أعلم أنه يوجد إله، لأننى أرى آثاره فى كل مكان"... نعم إن الله يترك آثاره حولنا فى كل شئ وفى كل مكان... لم يقل السيد المسيح: "السماء كرسى الله، والأرض موطئ قدميه... كأن الله يتمشى على الأرض بين البشرن تراكاً آثاراً مختلفة].

يقول الرسول بولس: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خُلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته، حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا فى أفكارهم واظلم قلبهم الغبى" (رو 1: 19 - 21).

يُعلّق القدّيس أمبروسيوس على التعبير "قدرته السرمدية"، قائلاً: [إن كان المسيح هو قدرة الله السرمدية، فالمسيح إذن سرمدى[193]].

ويرى القديس أغسطينوس فى هذا القول الرسولى أن الله يقدم لنا العالم كعطية نستخدمها وليس لنتلذذ بها، فنرى خلالها أموره غير المنظورة، نمسك بالروحيات والسماويات خلال الماديات والزمنيات[194].

يقول البابا أثناسيوس الرسولى: [أعطى الله بواسطة كلمته للكون ترتيبه وتدبيره، حتى يمكن للبشر أن يتعرفوا عليه بطريقة ما خلال أعماله ما دام هو بطبعه غير منظور. غالباً ما يُعرف الفنان بأعماله حتى وإن لم يره الشخص[195]]. ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [ربما تصمت السماوات، لكن التطلع إليها يصدر صوتاً أعلى من صوت البوق، يثقفنا لا بسماع الأذن وإنما باستخدام العين، فإن الأخيرة (تقدم معلومات) أكثر تأكيداً ودقة من الأولى[196]].


[193] Of Christ. Faith 10: 1 (62).

[194] On Christian Doctrine 4: 1.

[195] Contra Gentes.

[196] Concerning the Statues, 4: 9.

من يدرينا أنه توجد سماء حقيقية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من يدرينا أنه توجد سماء حقيقية؟

أولاً: يقدم لنا الأنبا يؤأنس أسقف الغربية السابق أول دليل على حقيقة السماء هو شهادة الوجدان أو الشعور الفطرى الكامن فى النفس البشرية. أشار إلى العالم الفرنسى فوستيل دى كولانج Fustel Coulangee الذى قام بدراسة علمية عميقة نشرت عام 1864 تحت عنوان المدينة العتيقةLa Cité Antique جاء فيها: [اعتقدت أقدم الأجيال قبل أن يوجد الفلاسفة بزمن طويل فى وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة. ولم تواجه الموت باعتباره انحلالاً للكائن بل باعتباره تبديلاً يسيراً للحياة... كانت العادة عند نهاية الاحتفال الجنائزى أن تُدعى روح الميت ثلاث مرات بالاسم الذى كان يحمله، وكانوا يتمنون لها أن تعيش سعيدة تحت الثرى (التراب)، ويقولون لها ثلاث مرات: كونى بعافية... وكانوا يكتبون على القبر أن الراقد يستريح هناك].

ثانياً: هذه الغريزة الفطرية فى كل العالم، حتى إن أنكرها إنسان ما، ففى لحظات موته غالباً ما يشعرب بندم شديد أنه أفسد حياته بتجاهل هذه الغريزة أو إنكارها. نذكر على سبيل المثال:

كثير ممن أنكروا الإيمان فى فترات شبابهم وقوتهم وسلطانهم عادوا إليه فى أواخر حياتهم، خاصة وهم يصارعون مع الموت، وأظهروا ندمهم الشديد على إنكارهم العناية الإلهية والحياة الأبدية، منهم نابليون بونابرت، والفيلسوف الفرنسى الشهير فولتير، وعالم الطبيعة الأمريكى اديسون، والفيلسوف والكاتب الروسى تولستوى.

ثالثاً: المقارنة بين مواجهة الشهداء والقديسين للموت بفرح، وكأنهم يعلنون شوقهم للقاء مع مخلّصهم مفرّح القلوب. وكما يقول القديس بولس: "لى اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً" (فى 1: 23). بينما نسمع عن كثيرين من الملحدين المشهورين أنهم كانوا يرتعبون فى خوف وفزعٍ عند شعورهم بحلول لحظات الموت.

رابعاً: شهادة كلمة الله. يقول المرتل: "السماء تحدّث بمجد الله، والفلك يُخبر بعمل يديه" (مز 19: 1). ويقول سليمان الحكيم بعد أن بنى الهيكل: "أنه هل يسكن الله على الأرض. هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذى بنيت" (1 مل 8: 27).

ويقول السيد المسيح: "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء" (يو 3: 13). كما قال لنثنائيل: "من الآن السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو 1: 51).

ماذا نعنى بكلمة “السماء”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا نعنى بكلمة "السماء"؟

يعتقد اليهود بوجود ثلاث سماوات.

الأولى الغلاف الجوى المحيط بالأرض، يدعوها القديس باسيليوس الكبير سماء الطيور.

والثانية الجلد الذى فيه توجد الكواكب والنجوم.

والثالثة يدعوها سماء السماوات حيث عرش الله والطغمات السماوية، وتُدعى الفردوس. وكما يقول الرسول بولس: "أعرف إنساناً فى المسيح قبل أربع عشرة سنة أفى الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم، الله يعلم. أختطف هذا إلى السماء الثالثة... إنه أختطف إلى الفردوس، وسمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" (2 كو 12: 2 - 4).

تعتقد الكنيسة أن الفردوس هو مكان انتظار النفوس البارة بعد انطلاقها من الجسد.

ومع إيماننا بأن الله فى كل مكان إلاَّ أنه يُوصف بأنه ساكن فى السماء. قيل عنه: "فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم" (تك 17: 22). وفى صلاة سليمان عند تدشين الهيكل، قال: "اسمع تضرع عبدك وشعبك إسرائيل الذين يصلون فى هذا الموضع. واسمع أنت فى موضع سكناك فى السماء، وإذا سمعت فاغفر" (1 مل 8: 30). وفى حديث السيد المسيح مع نيقوديموس يقول: ولم يصعد أحد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء "(يو 3: 13). كما قيل للواقفين عند صعود السيد:" إن يسوع هذا الذى ارتفع عنكم إلى السماء سيأتى هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء "(أع 1: 11).