كيف ننال النصرة على الخطية والموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف ننال النصرة على الخطية والموت؟

يقول الرسول: "ولكن شكراً لله الذى يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح" (1 كو 15: 57). حياة النصرة تهب المؤمن حياة شكر لله. وكأن قيامة الرب تُعد الإنسان لتقديم ذبيحة شكر مقبولة لدى الله.

لن يمكن تحقيق النصرة بأنفسنا (مز 89: 1)، إنما هى عطية ربنا يسوع المسيح لنا.

يقول أمبروسياستر: [لم يربح المسيح النصرة لأجل نفسه بل لنفعنا. فإنه إذ صار إنساناً بقى هوالله، وغلب الشيطان. فإن ذاك الذى لم يخطئ قط اقتنى النصرة لأجلنا نحن الذين كنا مربوطين فى الموت بسبب الخطية. موت المسيح غلب الشيطان، الذى التزم أن يسلم كل الذين ماتوا بسبب الخطية[189]].

ويقول القديس أغسطينوس: [لئلا نفعل ما هو مُسر بطريقة غير شرعية، ولئلا فى هذه المعركة نعانى من متاعب ومخاطر كثيرة بأن نترجى النصرة الأكيدة بقوتنا الذاتية أو ننسبها عند تحقيقها إلى قوتنا، لا إلى نعمة ذاك الذى يقول عند الرسول: "شكراً لله الذى يهبنا الغلبة بيسوع المسيح ربنا" [190]].

ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [لقد أقام بنفسه الغلبة، لكنه أعطانا أن نشترك نحن لننال الأكاليل، وذلك ليس على سبيل دين بل من قبل الرحمة وحدها[191]].

يختم الرسول حديثه عن قيامة الأموات، قائلاً: "إذا يا إخوتى الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين فى عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً فى الرب" (1 كو 15: 58). إذ يهبنا الإيمان بقيامة المسيح الغلبة على الخطية نقدم ذبيحة شكراً لا بالكلام فحسب، إنما أيضاً بحياة مثمرة فى الرب. يدعونا الرسول للسلوك بالحياة المُقامة كعربون للتمتع بالحياة الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إن كانت الغلبة عطية إلهية فبقوله: "كونوا راسخين" يؤكد ثقة المؤمن فى نفسه أنه بالنعمة يثبت ويكون راسخاً فى إيمانه، لا يقدر أحد مهما كان مركزه أو قدراته أن يُزعزعه. يليق بنا ليس فقط ان نجاهد فى الرب، بل أن نفعل ذلك بغنى وبفيض. جهاد الإنسان بعد طرده من الفردوس هو عقوبة من أجل معاصيه، ولكن الجهاد (بالنعمة) أساس المكافآت العتيدة[192]].


[189] CSEL 186: 81 - 87.

[190] City of God 23: 22.

[191] On 1 Cor. , hom 4: 42.

[192] On 1 Cor. , hom 5: 42.

ما هى شوكة الموت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى شوكة الموت؟

يقول الرسول: "أما شوكة الموت فهى الخطية، وقوة الخطية هى الناموس" (1 كو 15: 56). لو توجد الخطية ما وجد الموت. عصيان الإنسان عزله عن الله مصدر الحياة، فخضع لسلطان الموت وشريعته الظالمة. وبدون الناموس ما كان يمكن أن نميز الخطية (رو20، 3؛ 4: 15؛ 5: 13). أعطانا الناموس الفرصة لكشف ما نحمله فى داخلنا من عصيان لمشيئة الله فعاشت الخطية فينا.

الخطية هى والدة الموت، إذ بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وصار الموت بالخطية (رو 5: 12). يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [تحطيم المعمودية شوكة الموت. فإنكم تنزلون إلى المياه مثقلين بخطاياكم. ولكن دعوة النعمة تهب نفوسكم هذا الختم، فلا تعود تقودكم لكى تُبتلعوا بالتنين الرهيب. تنزلون أمواتاً فى الخطية، ولكنكم تصعدون أحياء للبر[184]].

ويقول القديس أغسطينوس: [المنع (بالناموس) دائماً يزيد الرغبة الخاطئة مادام الحب والفرح فى القداسة ضعيفان غير قادرين على الغلبة على الميل للخطية. لهذا بدون معونة النعمة الإلهية يستحيل للإنسان أن يحب القداسة ويبتهج فيها[185]].

كما يقول: [عندما تمنع الشريعة (أمراً ما) نخطئ بأكثر خطورة مما لو أننا لم نمنع بواسطتها. على أى الأحوال، إذ تحل النعمة تتمم الناموس بدون صعوبة وبأكثر رغبة عما لو ضغط الناموس نفسه أن نفعله. لم نعد بعد عبيداً للناموس خلال الخوف، بل صرنا أصدقاء خلال الحب وعبيداً للبرّ الذى كان نفسه المصدر لما أعلنه الناموس[186]].

ويقول: [عندما يلبس هذا الفاسد عدم الفساد، وهذا المائت عدم الموت، يعبّر عن القول المكتوب: "قد أبتلع الموت فى غلبة. أين غلبتك يا موت؟" بحق "أين شوكتك يا موت؟" إنك تبحث عن موضعه فلا تجده. ما هى شوكة الموت؟ ماذا "أين شوكتك يا موت؟ أين الخطية؟ انت تبحث عنها وليس لها موضع، لأن شوكة الموت هى الخطية. هذه كلمات الرسول لا كلماتى. عندئذ يُقال:" أين شوكتك يا موت؟ "لا تعود توجد الخطية لكى تُدهشك، ولا لكى تحاربك، ولا لكى تلهب ضميرك[187]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [لأن بدون الناموس الخطية ضعيفة، فإنها وإن كانت تمارس بدونه لم يكن إدانتها بالكامل. ومع أن الشر صار له موضع، لكن لم يُشر إليه بوضوح هكذا. لهذا فإن الناموس سبب تغييراً ليس بقليل. أولاً جعلنا نتعرف على الخطية بطريقة أفضل وقد العقوبة... نعم لكى يظهر أن الناموس ليس فى ذاته يهب الخطية القوة، لذلك أكمل المسيح الناموس كله وكان بلا خطية[188]].


[184] Catechetical Lecture on Baptism 11: 3 - 12.

[185] City of God 5: 13.

[186] Question 44.

[187] Sermons on New Testament Lessons, 7: 81.

[188] On 1 Cor. , hom 4: 42.

كيف يفقد الموت سلطانه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يفقد الموت سلطانه؟

يقول الرسول: "ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد، ولبس هذا المائت عدم موت، فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة: أبتلع الموت إلى غلبة" (1 كو 15: 54). لن يبقى سيف الموت متسلطاً على البشرية، لكنه سيتحطم أمام الأبدية الخالدة. هنا يُشخصن الموت ويقدمه ككائن مفترس يبتلع البشرية فى كل أجيالها، ولكن بقيامة الجسد وانهيار مملكة الموت يُبتلع الموت نفسه فتحطمه الأبدية. يملك الله ولا يكون للموت بعد وجود. حقاً إن جسدنا فى العالم تحت سيفه القاتل حتى تتحقق القيامة، فلا يعود لشوكته وجود ولا يكون له بعد أى سلطان. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [أى أنه يتحطم بالكامل وليس جزء منه يبقى أو يترجّى العودة، لأن عدم الفساد يُبيد الفساد[174]].

يقول الرسول: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا (قبر) هاوية" (1 كو 15: 55). يُشخصن الرسول الموت والهاوية، فيجعل للموت شوكة على البشرية، ليس من يفلت من إمبراطوريته.

يُصور الموت فى النقوش القديمة بهيكل عظمى يحمل إكليلاً على الجمجمة وبيده حرية يقتل بها الكل. ويصورون اليهود ملاك الموت حاملاً سيفاً تتساقط منه قطرات قاتلة تنزل فى أفواه كل البشر.

كثيراً ما تستخدم كلمة "قبر" عوض الهاوية، بكونه الموضع الذى تنفصل النفوس عن الأجسام البشرية. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [أنتم ترون ما يُعلن عن عمله فى الآخرين، فالذين أوشكوا على الموت، الطفل الذى كاد حالاً أن يفقد الحياة، والشاب الذى على باب القبر، الذين لهم الفساد يتجدّدون بأمر واحدٍ للحياة. هل تبحثون عن أولئك الذين ماتوا خلال جراحات وسفك دماء، كل ضعف القوة الواهبة للحياة تمنعهم عن التمتع بالنعمة؟ تطلّعوا إلى ذاك الذى جرحت يداه بالمسامير، تطلّعوا إلى ذاك الذى طعن جنبه بحربة. ضعوا أصابعكم على آثار المسامير وأياديكم فى موضع الحرية... إن كان قد قام فإننا حسناً ننطق بتسبيح النصرة التى نطق بها الرسول الخاصة بالأموات! [175]].

ويقول البابا أثناسيوس: [عندما يكون الجسد فى تناغم مع العقل، ويُبتلع الموت فى غلبة، فلا تبقى بعد شهوات جسدية فى العقل لتصارع، وعندما يعبر الصراع الذى على الأرض، تنتهى حرب القلب، وينتهى ما قيل عنه: "الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد، وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلا 5: 17) [176]]. كما يقول: [الإنسان بالطبيعة يخشى الموت وانحلال الجسد. ولكن توجد حقيقة مدهشة أن الذى يلبس الإيمان بالصليب يحتقر حتى ما هو مُرعب بالطبيعة ومن أجل المسيح لا يخاف الموت[177]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [عدم الفساد يبتلع الفساد ولا يترك شيئاً من الحياة الماضية خلف ذلك[178]]. كما يقول: [هل ترون سمو نفسه؟ كيف أنه مثل إنسان يقدم ذبيحة على رجاء النصرة هكذا كان بولس قد أوحى له أن يرى الأمور العتيدة كأمور قد حدثت فعلاًن فيثب وهو يطأ الموت كما لو كان ساقطاً تحت قدميه. وينطلق بصرخات النصرة على رأس الموت حيث يسقط صارخاً بقوة وتهليل: "أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا قبر؟" لقد ذهب الموت، لقد انتهى وزال. فإن المسيح ليس فقط جرد الموت من سلاحه وغلبه بل وحطمه ولا يعود بعد له وجود قط! [179]].

يقول القديس أغسطينوس:

[أين هو الموت؟ ابحث عنه فى المسيحن فإنه لا يعود يوجد. لو وُجد، فإن الموت قد مات الآن. يا الله أيها الحياة، يا قاتل الموت! لنكن بقلب صالح، فيموت الموت فينا أيضاً. ما قد حدث مع رأسنا سيحدث مع أعضائه. سيموت الموت فينا أيضاًز ولكن متى؟ فى نهاية العالم، فى قيامة الأموات التى نؤمن بها والتى لا نشك فيها[180]].

[عندئذ ليس فقط أننا سوف لا نطيع أية إغراءات للخطية، وإنما سوف لا توجد مثل هذه الأغراءات من النوع التى أوصينا إلا نطيعها[181]].

[من أجل الأنشطة الضرورية لهذه الحياة لا تُحتقر الصحة حتى يلبس هذا المائت عدم الموت. هذه هى الصحة الحقيقية الكاملة التى لا تنتهى، هذه التى لا تنتعش بالملذات الفاسدة عندما تفشل خلال الضعف الأرضى، وإنما تتأسس بقوة سماوية، وتصير شابة بعدم الفساد الأبدى[182]].

[إذ خضعت الطبيعة البشرية لعدو... يليق بالإنسان أن يخلص من سلطانه ليجد نفسه. عندئذ إن كانت حياته فى هذا الجسد ممتدة فإنه يُعان فى صراعه حتى يغلب العدو. وأخيراً فإن المنتصر سوف يتجمل لكى يملك، وفى النهاية عينها يتساءل: "أين فريستك يا موت؟ [183]"].


[174] On 1 Cor. , hom 4: 42.

[175] On the Making of Man, 35.

[176] Sermons on New Testament Lessons, 8: 6.

[177] On Incarnation 28.

[178] On 1 Cor. , hom 2: 42.

[179] On 1 Cor. , hom 4: 42.

[180] Sermon for the Easter Season 4: 233.

[181] Letter to Asellicus 196,.

[182] Letter to Probe 130.

[183] Against Julian 65: 20.

ماذا يعنى الرسول بالبوق الأخير؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بالبوق الأخير؟

يقول الرسول: "فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير، فإنه سيبوق، فيُقام الأموات عديمى فساد، ونحن نتغير" (1 كو 15: 52). بقوله "فى لحظة"، يعنى نقطة من الزمن غير قابلة للانقسام، وقوله "فى طرفة عين" يشير إلى ما يكاد يكون فى غير زمن يمكن قياسه، يتحقق هذاكله. بهذا يعبّر عن حدوث القيامة بقدرة إلهية لا تحتاج إلى زمن لإتمامه.

ضرب البوق فى يوم مجئ الرب هو تعليم كتابى ورد فى زكريا 9: 14؛ مت 24: 31؛ يو 25: 5؛ 1 تس 4: 16).

توجد أبواق كثيرة، فقد حدثنا سفر الرؤيا عن الأبواق السبعة التى تُضرب عبر الأجيال حتى مجئ المسيح لتحقيق خطة الله. فى العهد القديم كانت الشريعة تقدم مع صوت بوق (خر 19: 16). وكانت الأبواق تُضرب لكى يتهيأ الكهنة والشعب للاحتفال بالأعياد الكبرى خاصة فى بدء الشهر السابع حيث يشير إلى عيد نهاية العالم وكمال الأزمنة وفى اليوم العاشر حيث عيد الكفارة والخامس عشر حيث عيد المظال احتفالاً بالخلاص من مصر روحياً (مز 50: 1 - 7؛ زك 14: 18 - 19). وعندما أقيم لعازر من الموت تحقق بصوت عظيم (يو 11: 43)، هكذا سيكون البوق الأخير عند مجئ الرب للدينونة (مت 24: 31؛ 1 تس 4: 16).

يقول القديس جيروم: [عند صوت البوق الأرض وكل شعبها يكونون فى رعب، وأما أنتم فستفرحون. العالم سوف يحزن ويتنهد عندما يأتى الرب ليدينه. قبائل الأرض تقرع الصدور. الملوك القادرون يرتعبون فى عريهم. جوبتر مع كل نسله يلتهبون، وأفلاطون مع تلاميذ يظهرون أغبياء، وبراهين أرسطو تصير باطلة. ربما تكون أنت فقيراً قروياً لكنك تتمجد وتضحك قائلاً: "هوذا المصلوب إلهى! هوذا ديانى! [170]].

ويقول القديس أغسطينوس: [بقوله "بوق" يُود أن نفهم بأنه سيكون الأمر جلياً جداً بعلامة مميزة ففى موضع آخر يدعوه صوت رئيس الملائكة وبوق الله (1 تس 4: 16) [171]].

ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يعلمنا الرسول أن التغيير يتم فى لحظة زمن، موضحاً أن هذا الزمن المحدود ليس فهي أجزاء وليس له امتداد، فدعاه "لحظة" و "طرفة عين". فلا يوجد بعد احتمال لأحد فى لحظة الزمن التى هى الأخيرة... أن ينال بالموت هذا هو التغيير الذى يقيم الأموات. يتغير الذين هم أحياء ليصيروا على شكل الذين نالوا التغيير بالقيامة، أى إلى عدم الفساد. فلا يكون ثقل الجسد بعد قائماً ولا ينزل بهم إلى الأرض بل يرتفعون إلى الهواء، إذ نرتفع على السحاب لمقابلة الرب فى الهواء، وهكذا نكون مع الرب على الدوام[172]].

وأيضاً يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [أما بخصوص وصف الرسول بولس لعجائب القيامة كيف يمكن لإنسان ما أن يعالج هذا الموضع ظاناً أنه يمكنه بسهولة أن يبلغ إليه ويقرأ عنه؟ "كل الأموات" كيف؟ إنه بصرخة... أو بضربة البوق كل الأموات والمنبطحين يتغيرون فى طرفة عين إلى كائنات خالدة[173]].


[170] Letter, 11: 14.

[171] Letter 34.

[172] On the Making of Man 3: 22.

[173] On the Soul and the Resurrection.

ماذا يعنى الرسول بقوله: “إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد” (1 كو 15: 50)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بقوله: "إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1 كو 15: 50)؟

يقصد باللحم والدم لا كيان الجسم، بل ما هو مائت وفاسد وكل أثر للخطية عليه بكونه جسدنا الفاسد العاجز أن يتمتع بالملكوت الإلهى وهو على هذه الحال. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [يقصد بولس بالجسد هنا الأعمال الشريرة المتعمدة. فالجسم فى ذاته ليس عائقاً، وإنما بسبب شرنا لا نقدر أن نرث ملكوت الله[164]]. كما يقول: [يقصد باللحم هنا أفعال الإنسان الشريرة التى يفعلها أيضاً فى موضع آخر، وذلك كما يقول: "وأما أنتم فلستم فى الجسد بل فى الروح" (رو 8: 8 - 9)... الآن إن كان يتكلم عن الجسم فى أى موضع بالفساد، فإنه ليس بالفساد لكنه قابل للفساد. لذلك يكمل فى مقاله عنه فلا يدعوه بالفساد بل بالفاسد، قائلاً: "متى لبس هذا الفاسد عدم فساد" (1 كو 15: 54) [165]].

ويقول القديس جيروم: [ليتنا لا نحتقر الجسم بأية وسيلة، بل نرفض أعماله. لا نحتقر الجسم الذى سيملك فى السماء مع المسيح. لا يقدر جسد ودم أن يرثا ملكوت الله. هذا لا يشير إلى الجسم والدم هكذا بل إلى أعمال الجسد[166]].

ويقول القديس غريغوريوس النزينزى: [سأرى أخرى قيصريوس ليس فى منفى ولا مدفوناً ولا حزيناً ولا يحتاج إلى من يشفق عليه، بل فى بهاء ومجد وسمو[167]].

يقول الرسول بولس: "هوذا سرّ أقوله لكم، لا نرقد كلنا، ولكننا كلنا نتغير" (1 كو 15: 51). يكشف عن سرّ لم يكونوا يعرفونه من قبل، وهو أن ليس كل البشرية تموت، لكنها جميعاً تتغير. هذا ما لم يكن يدركه اليهود. يقول القديس أغسطينوس: [حيث أننا نفهم فى هذه العبارة الرقاد ليس إلا موتاُ، كيف نرقد كلنا أو نقوم إن كان أشخاص كثيرون سيجدهم المسيح فى الجسد لم يرقدوا ولم يقوموا؟ فإن كنا نعتقد بأن القديسين الذين سيوجدون أحياء عند مجئ الرب ويرتفعون لمقابلته فإنه فى ذات صعودهم يتحولون من الموت إلى عدم الموت، فإننا لا نجد صعوبة فى كلمات الرسول. أما عندما يقول: "ما تزرعه ما لم يمت"، أو قوله "سنقوم جميعنا"، "نرقد جميعنا" فإنه حتى القديسون سيحيون إلى عدم الموت بعد أن يموتوا أولاً. باختصار وبالتبعية لن يستثنوا من القيامة التى يسبقها الرقاد. ولماذا يبدو لنا أنه غير معقول ان مجموعة الأجساد يلزم أن تزرع فى الهواء، ويلزم أن يتغيروا من الفساد إلى عدم الفساد، عندما نؤمن بشهادة نفس الرسول أن تتحقق القيامة فى طرفة عين، وأن يتحول تراب الأجساد إلى سمو غير المدرك وخفيف إلى هؤلاء الأعضاء الذين يعيشون إلى ما لا نهاية؟ [168]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [(الأحياء عند مجئ الرب) هم أيضاً قابلون للموت. لهذا لا تخافوا لأنكم تموتون كمن لا يقوموا بعد. فإنه سيوجد أيضاً من سيهربون من هذا لكى هذا لن يشبعهم لأجل القيامة، فإنه حتى الذين لا تموت أجسامهم يلزم ان يتغيروا ويتحولوا إلى عدم الفساد... إذ يقول: "نحن" لا يتحدث عن نفسه بل عن أولئك الذين سيوجدون فى ذلك الحين أحياء[169]].


[164] On 1 Cor. , hom 2: 42.

[165] On 1 Cor. , hom 3: 42.

[166] On Psalm 143, hom. 34.

[167] Funeral Sermon: On His Brother Caesarius, 21.

[168] City of God 20: 20.

[169] On 1 Cor. , hom 3: 42.

ماذا يعنى الرسول بقوله: “وكما لبسنا صورة الترابى، سنلبس أيضاً صورة السماوى” (1 كو 15: 49)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بقوله: "وكما لبسنا صورة الترابى، سنلبس أيضاً صورة السماوى" (1 كو 15: 49)؟

فى القيامة يلبس الجسم مجداً، فيصير كجسم السيد المسيح القائم من الأموات، يستطيع أن يخترق الحواجز الأرضية، ويعبر فى الهواء، ويشرق ببهاء منعكس عليه من بهاء المسيح. كأبناء لآدم وُلدنا على شبهه وخضعنا لما خضع له. الآن إذ اتحدنا بالسماوى ننعم بشبهه أيضاً. بقوله: "سنلبس" يوضح أن صورة السماوى أشبه بثوب نرتديه ونختفى فيه، فجسدنا قائم لكنه يحمل طبيعة جديدة مشرقة ببهاء عظيم.

يقول العلامة أوريجينوس: [إنكان أحد لا يزال يحمل صورة الترابى حسب الإنسان الخارجى، فإنه يتحرك بالشهوات الأرضية والحب الزمنى. أما شهوة وحب ذاك الذى يحمل صورة السماوى فى إنسانه الداخلى فهى سماوية. تتحرك النفس بالحب السماوى والاشتياق السماوى، إذ ترى بوضوح جمال كلمة الله وكماله فتسقط إلى الأعماق فى حبه وتتقبل الكلمة نفسه كسهم معين يجرحها بالحب[159]]. ويقول الأب أمبروسياستر: [هذه تعنى أنه كما نحمل الجسد الفاسد الذى لآدم الترابى هكذا فى المستقبل نحمل الجسد غير الفاسد شبه ذاك الذى للمسيح المقام[160]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [أن تحمل صورة (السماوى) ليس بالأمر الذى يخص الطبيعة، وإنما هو حسب اختيارنا وسلوكنا[161]]. كما يقول: [قصد بولس هو هكذا: إذ حملنا صورة الترابى، أى الأعمال الشريرة، لنحمل صورة السماوى، طريقة الحياة الفائقة بالسماويات. فإن كنا نتحدث عن الطبيعة، فإننا لا نحتاج إلى نصيحة او حث إذ واضح أنه يتحدث هنا عن أسلوب حياتنا[162]].

ويقول القديس أغسطينوس: [لماذا خلقتنى بهذه الكيفية؟ إن أردت أن تعرف هذه الأمور لا تكن طيناً بل كن ابناً لله خلال رحمة ذاك الذى يعطى المؤمنين باسمه القوة أن يصيروا أبناء الله، وإن كان لم يعطِ بعد هكذا حسبما تريد للذين يرغبون فى معرفة الإلهيات قبل أن يؤمنوا بها[163]].


[159] Comm. On Song of Songs, Prol. 2. (ACW).

[160] CSEL 182: 81 - 83.

[161] On 1 cor. , hom 2: 42.

[162] On 1 cor. , hom 2: 42.

[163] Questions 3: 68.

ماذا يعنى الرسول بقوله: “كما هو الترابى هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوى هكذا السماويون أيضاً” (1 كو 15: 48)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بقوله: "كما هو الترابى هكذا الترابيون أيضاً، وكما هو السماوى هكذا السماويون أيضاً" (1 كو 15: 48)؟

كما كان آدم الذى تشكّل من التراب هكذا تكون سلالته، خاضعين للضعف والانحلال والموت. وكما هو السماوى هكذا من يتحد به يشترك فى المجد السماوى. يقول العلامة أوريجينوس: [إن بقيت فيما هو من الأرض فإنك تتحول إليها فى النهاية. يجب أن تتغير، يلزم أن تصير سماوياً[155]].

ويقول مكسيموس أسقف تورينو: [تشكل آدم من الطين بيدى الله، وتشكل المسيح فى الرحم بروح الله[156]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [ماذا إذن؟ ألم يمت هذا الإنسان أيضاً؟ حقاً لقد مات لكن لم تصبه أذية من هذا بل بالأحرى وضع نهاية للموت[157]].

يقول الأب بطرس خريسولوجوس:

[ليتنا نسمع ما جاء بعد ذلك: "كما كان الترابى هكذا الترابيون، وكما هو السماوى، هكذا يكون السمائيون". كيف يمكن للذين لم يولدوا هكذا كسمائيين أن يوجدوا سمائيين؟ ليس ببقائهم على ما وُلدوا عليه بل بالاستمرار فى أن يكونوا حسب الولادة الجديدة.

أيها الإخوة هذا هو السبب أن الروح السماوى بأمر سرّى لنوره أعطى خصوبة لرحم الأم العذراء. لقد أراد أن يلد أولئك الذين لهم أصل من كم ترابى موروث فجاءوا كبشر أرضيين فى حالة يُرثى لها ليصيروا ككائنات سماوية. أراد أن يحضرهم إلى شبه خالقهم. هكذا ليتنا نحن الذين بالفعل قد وُلدنا ثانية وتشكلنا على صورة خالقنا نحقق ما أمر به الرسول. لذلك وإن كنا قد حملنا شبه الأرضى، فلنحمل شبه السماوى!

لنثق بأن كل هذا كان ضرورة وهو أننا قد تشكلنا من الأرض، فلا نقدر أن نجلب ثماراً سماوية. نحن الذين وُلدنا من الشهوة لا نقدر أن نتجنب الشهوة، نحن الذين وثلدنا من إغراءات الجسد القوية لابد لنا أن نحمل ثقل إغراءاته. وإذ نتثقل بإغراءاته حسبنا هذا العالم بيتنا وصرنا أسرى لشروره. نحن نولد من جديد على شبه ربنا (كما أشرنا) الذى حبلت به البتول، فنحيا بالروح، ونحمل التواضع ويولد فينا الكمال، وتنتعش فينا البراءة، ونتعلم القداسة ونتمرن على الفضيلة، ويتبنانا الله أبناء له.

لنحمل صورة خالقنا فى إنتاج كامل. ليكن ذلك إعادة إنتاج ليس لذاك الجلال الذى هو فريد فى هذا، وإنما تلك البراءة والبساطة والوداعة والصبر والتواضع والرحمة والسلام الذى به قد عيّن لكى يصير واحداً معنا.

ليته تبطل احتكاكات الرذائل المزعجة، وتنهزم إغراءات الخطايا، وتُضبط العين مصدر الجرائم. ليت كل ضابط الأمور الزمنية يتبدد من حواسنا. ليت كل وهن الشهوات العالمية تُطرد من أذهاننا.

لنقبل فقر المسيح الذى يخزن لنا غنى أبدياً فى السماء. لنحفظ بالكامل قداسة النفس والجسد، لكى نحمل صورة خالقنا ونعتز بها فينا، لا خلال حجمها بل طريقة عملها.

يؤكد الرسول ما قلناه بكلماته: "الآن أقول يا إخوة أن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله". انظر كيف يكرز بقيامة الجسد! هناك الروح تملك الجسد، لا الجسد يملك الروح، كما توضح الكلمات التالية: "ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1 كو 15: 50).

ها أنتم ترون أنه ليس الجسد هو الذى يهلك، بل عنصر الفساد، ليس الإنسان، بل أخطاؤه، ليس الشخص بل خطاياه، حتى أن الإنسان الذى يعيش فى الله وأقامه، هو وحده يفرح عند بلوغه الخلاص من خطاياه[158]].


[155] In Genesis, hom 9. m.

[156] Maximus of Turin: Sermon, 2: 50.

[157] On 1 cor. , hom 2: 42.

[158] Fr. Peter Chrysologus: Selected Sermons (Frs. Of the Church) , 117.

إلى من ننتمى: إلى الإنسان الترابى أم الرب السماوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

إلى من ننتمى: إلى الإنسان الترابى أم الرب السماوى؟

جهادنا فى الرب أن نلتصق به ونتحد معه كى يقيم ملكوته فينا ويقود الروح القدس حياتنا. بهذا نتمتع بعربون السماء، ونتهيأ أن نُنسب لآدم الثانى السماوى، ولا يكون للتراب موضعاً فينا. يقول الرسول: "الإنسان الأول من الأرض ترابى، الإنسان الثانى الرب من السماء" (1 كو 15: 47). "ترابى" لا تعنى أنه مجرد يسلك على الأرض التى هى تراب بل يحمل طبيعة ترابية زائلة.

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [الفارق الأول كان بين الحياة الحاضرة والحياة العتيدة، أما هذا الاختلاف فهو بين الحياة قبل إعلان النعمة وتلك التى بعد إعلان النعمة[152]

ويقول القديس أغسطينوس: [الرب السماوى صار أرضياً لكى يجعل الأرضيين سمائيين. الخالد صار قابلاً للموت، بأخذه شكل عبد، وليس بتغيير طبيعة الرب، لكى يجعل المائتين خالدين بتمتعهم بنعمة الرب وعدم انشغالهم بمعصية العبد[153]].

كما يقول القديس هيلارى أسقف بواتييه: [الإنسان الأول جاء من الأرض، والثانى من السماء. بقوله: "الإنسان" يعلمنا عن ميلاد هذا الإنسان من العذراء، التى بتحقيق عملها الكامل عملت بما يتفق مع طبيعة جنسها فى الحبل بالإنسان وميلاده. وعندما يؤكد أن الإنسان الثانى من السماء يشهد أن أصله من ظهور الروح القدس الذى حلّ على العذراء. هكذا يوضح بدقة بينما كان هو إنساناً كان أيضاً سماوياً. فإن ميلاد هذا الرجل كان من العذراء، الحبل كان من الروح[154]].


[152] On 1 cor. , hom1: 42ز.

[153] Letter to Consentius, 205,.

[154] Trinity, 10.

هل الجسد الحيوانى هو الأول أم الجسد الروحانى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل الجسد الحيوانى هو الأول أم الجسد الروحانى؟

يقول الرسول: "لكن ليس الروحانى أولاً، بل الحيوانى، وبعد ذلك الروحانى" (1 كو 15: 46). الحيوانى أو الطبيعى أولاً إذ هو الجسد الذى خُلق عليه آدم ليعيش على الأرض، أما "الروحانى" فهو ذات الجسد بعد أن يتمجد لتلتحف به النفس فى القيامة ويعيش فى السماء ككائن أشبه بالروح. يقول القديس أغسطينوس: [من الأبوين الأولين للجنس البشرى كان قايين هو البكر وكان منتسباً لمدينة البشر، بعد أن وُلد هابيل الذى انتسب لمدينة الله. فإنه كما بالنسبة للفرد تُميز الحق فى عبارة الرسول: "ليس الروحى أولاً بل الطبيعى وبعد ذلك الروحانى"، هكذا كل إنسان ينسحب من المجموعة يولد اولاً من آدم شريراً وجسمانياً، وبعد ذلك يصير صالحاً وروحانياً، عندما يُطعم فى المسيح بالتحديد، هكذا كان الأمر بالنسبة للجنس البشرى كله[149]].

كما يقول: [يُفهم الجسم الروحانى كجسم يخضع للروح ليناسب سكناها السماوية، كل ضعف أرضى وفساد وتغير يتحول إلى طهارة سماوية واستقرار[150]].

ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [فى خطة الله سيعبر ما هو أقل ونتوقع بالأكثر ما هو أفضل. هذا هو السبب لماذا يقول بولس أن الأمور الأقل قد عبرت والأمور الأفضل فى الطريق (2 كو 5: 17)... فإن الفلاح وهو يرى البذور تنحل لا يحزن[151]].


[149] City of God 1: 15.

[150] Faith and The Creed 13: 6.

[151] On 1 cor. , hom 6: 41.

هل الجسم الذى سيقوم غير الجسم الذى لنا الآن فى هذا العالم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل الجسم الذى سيقوم غير الجسم الذى لنا الآن فى هذا العالم؟

يقول العلامة أوريجينوس: [بالنسبة لطبيعتنا الجسدية يليق بنا أن نفهم أنه لا يوجد جسم نعرفه فى انحطاط وفساد وضعف، وآخر مختلف عنه سنستخدمه فيما بعد فى عدم فساد وقوة ومجد. بل بالأحرى ذات الجسم يُنزع عنه ضعف وجوده الحالى، ويتحول إلى شئ من المجد ويصير روحانياً، فتكون النتيجة أنه ما كان إناء للهواء هو بعينه يتطهر ويصير إناء للكرامة ومسكن الطوباوية (رو 9: 21) [148]].


[148] De Principiis 6: 3: 3.