كيف حافظت الكنيسة على استقامة الإيمان عبر العصور؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف حافظت الكنيسة على استقامة الإيمان عبر العصور؟

كثيراً ما اشتقت أن أقدم الكاتيشيزم Catechism القبطى الأرثوذكسى للكشف عن المفاهيم المسيحية فى شيء من الاختصار، خاصة وأن كنيستنا لظروف كنسية وسياسية صارت منذ القرن الخامس الميلادى فى عزلة عن كنائس الغرب، وبقيت إلى حد كبير هكذا، حتى القرن العشرين حيث اتهمها الكثيرون فى الغرب بالأوطاخية، ولم يكن لدى الكنيسة القبطية الفرصة للكشف عن تعاليمها خلال كتابات آبائها وليتورجياتها. وبالرغم من شركتها فى كثير من المؤتمرات اللاهوتية الدولية فى السنوات الأخيرة وتأكيدها أنها تقاوم الأوطاخية كسائر الكتابات، لازالت حتى بعض القواميس تنسب لها هذه الهرطقة التى هى بريئة منها تماماً، بل وتقاومها بشدة خلال ليتورجياتها وتسابيحها.

فى الحوار خاصة مع الكنائس الأرثوذكسية الخلقيدونية فوجئ اللاهوتيون بليتورجياتنا وتسابيحنا التى نتمتع بها حتى اليوم ليس فيها أية لمسة أوطاخية، بل تقاومها بطريقة إيجابية وبأسلوب مسيحى رائع، خاصة في الثيؤتوكيات اليومية والتى يُسبح بها فى الأعياد. يرى بعض اللاهوتيين أنها تتناغم مع فكر القديس كيرلس، إن لم يكن هو واضعها.

سألنى أحد اللاهوتيين اليونايين هل نحن نستخدم تعبير ثيؤتوكوس عن القديسة مريم، ودُهش عندما عرف أنها اللقب المحبوب فى كتابات الأقباط عبر كل العصور.

ما هى غاية الكاتيشيزم (التعليم بالأسئلة والأجوبة)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى غاية الكاتيشيزم (التعليم بالأسئلة والأجوبة)؟

أولاً: تقديم معرفة إيمانية غايتها التعرف على الله وعمله الخلاصي. وقد ميّز القديس إكليمنضس السكندري (من القرن الثانى) بين المعرفة لدى الغنوصيين الذين نادوا بأن الإنسان قادر بالمعرفة العقلانية البحتة أن يخلص، وبين المعرفة التى تقوم على تقديس العقل بالنعمة الإلهية، والتفاعل مع الإيمان للتعرف على الله والارتباط بحبه، وطلب عمل نعمته فى حياتنا. وكما يقول يهوذا الرسول: "أن تجتهدوا لأجل الإيمان المُسلّم مرة للقديسين" (يه3)، والرسول بطرس: "نائلين غاية إيمانكم خلاص النفوس" (1بط1: 9). يدعونا بولس الرسول للإيمان، قائلاً: "ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه" (عب11: 6).

إذ نؤمن به ونسلمه كل حياتنا في المسيح يسوع، نختفي فيه (كو3: 3)، ونهرب من الفساد الذى فى العالم بالشهوة (2بط1: 4). يقول الرسول: "تمموا خلاصكم بخوفٍ ورعدةٍ، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل مسرته" (فى2: 12). بهذا نتمتع بالحياة المقدسة، أى بالإيمان العامل بالمحبة (غل5: 6).

ثانياً: لا يقوم الكاتيشيزم على بنود تحفظ بطريقة جافة، أو تقوم على مناقشات ليس فيها روح الحب. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم بأن ثمار أوقية من الحب أفضل من ثمار طنٍ من المناقشات. لذا أرجو أن يكون خط هذا العمل هو بث روح الحب والدعوة للعمل فى حياة كل المؤمنين فى العالم من الطفل الصغير حتى الكهل بروح الفرح مع التواضع. وكما يقول ابن سيراخ إن المؤمن لا يتوقف عن العمل حتى النسمة الأخيرة من حياته. "اثبت على عهدك، واهتمّ به، وأبلغ الشيخوخة فى عملك" (سى11: 18).

ثالثا: أرجو من الشباب خاصة فى أرض المهجر إعادة كتابة هذا العمل بأسلوب يناسب كل الأعمار، طالبين عمل روح الله القدوس فيهم وفينا.

رابعاً: أرجو أن يفتح هذا العمل مجالاً لوضع برامج التربية الكنسية للاستفادة العامة لكل أفراد الكنيسة.

خامساً: إبراز غنى الحياة الكنسية وإمكانياتها فى المسيح يسوع والتطلع إلى المستقبل بروح الرجاء ما دمنا تحت قيادة روح الله القدوس، وربط التعليم بروح الأبوة أو الأخوة التى يختبرها الجميع بلقائهم مع الله محب البشر.

سادساً: التمتع بالروح النارى الذى لا يعرف الركود أو الخمول بل الانطلاق من مجدٍ إلى مجدٍ (2كو3: 18)، مع التجديد المستمر والنمو فى المعرفة الحقيقية.

سابعاً: بث روح الكرازة والشهادة لعلم الثالوث القدوس فى كل مؤمن، أياً كان عمره أو ثقافته، وذلك بروح الحكمة والتمييز.

ثامناً: تأكيد أن التعليم والعبادة والكرازة والخدمة بكل أشكالها تمثل أوتاراً متباينة لتُصدر سيمفونية حب يُسرّ الله بها وتُبهج السمائيين والقديسين الذين رحلوا من هذا العالم مع عضويتهم فى كنيسة المسيح الواحدة.

تاسعاً: إدراك أن الالتزام بالتقليد (التسليم) لا يعني الجمود والسقوط تحت عبودية الحرف بلا روح.

عاشراً: التلامس مع عمل الثالوث القدوس فى كل حياتنا، وإدراك الحضور الإلهى حتى فى أحلامنا التى تبدو أنها بغير إرادتنا.

ماذا تعني كلمة كاتيشيزم Catechism؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ1 – مقدمات في الكاتيشيزم القبطي – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا تعني كلمة كاتيشيزم Catechism؟

كلمة كاتيشيزم يونانية معناها تعليم ديني مختصر يُقدم إماَ شفهياً أو كتابة مبادئ وأساسيات التعليم والقيم المسيحية غالباً عن طريق الأسئلة والأجوبة[1]1. استخدمت هذه الكلمة باللغة اليونانية منذ العصر الرسولى (لو1: 4؛ أع28: 35). قدم آباء الكنيسة الأولى مقالات أو محضرات للموعوظين Catechetical Lectures، من بينهم القديسين كيرلس الأورشليمي وغريغوريوس أسقف نيصص.


[1] 1 – Cf. https://www.merriam-webster,com/dictionary/catechism.

لماذا نقرأ هذه النبوات والوقت لا يزال متسعاً وبعيداً؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا نقرأ هذه النبوات والوقت لا يزال متسعاً وبعيداً؟

يجيب: "ها أنا آتى سريعاً. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب". إنه يحذرنا ألا نفسد الوقت فى التشكك، إنما بإيمان نقبل النبوة ونحفظ أقوالها أى وصاياها، ونسهر منتظرين مجيئه لهذا نصلى قائلين فى تسبحة نصف الليل – الخدمة الأولى: [ها هوذا العريس يأتى فى نصف الليل. طوبى للعبد الذى يجده مستيقظاً. أما الذى يجده متغافلاً فإنه غير مستحق المُضى معه. فانظرى يا نفسى لئلا تثقلى نوماً، فتلقى خارج الملكوت بل اسهرى واصرخى، قائلة: قدوس، قدوس، قدوس... اسهرى متضرعة لكى تلتقى بالمسيح الرب بدهن دسم، وينعم لك بعرس مجده الإلهى الحقيقى].

ما هو النهر الصافى الخارج من عرش الله وشجرة الحياة (رؤ 22: 7)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو النهر الصافى الخارج من عرش الله وشجرة الحياة (رؤ 22: 7)؟

يقول الرائى: "وأرانى نهراً صافياً من ماء حياة، لامعاً كبلّور، خارجاً من عرش الله والخروف. فى وسط سوقها (ساحتها) وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتى عشرة ثمرة، وتعطى كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم. ولا تكون لعنة فيما بعد" (رؤ 22: 1 - 3).

يقول العلامة ترتليان إنه لا يمكننا تفسير هذا النص تفسيراً حرفياً. ففى الحياة الأبدية لا توجد أنهار ولا ساحات ولا أشجار. وتظره رمزية هذه الأوصاف فى حديثه عن شجرة الحياة أنها قائمة وسط ساحة المدينة، وفى نفس الوقت هى بذاتها قائمة على شاطئ النهر من الجانبين. فكيف يكون هذا لو كان ذلك بتفسير حرفى؟

أولاً: نهر الحياة: يرى العلامة ترتليان أن النهر هو شخص السيد المسيح الذى يروى كل نفس. وهو بنفسه الحمل الذى فدانا. وهو أيضاً شجرة الحياة الذى يشبع أولاده. إنه كل شئ بالنسبة للمخلصين. ويرى القديس أمبروسيوس[205] أنه الروح القدس الذى لا يشرب منه إلاَ الذى يؤمن بالسيد المسيح، القائل: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى". قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه (يو 7: 37 - 39). هذا هو روح الآب والابن منبثق من الآب مستقر فى الابن، أرسله الابن من عند الآب ليبكتنا ويقدسنا ويقودنا حتى نبلغ العرس السماوى. هذا هو النهر الخالد الذى روى ويروى العروس.

وهو أيضاً يشير إلى فيض نعم الله المبهجة فى الأبديةن والتى هى فى حقيقتها ليست شيئاً خارجاً عنه بل يعطينا ذاته ننعم به ونبتهج. وكما يقول المرتل: "نهر سواقيه تُفرح مدينة الله مقدس مساكن العلى. الله فى وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 4 - 5).

يشير أيضاً إلى السلام الذى تنعم به أورشليم السماوية، إذ قيل: "هأنذا أدير عليها سلاماً كنهر... كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا، وفى أورشليم تعزون، فترون وتفرح قلوبكم" (إش 66: 12 - 14).

ثانياً: شجرة الحياة. يرى طيخون الأفريقى أن شجرة الحياة تشير إلى الصليب المقدس الذى إليه امتدت أيدينا لتقتطف كل ثمر شهى. كثيرون مثل مار أفرآم السريانى[206] يلقبون الصليب بشجرة الحياة. فبالصليب أمات الرب الموت، وفتح لنا الفردوس، وأعطانا جسده ودمه المبذولين عنا، وجعلنا أبناء بركة ووارثين للحياة الأبدية. بالصليب يتمم الروح القدس الأسرار المقدسة على أيدى الكهنة فى الكنيسة، هذه الأسرار التى هى غذاء الكنيسة. والصليب كما نعلم امتد عمله ليقطف رجال العهد الجديد من كل يوم ثماراً. ونبقى فى الأبدية نتأمل جراحات الحمل القائم كأنه مذبوح فنجد فيها شبعاً. لهذا نجد الإثمار شهرى ومستمر، إثمار جديد بالنسبة لنا نأكل منه فنشبع وفى نفس الوقت يلتهب القلب شوقاً إليه، فنعود لنأكل منه لنجد فيه ثماراً جديدة بالنسبة لنا فنأكل ونشبع، ويصاحب الشبع زيادة فى الجوع إليه. وهكذا كما يقول ابن سيراخ إن من يأكل منه يعود إليه جائعاً، ومن يشرب منه يعود إليه ظمآناً (سى 24: 21).

بهذا نقف دوماً أمام الشجرة فى دهشة وعجب بلا ملل! أما إثمارها اثنتى عشرة، فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، وكأن الثمر مخصص لهم، كل ابن يجد فيه احتياجه وشبعه.

لقد أسهب الآباء الأولون مثل القديسين باسيليوس الكبير وأغسطينوس[207] والآب يوحنا الدمشقى فى حالة الازدهار التى تكون عليها الأبدية، وحالة الشبع التى يكون فيها الإنسان. وقد أدرك النبى ذلك فقال: "أنا أؤمن أنى أعاين خيرات الرب فى أرض الأحياء" (مز 27: 13).

ثالثاً: سعادة دائمة. "ولا تكون لعنة فيما بعد"... لقد تسلمنا خبرة مرة من أبينا آدم الذى تنعم بفردوس أرضى ولكن إلى حين، إذ خرج مطروداً يئن من ثقل اللعنة التى يحملها على كتفيه بعصيانه، أما فى الأبدية فلا يكون للخطية العصيان موضع، بل الكل يخدمون الله فى طاعة كاملة، إذ يقول: "وعرش الله والخروف يكون فيها، وعبيده يخدمونه" (رؤ 22: 3).

يخدمونه فى حب ويتوقون إلى رؤيته، ويفتخرون باسمهن إذ أنهم "سينظرون وجهه واسمه على جباهم" (رؤ 22: 4).

رابعاً: نور دائم. "ولا يكون ليل هناك، ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم، وهم سيملكون إلى الأبد" (رؤ 22: 5). ما أكثر العبادة التى جاء بها سفر الرؤيا المنير ليعلن لنا سرّ استضاءة أبناء الملكوت، ألا وهو وجود الله "شمس البر" حولهم وفوقهم ومحيطاص بهم.

لقد اختبر الآباء نور الله المشرق عليهم وهم بعد هنا فى الجسد الترابى[208]:

يقول الشيخ الروحانى: [مصباحاً واحداً أنظر، وبنوره أستضئ، والآن أنا فى ذهول؟ أبتهج روحياً، إذ فى داخلى ينبوع الحياة، ذاك الذى هو غاية العالم غير المحسوس! ٍ].

ويقول القديس أغسطينوس: [إلهى... أنت نورى، افتح عيناى فتعاينا بهاءك الإلهى، لأستطيع أن أسيرفى طريقى بغير تعثر فى فخاخ العدو! وما هو النور إلا أنت يا إلهى! أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يضئ لأولادك حتى لا يتعثروا! أما الذين هما خارجاً عنك، فيسلكون فى الظلام ويعيشون فيه! إذن، لنلتصق بك يا من أنت هو نور العالم! ما جاجتنا أن نجرب كل يوم الابتعاد عنك؟ 1 لأن كل من يبتعد عنك أيها النور الحقيقى يتوغل فى ظلام الخطية، وإذ تحيط به الظلمة لا يقدر أن يميز الفخاخ المنصوبة له على طول الطريق!].

أخيراً اختتم وصفه للمجد الأبدى بالقول: "ثم قال لى هذه الأقوال أمينة وصادقة، والرب إله الأنبياء القديسين أرسل ملاكه، ليُرى عبيده ما ينبغى أن يكون سريعاً. ها أنا آتى سريعاً. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب" (رؤ 22: 6 - 7). إنها أقوال صادقة يلزمنا ان نهتم بها، لأن مرسلها هو إله الأنبياء الذى سبق فأنبأنا بأمور كثيرة خاصة بخلاصنا وتحققت نبواتها، والآن ينبئنا بإرسال ملاكه ليُرى عبيده ما سيكون سريعاً.


[205] The Holy Spirit 21: 3.

[206] - ميامر الميلاد لمار أفرآم السريانى.

[207] - راجع فى ذلك "التأملات" للقديس أغسطينوس فصل 26.

[208] - راجع للمؤلف: الحب الإلهى... الله نور النفس ص 63 - 78.

ما هى مقاييس مدينة الله أورشليم السماوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى مقاييس مدينة الله أورشليم السماوية؟

قيل: "والذى كان يتكلم معى كان معه قصبة من ذهب، لكى يقيس بها المدينة وأبوابها وسورها" (رؤ 21: 15). أبناء الملكوت معروفون ومقاسون من قبل الله ومحفوظون لديه. أما وحدة القياس فهى قصبة من ذهب أى سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تُقاس إلا بما هو روحى سماوى.

"والمدينة كانت موضوعة مريعة، طولها بقدر العرض، فقاس المدينة بالقصبة مسافة اثنى عشر ألف غلوة. الطول والعرض والارتفاع متساوية" (رؤ 21: 16). هى مربعة لها أربعة زوايا متساوية، إشارة إلى أن حاملها الأناجيل الأربعة التى ترتفع بالمؤمنين تجاه السماويات وتهيئهم ليكونوا عروساً سماوية بقوة الكلمة. أ ما قياسها 12000 غلوة فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، 1000 يشير إلى السماء، أى تتسع لكل أبناء الملكوت السمائيين.

"وقاس سورها: مئة وأربعة وأربعين ذراع إنسان أى الملاك" (رؤ 21: 17). يشير رقم 144 إلى الكنيسة الجامعة التى تضم مؤمنى العهدين (كنيسة العهد القديم12× كنيسة العهد الجديد12)، وهى مسورة بسور واحد تنعم بالإله الواحد. أما الذى قاس السور فهو ملاك وليس إنساناً أرضياً حتى لا نتخيل فى السماء ماديات وأرضيات.

16. ما هى مبانى مدينة الله أورشليم السماوية؟

أولاً: سور المدينة. "وكان بناء سورها من يشب، والمدينة ذهب نقى شبه زجاج نقى" (رؤ 21: 18). فهى مسورة بالله ذاته حافظها، وهى من ذهب نقى شبه زجاج نقى أى سماوية طاهرة.

يبحث العالم عن الذهب ويستخرجه من مناجم الذهب التى كان كثيرون يموتون أثناء العمل فيها، أما الذهب فغالباً ما يستخدم للزينة والبهرجة سواء خلال الحلىّ الذهبية أو التماثيل الذهبية وغيرها، وهى ليست ضرورية فى حياة البشر، بل بسببها قُتل البعض. أما الذهب فى الكتاب المقدس فكثيراً ما يشير إلى المجد السماوى، حيث يعيش المؤمن فى المجد، فيصير الجسد بكامله ممجداً والنفس ممجدة، بل والسمائيون يمجدون الله لأنه أقام منا نحن الترابيين كائنات تمجد الله.

اساسات الكنيسة عليها أسماء الرسل والأنبياء، غايتها أن نسلك بالفكر الرسولى الإنجيلى. نسلك فى الحياة سالكين بروح الإنجيل واهب الفرح الداخلى، والتحرر من محبة الماديات والخلاص من كل خطية وشهوة رديئة!

"وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم. الأساس الأول يشب. الثانى ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض. الرابع زمرد ذبابى. الخامس جزع عقيقى. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقى. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادى عشر اسمانجونى. الثانى عشر جمشت" (رؤ 21: 19 - 20).

أ. تشير هذه الحجارة الكريمة إلى رسل المسيح، إذ هى كنيسة رسولية، كما يقول الكتاب: "مبنيين على أساس الرسل والأنباء والمسيح نفسه حجر الزاوية" (أف 2: 20).

ب. تشير الحجارة الكريمة أيضاً إلى الفضائل الإلهية التى يهبنا الله إياها لأجل زينتنا. فالأساس الذى نُبنى عليه فى الأبدية هو الفضائل الإلهية التى يهبنا عربونها فى هذه الحياة خلال جهادنا. وهناك تتلألأ فينا فى مجد سماوى. لهذا يُعزى الرب الكنيسة المجاهدة قائلاً لها: "أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية، هأنذا أبنى بالإثمد حجارتك، وبالياقوت الأزرق أؤسسك، وأجعل شرفك ياقوتاً، وأبوابك حجارة بهرمانية وكل تخومك حجارة كريمة... هذا هو ميراث عبيد الرب وبرّهم من عندى، يقول الرب" (إش 54: 11 - 17).

ج. إذ يشير رقم 12 إلى أبناء الملكوت، كأن كل ابن للملكوت يتزين بزينة إلهية مختلفة عن أخيه، لكنها ثمينة وجميلة. وهكذا تكمل الكنيسة بعضها البعض فى وحدة بالغة.

ثانياً: الأبواب. "والاثنا عشر باباً اثنتا عشرة لؤلؤة، كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة". الرب يسوع هو "اللؤلؤة" الكثيرة الثمن من أجلها يبيع الإنسان كل ماله ليقتنيها (مت 13: 46). فأبناء الملكوت جميعهم الداخلون من الأبواب باعوا العالم واشتروا اللؤلؤة. ومن ناحية أخرى نجد أنه من كل جانب يظهر ثلاثة أبواب أى الثالوث القدوس. كأن الثالوث القدوس من كل جانب يبهج نظر الشعوب لتبيع ما تملكه وتقتنى الأبدية، فتدخل إلى الميراث المُعد لها. ويرى البعض أن الاثنى عشر باباً أيضاً تشير إلى الاثنى عشر هؤلاء الذين جعلهم الباب الفريد، أى الرب يسوع أبواباً، عن طريق كرازتهم تدخل الشعوب إلى الإيمان به.

ثالثاً: السوق (أو الساحة). "وسوق المدينة ذهب نقى كزجاج شفاف" (رؤ 21: 21). يشير سوق المدينة إلى صنف ما من الأبرار. على أى الأمور كل المدينة ذهب نقى، أى سماوية ليس فيها أمر أرضى، وزجاج شفاف أى ليس فيها دنس أو تعقيد بل بساطة ونقاوة قلب.

رابعاً: الهيكل. "ولم أر فيها هيكلا، لأن الرب الله القادر على كل شئ هو والخروف هيكلها" (رؤ 21: 22).

أ. طالب الله الشعب القديم أن يقيموا خيمة اجتماع، يجتمع فيها الله مع الناس خلال الرموز والظلال. ثم عاد فطلب بناء هيكل يحمل معنى وجود الله وسط البشر.

ب. وإذ انحرف اليهود ورفضوا الرب، خرب الهيكل بعدما قدم لنا الرب جسده هيكلاً جديداً (يو 2: 19)، وإذ صرنا نحن من لحمه وعظامه (أف 5: 30)، صرنا به هيكلاً مقدساً (1 كو 3: 16 - 17)، وأصبحنا بناء الله (1 كو 3: 9).

ج. وفى نفس الوق سلّمنا الذبيحة غير الدمويّة فى خميس العهد، وطالبنا أن تُقدم فى هيكل العهد الجديد، عربون الهيكل الأبدى.

د. أما فى الأبدية فلم يرّ الرسول هيكلاً، لا لأنه غير موجود، بل لأن "الرب الله القادر على كل شئ هو الخروف هيكلها". إنه هيكل هذا اتساعه وهذه إمكانياته، هيكل لا نهائى سرمدى!

خامساً: الإنارة. "والمدينة لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر ليضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها" (رؤ 21: 23). انعدمت وسائل الإضاءة المادية إذ صار لنا الرب شمساً وسراجاً.

سادساً: مجدها. "وتمشى شعوب المخلصين بنورها، وملوك الأرض يجيئون بمجدهم وكرامتهم إليها. وأبوابها لن تغلق نهاراً، لأن ليلاً لا يكون هناك. ويجيئون بمجد الأمم وكرامتهم إليها. ولن يدخلها شئ دنس، ولا ما يصنع رجساً وكذباً، إلا المكتوبين فى سفر حياة الخروف" (رؤ 21: 24 - 27)]. على ضيائها وبنورها يسير كثيرون تجاهها، إذ يقول الرب: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب فى ملكوت السماوات" (مت 8: 11). يأتون بمجدهم وكرامتهم، أى نازعين كل مجد أرضى وكرامة زمنية من أجلها. يأتون بإرادتهم وليس قسراً أو إلزاماً، فالأبواب مفتوحة للكل والدعوة للجميع، إذ يريد الله أن الكل يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.

يأتون ليجدونا أبوابها لن تغلق، إذ تستقبل الكل بلا محاباة بين غنى أو فقير، بعد أو حر. يأتون نهاراً، لأنه لا يدخلها فى الظلمة ولا يتسلل إليها من يصنع دنساً أو رجساً أو كذباً.

ماذا يعنى بالكنيسة جامعة رسولية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى بالكنيسة جامعة رسولية؟

"وكان لها سور عظيم وعال" (رؤ 21: 12). من هو هذا السور؟ يقول المرتل "لأنك أنت إله حصنى" (مز 43: 2). الله هو حصن الكنيسة السماوية وملجأها وملجأها، فى ستره نسكن، وفى ظله نبيت (مز91). هذا السور يجمع شمل الكنيسية الجامعة فى وحدة كاملة لا يدخلها عدو، أى إبليس وأعماله لكى يقسمها أو يفرق أعضاءها. وكما يقول القديس أغسطينوس: [طوبى للذى يسكن فى المدينة التى لا يخرج منها صدّيق ولا يقتحمها عدو!] هذه الكنيسة أو المدينة جامعة، يجمع سورها شمل الكنيسة كلها. كنيسة العهد القديم مع كنيسة العهد الجديد، وهى رسولية، يُنقش على أساس سورها أسماء رسل المسيح، إذ يقول: "وكان لها إثنا عشر باباً وعلى الأبواب اثنا عشر ملاكاً، وأسماء مكتوبة هى أسماء أسباط بنى إسرائيل الاثنى عشر. ومن الشرق ثلاثة أبواب، ومن الغرب ثلاثة أبواب، ومن الشمال ثلاثة أبواب، ومن الجنوب ثلاثة أبواب. وسور المدينة كان له اثنا عشر أساساً، وعليها أسماء رسل الخروف الاثنى عشر" (رؤ 21: 12 - 14). لقد جمعت أسماء الأسباط الاثنى عشر، أى رجال العهد القديم وأسماء رسل المسيح، أى رجال العهد الجديد، لأنها كنيسة واحدة، أما اليهود المنشقون عنها برفضهم الإيمان، فلم يعد لهم مكان إذ انتزاع عنهم نسبهم الروحى للأسباط وصاروا غير مؤمنين. وتشير الأبواب الاثنا عشر إلى افتتاح الأبواب من كل جانب لكل أبناء الملكوت[204]. أما توزيع الأبواب فى كل الجهات فذلك لكيلا يضل أحد من الراغبين فى الميراث الأبدى عن البلوغ إلى داخله.


[204] - إذ رأينا فى أكثر من موضع أن رقم 12 يشير إلى ملكوت الله.

ماذا يعنى بالكنيسة المقدسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى بالكنيسة المقدسة؟

"ثم جاء إلىّ واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبعة الجامات المملوءة من السبع الضربات الأخيرة، وتكلم معى قائلاً: هلم فأريك العروس امرأة الخروف" (رؤ 21: 9). اختار الرب أن يرسل ملاكاً من الذين معهم السبعة الجامات ليرى الرسول "العروس امرأة الخروف المقدسة"، وذلك ليُظهر لنا حب هؤلاء الملائكة لنا وحنانهم تجاه البشر، فمع كونهم يسكبون الجامات لكنهم يتوقون إلى رؤية البشر فى حالة تقديس كامل، ليسي فقط هكذا بل ويريدون أن يعلنوا ذلك لكل أحدٍ. ستكون الكنيسة فى قداستها موضوع إعجاب الملائكة، فيترنمون مع المرتل، قائلين: "جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير..." ويناجيها العريس نفسه، إذ يرى فيها جمالاً فائقاً، فيقول: "ها أنت جميلة يا حبيبتى..." (نش 1: 15). هذا الجمال السماوى الذى هو القداسة المنعكسة عليها من الله. أما سر قداستها فهو:

أ. "علوها وسموّها": "وهذب بى الروح إلى جبل عظيم عالٍ، وأرانى المدينة العظيمة أورشليم المقدسة" (رؤ 21: 10). إنها مرتفعة جداً، سماوية، لا يقدر أن يقترب إليها إبليس أو جنوده، لأنهم مُلقون فى البحيرة المتقدة.

ب. "نازلة من عند الله" (رؤ 21: 10). سرّ قداستها إنها مرتفعة كما رأينا، وإنها "نازلة من السماء من عند الله". ففى علوّها لا يقدر أحد أن يصعد إليها، وبنزولها من السماء يعلن أن الله يُصعدنا إليه. يقول القديس أغسطينوس[202] إنه لا يستطيع أحد أن يصعد إلى شركة أورشليم السمائية ما لم يؤمن أن صعوده لا يتم بقوته الذاتية بل بعمل الله. وبنزولها أيضاً يعلن لنا أنه يجب علينا أن نختبر الحياة السماوية ونحن هنا على الأرض قبلما يأتى يوم الرب لنرتفع معه وبه. يقول القديس إكليمنضس الإسكندرى إننا نستعيض عن الأرض بالسماء، إذ بالأعمال الصالحة نصير آلهة[203]... وبسلوكنا فى السماويات نصير كمن هم فى السماء!

ج. "لها مجد الله شبه أكرم حجر كحجر يشب بلورى" (رؤ 21: 11). مجدها ليس من ذاتها، بل هو مجد الله المُشرق عليها. وهى كالبلّور تستقبل الأمجاد. فكما أنه "فى المنظر شبه حجر يشب" (رؤ 4: 3)، هكذا باتحادنا به وتقبلنا إشعاعات مجده نصير كحجر يشب بلورى. هو شمس البر يتلألأ جمالاً، ونحن كالبلور الذى يحيط به من كل جانب حتى تختفى فينا ملامح البلّور ولا يظهر إلا الإضاءات القوية من شمس البرّ علينا. إن كل واحدٍ منا كالبلّور يرى فى أخيه مجد الله، ويرى أخوة فيه مجد الله. هكذا يصير الله الكل فى الكل.


[202] - المذاهب 31.

[203] - أى ترتسم فينا صورة الله... لا أن نصير موضوع عبادة، بل يعكس الله إشراقاته علينا فنستنير بنوره.

ما هو حال هذه الكنيسة الواحدة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو حال هذه الكنيسة الواحدة؟

أ. "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم": وكما يقول العلامة ترتليان[200] إن الله يمسح كل دمعة سكبتها العيون قبلاً إذ ما كان لها أن تجف ما لم تمسحها الرأفات الإلهية. طوبى لأصحاب العيون الباكية، لأن الله بنفسه يمسحها ويطيّبها!

ب. "ولاموت لا يكون فيما بعد": وكما يقول النبى: "يبلغ الموت إلى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه" (إش 25: 8).

ج. "ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد، لأن الأمور الأولى قد مضت" (رؤ 21: 4). لقد مضى العالم القديم بما يحمله من نقص وقابلية للفناء، وصار كل ما فى الأبدية جديداً مفرحاً ومبهجاً للكل.

د. "وقال الجالس على العرش ها أنا أصنع كل شئ جديداً". فى العالم الآخر لا نجد ما تسأمه النفس، ولا ما تملّ منه، إذ ليس فيها شئ يعتق ويشيخ بل لحظة فلحظة – إن صح هذا التعبير – نجد كل شئ جديداً. إذ نحن ماثلون أمام الله الذى لا تشبع النفس من اشتهائه. وكما يقول القديس غريغوريوس النيسى: [أن رؤية الله بالضبط لا تشبع النفس من اشتهائه. وهذا يتم إلى الأبد والنفس ذاهبة من بدء إلى بدء ببداءات لا تنتهى[201]]. كلما تأمل الإنسان فى الله، يراه كأنه لأول مرة ينظره فهو جديد فى نظره، يزداد شوقاً إلى السجود له والنظر إليه، ويستمر هكذا بلا نهاية.

ولما كان هذا الأمر مجيداً حتى يستصعب الكثيرون نواله، أراد الرب أن يبعث فيهم الرجاء، فقيل للرسول: "وقال لى: اكتب، فإن هذه الأقوال صادقة وأمينة، ثم قال لى: قد تم" (رؤ 21: 5 - 6). إنها أمور حقيقية واقعية قد أتم الله تهيئتها للبشر، ولم يبق سوى أن ندخل ونرث. وكأنه يقول لعروسه: "الله بالحق قد أعد بيت الزوجية، وبقى أن تأتى يا صاحبة البيت".

أما مقدم الدعوة فيقول: "أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية". وقد سبق لنا شرح هذا القول. إنه يقول: إننى بلغة السماء أعلمكم التسبحة الجديدة، وأنا رأس الكل أتيت أخيراً لكى احتضن الجميع وأجمعهم.

إننى لا أبخل على أحد، بل أقدم ذاتى ينبوع ماء حياة مجانى لكل طالب، "أنا أعطى العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً" (رؤ 21: 6). يقدم نفسه لكل ظمآن يشعر بالحاجة إليه، القائل مع المرنم: "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله. عطشت نفسى إلى الله إلى الإله الحى، متى أجئ وأتراءى قدام الله، صارت لى دموعى خبزاً نهاراً وليلاً، إذ قيل لى كل يوم: أين إلهك؟" (مز 42: 1 - 3). لهذا ينادى الرب قائلاً: "إن عطش فليقبل إلى ويشرب" (يو 7: 37). وحتى لا يسئ أحد إلى هم مجانية الماء الحى، عاد ليؤكد لنا أن الميراث الأبدى لا يناله إلا المجاهدون المثابرون، لهذا يقول: "من يغلب يرث كل شئ وأكون له إلهاً وهو يكون لى ابناً" (رؤ 21: 7). إنه يعطى للغالبين... فماذا يأخذون؟ "يرث كل شئ!" إنه كأب رأى الأيام التى كان فيها ابنه قاصراً قد انتهت، وقد صار الآن ناضجاً، فيقدم له كل أمواله وممتلكاته ويسلمه كل شئونه وأسراره، وإن استطاع أن يقدم له كل قلبه. إنه يورَثه كل شئٍ وهو بعد حى! هذا ما يعنيه بقوله: "يرث كل شئ". لهذا يكمل قائلاً: "وأكون له إلهاًن وهو يكون لى ابناً". حقاً بالمعمودية صرنا أبناء، ولكننا ندرك كمال بنوتنا حين نتسلم الميراث الأبدى!

أما غير المجاهدين وغير المؤمنين فليس لهم نصيب معه، إذ يقول: "وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة فنصيبهم فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذى هو الموت الثانى" (رؤ 21: 8). لقد بدأ هذه القائمة المرة بالخائفين، أى الجبناء الذين ينكرون الإيمان خوفاً على حياتهم الزمنية، وهؤلاء أشر الفئات. ويليهم "غير المؤمنين" لأنه بدون إيمان لا يُمكن إرضاءه. ويليهم صانعو الشر أى "الرجسون والقاتلون..." أى المؤمنون اسماً لكن أعمالهم لا تتناسب مع الإيمان. وأخيراً يركز على الكذب، فيقول: "وجميع الكذبة"، ويقصد بالكذب الذين يستخدمون الغش والخداع فى معاملاتهم وأحاديثهم.


[200] Tertullian: On the Resurrection of the Flesh, 58.

[201] - مجلة النور عدد 8 لسنة 1968.

بماذا عبّر الرسول عن الصوت السماوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا عبّر الرسول عن الصوت السماوى؟

"وسمعت صوتاً عظيماً من السماء قائلاً: هوذا مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم، وهم يكونون له شعباً، والله نفسه يكون معهم إلهاً لهم" (رؤ 21: 3). لم تجد السماء اسماً لهذه المدينة الجديدة والأرض الجديدة والسماء الجديدة يليق بها سوى أن تدعوها "مسكن الله مع الناس". لم تقل "مسكن الناس مع الله" بل "مسكن الله مع الناس"، لأن اشتياق الناس للسكنى معه لا يُقاس ولا يُقارن باشتياق الله نفسه للسكنى معنا. يا لعظم محبة الله الفائقة! كأن الله ينتظر الأبدية ليستريح بالسكنى معنا، مع أننا نعلم أنه ليس محتاجاً إلى عبوديتنا، بل نحن المحتاجون إلى ربوبيته[198].

لهذا يبدأ بالقول "وهم يكونون له شعباً"، أى أنهم هم المحتاجون إليه، وهو يسكب حبه عليهم، إذ "الله نفسه يكون معهم إلهاً لهم". إنه إله كل البشر، وإله المؤمنين. لكن فى الأبدية ينعم أبناء الملكوت بمفاهيم أعمق وعذوبة أكثر فى ربوبية الله لهم.

وأخيراً يمكننا من خلال قراءتنا للأصحاحين 21 و22 من سفر الرؤيا أن نفهم ماذا تعنيه الكنيسة السماوية الواحدة وهو:

أ. إنها المسكن الأبدى الذى يقول عنه الرب: "أنا أمضى لأعد لكم مكاناً"، وقد قدمه لنا الرسول واصفاً لنا أبعاده ومواد بنائه فى أسلوب رمزى بسيط.

ب. إنها الوجود فى حضرة العريس السماوى واللقاء الدائم معه، إذ هى "مسكن الله مع الناس"، لهذا حدثنا عن شخص العريس وعمله مع شعبه.

ج. إنها جماعة المؤمنين الغالبين "الذين يُحسبون سماء"، ليس فى الحياة الأبدية فحسب، بل وهم على الأرض. إذ يقول أغسطينوس [الإنسان الروحانى فى الكنيسة هو السماء... الكنيسة هى السماء... والسماء هى الكنيسة[199]].


[198] - عن القداس الإغريغورى بتصرف.

[199] - أغسطينوس، الصلاة الربانية ص 17.